25 - بَاب الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ 6480 - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ : إِذَا أَنَا مُتُّ فَخُذُونِي فَذَرُّونِي فِي الْبَحْرِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ، فَفَعَلُوا بِهِ ، فَجَمَعَهُ اللَّهُ ، ثُمَّ قَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ ؟ قَالَ : مَا حَمَلَنِي إِلَّا مَخَافَتُكَ ، فَغَفَرَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ) هُوَ مِنَ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ ، وَهُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَقَالَ - تَعَالَى - : فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَقَالَ - تَعَالَى - : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ : أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً ، وَكُلَّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَقْرَبُ إِلَى رَبِّهِ كَانَ أَشَدَّ لَهُ خَشْيَةً مِمَّنْ دُونَهُ ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمَلَائِكَةَ بِقَوْلِهِ : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَالْأَنْبِيَاءَ بِقَوْلِهِ : الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَإِنَّمَا كَانَ خَوْفُ الْمُقَرَّبِينَ أَشَدَّ ؛ لِأَنَّهُمْ يُطَالَبُونَ بِمَا لَا يُطَالَبُ بِهِ غَيْرُهُمْ ، فَيُرَاعُونَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ مِنْهُ الشُّكْرُ عَلَى الْمَنْزِلَةِ فَيُضَاعَفُ بِالنِّسْبَةِ لِعُلُوِّ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ . فَالْعَبْدُ إِنْ كَانَ مُسْتَقِيمًا فَخَوْفُهُ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ لِقولِهِ - تَعَالَى - : يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ أَوْ نُقْصَانِ الدَّرَجَةِ بِالنِّسْبَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَائِلًا فَخَوْفُهُ مِنْ سُوءِ فِعْلِهِ . وَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ مَعَ النَّدَمِ وَالْإِقْلَاعِ ، فَإِنَّ الْخَوْفَ يَنْشَأُ مِنْ مَعْرِفَةِ قُبْحِ الْجِنَايَةِ وَالتَّصْدِيقِ بِالْوَعِيدِ عَلَيْهَا ، وَأَنْ يُحْرَمَ التَّوْبَةَ ، أَوْ لَا يَكُونَ مِمَّنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ، فَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ ذَنْبِهِ طَالِبٌ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ فِيمَنْ يَغْفِرُ لَهُ ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ الْحَدِيثُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَفِيهِ أَيْضًا : وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ جَمَالٍ وَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ، وَحَدِيثُ الثَّلَاثَةِ أَصْحَابِ الْغَارِ ، فَإِنَّ أَحَدَهُمُ الَّذِي عَفَّ عَنِ الْمَرْأَةِ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ، وَتَرَكَ لَهَا الْمَالَ الَّذِي أَعْطَاهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قِصَّةُ الْكِفْلِ ، وَكَانَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ عَفَّ عَنِ الْمَرْأَةِ وَتَرَكَ الْمَالَ الَّذِي أَعْطَاهَا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الَّذِي أَوْصَى بِأَنْ يُحْرَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( جَرِيرٌ ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، وَمَنْصُورٌ هُوَ ابْنُ الْمُعْتَمِرِ . وَرِبْعِيٌّ هُوَ ابْنُ حِرَاشٍ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرَهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ ، وَالسَّنَدُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَصْرِيحُ حُذَيْفَةَ بِسَمَاعِهِ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ وَالَانِ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ حُذَيْفَةَ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ بِطُولِهِ ، وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا ، وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الشَّفَاعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - ، وَيَتَبَيَّنُ شُذُوذَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَتْنُ كَمَا ظَهَرَ شُذُوذُهَا مِنْ حَيْثُ السَّنَدُ . قَوْلُهُ : ( كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَمِنْ ثَمَّ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَاكَ . قَوْلُهُ : ( يُسِيءُ الظَّنَّ بِعَمَلِهِ ) تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّهُ كَانَ نَبَّاشًا . قَوْلُهُ : ( فَذَرُونِي ) قَدَّمْتُ هُنَاكَ فِيهِ ثَلَاثَ رِوَايَاتٍ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنَى التَّرْكِ وَالتَّشْدِيدُ بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ ، وَهُوَ ثُلَاثِيٌّ مُضَاعَفٌ ، تَقُولُ : ذَرَرْتُ الْمِلْحَ أَذُرُّهُ وَمِنْهُ الذَّرِيرَةُ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، وَكَذَا قَرَأْنَاهُ وَرُوِّينَاهُ بِضَمِّهَا ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ مِنَ الذَّرِّ ، وَعَلَى الثَّانِي مِنَ التَّذْرِيَةِ ، وَبِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ أَذَرَتِ الْعَيْنُ دَمْعَهَا وَأَذْرَيْتُ الرَّجُلَ عَنِ الْفَرَسِ ، وَبِالْوَصْلِ مِنْ ذَرَوْتُ الشَّيْءَ وَمِنْهُ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ قَوْلُهُ : ( فِي الْبَحْرِ ) سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الرِّيحِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي فِي التَّوْحِيدِ : وَأذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ . قَوْلُهُ : ( فِي يَوْمٍ صَائِفٍ ) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ بِلَفْظِ : فَذَرُونِي فِي الْيَمِّ فِي يَوْمٍ حَازٍّ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَزَايٍ ثَقِيلَةٍ ، كَذَا لِلْمَرْوَزِيِّ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَلِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ وَكَرِيمَةَ عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِرِوَايَةِ الْبَابِ ، وَوُجِّهَتِ الْأُولَى بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَحُزُّ الْبَدَنَ لِشِدَّةِ حَرِّهِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي بَعْدَهُ : حَتَّى إِذَا كَانَ رِيحٌ عَاصِفٌ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ رِوَايَةَ الْمَرْوَزِيِّ بِنُونٍ بَدَلَ الزَّايِ ؛ أَيْ حَانَ رِيحُهُ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ : الْحُونُ رِيحٌ تَحِنُّ كَحَنِينِ الْإِبِلِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ · ص 318 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخوف من الله تعالى · ص 73 ( باب الخوف من الله تعالى ) أي : هذا باب في بيان شدة الاعتناء بالخوف من الله عز وجل ، والخوف من لوازم الإيمان ، قال الله تعالى : وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ 67 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن ربعي ، عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله ، فقال لأهله : إذا أنا مت فخذوني فذروني في البحر في يوم صائف ، ففعلوا به ، فجمعه الله ثم قال : ما حملك على الذي صنعت ؟ قال : ما حملني إلا مخافتك ، فغفر له . مطابقته للترجمة في آخر الحديث . وجرير : هو ابن عبد الحميد ، ومنصور : هو ابن المعتمر ، وربعي : بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء ، ابن حراش ، بكسر الحاء المهملة وبالراء المخففة والشين المعجمة ، وحذيفة : ابن اليمان ، ورجال السند كلهم كوفيون . والحديث مضي في ذكر بني إسرائيل عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه النسائي في الجنائز وفي الرقائق عن إسحاق بن إبراهيم عن جرير . قوله : " ممن كان قبلكم " يعني : من بني إسرائيل . قوله : " يسيء الظن بعمله " يعني : بعمله الذي كان معصية ، وكان نباشا . قوله : " فذروني في البحر " بضم الذال ، من الذر وهو التفريق ، يقال : ذررت الملح أذره ، ويروى بفتح الذال من التذرية ، يقال ذرت الريح الشيء وأذرته وذرته أي : أطارته وأذهبته ، ويروى " أذروني " بهمزة قطع وسكون الذال من أذرت العين دمعها ، ومنه تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ قوله : " في يوم صائف " أي : حار ، بتشديد الراء من الحرارة ، وروي للمروزي والأصيلي " في يوم حاز " بالزاي الثقيلة بمعنى أنه يحز البدن لشدة حره ، وروي لأبي ذر عن المستملي والسرخسي " في يوم حار " بالراء ، كما ذكرنا أولا ، وكذا روي لكريمة عن الكشميهني ، وذكر بعضهم رواية المروزي بنون بدل الزاي ، وقال ابن فارس : الحون ريح يحن كحنين الإبل .