أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَنْ مَا لَا يُتَوَضَّأُ بِفَضْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ
شرح معاني الآثار · #58 لَا يُتَوَضَّأُ بِفَضْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ ، فَقَالَ : الْخِنْزِيرُ وَالْكَلْبُ وَالْهِرُّ . وَقَدْ شَدَّ هَذَا الْقَوْلُ النَّظَرَ الصَّحِيحَ ، وَذَلِكَ أَنَّا رَأَيْنَا اللُّحْمَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : ( 1 ) فَمِنْهَا لَحْمٌ طَاهِرٌ مَأْكُولٌ ، وَهُوَ لَحْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، فَسُؤْرُ ذَلِكَ كُلُّهُ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاسَّ لَحْمًا طَاهِرًا . ( 2 ) وَمِنْهَا لَحْمٌ طَاهِرٌ غَيْرُ مَأْكُولٍ وَهُوَ لَحْمُ بَنِي آدَمَ وَسُؤْرُهُمْ طَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاسَّ لَحْمًا طَاهِرًا . ( 3 ) وَمِنْهَا لَحْمٌ حَرَامٌ ، وَهُوَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ ، فَسُؤْرُ ذَلِكَ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ مَاسَّ لَحْمًا حَرَامًا . فَكَانَ حُكْمُ مَا مَاسَّ هَذِهِ اللُّحْمَانَ الثَّلَاثَةَ كَمَا ذَكَرْنَا ، يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهَا فِي الطَّهَارَةِ وَالتَّحْرِيمِ . ( 4 ) وَمِنَ اللُّحْمَانِ أَيْضًا لَحْمٌ قَدْ نُهِيَ عَنْ أَكْلِهِ ، وَهُوَ لَحْمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ وَكُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ أَيْضًا . وَمِنْ ذَلِكَ السِّنَّوْرُ ، وَمَا أَشْبَهَهُ ، فَكَانَ ذَلِكَ مَنْهِيًّا عَنْهُ ، مَمْنُوعًا مِنْ أَكْلِ لَحْمِهِ بِالسُّنَّةِ . وَكَانَ فِي النَّظَرِ أَيْضًا سُؤْرُ ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ لَحْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَاسَّ لَحْمًا مَكْرُوهًا ، فَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ ، كَمَا صَارَ حُكْمُ مَا مَاسَّ اللُّحْمَانَ الثَّلَاثَ الْأُوَلَ حُكْمَهَا . فَثَبَتَ بِذَلِكَ كَرَاهَةُ سُؤْرِ السِّنَّوْرِ ، فَبِهَذَا نَأْخُذُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ .
شرح مشكل الآثار · #3046 أَنَّهُ سَأَلَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَنْ مَا لَا يُتَوَضَّأُ بِفَضْلِهِ مِنَ الدَّوَابِّ ، فَقَالَ : الْخِنْزِيرُ وَالْكَلْبُ وَالْهِرَّةُ . فَقَالَ قَائِلٌ : فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي قَدْ رَوَيْتَهُ : أَنَّ الْإِنَاءَ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِ الْهِرِّ فِيهِ كَمَا يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ فِيهِ ، أَفَيَجِبُ بِذَلِكَ أَنْ يُغْسَلَ مِنْهُمَا سَوَاءً لَا يُفَضَّلُ فِيمَا يُغْسَلُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا يُغْسَلُ عَلَيْهِ مِنَ الْآخَرِ مِنْهُمَا ؟ . فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ وَعَوْنِهِ : أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ الْإِنَاءَ مَغْسُولٌ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَسْلًا مُخْتَلِفَ الْعَدَدِ مِمَّا يُغْسَلُ مِنْهُ مِنَ الْآخَرِ ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ مَغْسُولٌ مِنْهُمَا ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ ، وَلُغَةُ الْعَرَبِ مِثْلُ هَذَا فِيهَا مَوْجُودٌ ، قَالَ اللهُ - جَلَّ وَعَزَّ - : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ، فَأَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ أُمَمٌ أَمْثَالُنَا ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ أَمْثَالُنَا فِي الْخِلْقَةِ الَّتِي نَتَبَايَنُ نَحْنُ وَهُمْ فِيهَا ، وَلَا أَنَّهُمْ مِثْلُنَا فِي أَنَّا مُتَعَبِّدُونَ بِمَا أَتَانَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا نَعْبُدُ ، بِأَنَّهُ مِمَّا لَمْ يَتَعَبَّدْهُمْ بِهِ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ ، يَعْنِي : مِثْلَ السَّمَاوَاتِ ، لَيْسَ يَعْنِي بِذَلِكَ فِيمَا خَلَقَهُنَّ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ عَلَى أَنَّ لَهُنَّ مِنَ الْعَدَدِ مِثْلَ مَا لِلسَّمَاوَاتِ مِنَ الْعَدَدِ ، فَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ : يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنَ الْهِرِّ كَمَا يُغْسَلُ مِنَ الْكَلْبِ ، لَيْسَ عَلَى أَنَّهُ مَغْسُولٌ مِنَ الْهِرِّ سَبْعًا كَمَا يَكُونُ مَغْسُولًا مِنَ الْكَلْبِ سَبْعًا ، وَلَكِنَّهُ مَغْسُولٌ كَمَا الْكَلْبُ مَغْسُولٌ مِنْهَا ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْعَدَدِ . وَقَدْ وَكَّدَ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فِي ذَلِكَ مَا قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِرِّ أَنَّهَا مِنَ السَّبُعِ .