604 - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ : كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ لَيْسَ يُنَادَى لَهَا فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ بُوقًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ فَقَالَ عُمَرُ : أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَالُ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ . قَوْله : ( إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ . قَوْله : ( حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ) أَيْ مِنْ مَكَّةَ فِي الْهِجْرَةِ . قَوْله : ( فَيَتَحَيَّنُونَ ) بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ نُونٌ ، أَيْ يُقَدِّرُونَ أَحْيَانَهَا لِيَأْتُوا إِلَيْهَا ، وَالْحِينُ الْوَقْتُ وَالزَّمَانُ . قَوْله : ( لَيْسَ يُنَادَى لَهَا ) بِفَتْحِ الدَّالِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : فِيهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ لَيْسَ حَرْفًا لَا اسْمٌ لَهَا وَلَا خَبَرٌ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ سِيبَوَيْهِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهَا خَبَرٌ . قُلْتُ : وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ تُؤَيِّدُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ لَفْظَهُ لَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ . قَوْله : ( فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ اتَّخِذُوا ) لَمْ يَقَعْ لِي تَعَيُّنُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي ذَلِكَ ، وَاخْتَصَرَ الْجَوَابَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَوَقَعَ لِابْنِ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَشَارَ النَّاسَ لِمَا يَجْمَعُهُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَذَكَرُوا الْبُوقَ ، فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَهُودِ . ثُمَّ ذَكَرُوا النَّاقُوسَ ، فَكَرِهَهُ مِنْ أَجْلِ النَّصَارَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ رِوَايَةُ رَوْحِ بْنِ عَطَاءٍ نَحْوَهُ . وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ ، وَعِنْدَ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَتِهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ . قَوْله : ( بَلْ بُوقًا ) أَيْ بَلِ اتَّخِذُوا بُوقًا ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ بَلْ قَرْنًا وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ، وَالنَّسَائِيِّ . وَالْبُوقُ وَالْقَرْنُ مَعْرُوفَانِ ، وَالْمُرَادُ : أَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ فَيَجْتَمِعُونَ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِهِ ، وَهُوَ مِنْ شِعَارِ الْيَهُودِ ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الشَّبُّورُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ الثَّقِيلَةِ . قَوْله : ( فَقَالَ عُمَرُ أَوَلَا ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ كَمَا فِي نَظَائِرِهِ . قَالَ الطِّيبِيُّ : الْهَمْزَةُ إِنْكَارٌ لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى ، أَيِ الْمُقَدَّرَةِ وَتَقْرِيرٌ لِلْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ . قَوْلُهُ : ( رَجُلًا ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ مِنْكُمْ . قَوْله : ( يُنَادَى ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ لَمَّا أَخْبَرَ بِرُؤْيَاهُ وَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَادَرَ عُمَرُ فَقَالَ : أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي - أَيْ يُؤَذِّنُ - لِلرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُمْ يَا بِلَالُ فَعَلَى هَذَا فَالْفَاءُ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هِيَ الْفَصِيحَةُ ، وَالتَّقْدِيرُ فَافْتَرَقُوا فَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَصَّ عَلَيْهِ فَصَدَّقَهُ فَقَالَ عُمَرُ . قُلْتُ : وَسِيَاقُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ يُخَالِفُ ذَلِكَ ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ لَمَّا قَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ أَلْقِهَا عَلَى بِلَالٍ فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا ، قَالَ فَسَمِعَ عُمَرُ الصَّوْتَ فَخَرَجَ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لَمَّا قَصَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ رُؤْيَاهُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ إِشَارَةَ عُمَرَ بِإِرْسَالِ رَجُلٍ يُنَادِي لِلصَّلَاةِ كَانَتْ عَقِبَ الْمُشَاوَرَةِ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ ، وَأَنَّ رُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَتِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ . قَالُوا : اهْتَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّلَاةِ كَيْفَ يَجْمَعُ النَّاسَ لَهَا ، فَقَالَ : انْصِبْ رَايَةً عِنْدَ حُضُورِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَأَوْهَا آذَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ ذَكَرُوا الْقُنْعَ - بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ النُّونِ يَعْنِي الْبُوقَ - وَذَكَرُوا النَّاقُوسَ ، فَانْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ مُهْتَمٌّ فَأُرِيَ الْأَذَانَ ، فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قَالَ : وَكَانَ عُمَرُ رَآهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَكَتَمَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنَا ؟ قَالَ : سَبَقَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فَاسْتَحْيَيْتُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا بِلَالُ قُمْ فَانْظُرْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فَافْعَلْهُ تَرْجَمَ لَهُ أَبُو دَاوُدَ بَدْءُ الْأَذَانِ وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : رَوَى قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ وَهِيَ مِنْ وُجُوهٍ حِسَانٍ وَهَذَا أَحْسَنُهَا . قُلْتُ : وَهَذَا لَا يُخَالِفُهُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ لَمَّا قَصَّ مَنَامَهُ فَسَمِعَ عُمَرُ الْأَذَانَ فَجَاءَ فَقَالَ : قَدْ رَأَيْتُ ، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ عَقِبَ إِخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ بَلْ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ لِقَوْلِهِ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُخْبِرَنَا أَيْ عَقِبَ إِخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ فَاعْتَذَرَ بِالِاسْتِحْيَاءِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي عُمَيْرٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ عُمَرَ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَ قَصِّ عَبْدِ اللَّهِ رُؤْيَاهُ ، بِخِلَافِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ بِهَا فَسَمِعَ عُمَرُ الصَّوْتَ فَخَرَجَ فَقَالَ : فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا عِنْدَ قَصِّ عَبْدِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْله : ( فَنَادِ بِالصَّلَاةِ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فَأَذِّنْ بِالصَّلَاةِ قَالَ عِيَاضٌ : الْمُرَادُ الْإِعْلَامُ الْمَحْضُ بِحُضُورِ وَقْتِهَا لَا خُصُوصُ الْأَذَانِ الْمَشْرُوعِ . وَأَغْرَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ فَحَمَلَ قَوْلَهُ : أَذِّنْ عَلَى الْأَذَانِ الْمَشْرُوعِ ، وَطَعَنَ فِي صِحَّةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ : عَجَبًا لِأَبِي عِيسَى كَيْفَ صَحَّحَهُ . وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ شَرْعَ الْأَذَانِ إِنَّمَا كَانَ بِرُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ . انْتَهَى . وَلَا تُدْفَعُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِمِثْلِ هَذَا مَعَ إِمْكَانِ الْجَمْعِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : إِنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ . قَوْله : ( يَا بِلَالُ قُمْ ) قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ : فِيهِ حُجَّةٌ لِشَرْعِ الْأَذَانِ قَائِمًا . قُلْتُ : وَكَذَا احْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ قُمْ أَيِ اذْهَبْ إِلَى مَوْضِعٍ بَارِزٍ فَنَادِ فِيهِ بِالصَّلَاةِ لِيَسْمَعَكَ النَّاسُ ، قَالَ : وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلْقِيَامِ فِي حَالِ الْأَذَانِ . انْتَهَى . وَمَا نَفَاهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ ، فَإِنَّ الصِّيغَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ مَا قَالَهُ أَرْجَحَ . وَنَقَلَ عِيَاضٌ أَنَّ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّ الْأَذَانَ قَاعِدًا لَا يَجُوزُ ، إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ وَوَافَقَهُ أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيِّ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْخِلَافَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَبِأَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كُلِّهِمْ أَنَّ الْقِيَامَ سُنَّةٌ ، وَأَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ قَاعِدًا صَحَّ ، وَالصَّوَابُ مَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِيَامَ مِنَ السُّنَّةِ . ( فَائِدَةٌ ) : كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي يُنَادِي بِهِ بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ قَوْلُهُ : الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ مَرَاسِيلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ . وَظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ بِلَالًا حِينَئِذٍ إِنَّمَا أُمِرَ بِالْأَذَانِ الْمَعْهُودِ فَذَكَرَ مُنَاسَبَةَ اخْتِصَاصِ بِلَالٍ بِذَاكَ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ لَمَّا عُذِّبَ لِيَرْجِعَ عَنِ الْإِسْلَامِ فَيَقُولُ : أَحَدٌ أَحَدٌ ، فَجُوزِيَ بِوِلَايَةِ الْأَذَانِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ فِي ابْتِدَائِهِ وَانْتِهَائِهِ ، وَهِيَ مُنَاسَبَةٌ حَسَنَةٌ فِي اخْتِصَاصِ بِلَالٍ بِالْأَذَانِ ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ لَيْسَ هُوَ مَحَلَّهَا . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ طَلَبِ الْأَحْكَامِ مِنَ الْمَعَانِي الْمُسْتَنْبَطَةِ دُونَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الظَّوَاهِرِ . قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَعَلَى مُرَاعَاةِ الْمَصَالِحِ وَالْعَمَلِ بِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِمُ التَّبْكِيرُ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَفُوتُهُمْ أَشْغَالُهُمْ ، أَوِ التَّأْخِيرُ فَيَفُوتُهُمْ وَقْتُ الصَّلَاةِ ، نَظَرُوا فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّشَاوُرِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُتَشَاوِرِينَ إِذَا أَخْبَرَ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُمَرَ . وَقَدِ اسْتُشْكِلَ إِثْبَاتُ حُكْمِ الْأَذَانِ بِرُؤْيَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ لِأَنَّ رُؤْيَا غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، وَأُجِيبَ بِاحْتِمَالِ مُقَارَنَةِ الْوَحْيِ لِذَلِكَ ، أَوْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِمُقْتَضَاهَا لِيَنْظُرَ أَيُقَرُّ عَلَى ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَلَا سِيَّمَا لَمَّا رَأَى نَظْمَهَا يَبْعُدُ دُخُولُ الْوَسْوَاسِ فِيهِ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ اجْتِهَادِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَحْكَامِ وَهُوَ الْمَنْصُورُ فِي الْأُصُولِ ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ أَحَدِ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا رَأَى الْأَذَانَ جَاءَ لِيُخْبِرَ بِهِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ الْوَحْيَ قَدْ وَرَدَ بِذَلِكَ فَمَا رَاعَهُ إِلَّا أَذَانُ بِلَالٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : سَبَقَكَ بِذَلِكَ الْوَحْيُ ، وَهَذَا أَصَحُّ مِمَّا حَكَى الدَّاوُدِيُّ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأَذَانِ قَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ، وَعُمَرُ بِثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ ، وَأَشَارَ السُّهَيْلِيُّ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ابْتِدَاءِ شَرْعِ الْأَذَانِ عَلَى لِسَانِ غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّنْوِيهُ بِعُلُوِّ قَدْرِهِ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ لِيَكُونَ أَفْخَمَ لِشَأْنِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب بَدْءُ الْأَذَانِ · ص 96 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب بدء الأذان · ص 400 الحديث الثاني : 604 - ثنا محمود بن غيلان : ثنا عبد الرزاق : ثنا ابن جريج : أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ، ليس ينادى لها ، فتكلموا يوما في ذلك ، فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى . وقال بعضهم : بل بوقا مثل قرن اليهود . فقال عمر : أولا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال ، قم فناد بالصلاة . وخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق وحجاج ، كلاهما عن ابن جريج به ، بنحوه . والحديث صريح في أن المسلمين أول ما قدموا المدينة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - معهم لم يكونوا ينادون للصلاة ، وإنما كانوا أولا يتحينون الصلاة - يعني : يقدرون أحيانها ليأتوا إليها - والحين : الوقت والزمان - ثم إنهم تشاوروا في ذلك وتكلموا فيه لما شق عليهم التحين ، فربما كان منهم من يتقدم قبل الوقت ، فيفوته ما كان يعمل ، ومنهم من كان يتأخر فتفوته الصلاة . وقد روى فليح ، عن زيد بن أبي أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ ، أن الناس كانوا يتحينون وقت الصلاة ، فيصلون بغير أذان ، فإذا حضرت الصلاة فمنهم من يدرك ، وأكثرهم لا يدرك ، فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك - وذكر حديث عبد الله بن زيد بطوله - ؛ فلما أهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ذلك اجتمعوا فتشاوروا في أمر يعلمون به وقت الصلاة ويجتمعون عليه في المسجد . وفي هذا : دليل على استحباب التشاور في مصالح الدين والاهتمام بها ، فلما تشاوروا أشار بعضهم بالناقوس كفعل النصارى ، وأشار بعضهم بالبوق كفعل اليهود ، فقال عمر : أَوَلَا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة . وهذا من إلهام عمر للحق ونطقه به ، وقد كان كثيرا ما ينطق بالشيء فينزل الوحي بموافقته ، وهذا مما نزل القرآن بتصويب قوله . وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا بلال ، قم فناد بالصلاة يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ما أشار به عمر دون غيره . وأمره - صلى الله عليه وسلم - بالنداء بالصلاة ، يحتمل أنه أمره أن ينادي في الطرقات : الصلاة ، الصلاة كما تقدم في الحديث الذي خرجه ابن خزيمة ، ويكون ذلك قبل أن يشرع الأذان . ويحتمل أنه أمره بالأذان ، وهو أظهر . ويحتمل أن عمر إنما أشار بذلك بعد أن رآه في منامه ، ويدل عليه ما روي عن عمر ، وعن ابن عمر - أيضا - : أما المروي عن عمر ، فمن طريق سفيان بن وكيع : أبنا عبد الله بن رجاء ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن عمر ، قال : ائتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حين قدموا المدينة : كيف يجعلون الأذان بالصلاة يجتمعون لها ؟ فائتمروا بالناقوس . قال عمر : فرأيت في المنام : لم تجعلون الناقوس بل أذنوا . فذهب عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي بذلك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سبقك الوحي بذلك يا عمر . قال : فذهبت إلى الصلاة ، فإذا بلال يهتف بالأذان . خرجه الإسماعيلي في مسند عمر . وسفيان بن وكيع ، فيه ضعف . وهو مرسل . وخرجه أبو داود في المراسيل : ثنا أحمد بن إبراهيم : ثنا حجاج ، عن ابن جريج : أخبرني عطاء ، أنه سمع عبيد بن عمير يقول : ائتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وأصحابه ، كيف يجعلون شيئا إذا أرادوا جمع الصلاة اجتمعوا لها [به] ، فائتمروا بالناقوس ، فبينما عمر يريد أن يبتاع خشبتين لناقوس إذ رأى عمر في المنام أن لا تجعلوا الناقوس ، بل أذنوا بالصلاة ، فذهب عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليخبره بالذي رأى ، وقد جاء الوحي بذلك ، فما راع عمر إلا بلال يؤذن ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : سبقك بذلك الوحي ، حين أخبره عمر بذلك . وقد روى مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أراد أن يتخذ خشبتين يضربهما ليجمع الناس للصلاة ، فأري عبد الله بن زيد خشبتين في النوم ، فقال : إن هاتين الخشبتين لنحو مما يريده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل : ألا تؤذنون للصلاة ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين استيقظ ، فذكر ذلك له ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأذان . وأما المروي عن ابن عمر ، فمن طريق عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - استشار الناس لما يهمهم للصلاة ، فذكروا البوق ، فكرهه من أجل اليهود . ثم ذكروا الناقوس ، فكرهه من أجل النصارى ، فأري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار - يقال له : عبد الله بن زيد - وعمر بن الخطاب ، فطرق الأنصاري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلا ، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلالا فأذن به . قال الزهري : وزاد بلال في نداء الغداة : الصلاة خير من النوم - مرتين - ؛ فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قال عمر : يا رسول الله ؛ قد رأيت مثل الذي رأى ، ولكنه سبقني . خرجه ابن ماجه . وخرجه ابن سعد من طريق مسلم بن خالد : حدثني عبد الرحيم بن عمر ، عن ابن شهاب - بإسناده ، ومعناه . وفي كون هذا الحديث محفوظا عن الزهري بهذا الإسناد نظر ؛ فإن المعروف : رواية الزهري ، عن ابن المسيب - مرسلا . وروي عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن عبد الله بن زيد . وحديث عبد الله بن زيد ، قد روي من وجوه : أحدها : رواية ابن إسحاق : حدثني محمد بن إبراهيم التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن زيد ، عن أبيه - بسياق مطول - وفيه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر بعمل الناقوس طاف بعبد الله وهو نائم رجل يحمل ناقوسا ، فقال له : يا عبد الله ، أتبيع الناقوس ؟ قال : فما تصنع به ؟ قال : ندعوا به إلى الصلاة ، قال : أفلا أدلك على خير من ذلك ؟ قال : بلى ، قال : تقول : الله أكبر ، فعلمه الأذان مثنى مثنى ، والإقامة مرة مرة . فلما أصبح أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره ، فقال له : الرؤيا حق إن شاء الله ، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت ؛ فإنه أندى صوتا منك . قال : فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ، وبلال يؤذن به . قال : فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته ، فخرج يجر رداءه ، ويقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله ، لقد رأيت مثل ما رأى . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فلله الحمد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي ، وصححه ، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما . وحكى البيهقي أن الترمذي حكى في علله عن البخاري ، أنه قال : هو عندي صحيح . وبه استدل الإمام أحمد ، وعليه اعتمد . وقال الخطابي : قد روي هذا الحديث والقصة بأسانيد مختلفة ، وهذا الإسناد أصحها . وحكى ابن خزيمة عن محمد بن يحيى الذهلي ، أنه قال : ليس في أخبار عبد الله بن زيد في قصة الأذان خبر أصح من هذا ؛ لأن محمد بن عبد الله سمعه من أبيه . قال ابن خزيمة : خبر ابن إسحاق ثابت صحيح ؛ لأن محمد بن عبد الله بن زيد سمعه من أبيه ، وابن إسحاق سمعه من التيمي . كذا قال ؛ وقد توقف البخاري في تاريخه في سماع محمد بن عبد الله بن زيد من أبيه ، فقال : عبد الله بن محمد بن عبد الله بن زيد ، عن أبيه ، عن جده ، لم يذكر سماع بعضهم من بعض . قال الحاكم : إنما ترك الشيخان حديث عبد الله بن زيد بهذا الإسناد ؛ لتقدم موت عبد الله بن زيد ، فقد قيل : إنه [استشهد بأحد ] . وقيل : بعد ذلك بيسير . انتهى . وعلى هذا ؛ فجميع الروايات عنه مرسلة . وخرج أبو داود من حديث أبي عمير بن أنس ، عن عمومة له من الأنصار ، قالوا : اهتم النبي - صلى الله عليه وسلم - للصلاة كيف يجمع لها الناس ؟ فقيل له : انصب راية عند حضور الصلاة ، فإذا رأوها أخبر بعضهم بعضا ، فلم يعجبه - وذكر الحديث بطوله ، ورؤيا عبد الله بن زيد الأذان في منامه - قال : وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك ، فكتمه عشرين يوما - وذكر بقية الحديث . وخرج - أيضا - من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، قال : سمعت ابن أبي ليلى يقول : ثنا أصحابنا ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين واحدة ، حتى لقد هممت أن أبث رجالا في الدور ، ينادون الناس بحين الصلاة ، وحتى هممت أن آمر رجالا يقومون على الآكام ، ينادون المسلمين بحين الصلاة . قال : فجاء رجل من الأنصار ، فقال : يا رسول الله ، إني لما رجعت لما رأيت من اهتمامك رأيت رجلا كان عليه ثوبان أخضران ، فقام على المسجد فأذن ، ثم قعد قعدة ، ثم قام فقال مثلها ، إلا أنه يقول : قد قامت الصلاة ، ولولا أن يقولوا لقلت إني كنت يقظانا غير نائم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقد أراد الله خيرا ، فمر بلالا فيؤذن . قال : فقال عمر : إني قد رأيت مثل ما رأى ، ولكني لما سبقت استحييت . وخرجه - أيضا - من طريق المسعودي ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن معاذ - فذكره . ورواه حصين وغيره ، عن عمرو بن مرة ، عن ابن أبي ليلى ، عن عبد الله بن زيد . وابن أبي ليلى ، لم يسمع من معاذ ، ولا من عبد الله بن زيد ، فروايته عنهما منقطعة . ورواية شعبة أصح . وتابعه الأعمش ، فرواه عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : ثنا أصحاب محمد ، أن عبد الله بن زيد رأى الأذان في المنام - فذكره . وهذا إسناد جيد متصل ، وعدم تسمية الصحابة لا يضر ؛ فإنهم كلهم عدول - رضي الله عنهم . لكن اختلف على الأعمش ، وروي عنه ، عن عمرو ، عن ابن أبي ليلى - مرسلا . وقال العقيلي : الرواية في هذا الباب فيها لين ، وبعضها أفضل من بعض . يشير إلى حديث عبد الله بن زيد ورؤيته الأذان في منامه . وعبد الله بن زيد هذا ، هو : ابن عبد ربه الأنصاري ، من الخزرج . قال الترمذي : لا يصح له غير حديث الأذان . وزعم ابن عيينة أنه صاحب حديث الوضوء عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ، أنصاري من بني النجار ، وهو عم عباد بن تميم . وله أحاديث متعددة مرسلة ، منها : عن معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، قالوا : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يؤمر بالأذان ينادي منادي النبي - صلى الله عليه وسلم - : الصلاة جامعة ، فيجتمع الناس ، فلما صرفت القبلة إلى الكعبة أمر بالأذان ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أهمه أمر الأذان ، وأنهم ذكروا أشياء يجمعون بها الناس للصلاة - وذكر بقية الحديث ، ورؤيا عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب - ، ثم قال : قالوا : [وأذن بالأذان وبقي مناد في الناس : الصلاة جامعة ، للأمر بحديث] ، وإن كان في غير وقت صلاة . ففي هذه الرواية : أن الأذان كان بعد صرف القبلة إلى الكعبة ، وكان صرف القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية . وقد روي ما يستدل به على أن الأذان إنما شرع بعد غزوة بدر بعد صرف القبلة بيسير . ففي المسند وغيره عن حارثة بن مضرب ، عن علي ، قال : لما كان ليلة بدر وطلع الفجر نادى : الصلاة عباد الله ، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف ، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد روى وكيع في كتابه عن هشام ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كان بدء الأذان إذا حضرت الصلاة نودي : الصلاة الجامعة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو اتخذتم ناقوسا أو كبرا ، الكبر - بفتحتين - : الطبل ذو الرأسين . وقيل : الطبل الذي له وجه واحد . فرأى ابن زيد في المنام رجلا في يده عود ، قال : ما تصنع به ؟ قال : نتخذه ناقوسا ، قال : أولا أدلك على ما هو خير من ذلك ، إذا حضرت الصلاة قام أحدكم فيشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . وقد روي أنه زيد في الأذان كلمات ، كما سبق عن الزهري : أن بلالا زاد في أذان الفجر : الصلاة خير من النوم مرتين ، فأقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وقد خرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن عبد الله بن زيد - في سياق حديثه الطويل - وقال في آخره : قال سعيد بن المسيب : فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر . وخرجه ابن أبي شيبة ، عن عبدة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، ولم يذكر فيه : عبد الله بن زيد ، وجعله كله من رواية ابن المسيب . والأشبه : أن ذكر زيادة بلال في آخر الحديث مدرجة من قول الزهري ؛ كما سبق . ورواها معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن بلال . خرجه من طريقه ابن ماجه . وابن المسيب ، لم يسمع من بلال - أيضا . ورواها النعمان بن المنذر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة . ورواها صالح بن أبي الأخضر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . خرجه الطبراني من الطريقين . ورواها يونس ، عن الزهري ، عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن ، قال : حدثني أهلي أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره . ورواها شعيب ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب - مرسلا . خرجه من الطريقين البيهقي . والمرسل أشبه . وخرج أبو داود في مراسيله من طريق يونس ، عن ابن شهاب : أخبرني حفص بن عمر بن سعد المؤذن ، أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره . وفي رواية له : عن حفص بن عمر بن سعد : حدثني أهلي ، عن بلال . وروى الحديث بطوله ، بدون هذه الزيادة : أبو صالح ، عن الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب : أخبرني سعيد بن المسيب - فذكره كله مرسلا . وكذا رواه معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب - مرسلا . وروي : أن عمر أمر بلالا بزيادة الشهادة بالرسالة في الأذان . خرجه ابن خزيمة في صحيحه والإسماعيلي من رواية عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، أن بلالا كان يقول إذا أذن : أشهد أن لا إله إلا الله ، حي على الصلاة ، فقال عمر : قل في إثرها : أشهد أن محمدا رسول الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قل ما أمرك عمر . عبد الله بن نافع ، ضعيف جدا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب بدء الأذان · ص 105 2 - حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني نافع أن ابن عمر كان يقول : كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم : اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى ، وقال بعضهم : بل بوقا مثل قرن اليهود فقال عمر : أو لا تبعثون رجلا منكم ينادي بالصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال قم فناد بالصلاة . مطابقته للترجمة في قوله : ( يا بلال قم فناد بالصلاة ) ( فإن قلت ) : كيف يطابق الترجمة والترجمة في بدء الأذان ، والحديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بالنداء بالصلاة ، والنداء لا يفهم منه الأذان المعهود بالكلمات المخصوصة ( قلت ) : المراد بالنداء الأذان المعهود ويدل عليه أن الإسماعيلي أخرج هذا الحديث ولفظه : ( فأذن بالصلاة ) وكذا قال أبو بكر بن العربي : إن المراد الأذان المشروع ( فإن قلت ) : قال القاضي عياض : المراد الإعلام المحض بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع ( قلت ) : يحمل أنه استند في ذلك على ظاهر اللفظ ولئن سلمنا ما قاله فالمطابقة بينهما موجودة باعتبار أن أمره صلى الله عليه وسلم لبلال بالنداء بالصلاة كان بدء الأمر في هذا الباب فإنه لم يسبق أمر بذلك قبله بل إنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم بعد تحينهم للصلاة وتشاورهم فيما بينهم ماذا يفعلون في الإعلام بالصلاة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة قد تكرر ذكرهم ، وغيلان بالغين المعجمة وابن جريج هو عبد الملك . ( ومن لطائفه ) التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار في موضعين أحدهما : بصيغة الجمع ، والآخر : بصيغة الإفراد من الماضي ، وفيه القول في أربعة مواضع . ( بيان من أخرحه غيره ) وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن هارون بن عبد الله ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن أبي بكر بن أبي النضر ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن إسماعيل وإبراهيم بن الحسن . ( ذكر معناه ) قوله : ( إن ابن عمر كان يقول ) وفي رواية مسلم ، عن عبد الله بن عمر أنه قال قوله : ( حين قدموا المدينة ) أي : من مكة مهاجرين ، قوله : ( فيتحينون ) بالحاء المهملة أي : يقدرون حينها ليأتوا إليها وهو من التحين من باب التفعل الذي وضع للتكلف غالبا ، والتحين من الحين وهو الوقت والزمن ، قوله : ( ليس ينادى لها ) أي : للصلاة وهو على بناء المفعول ، وقال ابن مالك : هذا شاهد على جواز استعمال ليس حرفا لا اسم لها ولا خبر لها أشار إليها سيبويه ، ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن والجملة بعدها خبرا ، قوله : ( اتخذوا ) على صورة الأمر ، قوله : ( بوقا ) أي قال بعضهم : اتخذوا بوقا بضم الباء الموحدة وبعد الواو الساكنة قاف وهو الذي ينفخ فيه ووقع في بعض النسخ ( بل قرنا ) وهي رواية مسلم والنسائي ، والبوق والقرن معروفان وهو من شعار اليهود ، ويسمى أيضا الشبور بفتح الشين المعجمة وضم الباء الموحدة المثقلة ، قوله : ( فقال عمر أولا تبعثون ) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر أي : أتقولون بموافقتهم ولا تبعثون ، وقال الطيبي : الهمزة إنكار للجملة الأولى أي : المقدرة وتقرير للجملة الثانية ، قوله : ( رجلا منكم ) هكذا رواية الكشميهني وليس لفظة منكم في رواية غيره ، قوله : ( ينادي ) جملة فعلية مضارعية في محل النصب على الحال من الأحوال المقدرة ، وقال القرطبي : يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم بادر عمر رضي الله تعالى عنه فقال : ( أولا تبعثون رجلا ينادي ) أي : يؤذن بالرؤيا المذكورة ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قم يا بلال ) فعلى هذا فالفاء في قوله : ( فقال عمر ) فاء الفصيحة ، والتقدير : فافترقوا فرأى عبد الله بن زيد فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه فصدقه فقال عمر : أولا تبعثوني انتهى ( قلت ) : هذا يصرح أن معنى قوله عليه السلام : ( قم يا بلال فناد بالصلاة ) أي : فأذن بالرؤيا المذكورة ، وقال بعضهم : وسياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك فإن فيه لما قص رؤياه على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال له : ألقها على بلال فليؤذن بها قال : فسمع عمر الصوت فخرج فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : لقد رأيت مثل الذي رأى فدل على أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي بالصلاة كانت عقيب المشاورة فيما يفعلونه وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك ( قلت ) : أما حديث عبد الله بن زيد فأخرجه أبو داود حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال : حدثنا أبي عبد الله بن زيد قال: ( لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده فقلت : يا عبد الله أتبيع الناقوس ؟ قال : وما تصنع به ؟ فقلت : ندعو به إلى الصلاة فقال : ألا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ قال : فقلت له : بلى فقال : تقول : الله أكبر الله أكبر ، الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ثم استأخر غير بعيد ثم قال : ثم تقول إذا أقمت إلى الصلاة : الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، فلما أصبحت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيته فقال : إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتا منك فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال : فسمع ذلك عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول : والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما رأى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلله الحمد ) وأخرجه الترمذي أيضا فلم يذكر فيه كلمات الأذان ولا الإقامة ، وقال حديث حسن صحيح ، ورواه ابن ماجه أيضا فلم يذكر فيه لفظ الإقامة وزاد فيه شعرا فقال عبد الله بن زيد في ذلك : أحمد الله ذا الجلال وذا الإ كرام حمدا على الأذان كثيرا إذ أتاني به البشير من الله فألم به لدي بشيرا في ليال وافي بهن ثلا ث كلما جاء زادني توقيرا وأخرج ابن حبان أيضا هذا الحديث في صحيحه ، ورواه أحمد في مسنده وقال أبو عمر ابن عبد البر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عبد الله بن زيد في بدء الأذان جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ، ومعان متقاربة وكلها تتفق على أمره عند ذلك والأسانيد في ذلك من وجوه صحاح ، وفي موضع آخر من وجوه حسان ، ونحن نذكر أحسنها فذكر ما رواه أبو داود حدثنا عباد بن موسى الختلي ، وحدثنا زياد بن أيوب وحديث عباد أتم قالا أخبرنا هشيم ، عن أبي بشر قال زياد : أخبرنا أبو بشر ، عن أبي عمير بن أنس ، عن عمومة له من الأنصار قال : ( اهتم النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها ؟ فقيل له : انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك قال فذكر له القنع يعني الشبور وقال زياد : شبور اليهود فلم يعجبه ذلك ، وقال هو من أمر اليهود قال : فذكر له الناقوس فقال : هو من أمر النصارى فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهم النبي صلى الله عليه وسلم فأري الأذان في منامه قال : فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : يا رسول الله إني لبين نائم ويقظان إذ أتاني آت فأراني الأذان قال : وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما قال : ثم أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما منعك أن تخبرنا فقال : سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد الله ابن زيد فافعله فأذن بلال ) فأبو داود ترجم لهذا الحديث بقوله : ( باب بدء الأذان ) فهذا الذي هو أحسن أحاديث هذا الباب كما ذكره أبو عمر يقوي كلام القرطبي الذي ذكرناه آنفا لأنه ليس فيه ما يخالف حديث عبد الله بن زيد بهذه الطريقة لأنه لم يذكر فيها أن عمر سمع الصوت فخرج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فدل بحسب الظاهر أن عمر رضي الله تعالى عنه كان حاضرا فهو يرد كلام بعضهم الذي ذكرناه عنه وهو قوله : فدل على أن عمر لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤيا إلى آخر ما ذكره فافهم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن قوله : ( قم يا بلال فناد أو فأذن ) يدل على مشروعية الأذان قائما وأنه لا يجوز قاعدا وهو مذهب العلماء كافة إلا أبا ثور فإنه جوزه ووافقه أبو الفرج المالكي رحمه الله تعالى ، واستضعفه النووي لوجهين أحدهما : المراد بالنداء هاهنا الإعلام . الثاني : المراد قم واذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان قال النووي : ومذهبنا المشهور أنه سنة فلو أذن قاعدا بغير عذر صح أذانه لكن فاتته الفضيلة ولم يثبت في اشتراط القيام شيء وفي كتاب أبي الشيخ بسند لا بأس به ، عن وائل بن حجر قال : حق وسنة مسنونة ألا يؤذن إلا وهو طاهر ولا يؤذن إلا وهو قائم وفي المحيط : إن أذن لنفسه فلا بأس أن يؤذن قاعدا من غير عذر مراعاة لسنة الأذان وعدم الحاجة إلى إعلام الناس وإن أذن قاعدا لغير عذر صح وفاتته الفضيلة وكذا لو أذن قاعدا مع قدرته على القيام صح أذانه ، وفيه دليل على مشروعية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة دون الاقتصار على الظواهر ، وفيه منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وفيه التشاور في الأمور المهمة وأنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده ثم صاحب الأمر يفعل ما فيه المصلحة ، وفيه التحين لأوقات الصلاة . ( فوائد ) الأولى الاستشكال في إثبات الأذان برؤيا عبد الله بن زيد لأن رؤيا غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يبنى عليها حكم شرعي ، والجواب مقارنة الوحي لذلك ، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة : ( أول من أذن بالصلاة جبريل عليه الصلاة والسلام في السماء الدنيا فسمعه عمر وبلال رضي الله تعالى عنهما فسبق عمر بلالا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال : سبقك بها عمر ) وقال الداودي : روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام ذكره ابن إسحاق قال : وهو أحسن ما جاء في الأذان وقد ذكرنا في أول الباب أن الزمخشري نقل عن بعضهم أن الأذان بالوحي لا بالمنام وحده ، وفي كتاب أبي الشيخ من حديث عبد العزيز بن عمران ، عن أبي المؤمل ، عن أبي الرهين ، عن عبد الله بن الزبير قال : أخذ الأذان من أذان إبراهيم عليه الصلاة والسلام وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا الآية ، قال فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال السهيلي : الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل ولم يكن بوحي فلأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أريه ليلة الإسراء فوق سبع سماوات وهو أقوى من الوحي فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة فلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما كان رآه في السماء قال : إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى ، وعلم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض وقوي ذلك موافقة رؤيا عمر مع أن السكينة تنطق على لسان عمر رضي الله تعالى عنه واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على غير لسان النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من التنويه بعبده والرفع لذكره فلأن يكون ذلك على لسان غيره أنوه وأفخر لشأنه وهو معنى قوله تعالى : وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ وروى عبد الرزاق وأبو داود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير الليثي أحد كبار التابعين ( أن عمر رضي الله تعالى عنه لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : سبقك بذلك الوحي . ( الثانية ) هل أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم قط بنفسه فروى الترمذي من طريق يدور على عمر بن الرماح يرفعه إلى أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم السماء من فوقهم والبلة من أسفلهم هكذا قاله السهيلي : وقال صاحب التلويح هذا الحديث لم يخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة كما ذكره السهيلي وإنما هو عنده من حديث عمر بن الرماح ، عن كثير بن زياد ، عن عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة الثقفي ، عن أبيه ، عن جده وقال أبو عيسى : هذا حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح البلخي لا يعرف إلا من حديثه ، ومن هذه الطريقة أخرجه البيهقي وضعفه وكذا ابن العربي وسكت عنه الإشبيلي وعاب ذلك عليه ابن القطان بأن عمرا وأباه عثمان لا يعرف حالهما ، ولما ذكره النووي صححه ، ومن حديث يعلى أخرجه أحمد في مسنده وأحمد بن منيع وابن أمية والطبراني في الكبير والأوسط والعدني وفي التاريخ للأثرم وتاريخ الخطيب وغيرهم ، وقال الذهبي : يعلى بن مرة بن وهب الثقفي بايع تحت الشجرة وله دار بالبصرة . الثالثة : الترجيع في الأذان وهو أن يرجع ويرفع صوته بالشهادتين بعدما خفض بهما ، وبه قال الشافعي ومالك إلا إنه لا يؤتى بالتكبير في أوله إلا مرتين وقال أحمد : إن رجع فلا بأس به ، وإن لم يرجع فلا بأس به وقال أبو إسحاق من أصحاب الشافعي : إن ترك الترجيع يعتد به وحكى عن بعض أصحابه أنه لا يعتد به كما لو ترك سائر كلماته كذا في الحلية ، وفي شرح الوجيز ، والأصح أنه إن ترك الترجيع لم يضره وحجة الشافعي حديث أبي محذورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه الأذان : الله أكبر الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ثم يعود فيقول : أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة حي على الصلاة ، حي على الفلاح حي على الفلاح ، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ) رواه الجماعة إلا البخاري من حديث عبد الله بن محيريز ، عن أبي محذورة ، وحجة أصحابنا حديث عبد الله بن زيد من غير ترجيع فيه ، وكأن حديث أبي محذورة لأجل التعليم فكرره فظن أبو محذورة أنه ترجيع وأنه في أصل الأذان ، وروى الطبراني في معجمه الأوسط ، عن أبي محذورة أنه قال : ( ألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان حرفا حرفا الله أكبر الله أكبر إلى آخره لم يذكر فيه ترجيعا ، وأذان بلال بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا وحضرا وهو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطباق أهل الإسلام إلى أن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومؤذن أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى أن توفي من غير ترجيع . ( الرابعة ) أن التكبير في أول الأذان مربع على ما في حديث أبي محذورة رواه مسلم وأبو عوانة والحاكم وهو المحفوظ ، عن الشافعي من حديث ابن زيد رضي الله عنه وقال أبو عمر : ذهب مالك وأصحابه إلى أن التكبير في أول الأذان مرتين قال : وقد روي ذلك من وجوه صحاح في أذان أبي محذورة وأذان ابن زيد والعمل عندهم بالمدينة على ذلك في آل سعد القرظ إلى زمانهم ، قلنا : الذي ذهبنا إليه هو أذان الملك النازل من السماء . ( الخامسة ) في أذان الفجر الصلاة خير من النوم مرتين بعد الفلاح لما روى الطبراني في معجمه الكبير بإسناده ، عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصبح فوجده راقدا فقال : الصلاة خير من النوم مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أحسن هذا يا بلال اجعله في أذانك ، وأخرجه الحافظ أبو الشيخ في كتاب الأذان له ، عن ابن عمر قال : جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بالصلاة فوجده قد أغفى فقال : الصلاة خير من النوم فقال له : اجعله في أذانك إذا أذنت للصبح ، فجعل بلال يقولها إذا أذن للصبح ) ورواه ابن ماجه من حديث سعيد بن المسيب ، عن بلال أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بصلاة الفجر فقيل : هو نائم فقال : الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم فأقرت في تأذين الفجر ، وخص الفجر به لأنه وقت نوم وغفلة . ( السادسة ) في معاني كلمات الأذان ذكر ثعلب أن أهل العربية اختلفوا في معنى أكبر فقال أهل اللغة : معناه كبير واحتجوا بقوله تعالى : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ معناه وهو هين عليه وكما في قول الشاعر : تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد أي لست فيها بواحد وقال الكسائي ، والفراء ، وهشام : معناه أكبر من كل شيء فحذفت من كما في قول الشاعر : إذا ما ستور البيت أرخيت لم يكن سراج لنا إلا ووجهك أنور أي أنور من غيره ، وقال ابن الأنباري : وأجاز أبو العباس الله أكبر واحتج بأن الأذان سمع وقفا لا إعراب فيه ، قوله : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) معناه أعلم وأبين ومن ذلك شهد الشاهد عند الحاكم معناه قد بين له وأعلمه الخبر الذي عنده ، وقال أبو عبيدة : معناه أقضي كما في شَهِدَ اللَّهُ معناه قضى الله وقال الزجاجي : ليس كذلك وإنما حقيقة الشهادة هو تيقن الشيء وتحققه من شهادة الشيء أي : حضوره ، قوله : ( رسول الله ) قال ابن الأنباري : الرسول معناه في اللغة الذي تتابع الأخبار من الذي بعثه من قول العرب قد جاءت الإبل رسلا أي : جاءت متتابعة ، ويقال في تثنيته : رسولان ، وفي جمعه رسل ، ومن العرب من يوحده في موضع التثنية والجمع فيقول الرجلان رسولك والرجال رسولك قال الله تعالى: إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ وفي موضع آخر إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ففي الأول : خرج الكلام على ظاهره لأنه إخبار عن موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام ، وفي الثاني : بمعنى الرسالة كأنه قال : إنا رسالة رب العالمين قاله يونس ، وقال أبو إسحاق الزجاج : ليس ما ذكره ابن الأنباري في اشتقاق الرسول صحيحا ، وإنما الرسول المرسل المبعد من أرسلت أي أبعدت وبعثت وإنما توهم في ذلك لأنه رآه على فعول فتوهمه مما جاء على المبالغة ولا يكون ذلك إلا لتكرار الفعل فهو ضروب وشبهه ، وليس كذلك وإنما هو اسم لغير تكثير الفعل بمنزلة عمود وعنود ، وقال ابن الأنباري : وفصحاء العرب أهل الحجاز ومن والاهم يقولون : أشهد أن محمدا رسول الله وجماعة من العرب يبدلون من الألف عينا فيقولون أشهد عن ، قوله : ( حي على الصلاة ) قال الفراء : معناه هلم ، وفتحت الياء من حي لسكون الياء التي قبلها ، وقال ابن الأنباري : فيه ست لغات حي هلا بالتنوين ، وفتح اللام بغير تنوين ، وتسكين الهاء وفتح اللام بغير تنوين ، وفتح الهاء وسكون اللام وحي هلن وحي هلين قاله الزجاجي . الوجه الخامس : بالنون هو الأول بعينه لأن التنوين والنون سواء ، ومعنى الفلاح الفوز يقال : أفلح الرجل إذا فاز .