41 - بَاب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ 602 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ قَالَ : فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي - فَلَا أَدْرِي قَالَ : وَامْرَأَتِي - وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتْ الْعِشَاءُ ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ . قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ - أَوْ قَالَتْ ضَيْفِكَ - قَالَ : أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ ؟ قَالَتْ : أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا ، قَالَ : فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ : يَا غُنْثَرُ - فَجَدَّعَ وَسَبَّ - وَقَالَ : كُلُوا لَا هَنِيئًا . فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا وَأيْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا ، قَالَ : يَعْنِي حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِيَ كَمَا هِيَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ مَا هَذَا ؟ قَالَتْ : لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي ، لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي يَمِينَهُ - ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ فَمَضَى الْأَجَلُ فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ السَّمَرِ مَعَ الْأَهْلِ وَالضَّيْفِ ) قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُحَصِّلُهُ : اقْتَطَعَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْبَابَ مِنْ بَابِ السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ عَنْ مُسَمَّى الْخَيْرِ ، لِأَنَّ الْخَيْرَ مُتَمَحِّضٌ لِلطَّاعَةِ لَا يَقَعُ عَلَى غَيْرِهَا ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ السَّمَرِ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الضِّيَافَةِ وَالصِّلَةِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا ، فَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي حَقِّهِمَا فَيَلْتَحِقُ بِالسَّمَرِ الْجَائِزِ أَوِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ اشْتِغَالُ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِمَجِيئِهِ إِلَى بَيْتِهِ وَمُرَاجَعَتِهِ لِخَبَرِ الْأَضْيَافِ وَاشْتِغَالِهِ بِمَا دَارَ بَيْنَهُمْ ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَعْنَى السَّمَرِ ، لِأَنَّهُ سَمَرٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُخَاطَبَةٍ وَمُلَاطَفَةٍ وَمُعَاتَبَةٍ . انْتَهَى . قَوْله : ( كَانُوا أُنَاسًا ) لِلْكُشْمِيهَنِيِّ كَانُوا نَاسًا . قَوْله : ( فَهُوَ أَنَا وَأَبِي ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ وَأُمِّي وَلِلْمُسْتَمْلِي فَهُوَ وَأَنَا وَأُمِّي . قَوْله : ( ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ حَتَّى بَدَلَ حَيْثُ . قَوْله : ( فَفَرَّقَنَا ) أَيْ جَعَلَنَا فِرَقًا ، وَسَنَذْكُرُ فَوَائِدَ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا فِي عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ مُفَصَّلًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( خَاتِمَةٌ ) : اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ عَلَى مِائَةِ حَدِيثٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا ، الْمُعَلَّقُ مِنْ ذَلِكَ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا وَالْبَاقِي مَوْصُولٌ ، الْخَالِصُ مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا وَالْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ تِسْعَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا ، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى جَمِيعِهَا سِوَى ثَلَاثَةِ عَشَرَ حَدِيثًا ، وَهِيَ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي السُّجُودِ عَلَى الظَّهَائِرِ وَقَدْ أَخْرَجَ مَعْنَاهُ ، وَحَدِيثُهُ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا وَحَدِيثُهُ فِي الْمَعْنَى هَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَبْرِدُوا وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَحَدِيثُ أَنَسٍ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِهِ ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فِي النَّوْمِ عَنِ الصُّبْحِ ، عَلَى أَنَّ مُسْلِمًا أَخْرَجَ أَصْلَ الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَكِنْ بَيَّنَّا فِي الشَّرْحِ أَنَّهُمَا حَدِيثَانِ لِقِصَّتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ ثَلَاثَةُ آثَارٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ · ص 90 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب السمر مع الأهل والضيف · ص 382 41 - باب السمر مع الأهل والضيف 602 - ثنا أبو النعمان : ثنا المعتمر بن سليمان : ثنا أبي : ثنا أبو عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : إن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، وإن أربعة فخامس أو سادس ) وإن أبا بكر جاء بثلاثة ، وانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشرة . قال : فهو أنا وأبي وأمي - ولا أدري هل قال : وامرأتي - وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر ، وإن أبا بكر تعشى عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم لبث حتى صليت العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله . قالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك - أو قال : ضيفك - ؟ قال : أوما عشيتيهم ؟ قالت : أبوا حتى تجيء ، قد عرضوا فأبوا . قال : فذهبت أنا فاختبأت ، قال : يا غنثر ، فجدع وسب ، وقال : كلوا لا هنيئا . فقال : والله ، لا أطعمه أبدا ، وايم الله ، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ، حتى شبعوا ، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك ، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر . قال لامرأته : يا أخت بني فراس ، ما هذا ؟ قالت : لا وقرة عيني ، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات ، فأكل منها أبو بكر ، وقال : إنما كان ذلك من الشيطان - يعني : يمينه - ثم أكل منها لقمة ، ثم حملها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأصبحت عنده ، وكان بيننا وبين قوم عقد ، فمضى الأجل ، فعرفنا اثني عشر رجلا ، مع كل رجل منهم أناس ، الله أعلم كم مع كل رجل ، فأكلوا منها أجمعون - أو كما قال . في هذا الحديث فوائد كثيرة : منها : استحباب إيثار الفقراء بالشبع من الطعام ومواساتهم فيه ، فلهذا أمر من كان عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة أن يذهب بخامس - أو سادس - وهذا شك من الراوي . ولفظ مسلم في هذا الحديث : ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس ، بسادس ) أو كما قال . وهذا يدل على أن الراوي شك . وفي ( الصحيحين ) ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( طعام الاثنين كافي الثلاثة ، وطعام الثلاثة كافي الأربعة ) . وفي ( صحيح مسلم ) ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ) . وفي هذا إشارة إلى أن البركة تتضاعف مع الكثرة والاجتماع على الطعام . وفي ( سنن ابن ماجه ) بإسناد ضعيف ، عن عمر - مرفوعا - : ( كلوا جميعا ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة ) . وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث وحشي ، أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : يا رسول الله ، إنا نأكل ولا نشبع ؟ قال : ( فلعلكم تتفرقون ؟ ) قالوا : نعم . قال : ( فاجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه ) . ومعنى : ( يكفي ) : أنه يكتفي به ، وإن لم يشبعه . وكان عمر في عام الرمادة يدخل على أهل البيت من المسلمين مثلهم ، ويقول : لن يهلك امرؤ وعنده نصف قوته . فهذا مأخوذ من هذا الحديث . والله أعلم . ومجيء أبي بكر بثلاثة ، إن كان هو وامرأته وابنه فقط ، فقد أتى بنظير عدتهم ، وإن كانوا خمسة - على رواية الشك - فقد صاروا ثمانية ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية . وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة على قدر قوته على الإيثار ، وما خصه الله به من الجود والكرم في اليسر والإعسار . ومنها : أنه إذا أتى الإنسان بضيوف إلى منزله ، فإنه يجوز له أن يكلهم إلى أهله وولده ، ولا يحضر معهم في الأكل ؛ فإن في ذلك كفاية إذا وثق من أهله وولده بالقيام بحقهم . ومنها : اختصاص أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في عشائه عنده ، واحتباسه إلى أن يمضي ما شاء الله من الليل . وقد سبق حديث عمر في سمر أبي بكر وعمر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في الباب الماضي . وأما سب أبي بكر ولده ؛ فظنه أنه قصر في حق ضيفه ، ولم يقم به كما ينبغي . ومعنى ( جدع ) - أي : قطعه بالقول الغليظ . وأما قوله : ( يا غنثر ) ، فروي بوجهين - ذكرهما الخطابي : أحدهما : ( عنتر ) بالعين المهملة ، والتاء المثناة من فوق ، وهما مفتوحتان . قال الخطابي : إن كانت هذه محفوظة ، فالعنتر : الذباب - : قاله ثعلب . سمي به لصوته ؛ وكأنه حين حقره وصغره شبهه بالذباب . والثاني : ( غنثر ) بالغين المعجمة المضمومة وبالثاء المثلثة - فهو مأخوذ من الغثارة ، وهي : الجهل ، يقال : رجل أغثر وغنثر . والنون زائدة . ومنها : إثبات كرامات الأولياء وخرق العوائد لهم . وهو قول عامة أهل السنة ، ووافق على ذلك المعتزلة في زمن الأنبياء خاصة ، كما جرى لأبي بكر في هذه القضية ، وجعلوها من جملة معجزاتهم حينئذ . والتحقيق : أنها من جملة معجزات الأنبياء على كل حال ، وفي كل زمان ؛ لأن ما يكرم الله بذلك أولياءه ، فإنما هو من بركة اتِّباعهم للأنبياء ، وحسن اقتدائهم بهم ، فدوام ذلك لأتباعهم وخواصهم من جملة معجزاتهم وآياتهم . ومنها : جواز الإهداء إلى الإخوان الطعام بالليل ، مع العلم بأنهم قد تعشوا واكتفوا ، وإن أدى ذلك إلى أن يبيت الطعام عندهم . واستمرت هذه الآية في ذلك الطعام حتى أكل منه الجمع الكثير من الغد . ومعنى : ( عرفنا اثني عشر رجلا ) - أي : جعلناهم عرفا . وروي : ( ففرقنا ) . ومنها : من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فإنه يأتي الذي هو خير ، ولا تحرم عليه يمينه فعل ما حلف على الامتناع منه ، وهذا قول جمهور العلماء . وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يأتي الذي هو خير ويكفر ، وكان في نفسه يفعل ذلك . وقد قيل : إن اليمين تحرم المحلوف عليه تحريما ترفعه الكفارة . والصحيح : خلافه ؛ لأنه يجوز الإقدام على فعل المحلوف قبل التكفير بالاتفاق ، ولو كان محرما لوجب تحليله بالكفارة قبله ، كالظهار . وفي ( سنن أبي داود ) هذا الحديث ، قال : ( ولم يبلغني كفارة ) وهذا من قول بعض الرواة . وهذا بمجرده لا ينفي أن يكون أبو بكر كفر عن يمينه ، بل الظاهر - أو المجزوم به - أنه كفرها . وقد ثبت من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان أبو بكر إذا حلف على يمين لا يحنث ، حتى نزلت آية الكفارة ، فقال : لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير ، وكفرت يميني . كذا رواه يحيى القطان والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم ، عن هشام . وخرجه البخاري في ( صحيحه هذا ) من رواية النضر بن شميل ، عن هشام . وخالفهم الطفاوي ، فرواه عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة . ورفعه وهم منه ، والصحيح : كان أبو بكر - : كذا قاله البخاري والدارقطني . وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، قال : أعتم رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى أهله ، فوجد الصبية قد ناموا ، فأتاه أهله بطعام ، فحلف لا يأكل ؛ من أجل صبيته ، ثم بدا له فأكل ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك [له] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها ، وليكفر [عن] يمينه ) . ولعل هذا الرجل هو أبو بكر الصديق ، وتكون الإشارة إلى هذه القصة ، إلا أن حديث عبد الرحمن يدل على أنه لم يكن لأبي بكر صبية . وقد ذهب قوم إلى أن من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه أنه يأتي الذي هو خير ، ويكون ذلك كفارة يمينه ، ولا يحتاج إلى كفارة بمال أو صوم . وهذا معروف عن ابن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وسالم وعكرمة ، وزاد عليه ، فجعل من حلف بطلاق على معصية ، أنه لا يفعل ما حلف عليه ، ولا طلاق عليه . وهذا شذوذ . وروي أصل هذا عن ابن عباس . وروي عنه مرفوعا . خرجه ابن حبان في ( صحيحه ) . ولا يصح رفعه . وروى مالك بن يحيى بن عمرو بن مالك النكري ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليأتها ؛ فإنها كفارتها ، إلا طلاقا أو عتاقا ) . خرجه ابن عدي . وقال : هو غير محفوظ ؛ تفرد به يحيى ، عن أبيه . ويحيى هذا ، ضعفه ابن معين وغيره . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ، أنها كفارتها أن يأتي الذي هو خير ، وفي أسانيدها كلها مقال . والأحاديث الصحاح كلها تدل على أنه يكفر يمينه ، قال ذلك أبو داود ومسلم في ( كتاب التمييز ) وغيرهما . وكانت يمين أبي بكر ألا يأكل هذا الطعام في غضب ، ولهذا قال : إنما ذلك من الشيطان - يعني : يمينه . وفيه : دليل على انعقاد يمين الغضبان ، كما حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في غضبه ألا يحمل النفر من الأشعريين ، ثم حملهم ، وقال : ( لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني ، وأتيت الذي هو خير ) . وفي الحديث : جواز الحلف بقرة العين ؛ فإن امرأة أبي بكر حلفت بذلك ، ولم ينكره عليها . وقرة عين المؤمن : هو ربه وكلامه وذكره وطاعته . ومقصود البخاري من هذا الحديث : جواز السمر عند الأهل والضيف ؛ فإن أبا بكر سمر عند أهله وضيفه لما رجع من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ذهب من الليل ما ذهب منه . والظاهر - أيضا - : أنه سمر عند النبي صلى الله عليه وسلم . وفي السمر عند الأهل : حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء ، ثم دخل بيته ، فتحدث مع أهله ساعة . وقد خرجه [ البخاري ] في موضع آخر . وقد روي عن عائشة ، أنها رأت قوما يسمرون ، فقالت : انصرفوا إلى أهليكم ، فإن لهم فيكم نصيبا . وهذا يدل على أنها استحبت السمر عند الأهل لما فيه من المؤانسة لهم ، وهو من حسن العشرة . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسمر مع بعض الوفود الذين يفدون عليه المدينة ، وهو من نوع السمر مع الضيف . فخرج أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي ، عن عثمان بن عبد الله بن أوس ، عن جده أوس بن حذيفة ، قال : كنت في وفد ثقيف ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتينا كل ليلة بعد العشاء ، فيحدثنا قائما على رجليه ، حتى يتراوح بين رجليه ، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش - وذكر الحديث . وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث ، فقال : حديث أبي برزة أصح منه . يعني : حديثه : كان يكره الحديث بعدها . وروي الرخصة في السمر للمصلي والمسافر [...] خاصة . خرجه الإمام أحمد من رواية خيثمة ، عن رجل من قومه من قريش ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا سمر بعد الصلاة ) - يعني : العشاء الآخرة - ( إلا لمصل أو مسافر ) . قال ابن المديني : في إسناده انقطاع ؛ لأن الرجل الذي لم يسمه خيثمة لا أدري هو من أصحاب عبد الله ، أو لا ؟ وقد روى خيثمة عن غير واحد من أصحاب عبد الله ، منهم : سويد بن غفلة ، وأرجو أن يكون هذا الرجل منهم . وقال الأثرم : هو حديث غير قوي ؛ لأن في إسناده رجلا لم يسم . وقد أخذ به الإمام أحمد ، فكره السمر في حديث الدنيا ، ورخص فيه للمسافر . وروي من وجه آخر بزيادة ، من رواية ابن وهب ، عن معاوية ، عن أبي عبد الله الأنصاري ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا سمر إلا لثلاثة : مصل ، أو مسافر ، أو عروس ) . خرجه سمويه الأصبهاني الحافظ : نا عبد الله بن الزبير : نا ابن وهب - فذكره . وخرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) : ثنا ابن مقلاص : ثنا ابن وهب : أخبرني معاوية ، عن أبي حمزة ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائما قبل العشاء ، ولا لاغيا بعدها ، إما ذاكرا فيغنم ، أو نائما فيسلم . قال معاوية : وحدثني أبو عبد الله الأنصاري ، عن زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : السمر لثلاثة : لعروس ، أو لمسافر ، أو لمتهجد بالليل . وهذا موقوف على عائشة . وأبو عبد الله وأبو حمزة ، مجهولان . وروى الحسين بن إسحاق التستري ، عن أحمد ، أنه سئل عن السمر بعد العشاء الآخرة ؟ قال : لا ، إلا لمسافر أو مصل ، فأما الفقه فأرجو أن لا يكون به بأس . ونقل عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، أنه سئل عن الحديث [الذي] نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النوم قبل العشاء ، والحديث بعدها ، والرجل يقعد مع عياله بعدما يصلي يتحدث ثم ينام : هل يحرج ؟ قال : ينبغي أن يجتنب الحديث والسمر بعدها . وهذا يدل على كراهة السمر مع الأهل - أيضا . وقال سفيان الثوري : كان يقال : لا سمر بعد العشاء ، إلا لمصل ، أو مسافر . قال : ولا بأس أن يكتب الشيء ، أو يعمل بعد العشاء . وهذا يدل على أن سهر الإنسان في عمل يعمله وحده ، من غير مسامرة لغيره ، أنه لا كراهة فيه ، بخلاف المسامرة والمحادثة . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب السمر مع الضيف والأهل · ص 97 باب السمر مع الضيف والأهل أي : هذا باب في بيان السمر مع الأهل وأهل الرجل خاصته وعياله وحاشيته ( فإن قلت ) : : ما وجه إفراد هذا الباب من الباب السابق مع اشتماله عليه ودخوله فيه ( قلت ) : لانحطاط رتبته عن الباب السابق ؛ لأنه متمحض للطاعة لا يقع على غيرها ، وهذا الباب قد يكون بالسمر الجائز أو المتردد بين الإباحة والندب فلذلك أفردها بالذكر . 78 - ( حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا معتمر بن سليمان قال : حدثنا أبي قال : حدثنا أبو عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث وإن أربع فخامس أو سادس ، وأن أبا بكر جاء بثلاثة فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة قال : فهو أنا وأبي وأمي فلا أدري قال : وامرأتي وخادم ، بيننا وبين بيت أبي بكر ، وأن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم لبث حتى صليت العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي صلى الله عليه وسلم فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله قالت له امرأته : وما حبسك عن أضيافك أو قالت : ضيفك قال : أوما عشيتهم ؟ قالت : أبوا حتى تجيء قد عرضوا فأبوا قال : فذهبت أنا فاختبأت فقال : يا غنثر فجدع وسب وقال : كلوا لا هنيئا فقال : والله لا أطعمه أبدا وايم الله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها قال : يعني حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر منها فقال لامرأته : يا أخت بني فراس ما هذا قالت : لا وقرة عيني لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات فأكل منها أبو بكر وقال : إنما كان ذلك من الشيطان يعني يمينه ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأصبحت عنده وكان بيننا وبين قوم عقد فمضى الأجل ففرقنا اثني عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل فأكلوا منها أجمعون أو كما قال . مطابقته للترجمة تؤخذ من قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه لزوجته : أوما عشيتهم ومراجعته لخبر الأضياف ، وقوله لأضيافه : كلوا وكل ذلك في معنى السمر المباح . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي . الثاني : معتمر بن سليمان السدوسي . الثالث : أبوه سليمان بن طرخان . الرابع : أبو عثمان عبد الرحمن بن مل بن عمرو النهدي مات سنة خمس وتسعين وهو ابن ثلاثين ومائة سنة ، وكان قد أدرك الجاهلية تقدم في باب الصلاة كفارة . الخامس : عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه راو من المخضرمين وهو أبو عثمان وفيه رواية الصحابي ، عن الصحابي ابن الصحابي وهو عبد الرحمن . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة ، عن موسى بن إسماعيل وفي الأدب عن أبي موسى محمد بن المثنى ، وأخرجه مسلم في الأطعمة عن عبيد الله بن معاذ ، وحامد بن عمر ، ومحمد بن عبد الأعلى ، وعن محمد بن المثنى ، وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور ، عن محمد بن المثنى ، وعن مؤمل بن هشام . ( ذكر معناه ) قوله : ( إن أصحاب الصفة ) قال النووي : هم زهاد من الصحابة فقراء غرباء كانوا يأوون إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وكانت لهم في آخره صفة ، وهي مكان مقتطع من المسجد مظلل عليه يبيتون فيه وكانوا يقلون ويكثرون وفي وقت كانوا سبعين ، وفي وقت غير ذلك فيزيدون بمن يقدم عليهم وينقصون بمن يموت أو يسافر أو يتزوج وفي التلويح الصفة هو موضع مظلل في المسجد كان للمساكين والغرباء وهم الأوفاض أي : الفرق والأخلاط من الناس يأوون إليه وعد منهم أبو نعيم في الحلية مائة ونيفا ، قوله : ( كانوا أناسا ) وفي رواية الكشميهني : ( كانوا ناسا ) بلا ألف ، والناس والأناس بمعنى واحد . قوله : ( فليذهب بثالث ) أي من أصحاب الصفة هذا هو الصواب وهو الأصح من رواية مسلم ، ( فليذهب بثلاثة ) لأن ظاهرها صيرورتهم خمسة وحينئذ لا يمسك رمق أحد بخلاف الواحد مع الاثنين ، وقال القرطبي : لو حملت رواية مسلم على ظاهرها فسد المعنى ؛ وذلك أن الذي عنده طعام اثنين إذا أكله في خمسة لم يكف أحدا منهم ، ولا يمسك رمقه بخلاف الواحد مع الاثنين ، وقال النووي : والذي في مسلم أيضا له وجه تقديره فليذهب بمن يتم بثلاثة أو بتمام ثلاثة كما قال تعالى : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ أي : في تمام أربعة أيام ، وقال ابن العربي : لم يقل صلى الله عليه وسلم أن طعام الاثنين يشبع الثلاثة إنما قال : يكفي وهو غير الشبع ، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدة الحال . قوله : ( وإن أربع فخامس أو سادس ) أي : وإن كان عنده طعام أربع فليذهب بخامس أو بسادس هذا وجه الجر في خامس وسادس ، ويروى برفعهما فوجهه كذلك لكن بإعطاء المضاف إليه وهو أربع إعراب المضاف وهو طعام وبإضمار مبتدأ للفظ خامس ، وفي رواية مسلم : من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : كيف يتصور السادس إذا كان عنده طعام أربع ( قلت ) : معناه فليذهب بخامس أو بسادس مع الخامس والعقل يدل عليه إذ السادس يستلزم خامسا فكأنه قال : فليذهب بواحد أو باثنين والحاصل أن أو لا تدل على منع الجمع بينهما ، ويحتمل أن يكون معنى أو سادس وإن كان عنده طعام خمس فليذهب بسادس فيكون من باب عطف الجملة على الجملة وقال ابن مالك : هذا الحديث مما حذف فيه بعد أن والفاء فعلان وحرفا جر باق عملهما وتقديره : وإن قام بأربعة فليذهب بخامس أو بسادس وفي التوضيح كلمة أو للتنويع ، وقيل : للإباحة ، قوله : ( وانطلق النبي صلى الله عليه وسلم ) قال هنا : انطلق ، وعن أبي بكر قال : جاء لأن المجيء هو المشي المقرب إلى المتكلم والانطلاق المشي المبعد عنه ، قوله : ( قال ) أي قال عبد الرحمن فهو أنا وأبي وأمي هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية المستملي ( فهو أنا وأمي ) وقوله : ( هو ) ضمير الشأن وأنا مبتدأ وأبي وأمي عطف عليه وخبره محذوف يدل عليه السياق ، قوله : ( ولا أدري ) كلام أبي عثمان النهدي الراوي قوله : ( وخادم ) بالرفع عطف على امرأتي على تقدير أن يكون لفظ إمرأتي موجودا فيه وإلا فهو عطف على أمي ، قوله : ( بين بيتنا وبيت أبي بكر ) هكذا هو في رواية أبي ذر والرواية المشهورة ( بيننا وبين أبي بكر ) يعني مشترك خدمتها بيننا وبين أبي بكر وقوله : ( بين ) ظرف لخادم ، قوله : ( تعشى ) أي أكل العشاء وهو بفتح العين الطعام الذي يؤكل آخر النهار ، قوله : ( ثم لبث ) أي في داره ، قوله : ( حتى صليت ) بلفظ المجهول وهذه رواية الكشميهني يعني لفظ حتى ، وفي رواية غيره ( حيث صليت ) قوله : ( العشاء ) أي صلاة العشاء ، قوله : ( ثم رجع ) أي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحيح الإسماعيلي ( ثم ركع ) بالكاف أي : صلى النافلة بعد العشاء فدل هذا على أن قول البخاري ثم رجع ليس مما اتفق عليه الرواة ، قوله : ( حتى تعشى النبي صلى الله عليه وسلم ) وعند مسلم ( حتى نعس النبي صلى الله عليه وسلم ) قوله : ( قالت له ) أي لأبي بكر امرأته ، وهي أم رومان بضم الراء وفتحها ، وقال السهيلي : اسمها دعد وقال غيره : زينب وهي من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة ، قوله : ( أو ضيفك ) شك من الراوي وقال الكرماني ، قوله : ( ضيفك ) ( فإن قلت ) : هم كانوا ثلاثة فلم أفرد ( قلت ) : هو لفظ الجنس يطلق على القليل والكثير أو مصدر يتناول المثنى والجمع انتهى ( قلت ) : هذا السؤال على أن نسخته كانت ضيفك بدون قوله : ( أضيافك ) ولكن قوله : ( أو مصدر ) غير صحيح لفساد المعنى قوله : ( أوما عشيتهم ) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر بعد الهمزة ، ويروى عشيتيهم بالياء الحاصلة من إشباع الكسرة ، قوله : ( أبوا ) أي امتنعوا ، وامتناعهم من الأكل رفقا به لظنهم أنه لا يجد عشاء فصبروا حتى يأكل معهم قوله : ( قد عرضوا ) بفتح العين أي الأهل من الابن والمرأة والخادم وفي رواية ( فعرضنا عليهم ) ويروى ( قد عرضوا ) على صيغة المجهول ويروى ( قد عرصوا ) بالصاد المهملة وقال ابن التين : لا أعلم له وجها ، ويحتمل أن يكون من عرص إذا نشط فكأن أهل البيت نشطوا في العزيمة عليهم ، وقال الكرماني : وفي بعض النسخ بضم العين أي عرض الطعام على الأضياف فحذف الجار وأوصل الفعل أو هو من باب القلب نحو عرضت الحوض على الناقة ، قوله : ( قال فذهبت ) أي قال عبد الرحمن ، قوله : ( فاختبأت ) أي اختفيت ، وكان اختفاؤه خوفا من خصام أبيه لأنه لم يكن في المنزل من الرجال غيره أو لأنه أوصاه بهم ، قوله : ( فقال ) أي : أبو بكر يا غنثر بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الثاء المثلثة وضمها أيضا قال ابن قرقول : معناه يا لئيم يا دنيء وقيل : الثقيل الوخم ، وقيل : الجاهل من الغثارة ، وهي الجهل والنون زائدة ، وقيل : مأخوذ من الغثر وهو السقوط ، وقال عياض : وعن بعض الشيوخ يا عنتر بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح التاء المثناة من فوق وهو الذباب الأزرق شبهه به تحقيرا له ، والأول هو الرواية المشهورة قاله النووي ، قوله : ( فجدع ) بفتح الجيم وتشديد الدال المهملة ، وفي آخره عين مهملة أي : دعا بالجدع وهو قطع الأنف أو الأذن أو الشفة وهو بالأنف أخص وقيل : معناه السب ، وقال القرطبي : فيه البعد لقوله : ( فجدع وسب ) وقال ابن قرقول : وعند المروزي بالزاي قال : وهو وهم ، قال القرطبي : وكل ذلك من أبي بكر رضي الله تعالى عنه على ابنه ظنا منه أنه فرط في حق الأضياف فلما تبين له أن ذلك كان من الأضياف أدبهم بقوله : ( كلوا لا هنيئا وحلف أن لا يطعمه ) وقيل : إنه ليس بدعاء عليهم إنما هو خبر أي : لم تتهنوا به في وقته ، وقال السفاقسي : إنما خاطب بذلك أهله لا أضيافه ، وهنيئا منصوب على أن فعله محذوف واجب حذفه في السماع والتقدير هناك الله هنيئا ، وهنيئا دخل عليه حرف النفي ، قوله : ( وايم الله ) مبتدأ وخبره محذوف أي : ايم الله قسمي وهمزته همزة وصل لا يجوز فيها القطع عند الأكثرين والأصل فيه يمين الله ثم جمع اليمين على أيمن ولما كثر استعماله في كلامهم خففوه بحذف النون فقالوا : ايم الله وفيه لغات قد ذكرناها في باب الصعيد الطيب وضوء المسلم . قوله : ( إلا ربا ) أي : زاد ، قوله : ( وصارت ) أي : الأطعمة ، قوله : ( أكثر مما كانت ) بالثاء المثلثة ويروى بالباء الموحدة أكبر ، قوله : ( فإذا هي كما هي ) أي : فإذا الأطعمة كما هي على حالها لم تنقص شيئا والفاء فيه فاء المفاجأة ، قوله : ( فقال لامرأته ) أي : فقال أبو بكر لزوجته وهي أم عبد الرحمن وأم رومان ، قوله : ( يا أخت بني فراس ) إنما قال كذلك ؛ لأنها زينب بنت دهمان بضم الدال المهملة وسكون الهاء أحد بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة كما ذكرناه عن قريب ، وقال النووي : معناه يا من هي من بني فراس ، قوله : ( ما هذا ) استفهام من أبي بكر عن حال الأطعمة ، قوله : ( قالت لا وقرة عيني ) كلمة لا زائدة للتأكيد ، ونظائره مشهورة ، ويحتمل أن تكون لا نافية واسمها محذوف أي : لا شيء غير ما أقول وهو قولها وقرة عيني ، والواو فيه واو القسم وقرة العين بضم القاف وتشديد الراء يعبر بها ، عن المسرة ورؤية ما يحب الإنسان قيل : إنما قيل ذلك لأن عينه تقر لبلوغ أمنيته ولا يستشرف لشيء فيكون مشتقا من القرار وقيل : مأخوذ من القر بالضم ، وهو البرد أي : إن عينه باردة لسرورها وعدم تقلقها ، وقال الأصمعي : أقر الله عينه أي : أبرد دمعه لأن دمعة الفرح باردة ودمعة الحزن حارة ، وقال الداودي : أرادت بقرة عينها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأقسمت به وقال ثعلب : تقول قررت به عينا أقر ، وفي الغريب المصنف والإصلاح قررت وقررت قرة وقرورا وفي كتاب المثنى لابن عديس وقرة ، وحكاه ابن سيده وفي الصحاح تقر وتقر وأقر الله عينه أعطاه حتى تقر فلا تطمح إلى من هو فوقه وقال ابن خالويه : أي ضحكت فخرج من عيني ماء قرور وهو البارد وهو ضد أسخن الله عينه قال القزاز : وقال أبو العباس : ليس كما ذكر الأصمعي من أن دمعة الفرح باردة والحزن حارة قال : بل كل دمع حار قالوا : ومعنى قولهم هو قرة عيني إنما يريدون هو رضى نفسي قال : وقرة العين ناقة تؤخذ من المغنم قبل أن يقسم فيطبخ لحمها ويصنع فيجتمع أهل العسكر عليه فيأكلون منه قبل القسمة فإن كان من هذا فكأنه دعى له بالفرج والغنيمة ، وفي كتاب الفاخر قال أبو عمرو : معناه أنام الله عينك المعنى صادف سرورا أذهب سهره فنام وحكى القالي أقر الله عينك وأقر الله بعينك ، قوله : ( فأكل منها ) أي : من الأطعمة . قوله : ( إنما كان ذلك من الشيطان ) يعني يمينه وهو قوله : ( والله لا أطعمه أبدا ) قوله : ( ثم أكل منها لقمة ) وتكرار الأكل مع أنه واحد لأجل البيان لأنه لما وقع الأول أراد الإبهام بأنه أكل لقمة أما تركه اليمين ومخالفته لأجل إتيانه بالأفضل للحديث الذي ورد فيه أو كان مراده لا أطعمه معكم أو في هذه الساعة أو عند الغضب ، وهذا مبني على أنه يقبل التقييد إذا كان اللفظ عاما وعلى أن الاعتبار لعموم اللفظ أو لخصوص السبب ، وقوله : ( إنما كان ذلك من الشيطان ) وفي رواية الأولى من الشيطان يعني يمينه فأخزاه بالحنث الذي هو خير وفي بعض الروايات ( لما جاء بالقصعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها ) ، قوله : ( فأصبحت عنده ) أي : أصبحت الأطعمة عند النبي صلى الله عليه وسلم ، قوله : ( عقد ) أي : عهد مهادنة وفي رواية ( وكانت بيننا ) والتأنيث باعتبار المهادنة وقوله : ( ففرقنا ) الفاء فيه فاء الفصيحة أي : فجاؤوا إلى المدينة ففرقنا من التفريق أي : جعل كل رجل مع اثني عشر فرقة وفي مسلم : ( فعرفنا ) بالعين والراء المشددة أي : جعلنا عرفاء نقباء على قومهم ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات ( فقرينا ) من القرى بمعنى الضيافة ، قوله : ( اثنا عشر ) وفي البخاري ومعظم نسخ مسلم ( اثني عشر ) وكلاهما صحيح الأول : على لغة من جعل المثنى بالألف في الأحوال الثلاثة ، وقال السفاقسي : لعل ضبطه ففرقنا بضم الفاء الثانية ، وبرفع اثنا عشر على أنه مبتدأ وخبره مع كل رجل منهم أناس ، قوله : ( الله أعلم ) جملة معترضة أي : أناس الله يعلم عددهم ، قوله : ( كم مع كل رجل ) مميز كم محذوف أي كم رجل مع كل رجل ، قوله : ( أو كما قال ) شك من أبي عثمان ، وفاعل قال عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن للسلطان إذا رأى مسغبة أن يفرقهم على السعة بقدر ما لا يجحف بهم ، قال التيمي : وقال كثير من العلماء : إن في المال حقوقا سوى الزكاة وإنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاثنين واحدا وعلى الأربعة واحدا ، وعلى الخمسة واحدا ، ولم يجعل على الأربعة والخمسة بإزاء ما يجب للاثنين مع الثالث ؛ لأن صاحب العيال أولى أن يرفق به والحاصل فيه أن تشريك الزائد على الأربعة لا يضر بالباقين ، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة لشدة الحال ، وزاد صلى الله عليه وسلم واحدا وواحدا رفقا لصاحب العيال ، وضيق معيشة الواحد والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات . وفيه فضيلة الإيثار والمواساة وأنه عند كثرة الأضياف يوزعهم الإمام على أهل المحلة ويعطي لكل واحد منهم ما يعلم أنه يتحمله ويأخذ هو ما يمكنه ، ومن هذا أخذ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فعله في عام الرمادة على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء ويقول لهم : لم يهلك امرؤ عن نصف قوته وكانت الضرورة ذلك العام وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسغبة قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ومعناه أن المؤمنين يلزمهم القربة في أموالهم لله تعالى عند توجه الحاجة إليهم ، ولهذا قال كثير من العلماء : إن في المال حقا سوى الزكاة وورد في الترمذي مرفوعا ، وفيه بيان ما كان عليه الشارع من الأخذ بأفضل الأمور والسبق إلى السخاء والجود فإن عياله عليه الصلاة والسلام كانوا قريبا من عدد ضيفانه هذه الليلة فأتى بنصف طعامه أو نحوه وأتى أبو بكر رضي الله تعالى عنه بثلث طعامه أو أكثر ، وفيه الأكل عند الرئيس وإن كان عند ضيف إذا كان في داره من يقوم بخدمتهم . وفيه أن الولد والأهل يلزمهم من خدمة الضيف ما يلزم صاحب المنزل . وفيه أن الأضياف ينبغي لهم أن يتأدبوا وينتظروا صاحب الدار ولا يتهافتوا على الطعام دونه ، وفيه الأكل من طعام ظهرت فيه البركة . وفيه إهداء ما ترجى بركته لأهل الفضل . وفيه أن آيات النبي صلى الله عليه وسلم قد تظهر على يد غيره ، وفيه ما كان عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه من حب النبي صلى الله عليه وسلم والانقطاع إليه وإيثاره في ليله ونهاره على الأهل والأضياف ، وفيه كرامة ظاهرة للصديق رضي الله تعالى عنه ، وفيه إثبات كرامات الأولياء وهو مذهب أهل السنة ، وفيه جواز تعريف العرفاء للعساكر ونحوهم . وفيه جواز الاختفاء عن الوالد إذا خاف منه على تقصير واقع منه ، وفيه جواز الدعاء بالجدع والسب على الأولاد عند التقصير . وفيه ترك الجماعة لعذر ، وفيه جواز الخطاب للزوجة بغير اسمها ، وفيه جواز القسم بغير الله ، وفيه حمل المضيف المشقة على نفسه في إكرام الضيفان والاجتهاد في رفع الوحشة وتطييب قلوبهم . وفيه جواز ادخار الطعام للغد ، وفيه مخالفة اليمين إذا رأى غيرها خيرا منها . وفيه أن الراوي إذا شك يجب أن ينبه عليه كما قال : لا أدري هل قال وامرأتي ومثل لفظة أو كما قال ونحوها . وفيه أن الحاضر يرى ما لا يراه الغائب فإن امرأة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما لما رأت أن الضيفان تأخروا عن الأكل تألمت لذلك فبادرت حين قدم تسأله عن سبب تأخره مثل ذلك ، وفيه إباحة الأكل للضيف في غيبة صاحب المنزل وأن لا يمتنعوا إذا كان قد أذن في ذلك لإنكار الصديق في ذلك والله تعالى أعلم .