15 - بَاب إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الْأَيْمَانِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَقَالَ : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ 6664 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ ، حَدَّثَنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الْأَيْمَانِ ) أَيْ هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَوْ لَا ؟ قَوْلُهُ : ( وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ وَلَيْسَ بِثُبُوتِ الْوَاوِ فِي أَوَّلِهِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ حِنْثِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ وَفَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا ، وَوُجِّهَ بِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ فِعْلُهُ إِلَيْهِ شَرْعًا لِرَفْعِ حُكْمِهِ عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ . قَوْلُهُ : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ قَالَ الْمُهَلَّبُ : حَاوَلَ الْبُخَارِيُّ فِي إِثْبَاتِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ لِيُسْقِطَ الْكَفَّارَةَ ، وَالَّذِي يُلَائِمُ مَقْصُودَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَحَدِيثِ مَنْ أَكْلَ نَاسِيًا وَحَدِيثِ نِسْيَانِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَقِصَّةِ مُوسَى فَإِنَّ الْخَضِرَ عَذَرَهُ بِالنِّسْيَانِ وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْمُسَامَحَةِ ، قَالَ : وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ فَفِي مُسَاعَدَتِهَا عَلَى مُرَادِهِ نَظَرٌ . قُلْتُ : وَيُسَاعِدُهُ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَقْدِيمِ بَعْضِ النُّسُكِ عَلَى بَعْضٍ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِالْإِعَادَةِ بَلْ عَذَرَ فَاعِلَهُ بِجَهْلِ الْحُكْمِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : بَلْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ أَحَادِيثَ الْبَابِ عَلَى الِاخْتِلَافِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا أُصُولُ أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ لِيَسْتَنْبِطَ كُلُّ أَحَدٍ مِنْهَا مَا يُوَافِقُ مَذْهَبُهُ كَمَا صَنَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ جَمَلِهِ ، فَإِنَّهُ أَوْرَدَ الطُّرُقَ عَلَى اخْتِلَافِهَا ، وَإِنْ كَانَ قَدْ بَيَّنَ فِي الْآخِرِ أَنَّ إِسْنَادَ الِاشْتِرَاطِ أَصَحُّ ، وَكَذَا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ ; وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ فَقَالَ : أَوْرَدَ الْأَحَادِيثَ الْمُتَجَاذِبَةَ لِيُفِيدَ النَّاظِرَ مَظَانَّ النَّظَرِ ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَذْكُرِ الْحُكْمَ فِي التَّرْجَمَةِ ، بَلْ أَفَادَ مُرَادَ الْحُكْمِ وَالْأُصُولِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ يُقَاسَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ أَكْثَرُ إِفَادَةً مِنْ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ ، وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ أَيْضًا انْتَهَى مُلَخَّصًا . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ بِعَدَمِ الْكَفَّارَةِ مُطْلَقًا ، وَتَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي سَاقَهَا مُمْكِنٌ . وَأَمَّا مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مُمْكِنٌ : فَمِنْهَا الدِّيَةُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ ، وَلَوْلَا أَنَّ حُذَيْفَةَ أَسْقَطَهَا لَكَانَتْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهَا ، وَالْجَوَابُ أَنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ . وَمِنْهَا إِبْدَالُ الْأُضْحِيَّةِ الَّتِي ذُبِحَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهَا مِنْ جِنْسِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَمِنْهَا حَدِيثُ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَعْذُرْهُ بِالْجَهْلِ لَمَا أَقَرَّهُ عَلَى إِتْمَامِ الصَّلَاةِ الْمُخْتَلَّةِ ، لَكِنَّهُ لَمَّا رَجَا أَنَّهُ يَتَفَطَّنُ لِمَا عَابَهُ عَلَيْهِ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ بِالْحُكْمِ عَلَّمَهُ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ ، وَأَيْضًا فَالصَّلَاةُ إِنَّمَا تَتَقَوَّمُ بِالْأَرْكَانِ فَكُلُّ رُكْنٍ اخْتَلَّ مِنْهَا اخْتَلَّتْ بِهِ مَا لَمْ يُتَدَارَكْ ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُنَاسِبُ مَا لَوْ فَعَلَ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بَعْدَهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ فَإِنَّهَا لَا تَبْطُلُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا قَالَ ابْنُ التِّينِ : أَجْرَى الْبُخَارِيُّ قَوْلَهُ - تَعَالَى - : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ : هِيَ فِي قِصَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ مَا إِذَا قَالَ الرَّجُلُ يَا بُنَيَّ وَلَيْسَ هُوَ ابْنَهُ ، وَقِيلَ : إِذَا أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ، قَالَ : وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ التَّعْمِيمِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلَ خَطَأً تَلْزَمُهُ الدِّيَةُ ، وَإِذَا أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ خَطَأً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ انْتَهَى . وَانْفَصَلَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الْمُتْلَفَاتِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَالَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالْآيَةِ مَا يَدْخُلُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَا ذُكِرَ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِعُمُومِهَا ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِعُمُومِهَا فِي سُقُوطِ الْإِثْمِ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَذَاهِبَ ثَالِثُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَتَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَيْمَانِ فَلَا تَجِبُ ، وَهَذَا قَوْلٌ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْجَمِيعِ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَعَنِ الْحَنَابِلَةِ عَكْسُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : كَانَ أَحْمَدُ يُوقِعُ الْحِنْثَ فِي النِّسْيَانِ فِي الطَّلَاقِ حَسْبُ وَيَقِفُ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ . وَالْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ اثْنَا عَشَرَ حَدِيثًا : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ : ( زُرَارَةَ بْنَ أَبِي أَوْفَى ) هُوَ قَاضِي الْبَصْرَةِ مَاتَ وَهُوَ سَاجِدٌ ، أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ ) سَبَقَ فِي الْعِتْقِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ ، عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَلَ قَوْلِهِ هُنَا يَرْفَعُهُ ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ . وَلِلنَّسَائِيِّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ كِلَاهُمَا عَنْ مِسْعَرٍ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : إِنَّمَا قَالَ يَرْفَعُهُ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ سَمِعَهُ مِنْهُ . قُلْتُ : وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ بَلْ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ قَالَ وَعَنْ ، وَإِنَّمَا يَرْتَفِعُ الِاحْتِمَالُ إِذَا قَالَ : سَمِعْتُ وَنَحْوَهَا ، وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ وَكِيعًا رَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ فَلَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ : وَالَّذِي رَفَعَهُ ثِقَةٌ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِسَمَاعِ زُرَارَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، لَكِنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِالتَّدْلِيسِ فَيُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ . وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ الْفُرَاتَ بْنَ خَالِدٍ أَدْخَلَ بَيْنَ زُرَارَةَ وَبَيْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ زُرَارَةَ مِنْ بَنِي عَامِرٍ فَكَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ عَنْ زُرَارَةَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، فَظَنَّهُ آخَرَ أُبْهِمَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( لِأُمَّتِي ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ ، عَنْ قَتَادَةَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي . قَوْلُهُ : ( عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا ) فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا وَلَمْ يَتَرَدَّدْ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ ، وَأَبِي عَوَانَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مَا وَسْوَسَتْ بِهَا صُدُورُهَا وَلَمْ يَتَرَدَّدْ أَيْضًا ، وَضَبْطُ أَنْفُسِهَا بِالنَّصْبِ لِلْأَكْثَرِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالرَّفْعِ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِالثَّانِي وَبِهِ جَزَمَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُرِيدُونَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى - : وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ قَوْلُهُ : ( مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ النِّسْيَانِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ مَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ الْإِنْسَانِ . قُلْتُ : مُرَادُ الْبُخَارِيِّ إِلْحَاقُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النِّسْيَانِ بِالتَّجَاوُزِ ; لِأَنَّ النِّسْيَانَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ عَمَلِ الْقَلْبِ . وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : قَاسَ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ عَلَى الْوَسْوَسَةِ ، فَكَمَا أَنَّهَا لَا اعْتِبَارَ لَهَا عِنْدَ عَدَمِ التَّوَطُّنِ فَكَذَا النَّاسِي وَالْمُخْطِئُ لَا تَوْطِينَ لَهُمَا . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ مِسْعَرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مُنْكَرَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَإِنَّمَا تُعْرَفُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ فَلَعَلَّهُ دَخَلَ لَهُ بَعْضُ حَدِيثٍ فِي حَدِيثٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، الْحُمَيْدِيُّ وَهُوَ أَعْرَفُ أَصْحَابِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِحَدِيثِهِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْعِتْقِ عَنْهُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ ، وَابْنِ الْمُقْرِي ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمِنَ الْمَخْزُومِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ . قَالَ الْكَرْمَانِيُّ : فِيهِ أَنَّ الْوُجُودَ الذِّهْنِيَّ لَا أَثَرَ لَهُ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالْوُجُودِ الْقَوْلِيِّ فِي الْقَوْلِيَّاتِ وَالْعَمَلِيِّ فِي الْعَمَلِيَّاتِ ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى الْمُؤَاخَذَةَ بِمَا وَقَعَ فِي النَّفْسِ وَلَوْ عَزَمَ عَلَيْهِ ، وَانْفَصَلَ مَنْ قَالَ يُؤَاخَذُ بِالْعَزْمِ بِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الْعَمَلِ يَعْنِي عَمَلَ الْقَلْبِ . قُلْتُ : وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَلِ عَمَلُ الْجَوَارِحِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ لَفْظِ مَا لَمْ يَعْمَلْ يُشْعِرُ بِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِي الصَّدْرِ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ سَوَاءٌ تَوَطَّنَ بِهِ أَمْ لَمْ يَتَوَطَّنْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ الرِّقَاقِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَا تُكْتَبُ عَلَيْهِ . وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى عَظِيمِ قَدْرِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لِأَجْلِ نَبِيِّهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ : تَجَاوَزَ لِي وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِاخْتِصَاصِهَا بِذَلِكَ ، بَلْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ كَانَ حُكْمَ النَّاسِي كَالْعَامِدِ فِي الْإِثْمِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِصْرِ الَّذِي كَانَ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي شَكْوَاهُمْ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُمْ : تُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ، بَلْ قُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ، فَقَالُوهَا فَنَزَلَتْ آمَنَ الرَّسُولُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ : لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا قَالَ نَعَمْ . وَأَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ ، وَفِيهِ قَالَ قَدْ فَعَلْتُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا حَنِثَ نَاسِيًا فِي الْأَيْمَانِ · ص 557 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا حنث ناسيا في الأيمان · ص 187 باب إذا حنث ناسيا في الأيمان أي : هذا باب يذكر فيه إذا حنث الحالف حال كونه ناسيا ، ولم يبين حكمه كعادته في الأبواب الماضية . وقول الله تعالى : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وقال : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ثبوت الواو في وليس رواية لقوم ، وفي رواية أبي ذر بدون الواو أي : ليس عليكم إثم فيما فعلتموه مخطئين ، ولكن الإثم فيما تعمدتموه ، وذلك أنهم كانوا ينسبون زيد بن حارثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون : زيد بن محمد ، فنهاهم عن ذلك وأمرهم أن ينسبوهم لآبائهم الذين ولدوهم ، وثم قال : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ قبل النهي ، ويقال : إن هذا على العموم فيدخل فيه كل مخطئ ، وغرض البخاري هذا يدل عليه حديث الباب . قوله : وقال : لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ هذه في آية أخرى في سورة الكهف يخاطب موسى عليه السلام بقوله : لا تُؤَاخِذْنِي الخضر عليه السلام ، وذلك بعد ما جرى من أمر السفينة ، وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : كانت الأولى من أمر موسى النسيان ، والثانية العذر ، ولو صبر لقص الله علينا أكثر مما قص ، وبهذا استدل أيضا على أن الناسي لا يؤاخذ بحنثه في يمينه . فإن قلت : الخطأ نقيض الصواب والنسيان خلاف الذكر ، ولم يذكر في الترجمة إلا النسيان ولا تطابقها إلا الآية الثانية ، وكذلك لا يناسب الترجمة من أحاديث الباب إلا الذي فيه تصريح بالنسيان ، والآية الأولى لا مطابقة لها في الذكر هنا ، ألا يرى أن الدية تجب في القتل بالخطأ ، وإذا أتلف مال الغير خطأ فإنه يغرم ؟ قلت : إنما ذكر الآية الأولى وأحاديث الباب على الاختلاف ليستنبط كل أحد منها ما يوافق مذهبه ، ولهذا لم يذكر الحكم في الترجمة ، وإنما ذكرها لأنها أصول الأحكام ومواد الاستنباط التي يصلح أن يقاس عليها ، ووجوب الدية في الخطأ وغرامة المال بإتلافه خطأ من خطاب الوضع فتيقظ فإنه موضع دقيق . 40 - حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا مسعر ، حدثنا قتادة ، حدثنا زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة يرفعه قال : إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم . مطابقته للترجمة من حيث إن الوسوسة من متعلقات عمل القلب كالنسيان . وخلاد بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام السلمي بضم السين المهملة ، ومسعر بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين ابن كدام بكسر الكاف ، وزرارة بضم الزاي وتخفيف الراء الأولى ابن أوفى بفتح الهمزة وسكون الواو وبالفاء العامري قاضي البصرة . والحديث مضى في الطلاق عن مسلم بن إبراهيم ، وفي العتاق عن محمد بن عرعرة ، وذكر الإسماعيلي أن الفرات بن خالد أدخل بين زرارة وبين أبي هريرة في هذا الإسناد رجلا من بني عامر وهو خطأ ، فإن زرارة من بني عامر ، فكأنه كان فيه عن زرارة رجل من بني عامر ، فظنه آخر وليس كذلك . قوله : يرفعه أي : يرفع أبو هريرة الحديث إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال الكرماني : إنما قال : يرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليكون أعم من أنه سمعه منه أو من صحابي آخر سمعه منه . انتهى . وقال بعضهم : ولا اختصاص لذلك بهذه الصيغة بل مثله في قوله : قال وعن ، وإنما يرفع الاحتمال إذا قال : سمعت أو نحوه . قلنا : غرض هذا القائل تحريشه على الكرماني وإلا فلا حاجة إلى هذا الكلام لأنه ما ادعى الاختصاص ولا قوله ذلك ينافي غيره يعرف بالتأمل ، وذكر الإسماعيلي أن وكيعا رواه عن مسعر ولم يرفعه ، قال : والذي رواه ثقة ، فوجب المصير إليه . قوله : تجاوز لأمتي وفي رواية هشام عن قتادة عن أمتي وهو أوجه . قوله : أو حدثت به وفي رواية هشام : عما وسوست به ، وما حدثت به من غير تردد ، وكذا في رواية مسلم . قوله : أنفسها بالنصب عند الأكثرين ، وعند بعضهم بالرفع . قوله : أو تكلم بالجزم أراد أن الوجود الذهني لا أثر له وإنما الاعتبار بالوجود القولي في القوليات والعملي في العمليات ، قيل : لو أصر على العزم على المعصية يعاقب عليه لا عليها ، وأجيب بأن ذلك لا يسمى وسوسة ولا حديث نفس بل هو نوع من عمل القلب .