9 - بَاب وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ وَجَبَ . 6612 - حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا : أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ . وَقَالَ شَبَابَةُ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ : بَابُ وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ : وَحَرَامٌ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَزِيَادَةِ الْأَلْفِ وَزَادُوا بَقِيَّةَ الْآيَةِ ، وَالْقِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ ، وَقَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ بِفَتْحَتَيْنِ وَأَلِفٍ ، وَهُمَا بِمَعْنًى كَالْحَلَالِ وَالْحِلِّ ، وَجَاءَ فِي الشَّوَاذِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِرَاءَاتٌ أُخْرَى بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَثْلِيثِ الرَّاءِ ، وَبِالضَّمِّ أَشْهَرُ ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ ، قَالَ الرَّاغِبُ : فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ هُوَ تَحْرِيمُ تَسْخِيرٍ ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ : وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ قَوْلُهُ : لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا كَذَا جَمَعَ بَيْنَ بَعْضِ كُلٍّ مِنَ الْآيَتَيْنِ ، وَهُمَا مِنْ سُورَتَيْنِ إِشَارَةً إِلَى مَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : مَا قَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا - إِلَى قَوْلِهِ - كَفَّارًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ : وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ قُلْتُ : وَدُخُولُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ ظَاهِرٌ ؛ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي سَبْقَ عِلْمِ اللَّهِ بِمَا يَقَعُ مِنْ عَبِيدِهِ . قَوْلُهُ : وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعْمَانِ : هُوَ الْيَشْكُرِيُّ بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْكَافِ بَصْرِيٌّ سَكَنَ مَرْوَ ثُمَّ بُخَارَى ، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الصَّوَابَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ . قَوْلُهُ : عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَحِرْمٌ بِالْحَبَشِيَّةِ : وَجَبَ ، لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا التَّعْلِيقِ مَوْصُولًا ، وَقَرَأَتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ وَغَيْرُهُ فَقَالُوا : أَخْرَجَهُ أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ قَهْزَادَ ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ . قُلْتُ : وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ أَبِي جَعْفَرٍ ، الطَّبَرِيِّ ، وَإِنَّمَا فِيهِ وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ جَمِيعًا مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى : وَحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ، قَالَ : وَجَبَ وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : حِرْمٌ : عَزَمَ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : وَحِرْمٌ وَجَبَ بِالْحَبَشِيَّةِ ، وَبِالسَّنَدِ الْأَوَّلِ قَالَ : وَقَوْلُهُ أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَيْ : لَا يَتُوبُ مِنْهُمْ تَائِبٌ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ أُهْلِكُوا بِالطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنِ الْكُفْرِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْكَفَرَةِ الْهَالِكِينَ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ ، وَقِيلَ فِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ اسْتِيعَابِهَا ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ بِالتَّرْجَمَةِ وَالْمُطَابِقُ لِمَا ذَكَرَ مَعَهُ مِنَ الْآثَارِ وَالْحَدِيثِ . قَوْلُهُ ( مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ قَوْلُهُ : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ شَبَابَةُ : حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ ، هُوَ ابْنُ عُمَرَ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَأَنَّ طَاوُسًا سَمِعَ الْقِصَّةَ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَانَ سَمِعَ الْحَدِيثَ الْمَرْفُوعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، بَعْدَ أَنْ سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ ، وَبَيَّنْتُ الِاخْتِلَافَ فِي رَفْعِ الْحَدِيثِ وَوَقْفِهِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ شَبَابَةَ هَذِهِ مَوْصُولَةً ، وَكُنْتُ قَرَأَتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ أَنَّ الطَّبَرَانِيَّ وَصَلَهَا فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، عَنِ ابْنِ الْمُنَادِي عَنْهُ ، وَقَلَّدْتُهُمَا فِي ذَلِكَ فِي تَغْلِيقِ التَّعْلِيقِ ، ثُمَّ رَاجَعْتُ الْمُعْجَمَ الْأَوْسَطَ فَلَمْ أَجِدْهَا . قَوْلُهُ : بِاللَّمَمِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمِيمِ ، هُوَ مَا يُلِمُّ بِهِ الشَّخْصُ مِنْ شَهَوَاتِ النَّفْسِ ، وَقِيلَ : هُوَ مُقَارَفَةُ الذُّنُوبِ الصِّغَارِ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : اللَّمَمُ مُقَارَفَةُ الْمَعْصِيَةِ ، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الصَّغِيرَةِ ، وَمُحَصَّلُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ تَخْصِيصُهُ بِبَعْضِهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ اللَّمَمِ أَوْ فِي حُكْمِ اللَّمَمِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ ) أَيْ قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، أَوْ أَمَرَ الْمَلَكَ بِكِتَابَتِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي قَرِيبًا . قَوْلُهُ : أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِ مَا قُدِّرَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَعْمَلُهُ ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كُلُّ مَا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى الْآدَمِيِّ فَهُوَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهِ ، وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْفَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ يُلَامُ إِذَا وَاقَعَ مَا نُهِيَ عَنْهُ بِحَجْبِ ذَلِكَ عَنْهُ وَتَمْكِينِهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالطَّاعَةِ ، فَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْلَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُجْبِرَةِ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ : وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَهِيَ بِخِلَافِ الْمُلْجَأِ . قَوْلُهُ : حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا ، إِطْلَاقُ الزِّنَا عَلَى اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَغَيْرِهِمَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ . قَوْلُهُ : فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ ، أَيْ : إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لِلنَّاظِرِ ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : النُّطْقُ ، بِضَمِّ النُّونِ بِغَيْرِ مِيمٍ فِي أَوَّلِهِ . قَوْلُهُ : ( وَالنَّفْسُ تَمَنَّى ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَالْأَصْلُ تَتَمَنَّى . قَوْلُهُ : وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ، يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْحُكْمُ بِمُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ ، وَالتَّكْذِيبَ عَكْسُهُ ، فَكَانَ الْفَرْجُ هُوَ الْمُوقِعُ أَوِ الْوَاقِعُ ، فَيَكُونُ تَشْبِيهًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْإِيقَاعَ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِهَا عَادَةً ، فَيَكُونُ كِنَايَةً ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْمُرَادُ بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ ، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ فَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَمَ مِنَ الصَّغَائِرِ ، وَأَنَّهُ يُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ : مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فِي وَسَطِ كِتَابِ الرِّقَاقِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِغُفْرَانِ اللَّمَمِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْفَرْجِ تَصْدِيقٌ بِهَا ، فَإِذَا صَدَّقَهَا الْفَرْجُ كَانَ ذَلِكَ كَبِيرَةً . وَنَقَلَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ إِلَّا فِي قَوْلِهِ : إِلَّا اللَّمَمَ بِمَعْنَى الْوَاوِ ، وَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : إِلَّا صَغَائِرَ الذُّنُوبِ فَإِنَّهَا تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ كِبَارِهَا ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ عَلَيْهَا زِنًا لِأَنَّهَا مِنْ دَوَاعِيهِ ، فَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مَجَازًا . وَفِي قَوْلِهِ : وَالنَّفْسُ تَشْتَهِي وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ أَوْ يُكَذِّبُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ الزِّنَا مَثَلًا وَيَشْتَهِيهِ فَلَا يُطَاوِعُهُ الْعُضْوُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَزْنِيَ بِهِ ، وَيُعْجِزُهُ الْحِيلَةُ فِيهِ وَلَا يَدْرِي لِذَلِكَ سَبَبًا ، وَلَوْ كَانَ خَالِقًا لِفِعْلِهِ لَمَا عَجَزَ عَنْ فِعْلِ مَا يُرِيدُهُ مَعَ وُجُودِ الطَّوَاعِيَةِ وَاسْتِحْكَامِ الشَّهْوَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يُقَدِّرُهَا إِذَا شَاءَ وَيُعَطِّلُهَا إِذَا شَاءَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ · ص 511 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ · ص 156 باب وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا أي : هذا باب في قوله تعالى : وَحَرَامٌ إلى آخره . قال الكرماني : الغرض من هذه الآيات أن الإيمان والكفر بتقدير الله تعالى ، وفي رواية أبي ذر : وحرم على قرية أهلكناها الآية ، وفي رواية غيره وحرام . . إلى آخر الآية ، والقراءتان مشهورتان ، فقرأ أهل الحجاز والبصرة والشام : حرام ، وقرأ أهل الكوفة : وحرم . وقال منصور بن النعمان عن عكرمة عن ابن عباس : وحرم بالحبشية وجب . منصور بن النعمان اليشكري البصري ، سكن مرو ثم بخارى ، وما له في البخاري سوى هذا الموضع ، وقال الكرماني : منصور بن النعمان في النسخ هكذا ، لكن قالوا : صوابه منصور بن المعتمر السلمي الكوفي ، وهذا التعليق رواه أبو جعفر عن ابن قهزاد عن أبي عوانة عنه ، هكذا قاله صاحب ( التلويح ) وتبعه صاحب ( التوضيح ) ، وقال بعضهم : لم أقف على ذلك في ( تفسير أبي جعفر الطبري ) . قلت : هذا مجرد تشنيع وعدم وقوفه على هذا لا يستلزم عدم وقوف غيره ، ونسخ الطبري كثيرة فلا تخلو عن زيادة ونقصان . قوله : وحرم بالحبشية وجب يعني معنى حرم باللغة الحبشية وجب ، وروى غير عكرمة عن ابن عباس : وجب عليهم أنهم لا يتوبون يعني : في تفسير قوله عز وجل : وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ وعن أبي عبيدة لا هنا زائدة ، وذهب إلى أن حراما على بابه ، وأنكر البصريون زيادة لا هنا ، وقيل : المعنى وحرام أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ، أي : لا يتوبون ، وكذا قال الزجاج ، وقيل : الحرام المنع ، فالمعنى حرام عليهم الرجوع إلى الدنيا ، وقال المهلب : وجب عليهم أنهم لا يتوبون ، وحرم وحرام بمعنى واحد والتقدير : وحرام على قرية أردنا إهلاكها التوبة من كفرهم ، وهذا كقوله : أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ أي : تقدم علم الله في قوم نوح أنه لن يؤمن منهم غير من آمن ، ولذلك قال نوح عليه السلام رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إلى قوله : فَاجِرًا كَفَّارًا إذ قد أعلمتني أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن وأهلكهم لعلمه تعالى أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ إلى الإيمان . 19 - حدثني محمود بن غيلان ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق ، والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ويكذبه . مطابقته للترجمة التي هي الآيات التي تدل على أن كل شيء غير خارج عن سابق قدره ، وكذلك حديث الباب لأن الزنا ودواعيه كل ذلك مكتوب مقدر على العبد غير خارج من سابق قدره . ومحمود بن غيلان بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وعبد الرزاق بن همام ، ومعمر هو ابن راشد ، وابن طاوس هو عبد الله يروي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . قوله : ما رأيت شيئا أشبه باللمم بفتحتين وهو صغار الذنوب ، وأصله ما يلم به الشخص من شهوات النفس ، والمفهوم من كلام ابن عباس أنه النظر والنطق ، وقال الخطابي : يريد به المعفو عنه المستثنى في كتاب الله الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ وسمى المنطق والنظر زنا لأنهما من مقدماته وحقيقته إنما يقع بالفرج ، وعن ابن عباس اللمم أن يتوب من الذنوب ولا يعاودها ، وروي عنه : كل ما دون الزنا فهو اللمم . قوله : فزنا العين النظر أي : النظر إلى الأجنبية ، وقال ابن مسعود : العينان تزنيان بالنظر ، والشفتان تزنيان وزناهما التقبيل ، واليدان تزنيان وزناهما اللمس ، والرجلان تزنيان وزناهما المشي ، وقيل : إنما سميت هذه الأشياء زنا لأنها دواعي إليه . قوله : لا محالة بفتح الميم أي : لا بد له من ذلك ولا تحول له عنه . قوله : تمنى أصله تتمنى فحذفت منه إحدى التاءين . قوله : والفرج يصدق ذلك ويكذبه يعني : إذا قدر على الزنا فيما كان فيه النظر والتمني كان زنا صدق ذلك فرجه ، وإن امتنع وخاف ربه كذب ذلك فرجه ، وتكتب له حسنة ، قيل : التصديق والتكذيب من صفات الإخبار . وأجيب : بأن إطلاقهما هنا على سبيل التشبيه . وقال شبابة : حدثنا ورقاء ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . شبابة بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباء الموحدة الأولى ابن سوار بفتح السين المهملة وتشديد الواو وبالراء الفزاري ، روى عنه محمود ، وورقاء مؤنث الأورق بالواو وبالراء والقاف ابن عمر الخوارزمي سكن المدينة ، وأشار البخاري بهذا التعليق إلى أن طاوسا سمع القصة من ابن عباس عن أبي هريرة أيضا ، والظاهر أنه سمعه من أبي هريرة بعد أن سمعه من ابن عباس ، ووصل هذا التعليق صاحب ( التلويح ) فقال : رويناه في ( معجم الطبراني الأوسط ) فقال : حدثنا عمر بن عثمان ، حدثنا ابن المنادي عنه ، فذكره ، وتبعه في ذلك صاحب ( التوضيح ) وقال بعضهم : راجعت ( المعجم الأوسط ) فلم أجد هذا فيه . قلت : صاحب ( التلويح ) يصرح بأنه رواه ، وتبعه أيضا صاحب ( التوضيح ) الذي هو شيخ هذا القائل مع علمه بأن المثبت مقدم على النافي ، ولكن عرق العصبية ينبض فيؤدي صاحبها إلى حط من هو أكبر منه في العلم والسن والقدم .