8 - بَاب الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ 614 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ : اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ ) أَيْ عِنْدَ تَمَامِ النِّدَاءِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِذَلِكَ اتِّبَاعًا لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ ) بِالْيَاءِ الْأَخِيرَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الْحِمْصِيُّ مِنْ كِبَارِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَلْقَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ غَيْرُهُ ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ الْقُدَمَاءُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَى أَحْمَدَ عَنْهُ ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ) ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ شُعَيْبًا تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فَهُوَ غَرِيبٌ مَعَ صِحَّتِهِ ، وَقَدْ تُوبِعَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ عَلَيْهِ عَنْ جَابِرٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ نَحْوَهُ ، وَوَقَعَ فِي زَوَائِدِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ ) أَيِ الْأَذَانَ ، وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ : مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ نِدَاءَ الْمُؤَذِّنِ . وَظَاهِرُهُ : أَنَّهُ يَقُولُ الذِّكْرَ الْمَذْكُورَ حَالَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَلَا يَتَقَيَّدُ بِفَرَاغِهِ ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ النِّدَاءِ تَمَامَهُ ، إِذِ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْكَامِلِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ : قُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ ، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَفِي هَذَا أَنَّ ذَلِكَ يُقَالُ عِنْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ . وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ بِمِثْلِ مَا يَقُولُ ، بَلْ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الذِّكْرِ الْمَذْكُورِ كَفَاهُ . وَقَدْ بَيَّنَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْمُرَادَ ، وَأَنَّ الْحِينَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا بَعْدَ الْفَرَاغِ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَزِيزَةَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ ذَلِكَ لِظَاهِرِ إِيرَادِهِ ، لَكِنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ مَنْ يَدَّعِي الْوُجُوبَ ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَابْنُ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَخَالَفَ الطَّحَاوِيُّ أَصْحَابَهُ فَوَافَقَ الْجُمْهُورَ . قَوْلُهُ : ( رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ ) بِفَتْحِ الدَّالِ ، زَادَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالْمُرَادُ بِهَا دَعْوَةُ التَّوْحِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَقِيلَ : لِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ تَامَّةٌ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ نَقْصٌ . أَوِ التَّامَّةُ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا تَغْيِيرٌ وَلَا تَبْدِيلٌ ، بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ النُّشُورِ ، أَوْ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَسْتَحِقُّ صِفَةَ التَّمَامِ وَمَا سِوَاهَا فَمُعَرَّضٌ لِلْفَسَادِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : وُصِفَتْ بِالتَّامَّةِ لِأَنَّ فِيهَا أَتَمَّ الْقَوْلِ وَهُوَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى قَوْلِهِ : مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ هِيَ الدَّعْوَةُ التَّامَّةِ ، وَالْحَيْعَلَةُ هِيَ الصَّلَاةُ الْقَائِمَةِ فِي قَوْلِهِ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الدُّعَاءُ وَبِالْقَائِمَةِ الدَّائِمَةُ مِنْ قَامَ عَلَى الشَّيْءِ إِذَا دَاوَمَ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ بَيَانٌ لِلدَّعْوَةِ التَّامَّةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهَا حِينَئِذٍ وَهُوَ أَظْهَرُ . قَوْلُهُ : ( الْوَسِيلَةَ ) هِيَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الْكَبِيرِ ، يُقَالُ : تَوَسَّلْتُ أَيْ : تَقَرَّبْتُ ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَنْزِلَةِ الْعَلِيَّةِ ، وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْحَدِيثَ ، وَنَحْوُهُ لِلْبَزَّارِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُمْكِنُ رَدُّهَا إِلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْوَاصِلَ إِلَى تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ فَتَكُونُ كَالْقُرْبَةِ الَّتِي يُتَوَسَّلُ بِهَا . قَوْلُهُ : ( وَالْفَضِيلَةَ ) أَيِ الْمَرْتَبَةَ الزَّائِدَةَ عَلَى سَائِرِ الْخَلَائِقِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَنْزِلَةً أُخْرَى أَوْ تَفْسِيرًا لِلْوَسِيلَةِ . قَوْلُهُ : ( مَقَامًا مَحْمُودًا ) أَيْ يُحْمَدُ الْقَائِمُ فِيهِ ، وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي كُلِّ مَا يَجْلِبُ الْحَمْدَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَرَامَاتِ ، وَنُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ ، أَيِ ابْعَثْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَقِمْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا ، أَوْ ضَمَّنَ ابْعَثْهُ مَعْنَى أَقِمْهُ ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وَمَعْنَى ابْعَثْهُ أَعْطِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَالًا أَيِ ابْعَثْهُ ذَا مَقَامٍ مَحْمُودٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِالتَّنْكِيرِ وَكَأَنَّهُ حِكَايَةٌ لِلَفْظِ الْقُرْآنِ ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : إِنَّمَا نَكَّرَهُ لِأَنَّهُ أَفْخَمُ وَأَجْزَلُ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : مَقَامًا أَيْ : مَقَامًا مَحْمُودًا بِكُلِّ لِسَانٍ . قُلْتُ : وَقَدْ جَاءَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِعَيْنِهَا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ بِالتَّعْرِيفِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ ، وَهِيَ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا ، وَفِي الطَّحَاوِيِّ ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي الدُّعَاءِ وَالْبَيْهَقِيِّ ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كَالنَّوَوِيِّ . قَوْلُهُ : ( الَّذِي وَعَدْتَهُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ الْوَعْدُ لِأَنَّ عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاقِعٌ كَمَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ ، وَالْمَوْصُولُ إِمَّا بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَلَيْسَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِمَا : الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فَيَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْمَوْصُولِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الشَّفَاعَةُ ، وَقِيلَ : إِجْلَاسُهُ عَلَى الْعَرْشِ ، وَقِيلَ : عَلَى الْكُرْسِيِّ ، وَحَكَى كُلًّا مِنَ الْقَوْلَيْنِ عَنْ جَمَاعَةٍ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ لَا يُنَافِي الْأَوَّلَ ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِجْلَاسُ عَلَامَةَ الْإِذْنِ فِي الشَّفَاعَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الشَّفَاعَةُ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ ، وَأَنْ يَكُونَ الْإِجْلَاسُ هِيَ الْمَنْزِلَةُ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالْوَسِيلَةِ أَوِ الْفَضِيلَةِ . وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا يَبْعَثُ اللَّهُ النَّاسَ ، فَيَكْسُونِي رَبِّي حُلَّةً خَضْرَاءَ ، فَأَقُولُ : مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَقُولَ فَذَلِكَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ ، وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْلِ الْمَذْكُورِ هُوَ الثَّنَاءُ الَّذِي يُقَدِّمُهُ بَيْنَ يَدَيِ الشَّفَاعَةِ . وَيَظْهَرُ أَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ مَجْمُوعُ مَا يَحْصُلُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَيُشْعِرُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي بِأَنَّ الْأَمْرَ الْمَطْلُوبَ لَهُ الشَّفَاعَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( حَلَّتْ لَهُ ) أَيِ اسْتَحَقَّتْ وَوَجَبَتْ أَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ ، يُقَالُ : حَلَّ يَحُلُّ بِالضَّمِّ إِذَا نَزَلَ ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ حَلَّتْ عَلَيْهِ . وَوَقَعَ فِي الطَّحَاوِيِّ من حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَبَتْ لَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَلَّتْ مِنَ الْحِلِّ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحَرَّمَةً . قَوْلُهُ : ( شَفَاعَتِي ) اسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ جَعْلَ ذَلِكَ ثَوَابًا لِقَائِلِ ذَلِكَ مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ الشَّفَاعَةَ لِلْمُذْنِبِينَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَفَاعَاتٌ أُخْرَى : كَإِدْخَالِ الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وَكَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ فَيُعْطَى كُلُّ أَحَدٍ مَا يُنَاسِبُهُ . وَنَقَلَ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِمَنْ قَالَهُ مُخْلِصًا مُسْتَحْضِرًا إِجْلَالَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا مَنْ قَصَدَ بِذَلِكَ مُجَرَّدَ الثَّوَابِ وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَهُوَ تَحَكُّمٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ، وَلَوْ كَانَ أَخْرَجَ الْغَافِلَ اللَّاهِيَ لَكَانَ أَشْبَهَ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : فِي الْحَدِيثِ الْحَضُّ عَلَى الدُّعَاءِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِأَنَّهُ حَالُ رَجَاءِ الْإِجَابَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ · ص 112 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الدعاء عند النداء · ص 463 8 - باب الدعاء عند النداء 614 - حدثني ابن عياش : ثنا شعيب بن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، حلت له شفاعتي يوم القيامة ) . هذا مما تفرد [به] البخاري دون مسلم . وخرجه الترمذي ، وقال : حسن غريب من حديث ابن المنكدر ، لا نعلم أحدا رواه غير شعيب بن أبي حمزة . وذكر ابن أبي حاتم ، عن أبيه ، قال : قد طعن في هذا الحديث ، وكان عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتابا ، فأمر بقراءته عليه ، فعرف بعضا وأنكر بعضا ، وقال لابنه - أو لابن أخيه - : اكتب هذه الأحاديث ، فدوَّن شعيب ذلك الكتاب ولم تثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس ، وعرض عليّ بعض تلك الكتب [فرأيتها مشابهة] لحديث إسحاق بن أبي فروة ، وهذا الحديث من تلك الأحاديث . انتهى . وقد روى الأثرم ، عن أحمد ، قال : نظرت في كتب شعيب ، أخرجها إليّ ابنه ، فإذا فيها من الصحة والحسن والمشكل نحو هذا . وقد روي ، عن جابر من وجه آخر بلفظ فيه بعض مخالفة ، وهو يدل على أن لحديث جابر أصلا . خرجه الإمام أحمد من رواية ابن لهيعة : ثنا أبو الزبير ، عن جابر ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : من قال حين ينادي المنادي : اللهم ، رب هذه الدعوة التامة والصلاة النافعة ، صل على محمد وارض عنه رضا لا سخط بعده - استجاب الله دعوته . وقد روي في هذا المعنى وسؤال الوسيلة عند سماع الأذان من حديث أبي الدرداء ، وابن مسعود - مرفوعا - وفي إسنادهما ضعف . ومما يشهد له - أيضا - : حديث خرجه مسلم من طريق كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ؛ فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة ) . وعبد الرحمن بن جبير هذا : مولى نافع بن عمرو القرشي المصري ، وظن بعضهم أنه ابن جبير بن نفير ، فوهم ، وقد فرق بينهما البخاري والترمذي وأبو حاتم الرازي وابنه . وقد روي عن الحسن ، أن هذا الدعاء يشرع عند سماع آخر الإقامة . روى ابن أبي شيبة : ثنا أبو الأحوص ، عن أبي حمزة ، عن الحسن ، قال : إذا قال المؤذن : ( قد قامت الصلاة ) ، فقل : اللهم ، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، أعط محمدا سؤله يوم القيامة . فلا يقولها رجل حين يقيم المؤذن إلا أدخله الله في شفاعة محمد يوم القيامة . وروى ابن السني في كتاب عمل اليوم والليلة من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن عطاء بن قرة ، عن عبد الله بن ضمرة ، عن أبي هريرة ، أنه كان يقول إذا سمع المؤذن يقيم : اللهم رب هذه الدعوة التامة وهذه الصلاة القائمة ، صل على محمد وآته سؤله يوم القيامة . وهذه الآثار تشهد للمنصوص عند أحمد ، أنه يدعو عند الإقامة ، كما سبق عنه . وقوله : ( من قال حين يسمع النداء ) : ظاهره أنه يقول ذلك في حال سماع النداء ، قبل فراغه . ويحتمل أنه يريد به حين يفرغ من سماعه . وحديث عبد الله بن عمرو صريح في أنه يسأل الوسيلة بعد إجابة المؤذن والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وهذا هو الأظهر ؛ فإنه يشرع قبل جميع الدعاء تقديم الثناء على الله والصلاة على رسوله ، ثم يدعو بعد ذلك . وقوله : ( اللهم رب هذه الدعوة التامة ) . والمراد بالدعوة التامة : دعوة الأذان ؛ فإنها دعاء إلى أشرف العبادات ، والقيام في مقام القرب والمناجاة ؛ فلذلك كانت دعوة تامة ، أي : كاملة لا نقص فيها ، بخلاف ما كانت دعوات أهل الجاهلية : إما إلى استنصار على عدو ، أو إلى نعي ميت ، أو إلى طعام ، ونحو ذلك مما هو ظاهره النقص والعيب . وروى أبو عيسى الأسواري ، قال : كان ابن عمر إذا سمع الأذان قال : اللهم رب هذه الدعوة المستجابة المستجاب لها ، دعوة الحق وكلمة التقوى ، فتوفني عليها ، وأحيني عليها ، واجعلني من صالح أهلها عملا يوم القيامة . وقد روي عن ابن عمر - موقوفا - من وجوه أخر . وروي عنه مرفوعا من وجه ضعيف . قال الدارقطني : الصحيح موقوف . وخرج بقي بن مخلد والحاكم من حديث عفير بن معدان ، عن [ سليم بن عامر ، عن] أبي أمامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا نادى المنادي فتحت أبواب السماء واستجيب الدعاء ، فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي إذا نادى ، فليقل مثل مقاله ، ثم ليقل : اللهم ، رب هذه الدعوة التامة الصادقة الحق المستجابة ، المستجاب لها ، دعوة الحق وكلمة التقوى ، أحينا عليها ، وأمتنا عليها ، وابعثنا عليها ، واجعلنا من خيار أهلها محيا ومماتا . ثم يسأل حاجته ) . وعفير ، ضعيف جدا . وقوله : ( والصلاة القائمة ) - أي : التي ستقوم وتحضر . وقد خرج البيهقي حديث جابر ، ولفظه : ( اللهم إني أسالك بحق هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ) . وهذا اللفظ لا إشكال فيه ؛ فإن الله سبحانه جعل لهذه الدعوة وللصلاة حقا كتبه على نفسه ، لا يخلفه لمن قام بهما من عباده ، فرجع الأمر إلى السؤال بصفات الله وكلماته . ولهذا استدل الإمام أحمد على أن القرآن ليس بمخلوق باستعاذة النبي - صلى الله عليه وسلم - بكلمات الله التامة ، وقال : إنما يستعاذ بالخالق لا بالمخلوق . وأما رواية من روى : ( اللهم ، رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ) ، كما هي رواية البخاري والترمذي وغيرهما ، فيقال : كيف جعل هذه الدعوة مربوبة ، مع أن فيها كلمة التوحيد ، وهي من القرآن ، والقرآن غير مربوب ولا مخلوق ؟ وبهذا فرق مَنْ فرق من أهل السنة بين أفعال الإيمان وأقواله ، فقال : أقواله غير مخلوقة ، وأفعاله مخلوقة ؛ لأن أقواله كلها ترجع إلى القرآن ؟ وأجيب عن هذا بوجوه : منها : أن المربوب هو الدعوة إلى الصلاة خاصة ، وهو قوله : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) ، وليس ذلك في القرآن ، ولم يرد به التكبير والتهليل . وفيه بعد . ومنها : أن المربوب هو ثوابها . وفيه ضعف . ومنها : أن هذه الكلمات من التهليل والتكبير هي من القرآن بوجه ، وليست منه بوجه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الكلام بعد القرآن أربع ، وهن من القرآن : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ) . فهي من القرآن إذا وقعت في أثناء القرآن ، وليست منه إذا وقعت في كلام خارج عنه ، فيصح أن تكون الكلمات الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبة . وقد كره الإمام أحمد أن يؤذن الجنب ، وعلل بأن في الأذان كلمات من القرآن . والظاهر : أن هذا على كراهة التنزيه دون التحريم . ومن الأصحاب من حمله على التحريم ، وفيه نظر ؛ فإن الجنب لا يمنع من قول : سبحان الله ، والحمد الله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر على وجه الذكر ، دون التلاوة . وسئل إسحاق عن الجنب : يجيب المؤذن ؟ قال : نعم ؛ لأنه ليس بقرآن . ومنها : أن الرب ما يضاف إليه الشيء ، وإن لم يكن خلقا له ، كرب الدار ونحوه ، فالكلام يضاف إلى الله ؛ لأنه هو المتكلم به ، ومنه بدأ ، وإليه يعود ، فهذا بمعنى إضافته إلى [ربوبية] الله . وقد صرح بهذا المعنى الأوزاعي ، وقال فيمن قال ( برب القرآن ) : إن لم يرد ما يريد الجهمية فلا بأس . يعني : إذا لم يرد بربوبيته خلقه كما يريده الجهمية ، بل أراد إضافة الكلام إلى المتكلم به . وقوله : ( آت محمدا الوسيلة ) ، قد تقدم حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( ثم سلوا الله لي الوسيلة ؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ) . وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( سلوا الله لي الوسيلة ) . قالوا : يا رسول الله ، ما الوسيلة ؟ قال : ( أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل واحد ، أرجو أن أكون أنا ) . ولفظ الإمام أحمد : ( إذا صليتم علي فسلوا الله لي الوسيلة ) - وذكر باقيه . وخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الوسيلة درجة عند الله عز وجل ليس فوقها درجة ، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة ) . وأما ( الفضيلة ) ، فالمراد - والله أعلم - : إظهار فضيلته على الخلق أجمعين يوم القيامة وبعده ، وإشهاد تفضيله عليهم في ذلك الموقف ، كما قال : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) ، ثم ذكر حديث الشفاعة . وقوله : ( وابعثه مقاما محمودا ) ، هكذا في رواية البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم . وعزا بعضهم إلى النسائي ، أنه رواه بلفظ : ( المقام المحمود ) بالتعريف ، وليس كذلك . [وكذلك] وقعت هذه اللفظة بالألف واللام في بعض طرق روايات الإسماعيلي في ( صحيحه ) . ووجه الرواية المشهورة : أن ذلك متابعة للفظ القرآن ، فهو أولى ، وعلى هذا فلا يكون ( الذي وعدته ) صفة ؛ لأن النكرة لا توصف بالمعرفة وإن تخصصت ، وإنما تكون بدلا ، لأن البدل لا يشترط أن يطابق في التعريف والتنكير ، أو يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره : ( أعني : الذي وعدته ) ، أو يكون مرفوعا خبر مبتدأ محذوف ، أي ( هو الذي وعدته ) . و ( المقام المحمود ) : فسر بالشفاعة . وقد روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وغيرهم . وفسر : بأنه يدعى يوم القيامة ليكسى حلة خضراء ، فيقوم عن يمين العرش مقاما لا يقدمه أحد ، فيغبطه به الأولون والآخرون . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث ابن مسعود ، ونحوه من حديث كعب بن مالك - أيضا - وكذا روي عن حذيفة - موقوفا ، ومرفوعا . وهذا يكون قبل الشفاعة . وفسره مجاهد وغيره بغير ذلك . وقوله : ( حلت له شفاعتي ) . قيل : معناه نالته وحصلت له ووجبت . وليس المراد بهذه الشفاعة : الشفاعة في فصل القضاء ؛ فإن تلك عامة لكل أحد . ولا الشفاعة في الخروج من النار ، ولا بد ؛ فإنه قد يقول ذلك من لا يدخل النار . وإنما المراد - والله أعلم - : أنه يصير في عناية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث تتحتم له شفاعته ؛ فإن كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له [في] إخراجه منها ، أو في منعه من دخولها . وإن لم يكن من أهل النار فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب ، أو في رفع درجته في الجنة . وقد سبقت الإشارة إلى أنواع شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في ( كتاب التيمم ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الدعاء عند النداء · ص 121 باب الدعاء عند النداء أي : هذا باب في بيان الدعاء عند تمام النداء وهو الأذان وقال بعضهم : إنما لم يقيده بذلك اتباعا لإطلاق الحديث قلت : ليس في لفظ الحديث هذه اللفظة ، وفي لفظ الحديث أيضا مقدر وإلا يلزم أن يدعو وهو يسمع وحالة السماع وقت الإجابة والدعاء بعد تمام السماع . 11 - حدثنا علي بن عياش قال : حدثنا شعيب ابن أبي حمزة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : علي بن عياش بفتح العين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف وبعد الألف شين معجمة الألهاني بفتح الهمز وسكون اللام وبالنون بعد الألف الحمصي مات سنة تسع عشرة ومائتين وهو من كبار شيوخ البخاري . الثاني : شعيب بن أبي حمزة بالحاء المهملة والزاي الحمصي وقد تقدم . الثالث : محمد بن المنكدر بوزن اسم الفاعل من الانكدار وقد تقدم . الرابع : جابر بن عبد الله . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه من أفراده ولم يرو عنه أحد من الستة غيره ، وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده عنه ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدمه ، عن أحمد عنه أخرجه الإسماعيلي من طريقه وذكر الترمذي أن شعيبا تفرد به ، عن ابن المنكدر فهو غريب مع صحته وقد توبع ابن المنكدر عليه ، عن جابر أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير ، عن جابر نحوه ووقع في رواية الإسماعيلي أخبرني ابن المنكدر ، وفيه أن رواته ما بين حمصيين ومدنيين . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن علي بن عياش ، وأخرجه أبو داود في الصلاة أيضا ، عن أحمد بن حنبل ، وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن سهل بن عسكر ، وإبراهيم بن يعقوب وأخرجه النسائي فيه ، وفي اليوم والليلة ، عن عمرو بن منصور ، وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن محمد بن يحيى ، والعباس بن الوليد ، ومحمد بن أبي الحسين سبعتهم عن علي بن عياش . ذكر معناه قوله : ( من قال حين يسمع النداء ) أي : الأذان وظاهر الكلام كان يقتضي أن يقال حين سمع بلفظ الماضي لأن الدعاء مسنون بعد الفراغ من الأذان لكن معناه حين يفرغ من السماع أو المراد من النداء تمامه إذ المطلق محمول على الكامل ويسمع حال لا استقبال ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه مسلم بلفظ : قولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ثم سلوا الله لي الوسيلة ففي هذا إن ذلك إنما يقال عند فراغ الأذان ، قوله : ( اللهم ) يعني يا الله والميم عوض عن الياء فلذلك لا يجتمعان ، قوله : ( رب ) منصوب على النداء ويجوز رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : أنت رب هذه الدعوة ، والرب المربي المصلح للشأن ، وقال الزمخشري : ربه يربه فهو رب ويجوز أن يكون وصفا بالمصدر للمبالغة كما في الوصف بالعدل ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده وفي غيره على التقييد بالإضافة كقولهم رب الدار ونحوه . قوله : ( الدعوة ) بفتح الدال وفي المحكم الدعوة والدعوة بالفتح والكسر والمدعاة ما دعوت إليه ، وخص اللحياني بالمفتوحة الدعاء إلى الوليمة قلت : قالوا : الدعوة بالفتح في الطعام والدعوة بالكسر في النسب والدعوة بالضم في الحرب والمراد بالدعوة هاهنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله تعالى ، وفي رواية البيهقي من طريق محمد بن عوف ، عن علي بن عياش اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ قوله : ( التامة ) صفة للدعوة وصفت بالتمام لأن الشركة نقص ، وقيل : معناها التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل بل هي باقية إلى يوم القيامة ، وقيل : وصفت بالتمام لأنها هي التي تستحق صفة التمام ، وما سواها معرض الفساد ، وقال ابن التين : وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو لا إله إلا الله وقيل : التامة الكاملة وكمالها أن لا يدخلها نقص ولا عيب كما يدخل في كلام الناس ، وقيل : معنى التمام كونها محمية عن النسخ باقية إلى يوم القيامة وقال الطيبي : من أوله إلى قوله : ( محمد رسول الله ) هي الدعوة التامة . قوله : ( والصلاة القائمة ) أي : الدائمة التي لا يغيرها ملة ولا ينسخها شريعة وأنها قائمة ما دامت السماوات والأرض ، قوله : ( آت ) أي : أعط وهو أمر من الإيتاء وهو الإعطاء ، قوله : ( الوسيلة ) وهي في اللغة ما يتقرب به إلى الغير والمنزلة عند الملك يقال : وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة إذا تقرب بعمل وهي على وزن فعيلة وتجمع على وسائل ووسل ، وفسرها في حديث مسلم بأنها منزلة في الجنة ، حدثنا محمد بن مسلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب ، عن حيوة وسعيد بن أبي أيوب وغيرهما ، عن كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله تعالى عليه بها عشرا ، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي لأحد إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة ، وأخرجه أبو داود والنسائي أيضا وأخرجه الطحاوي ، ولفظه : فإنها منزلة في الجنة فالمنزل والمنزلة واحد وهي المنهل والدار ، قوله : ( والفضيلة ) أي : المرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون الفضيلة منزلة أخرى ، وقال بعضهم : أو تكون تفسيرا للوسيلة قلت : لا إبهام في الوسيلة مع أنها بينت في الحديث الذي روي عن عبد الله بن عمرو ، قوله : ( مقاما محمودا ) انتصاب مقاما على أن يلاحظ معنى الإعطاء في البعث فحينئذ يكون مفعولا ثانيا له وذكر الكرماني فيه وجوها أخرى ما تمشي إلا بالتعسف ، وقد استبعد بعضهم بأن قال : نصب على الظرفية وهو مكان غير مبهم فلا يجوز أن يقدر فيه كلمة في فإن قلت : ما وجه التنكير فيه قلت : ليكون حكاية عن لفظ القرآن ، وقال الطيبي : إنما نكر لأنه أفحم وأجزل كأنه قيل : مقاما أي مقاما محمودا بكل لسان ، وقال النووي : ثبتت الرواية بالتنكير قلت : وقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما المقام المحمود بالألف واللام ، وقال ابن الجوزي : الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة ، وقيل : إجلاسه على العرش ، وقيل : على الكرسي ، وقيل : معناه الذي يحمده القائم فيه وكل من رآه وعرفه وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات ، وعن ابن عباس مقام يحمدك فيه الأولون والآخرون وتشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطى وتشفع فتشفع ليس أحدا إلا تحت لوائك ، وعن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي فإن قلت : قد وعده الله بالمقام المحمود وهو لا يخلف الميعاد فما الفائدة في دعاء الأمة بذلك ، قلت : إما لطلب الدوام والثبات ، وإما للإشارة إلى جواز دعاء الشخص لغيره والاستعانة بدعائه في حوائجه ولا سيما من الصالحين ، قوله : ( الذي وعدته ) بدل من قوله : مقاما أو مرفوع بتقدير هو أو منصوب على المدح فإن قلت : هل يجوز أن يكون صفة للمقام قلت : إن قلنا المقام المحمود صار علما لذلك المقام يجوز أن يكون صفة وإلا لا يجوز لأنه نكرة ، وأما على رواية النسائي المقام المحمود فيجوز بلا نزاع والمراد بالوعد ما قاله تعالى : عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله واقع وليس على بابه في حق الله تعالى ، وفي رواية البيهقي : ( الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد ) ، قوله : ( حلت له شفاعتي ) جواب من ومعنى حلت أي : استحقت ويكون من الحلال لأنه من كان الشيء حلاله كان مستحقا لذلك ، وبالعكس ويجوز أن يكون من الحلول بمعنى النزول وتكون اللام بمعنى على ويؤيده رواية مسلم ( حلت عليه ) وفي رواية الطحاوي من حديث ابن مسعود ( وجبت له ) ولا يجوز أن يكون من الحل خلاف الحرمة لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة ( فإن قيل ) كيف جعل ذلك ثوابا بالقائل ذلك مع أنه ثبت أن الشفاعة للمذنبين ( وأجيب ) بأن للنبي صلى الله عليه وسلم شفاعات متعددة كإدخال الجنة بغير حساب ورفع الدرجات فيشفع لكل أحد بما يناسب حاله ونقل القاضي عياض ، عن بعض شيوخه أنه كان يرى تخصيص ذلك بمن قال مخلصا مستحضرا لجلال الله تعالى : لا بمن قصد بذلك مجرد الثواب ونحو ذلك ، وهذا مجرد تحكم فليس بمناسب وقال بعضهم : ولو كان أخرج من ذلك الغافل اللاهي لكان أشبه وفيه نظر أيضا على ما لا يخفى . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الحض على الدعاء في أوقات الصلاة حين تفتح أبواب السماء للرحمة وقد جاء ( ساعتان لا يرد فيهما الدعاء حضرة النداء بالصلاة وحضرة الصف في سبيل الله ) فدلهم صلى الله عليه وسلم على أوقات الإجابة فإن قلت : هل الإتيان بهذه الألفاظ المذكورة سببا لاستحقاق الشفاعة أو غيرها يقوم مقامها قلت : روى الطحاوي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : ( ما من مسلم يقول إذا سمع النداء فيكبر المنادي فيكبر ثم يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا رسول الله فيشهد على ذلك ثم يقول : اللهم أعط محمدا الوسيلة واجعله في الأعلين درجته وفي المصطفين محبته وفي المقربين ذكره إلا وجبت له شفاعتي يوم القيامة ، وأخرجه الطبراني أيضا قوله : ( واجعله ) أي : واجعل له درجة في الأعلين وهو جمع أعلى وهو صفة من يعقل هاهنا لأن المراد منهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فلذلك جمع بالواو والنون فإعرابه بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر وهذا مقصور والضمة والكسرة فيه مقدرتان في حالتي النصب والجر ، قوله : ( المصطفين ) بفتح الفاء جمع مصطفى وهو أيضا كذلك بالواو حالة الرفع وبالياء حالتي النصب والجر والمصطفى المختار من الصفوة وأصله مصتفى بالتاء فقلبت طاء كما عرف في موضعه ، وروى الطحاوي أيضا من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا أم سلمة إذا كان عند أذان المغرب فقولي : اللهم عند استقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك وحضور صلواتك اغفر لي ، وأخرجه أبو داود ولفظه : اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعائك فاغفر لي ، وأخرجه الطبراني في الكبير وفي آخره : وكانت إذا تعارت من الليل تقول رب اغفر وارحم واهد السبيل الأقوم ، وروى أبو الشيخ من حديث ابن عباس يرفعه ( من سمع النداء فقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله أبلغه الدرجة والوسيلة عندك ، واجعلنا في شفاعته يوم القيامة إلا وجبت له الشفاعة ) وفيه إثبات الشفاعة للأمة صالحا وطالحا لزيادة الثواب أو إسقاط العقاب لأن لفظة من عامة فهو حجة على المعتزلة حيث خصصوها بالمطيع لزيادة درجاته فقط .