26- بَاب الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي 6482- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ : رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ ، فَالنَّجَا النَّجَاءَ ، فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا ، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ . قَوْلُهُ : بَابُ الِانْتِهَاءِ عَنِ الْمَعَاصِي أَيْ تَرْكِهَا أَصْلًا وَرَأَسَا ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا بَعْدَ الْوُقُوعِ فِيهَا ، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ قَوْلُهُ : ( بُرَيْد ) بِمُوَحَّدَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ مُصَغَّرٌ . قَوْلُهُ : مَثَلِي بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَلَّثَةِ ، وَالْمَثَلُ الصِّفَةُ الْعَجِيبَةُ الشَّأْنِ يُورِدُهَا الْبَلِيغُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ لِإِرَادَةِ التَّقْرِيبِ وَالتَّفْهِيمِ . قَوْلُهُ : مَا بَعَثَنِي اللَّهُ الْعَائِدُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ بَعَثَنِي اللَّهِ بِهِ إِلَيْكُمْ . قَوْلُهُ : أَتَى قَوْمًا التَّنْكِيرُ فِيهِ لِلشُّيُوعِ . قَوْلُهُ : رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِالْجِيمِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ . قَوْلُهُ : بِعَيْنِي بِالْإِفْرَادِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّثْنِيَةِ بِفَتْحِ النُّونِ وَالتَّشْدِيدِ ، قِيلَ ذَكَرَ الْعَيْنَيْنِ إِرْشَادًا إِلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ عِنْدَهُ جَمِيعُ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ تَحَقُّقَ مَنْ رَأَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ لَا يَعْتَرِيهِ وَهْمٌ وَلَا يُخَالِطُهُ شَكٌّ . قَوْلُهُ : ( وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ : رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ حَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يَوْمَ ذِي الْخَلَصَةِ فَقَطَعَ يَدَهُ وَيَدَ امْرَأَتِهِ ، فَانْصَرَفَ إِلَى قَوْمِهِ فَحَذَّرَهُمْ ، فَضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ فِي تَحْقِيقِ الْخَبَرِ . قُلْتُ : وَسَبَقَ إِلَى ذَلِكَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ ، وَسَمَّى الَّذِي حَمَلَ عَلَيْهِ عَوْفَ بْنَ عَامِرٍ الْيَشْكُرِيَّ ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ . وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ تَنْزِيلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا أَنَّهُ كَانَ عُرْيَانًا . وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ النَّذِيرَ الْعُرْيَانَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ كَعْبٍ لَمَّا قَتَلَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ أَوْلَادَ أَبِي دَاوُدَ ، وَكَانَ جَارَ الْمُنْذِرِ ، خَشِيَتْ عَلَى قَوْمِهَا فَرَكِبَتْ جَمَلًا وَلَحِقَتْ بِهِمْ وَقَالَتْ : أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ . وَيُقَالُ : أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِيُّ لَمَّا أَصَابَتْهُ الرَّمْيَةُ بِتِهَامَةَ وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ ، وَقَدْ سَقَطَ لَحْمُهُ ، وَذَكَرَ أَبُو بِشْرٍ الْآمِدِيُّ أَنَّ زَنْبَرًا بِزَايٍّ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ابْنَ عَمْرٍو الْخَثْعَمِيَّ كَانَ نَاكِحًا فِي آلِ زُبَيْدٍ ، فَأَرَادُوا أَنْ يَغُزوا قَوْمَهُ وَخَشُوا أَنْ يُنْذِرَ بِهِمْ ، فَحَرَسَهُ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ ، فَصَادَفَ مِنْهُمْ غِرَّةً فَقَذَفَ ثِيَابَهُ وَعَدَا وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَدْوًا فَأَنْذَرَ قَوْمَهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ رَجُلًا لَقِيَ جَيْشًا فَسَلَبُوهُ وَأَسَرُوهُ فَانْفَلَتَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشُ فَسَلَبُونِي فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا فَتَحَقَّقُوا صِدْقَهُ ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَتَّهِمُونَهُ فِي النَّصِيحَةِ وَلَا جَرَتْ عَادَتُهُ بِالتَّعَرِّي ، فَقَطَعُوا بِصِدْقِهِ لِهَذِهِ الْقَرَائِنِ ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِنَفْسِهِ وَلِمَا جَاءَ بِهِ مَثَلًا بِذَلِكَ لِمَا أَبْدَاهُ مِنَ الْخَوَارِقِ وَالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْقَطْعِ بِصِدْقِهِ تَقْرِيبًا لِأَفْهَامِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَا يَأْلَفُونَهُ وَيَعْرِفُونَهُ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ فِي الْأَمْثَالِ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَنَادَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ : أَيُّهَا النَّاسُ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ مَثَلُ قَوْمٍ خَافُوا عَدُوًّا أَنْ يَأْتِيَهُمْ ، فَبَعَثُوا رَجُلًا يَتَرَايَا لَهُمْ ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَبْصَرَ الْعَدُوَّ ، فَأَقْبَلَ لِيُنْذِرَ قَوْمَهُ ، فَخَشِيَ أَنْ يُدْرِكَهُ الْعَدُوُّ قَبْلَ أَنْ يُنْذِرَ قَوْمَهُ ، فَأَهْوَى بِثَوْبِهِ أَيُّهَا النَّاسُ أُتِيتُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ . وَأَحْسَنُ مَا فُسِّرَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنَ الْحَدِيثِ ، وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعُرْيَانَ مِنَ التَّعَرِّي ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ . وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدٍ رَوَاهُ بِالْمُوَحَّدَةِ قَالَ : فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ الْفَصِيحُ بِالْإِنْذَارِ لَا يُكَنَّى وَلَا يُوَرَّى ، يُقَالُ : رَجُلٌ عُرْيَانُ أَيْ فَصِيحُ اللِّسَانِ . قَوْلُهُ : ( فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ ) بِالْمَدِّ فِيهِمَا وَبِمَدِّ الْأُولَى وَقَصْرِ الثَّانِيَةِ وَبِالْقَصْرِ فِيهِمَا تَخْفِيفًا . وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ ، أَيِ اطْلُبُوا النَّجَاءَ بِأَنْ تُسْرِعُوا الْهَرَبَ ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ مُقَاوَمَةَ ذَلِكَ الْجَيْشِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي كَلَامِهِ أَنْوَاعٌ مِنَ التَّأْكِيدَاتِ أَحَدُهَا بِعَيْنِي ثَانِيهَا قَوْلُهُ : وَإِنِّي أَنَا ثَالِثُهَا قَوْلُهُ : الْعُرْيَانُ لِأَنَّهُ الْغَايَةُ فِي قُرْبِ الْعَدُوِّ ، وَلِأَنَّهُ الَّذِي يَخْتَصُّ فِي إِنْذَارِهِ بِالصِّدْقِ . قَوْلُهُ : فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ كَذَا فِيهِ بِالتَّذْكِيرِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ الْقَوْمِ . قَوْلُهُ : ( فَأَدْلَجُوا ) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ثُمَّ سُكُونٍ ، أَيْ سَارُوا أَوَّلَ اللَّيْلِ ، أَوْ سَارُوا اللَّيْلَ كُلَّهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي مَدْلُولِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ ، وَإِمَّا بِالْوَصْلِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ سَيْرُ آخِرِ اللَّيْلِ ، فَلَا يُنَاسِبُ هَذَا الْمَقَامَ . قَوْلُهُ : عَلَى مَهَلِهِمْ بِفَتْحَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْهِينَةُ وَالسُّكُونُ ، وَبِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ الْإِمْهَالُ ، وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَلَى مُهْلَتِهِمْ بِزِيَادَةِ تَاءِ تَأْنِيثٍ ، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ . قَوْلُهُ : وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ قَالَ الطِّيبِيُّ : عَبَّرَ فِي الْفِرْقَةِ الْأُولَى بِالطَّاعَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالتَّكْذِيبِ لِيُؤْذِنَ بِأَنَّ الطَّاعَةَ مَسْبُوقَةٌ بِالتَّصْدِيقِ ، وَيُشْعِرُ بِأَنَّ التَّكْذِيبَ مُسْتَتْبِعٌ لِلْعِصْيَانِ . قَوْلُهُ : فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ أَيْ أَتَاهُمْ صَبَاحًا ، هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِيمَنْ طُرِقَ بَغْتَةً فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ . قَوْلُهُ : ( فَاجْتَاحَهُمْ ) بِجِيمٍ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيِ اسْتَأْصَلَهُمْ مِنْ جُحْتُ الشَّيْءَ أَجُوحُهُ إِذَا اسْتَأْصَلْتُهُ ، وَالِاسْمُ الْجَائِحَةُ وَهِيَ الْهَلَاكُ وَأُطْلِقَتْ عَلَى الْآفَةِ لِأَنَّهَا مُهْلِكَةٌ ، قَالَ الطِّيبِيُّ : شَبَّهَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفْسَهُ بِالرَّجُلِ وَإِنْذَارَهُ بِالْعَذَابِ الْقَرِيبِ بِإِنْذَارِ الرَّجُلِ قَوْمَهُ بِالْجَيْشِ الْمُصْبِحِ وَشَبَّهَ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْ أُمَّتِهِ وَمَنْ عَصَاهُ بِمَنْ كَذَّبَ الرَّجُلَ فِي إِنْذَارِهِ وَمَنْ صَدَّقَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِانْتِهَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي · ص 322 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الانتهاء عن المعاصي · ص 75 ( باب الانتهاء عن المعاصي ) أي : هذا باب في بيان وجوب الانتهاء عن المعاصي ، أي : تركها أصلا والإعراض عنها بعد الوقوع فيها . 69 - حدثنا محمد بن العلاء ، حدثنا أبو أسامة ، عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثل ما بعثني الله كمثل رجل أتى قوما فقال : رأيت الجيش بعيني ، وإني أنا النذير العريان ، فالنجاء النجاء ! فأطاعته طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا ، وكذبته طائفة فصبحهم الجيش فاجتاحهم . مطابقته للترجمة من حيث إن فيه الإنذار عن الوقوع في المعاصي والانتهاء عنها . ومحمد بن العلاء بن كريب : أبو كريب الكوفي ، وهو شيخ مسلم أيضا ، وأبو أسامة حماد بن أسامة الليثي ، وبريد : بضم الباء الموحدة مصغر برد ، ابن عبد الله بن أبي بردة ، بضم الباء الموحدة ، واسمه عامر ، وقيل الحارث ، وبريد هذا يروي عن جده أبي بردة بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله تعالى عنه . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : " مثلي " المثل بفتحتين الصفة العجيبة الشأن ، يوردها البليغ على سبيل الشبه لإرادة التقريب والتفهيم . قوله : " ومثل ما بعثني الله " العائد محذوف ، تقديره : ما بعثني الله به إليكم . قوله : " قوما " التنكير فيه للشيوع . قوله : " الجيش " اللام فيه للعهد . قوله : " بعيني " بالتثنية ، وهي رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره بالإفراد . قوله : " وأنا النذير العريان " أي : المنذر الذي تجرد عن ثوبه وأخذه يرفعه ويديره حول رأسه إعلاما لقومه بالغارة ، وقال ابن بطال : النذير العريان رجل من خثعم حمل عليه رجل يوم ذي الخلصة ، فقطع يده ويد امرأته ، فانصرف إلى قومه فحذرهم ، فضرب به المثل في تحقق الخبر . وقال ابن السكيت : اسم الرجل الذي حمل عليه عوف بن عامر اليشكري والمرأة كانت من بني كنانة ، وتنزيل هذه القصة على لفظ الحديث بعيد ، لأنه ليس فيها أنه كان عريانا ، وقال أبو عبد الملك : هذا مثل قديم ، وذلك أن رجلا لقي جيشا فجردوه وعروه فجاء إلى المدينة فقال : إني رأيت الجيش بعيني ، وإني أنا النذير لكم ، وتروني عريانا جردني الجيش ، فالنجاء النجاء ! وقال ابن السكيت : ضرب به النبي صلى الله عليه وسلم المثل لأمته ؛ لأنه تجرد لإنذارهم . وقال الخطابي : روي عن محمد بن خالد العربان ، بباء موحدة ، فإن كان محفوظا فمعناه صحيح ، وهو الفصيح بالإنذار لا يكني ولا يوري ، يقال : رجل عربان أي : فصيح اللسان ، من أعرب الرجل عن حاجته إذا أفصح عنها . قوله : " فالنجاء " بالنصب ، مفعول مطلق فيه إغراء أي : اطلبوا النجاء بأن تسرعوا الهرب ؛ لأنكم لا تطيقون مقاومة ذلك الجيش ، والنجاء الثاني تأكيد ، وكلاهما ممدودان ، وجاء القصر فيهما تخفيفا ، وجاء مد الأول وقصر الثاني . قوله : " فأدلجوا " من الإدلاج من باب الإفعال ، وهو السير أول الليل أو كل الليل على الاختلاف في معناه ، وهمزته همزة قطع ، وفي التوضيح : قوله " فادلجوا " بتشديد الدال . قلت : لا يستقيم هذا هنا ، لأن الادلاج بالتشديد هو السير آخر الليل ، فلا يناسب هذا المقام ، والصواب ما ذكرناه . قوله : " على مهلهم " بفتحتين ، أي : على السكينة والتأني ، وأما المهل بسكون الهاء فمعناه الإمهال ، فلا يناسب هنا ، وفي رواية مسلم " عن مهلتهم " . قوله : " فنجوا " لأنهم أطاعوا النذير وساروا من أول الليل فنجوا . قوله : " فصبحهم الجيش " أي : أتوهم صباحا ، هذا أصله ، ثم استعمل فيمن يطرق بغتة في أي وقت كان . قوله : " فاجتاحهم " بجيم ثم بحاء مهملة ، أي : استأصلهم ، من جحت الشيء أجوحه إذا استأصلته ، ومنه الجائحة ، وهي الهلاك .