لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُمِيَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَمْيَةً ، فَقَطَعَتِ الْأَكْحَلَ مِنْ عَضُدِهِ ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ رَمَاهُ حِبَّانُ بْنُ قَيْسٍ ، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، ثُمَّ أَخُو بَنِي الْعَرِقَةِ ، وَيَقُولُ آخَرُونَ : رَمَاهُ أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِيُّ . فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : رَبِّ اشْفِنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ الْمَمَاتِ ، فَرَقَأَ الْكَلْمُ بَعْدَمَا قَدِ انْفَجَرَ . قَالَ : وَأَقَامَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ حَتَّى سَأَلُوهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَكَمًا يَنْزِلُونَ عَلَى حُكْمِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اخْتَارُوا مِنْ أَصْحَابِي مَنْ أَرَدْتُمْ ، فَلْنَسْتَمِعْ لِقَوْلِهِ ، فَاخْتَارُوا سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، فَرَضِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَلَّمُوا ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسْلِحَتِهِمْ ، فَجُعِلَتْ فِي بَيْتٍ ، وَأَمَرَ بِهِمْ فَكُتِّفُوا ، وَأُوثِقُوا ، فَجُعِلُوا فِي دَارِ أُسَامَةَ ابْنِ زَيْدٍ ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، فَأَقْبَلَ عَلَى حِمَارِ أَعْرَابِيٍّ ، يَزْعُمُونَ أَنَّ وَطْأَةَ بَرْذَعِهِ مِنْ لِيفٍ ، وَاتَّبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، فَجَعَلَ يَمْشِي مَعَهُ يُعَظِّمُ حَقَّ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَيَذْكُرُ حِلْفَهُمْ وَالَّذِي أَبْلَوْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ ، وَأَنَّهُمُ اخْتَارُوكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ رَجَاءَ عَطْفِكَ ، وَتَحَنُّنِكَ عَلَيْهِمْ ، فَاسْتَبْقِهِمْ ، فَإِنَّهُمْ لَكَ جَمَالٌ وَعَدَدٌ ، قَالَ : فَأَكْثَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَلَمْ يَحِرْ إِلَيْهِ سَعْدٌ شَيْئًا ، حَتَّى دَنَوْا ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : أَلَا تُرْجِعُ إِلَيَّ شَيْئًا ، فَقَالَ سَعْدٌ : وَاللَّهِ لَا أُبَالِي فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، فَفَارَقَهُ الرَّجُلُ ، فَأَتَى إِلَى قَوْمِهِ ، قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يَسْتَبْقِيَهُمْ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِالَّذِي كَلَّمَهُ بِهِ ، وَالَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ ، وَنَفَذَ سَعْدٌ ، حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا سَعْدُ ، احْكُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، فَقَالَ سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَحْكُمُ فِيهِمْ بِأَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ ، وَيُغْتَنَمَ سَبْيُهُمْ ، وَتُؤْخَذَ أَمْوَالُهُمْ ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَكَمَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ بِحُكْمِ اللَّهِ . وَيَزْعُمُ نَاسٌ أَنَّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ فِيهِمْ [وفي رواية : فَرَدُّوا الْحُكْمَ(١)] إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، [فَحَكَمَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ وَتُقَسَّمُ أَمْوَالُهُمْ(٢)] فَأُخْرِجُوا رَسْلًا رَسْلًا ، فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ ، وَأُخْرِجَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَخْزَاكَ اللَّهُ ؟ ، فَقَالَ : قَدْ ظَهَرْتَ عَلَيَّ ، وَمَا أَلُومُ نَفْسِي فِيكَ ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأُخْرِجَ إِلَى أَحْجَارِ الزَّيْتِ الَّتِي بِالسُّوقِ ، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ ، كُلُّ ذَلِكَ بِعَيْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ بَرِئَ كَلْمُ سَعْدٍ ، وَتَحَجَّرَ بِالْبُرْءِ ، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا فَقَالَ : اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ قَوْمٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ ، وَأَخْرَجُوهُ ، وَإِنِّي أَظُنُّ أَنْ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ قِتَالٌ ، فَابْقِنِي أُقَاتِلْهُمْ فِيكَ ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ، فَافْجُرْ هَذَا الْمَكَانَ ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِيهِ ، فَفَجَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَإِنَّهُ لَرَاقِدٌ بَيْنَ ظَهْرَيِ اللَّيْلِ ، فَمَا دَرَوْا بِهِ حَتَّى مَاتَ ، وَمَا رَقَأَ الْكَلْمُ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ [ قَالَ هِشَامٌ : قَالَ أَبِي : فَأُخْبِرْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ ]