6 - بَاب مَا يُحْقَنُ بِالْأَذَانِ مِنْ الدِّمَاءِ 610 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ : فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَخَرَجُوا إِلَيْنَا بِمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ فَلَمَّا رَأَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ قَالَ : فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ قَوْله : ( بَابُ مَا يُحْقَنُ بِالْأَذَانِ مِنَ الدِّمَاءِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَصَدَ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَاللَّتَيْنِ قَبْلَهَا اسْتِيفَاءَ ثَمَرَاتِ الْأَذَانِ ، فَالْأُولَى فِيهَا فَضْلُ التَّأْذِينِ لِقَصْدِ الِاجْتِمَاعِ لِلصَّلَاةِ ، وَالثَّانِيَةُ فِيهَا فَضْلُ أَذَانِ الْمُنْفَرِدِ لِإِيدَاعِ الشَّهَادَةِ لَهُ بِذَلِكَ ، وَالثَّالِثَةُ فِيهَا حَقْنُ الدِّمَاءِ عِنْدَ وُجُودِ الْأَذَانِ . قَالَ : وَإِذَا انْتَفَتْ عَنِ الْأَذَانِ فَائِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْفَوَائِدِ لَمْ يُشْرَعْ إِلَّا فِي حِكَايَتِهِ عِنْدَ سَمَاعِهِ ، وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِتَرْجَمَةِ مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِي اهـ . كَلَامُهُ مُلَخَّصًا . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ ظَاهِرٌ ، وَبَاقِي الْمَتْنِ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الْجِهَادِ . وقَدْ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ هناك بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَسِيَاقُهُ أَتَمُّ مِمَّا هُنَا ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ طَرَفَهُ الْمُتَعَلِّقَ بِالْأَذَانِ وَسِيَاقُهُ أَوْضَحُ ، أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلِمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرَ ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الْأَذَانَ ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فِيهِ أَنَّ الْأَذَانَ شِعَارُ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ ، وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ اجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِهِ كَانَ لِلسُّلْطَانِ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ اهـ . وَهَذَا أَحَدُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ فِي الْمَذْهَبِ . وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ : لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا ، وَأَنَّ قَوْلَ أَصْحَابِنَا مَنْ نَطَقَ بِالتَّشَهُّدِ فِي الْأَذَانِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ عِيسَوِيًّا فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مُطْلَقُ حَدِيثِ الْبَابِ ، لِأَنَّ الْعِيسَوِيَّةَ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ حَدَثَتْ فِي آخِرِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ فَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، لَكِنْ إِلَى الْعَرَبِ فَقَطْ ، وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ : أَبُو عِيسَى أَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ لَمْ يَكُنْ يُغِرْ بِنَا وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ ، فَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي يُغِرْ مِنَ الْإِغَارَةِ مَجْزُومٌ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ يَكُنْ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَغْدُ بِإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنَ الْغُدُوِّ ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ يَغْزُو بِزَايٍ بَعْدَهَا وَاوٌ مِنَ الْغَزْوِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ يُغِيرُ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ مِنَ الْإِغْرَاءِ ، وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَشْهَدُ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ مِنَ الْإِغَارَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُحْقَنُ بِالْأَذَانِ مِنْ الدِّمَاءِ · ص 107 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يحقن بالأذان من الدماء · ص 439 6 - باب ما يحقن بالأذان من الدماء 610 - حدثني قتيبة : ثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا غزا بنا قوما لم يغز بنا حتى يصبح وينظر ، فإن سمع أذانا كف عنهم ، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم . قال : فخرجنا إلى خيبر ، فانتهينا إليهم ليلا ، فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب ، وركبت خلف أبي طلحة ، وإن قدمي لتمس قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال : فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم ، فلما رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : محمد والله ، محمد والخميس . قال : فلما رآهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الله أكبر ، الله أكبر . خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . في هذا الحديث فوائد كثيرة : منها : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يغير على العدو . والإغارة : تبييت العدو ليلا . وقد جاءت نصوص أخر بإباحة الإغارة ، وموضع ذكر ذلك كتاب الجهاد إن شاء الله . ومنها : التفاؤل ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رآهم خرجوا بالمكاتل - وهي : الزبيل والقفاف - والمساحي - وهي : المجرفة - وهذه آلات الحراث ، ووقع الأمر كذلك . ومنها : التكبير على العدو عند مشاهدته . ويحتمل أن يكون سر ذلك أن التكبير طارد لشيطان الجن تقارنهم ، فإذا انهزمت شياطينهم المقترنة بهم انهزموا ، كما جرى للمشركين يوم بدر ، فإن إبليس كان معهم يعدهم ويمنيهم ، فلما انهزم انهزموا . وقولهم : محمد والخميس ، فيه روايتان : الخميس ، والجيش ، وهما بمعنى واحد . وسمي الجيش خميسا ؛ لأنه ينقسم خمسة أجزاء : مقدمة ، وساقة ، وميمنة ، وميسرة ، وقلب . ومنها - وهو المقصود بهذا الباب - : أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل [الأذان] فرقَ مَا بين دار الكفر ودار الإسلام ، فإن سمع مؤذنا [للدار] كحكم ديار الإسلام ، فيكف عن دمائهم وأموالهم ، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم بعدما يصبح . وفي هذا دليل على أن إقامة الصلاة توجب الحكم بالإسلام ؛ فإن الأذان إنما هو دعاء إلى الصلاة ، فإذا كان موجبا للحكم بالإسلام ، فالصلاة التي هو المقصود الأعظم أولى . ولا يقال : إنما حكم بإسلامهم بالأذان لما فيه من ذكر الشهادتين ؛ لأن الصلاة تتضمن ذلك - أيضا - فإذا رأينا من ظاهره يصلي - ولا سيما في دار الحرب أو دار لم يعلم أنها دار إسلام - حكمنا بإسلامه لذلك . وهو قول كثير من العلماء ، وهو ظاهر مذهب أحمد . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يأمر بالكف عن دار يسمع فيها الأذان ، أو يُرَى فيها مسجد ، من رواية ابن عصام المزني ، عن أبيه - وكانت له صحبة - قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بعث جيشا أو سرية يقول لهم : إذا رأيتم مسجدا ، أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا [أحدا] . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي . وقال : حسن غريب . وقال ابن المديني : إسناد مجهول ، وابن عصام لا يعرف ، ولا ينسب أبوه . وروى الهرماس بن حبيب العنبري ، عن أبيه ، عن جده ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيينة بن حصن حين أسلم الناس ودجا الإسلام على الناس ، فهجم على بني عدي بن جندب فوق النباح بذات الشقوق ، فلم يسمعوا أذانا عند الصبح ، فأغاروا عليهم ، فأخذوا أموالهم حتى أحضروها المدينة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقالت وفود بني العنبر : أخذنا يا رسول الله مسلمين غير مشركين . فرد عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذراريهم وعقار بيوتهم ، وعمل الجيش أنصاف الأموال . خرجه إبراهيم الحربي في كتاب غريب الحديث وأبو القاسم البغوي في معجم الصحابة . وقال الحربي : إنما رد عليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذراريهم ؛ لأنه لم ير أن يسبيهم إلا على أمر صحيح لا شك فيه ، وهؤلاء مقرون بالإسلام ، وليس حجة من سباهم ، إلا أنهم قالوا : لم نسمع أذانا . وكذلك فعل في عقار بيوتهم - يريد : أرضهم - وعمل الجيش جعالة عمالة لهم أنصاف الأموال ؛ وذلك لأن أصحاب الجيش ادعوا أن ذلك فيئا لهم ؛ لأنهم لم يسمعوا أذانا ، والمأخوذ منهم ادعوا أنه لهم ؛ أسلموا عليه . ثم روى الحربي من طريق إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أناس من خثعم ، فاستعصموا بالسجود ، فقتل منهم رجل ، فأعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - نصف الدية . قال الحربي : لا ، لم يقروا بالإسلام ، وإنما سجدوا ، وقد يسجد ولم يسلم ، فلذلك أعطاهم نصف الدية . قلت : هذا حديث مرسل . والذين يقولون : إن الكافر يصير مسلما بالصلاة ، فصلاته عندهم كإقراره بالإسلام . وذكر - أيضا - حديث الزبيب العنبري ، وقد خرجه أبو داود في سننه ، وفيه : أنهم سبوا ، ثم شهد لهم شاهد بالإسلام ، وحلف الزبيب ، فأعطاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الذراري ونصف الأموال . قال الحربي : لأنه لم تكمل البينة . قلت : في سياق حديث أبي داود : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم : لولا أن الله لا يحب ضلالة العمل ما رزيناكم عقالا . وهذا تعليل بغير ما ذكره الحربي . وحاصل الأمر : أن الدار إن سمع فيها أذان لم يجز الإقدام على قتلهم ابتداء ، بل يصيرون في عصمة دمائهم وأموالهم كالمسلمين ؛ فإن الأذان وإن كان لم يسمع من بعضهم ، إلا أن ظهوره في دار قوم دليل على إقرارهم بذلك ورضاهم . فأما المؤذن نفسه فإنه يصير مسلما بذلك ، ولا سيما إذا كان في دار كفر وموضع لا يخاف فيه من المسلمين ولا يتقيهم . وعند أصحابنا : أنه يصير الكافر بالأذان مسلما . وبه قال الليث بن سعد ، وسعيد بن عبد العزيز . وقالا : لو ادعى أنه فعله تقية وخيفة على نفسه أنه لا يقبل منه ، ويصير مرتدا . وحكى الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ومالك ، أنه يقبل منه ذلك ولا يقتل . ذكره محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة . وينبغي أن يقبل هذا بموضع يحتمل فيه ذلك كدار الإسلام ، أو دار يخشى أن يغار عليها المسلمون ؛ فإن الكافر إذا أتى بالشهادتين على وجه الإسلام كالذي يجيء ليسلم ، فتعرض عليه الشهادتان فيقولهما ، فإنه يصير مسلما بغير خلاف . وإن قالهما على غير هذا الوجه ، ثم ادعى أنه لم يرد بهما الإسلام ، فالمشهور عن أحمد ، أنه لا يقبل منه ويصير مرتدا . وعنه رواية ، أنه يقبل منه ولا يقتل . وهو قول إسحاق . وضعف هذه الرواية أبو بكر الخلال . وعن أحمد ، أنه يجبر على الإسلام ، ولا يقتل إن أباه . وللشافعية - أيضا - وجهان فيما [إذا] أتى بالشهادتين على غير وجه الاستدعاء ولا الحكاية : هل يصير مسلما ، أم لا ؟ وأصحهما : أنه يصير مسلما - : حكاهما صاحب شرح المهذب . وإن لم يسمع في الدار أذان : فإن كانت معروفة قبل ذلك بأنها دار حرب جاز ابتداؤهم بالقتل والسبي والنهب ، هذا هو الذي دل عليه حديث أنس المخرج في هذا الباب . وإن كانت معروفة بأنها دار إسلام ، ولم يسمع فيها أذان ، فهذه مسألة قتال أهل البلدة المسلمين إذا اتفقوا على ترك الأذان . وهي مبنية على أن الأذان على أهل الأمصار والقرى : هل هو فرض كفاية ، أو سنة مؤكدة ؟ وفيه قولان : أحدهما : أنه فرض كفاية ، وهو ظاهر مذهب الإمام أحمد ، وقول داود ، ووافقهم جماعات من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي . وكذا قال عطاء ومجاهد وابن أبي ليلى والأوزاعي وأهل الظاهر : إن الأذان فرض . وحكي عن هؤلاء كلهم أن الإقامة شرط لصحة الصلاة ، فمن ترك الإقامة وصلى أعاد الصلاة . وعن الأوزاعي : أنه يعيد في الوقت . وقال عثمان بن كنانة من المالكية : يعيد إذا تركها عمدا . وذهب الجمهور إلى أنه لا إعادة على من صلى بغير أذان ولا إقامة . واستدلوا لوجوب الأذان بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم . وقد خرجه البخاري من حديث مالك بن الحويرث وعمرو بن سلمة الجرمي ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وروى ابن جرير الطبري ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عن أشهب ، عن مالك ، قال : إذا ترك الأذان مسافر عمدا أعاد الصلاة . وهذا غريب جدا . وحكى ابن عبد البر نحوه عن داود . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق ، قال : إذا نسي الأذان والإقامة وصلى أجزأه ، وإن كان في السفر فلا بد له من الإقامة . والقول الثاني : أن الأذان سنة مؤكدة ، وهو ظاهر مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي ، ورواية عن أحمد . فمن قال : الأذان فرض كفاية ، قال : إذا اجتمع أهل بلد على تركه قوتلوا عليه حتى يفعلوه . ومن قال : هو سنة ، اختلفوا على قولين : أحدهما : أنهم يقاتلون عليه - أيضا - لأنه من أعلام الدين وشرائعه الظاهرة ، وهو قول محمد بن الحسن وطائفة من الشافعية . والثاني : لا يقاتلون عليه كسائر النوافل ، وهو قول أبي حنيفة وطائفة من الشافعية . وقال أبو يوسف : آمرهم وأضربهم ، ولا أقاتلهم ؛ لأنه دون الفرائض وفوق النوافل . واستدل بعض من قال : يقاتلون على تركه بحديث أنس هذا ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الأذان مانعا من القتال ، وتركه مبيحا له ، فدل على استباحة القتال بمجرد تركه ، وإن جاز أن يكونوا قد أسلموا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يحقن بالأذان من الدماء · ص 115 ( باب ما يحقن بالأذان من الدماء ) أي : هذا باب في بيان ما يمنع من الدماء بسبب الأذان يقال : حقنت له دمه أي : منعت من قتله وإراقته أي : جمعته له وحبسته عليه ، وأصل الحقن الحبس ، ومنه الحاقن لأنه يحبس بوله أو غائطه في بطنه ، ومنه حقن اللبن إذا حبسه في السقاء والدماء جمع دم . 7 - حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا إسماعيل بن جعفر ، عن حميد ، عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوما لم يكن يغزو بنا حتى يصبح ، وينظر فإن سمع أذانا كف عنهم ، وإن لم يسمع أذانا أغار عليهم قال : فخرجنا إلى خيبر فانتهينا إليهم ليلا ، فلما أصبح ولم يسمع أذانا ركب وركبت خلف أبي طلحة ، وإن قدمي لتمس قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فخرجوا إلينا بمكاتلهم ومساحيهم فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : محمد والله محمد والخميس قال : فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الله أكبر الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين . مطابقته للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ) وهم أربعة وهذا الإسناد بعينه قد سبق في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله وإسماعيل بن جعفر أبو إبراهيم الأنصاري وحميد الطويل . وأخرجه البخاري أيضا عن قتيبة في الجهاد ، وروى مسلم طرفه المتعلق بالأذان من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان ، فإن سمع الأذان أمسك وإلا أغار . ( ذكر معناه ) قوله : ( إذا غزا بنا ) أي : مصاحبا فالباء للمصاحبة ، قوله : ( لم يغزو بنا ) قال الكرماني : فيه خمس نسخ قلت : الأولى لم يغزو من غزا يغزو غزوا والاسم الغزاة ، وكان الأصل فيه إسقاط الواو علامة للجزم ولكنه على بعض اللغات ، وهو عدم إسقاط الواو وإخراجه عن الأصل ثم قيل : هذه لغة ، وقيل : ضرورة ولا ضرورة إلا في الشعر كما قال الشاعر : لم تهجو ولم تدع ووروده هكذا يدل على أنها لغة وهي رواية كريمة ، والثانية : لم يغز مجزوما على أنه بدل من لفظ لم يكن ، وهي رواية المستملي ، الثالثة : لم يغير من الإغارة بإثبات الياء بعد الغين وهي رواية الأصيلي ، وهو على غير الأصل . الرابعة : لم يغر من الإغارة أيضا لكنه على الأصل . الخامسة : لم يغدو بإسكان الغين وبالدال المهملة من الغدو نقيض الرواح وهي رواية الكشميهني . قوله : ( وينظر ) أي : ينتظر ، قوله : ( فخرجنا إلى خيبر ) وخيبر بلغة اليهود حصن وقد ذكرنا تحقيق هذا في باب ما يذكر من الفخذ ، فإن البخاري ذكر بعض هذا الحديث هناك عن أنس رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس ، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة ، فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم حسر الإزار عن فخذه حتى كأني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل القرية قال : الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، قالها ثلاثا " الحديث ، وأبو طلحة وهو الصحابي المشهور واسمه زيد بن سهل وهو زوج أم أنس ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة ) وروي ( من مائة رجل ) قوله : ( بمكاتلهم ) هو جمع المكتل بكسر الميم وهو القفة أي : الزنبيل ، والمساحي جمع مسحاة ، وهي المجرفة إلا أنها من الحديد ، قوله : ( والجيش ) أي جاء محمد والجيش وروي بالنصب على أنه مفعول معه ، ويروى ( والخميس ) بفتح الخاء المعجمة وكسر الميم وهو بمعنى الجيش ، سمي به لأنه خمسة أقسام قلب وميمنة وميسرة ومقدمة وساقة ، قوله : ( خربت خيبر ) إنما قال بخرابها لما رأى في أيديهم من آلات الخراب من المساحي وغيرها ، وقيل : أخذه من اسمها والأصح أنه أعلمه الله تعالى بذلك ، قوله : ( بساحة ) الساحة الفناء وأصلها الفضاء بين المنازل ، قوله : ( فساء ) كلمة ساء مثل بئس من أفعال الذم ( وصباح ) مرفوع لأنه فاعل ساء ( والمنذرين ) بفتح الذال المعجمة . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال الخطابي : فيه بيان أن الأذان شعار لدين الإسلام وأنه أمر واجب لا يجوز تركه ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه وامتنعوا كان للسلطان قتالهم عليه ، وقال التيمي : وإنما يحقن الدم بالأذان لأن فيه الشهادة بالتوحيد والإقرار بالنبي صلى الله عليه وسلم قال : وهذا لمن قد بلغته الدعوة وكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان ليعلم أكان الناس مجيبين للدعوة أم لا ؟ لأن الله وعده إظهار دينه على الدين كله ، وكان يطمع في إسلامهم ولا يلزم اليوم الأئمة أن يكفوا عمن بلغته الدعوة لكي يسمعوا أذانا ؛ لأنه قد علم غائلتهم للمسلمين ، فينبغي أن تنتهز الفرصة فيهم ، وفيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة . وفيه استحباب التبكير عند لقاء العدو ، وفيه جواز الاستشهاد بالقرآن في الأمور المحققة ، ويكره ما كان على ضرب الأمثال في المحاورات ولغو الحديث تعظيما لكتاب الله تعالى ، وفيه أن الإغارة على العدو يستحب كونها في أول النهار لأنه وقت غفلتهم بخلاف ملاقاة الجيوش ، وفيه أن النطق بالشهادتين يكون إسلاما قاله الكرماني ، وفيه خلاف مشهور .