21 - بَاب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ 6755 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ غَيْرَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قَالَ : فَأَخْرَجَهَا فَإِذَا فِيهَا أَشْيَاءُ مِنْ الْجِرَاحَاتِ ، وَأَسْنَانِ الْإِبِلِ قَالَ : وَفِيهَا الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ ، وَلَا عَدْلٌ ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ ، وَلَا عَدْلٌ ، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ، وَالْمَلَائِكَةِ ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : وَرَجُلٌ أَنْعَمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَكَفَرَ نِعْمَتَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ . وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ عِنْدَ أَحْمَدَ : كُفْرٌ بِاللَّهِ تَبَرُّؤٌ مِنْ نَسَبٍ وَإِنْ دَقَّ وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ لَفْظُهُ : مَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَمِثْلُهُ لِأَحْمَدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ : فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهُ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ مَضَى شَرْحُ حَدِيثِ الْبَابِ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَفِي الْجِزْيَةِ وَيَأْتِيِ فِي الدِّيَاتِ ، وَفِي مَعْنَى حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ تَوَلَّى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَوَالِدُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ الرَّاوِي لَهُ عَنْ عَلِيٍّ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ شَرِيكٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عَلِيٍّ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ وَمَضَى فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ وَفِي فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ عَنْ عَلِيٍّ فِيمَا فِي الصَّحِيفَةِ وَأَنَّ جَمِيعَ مَا رَوَوْهُ مِنْ ذَلِكَ كَانَ فِيهَا ، وَكَانَ فِيهَا أَيْضًا مَا مَضَى فِي الْخَمْسِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَرْسَلَهُ إِلَى عُثْمَانَ بِصَحِيفَةٍ فِيهَا فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ ، فَإِنَّ رِوَايَةَ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَلِيٍّ فِي نَحْو حَدِيثِ الْبَابِ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ فِي صَحِيفَتِهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ ، وَذَكَرْتُ فِي الْعِلْمِ سَبَبَ تَحْدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَإِعْرَابَ قَوْلِهِ : إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَتَفْسِيرَ الصَّحِيفَةِ وَتَفْسِيرَ الْعَقْلِ ، وَمِمَّا وَقَعَ فِيهِ فِي الْعِلْمِ : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَأَحَلْتُ بِشَرْحِهِ عَلَى كِتَابِ الدِّيَاتِ ، وَالَّذِي تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ الْبَابِ مِمَّا فِي الصَّحِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ : أَحَدُهَا : الْجِرَاحَاتُ وَأَسْنَانُ الْإِبِلِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي الدِّيَاتِ ، وَهَلِ الْمُرَادُ بِأَسْنَانِ الْإِبِلِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْخَرَاجِ أَوِ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالزَّكَاةِ أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ . ثَانِيهَا : الْمَدِينَةُ حَرَمٌ وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي مَكَانِهِ فِي فَضْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ ، وَذَكَرْتُ فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّنَدِ ، وَبَيَانَ الِاخْتِلَافِ فِي تَفْسِيرِ الصَّرْفِ وَالْعَدْلِ . ثَالِثُهَا : وَمَنْ وَالَى قَوْمًا هُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ هُنَاكَ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ زَعَمَ أَنَّ لَهُ مَفْهُومًا وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا اسْتَأْذَنَ مَوَالِيَهُ مَنَعُوهُ ، ثُمَّ رَاجَعْتُ كَلَامَ الْخَطَّابِيِّ وَهُوَ لَيْسَ إِذْنُ الْمَوَالِي شَرْطًا فِي ادِّعَاءِ نَسَبٍ وَوَلَاءٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِلتَّحْرِيمِ وَلِأَنَّهُ إِذَا اسْتَأْذَنَهُمْ مَنَعُوهُ وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى ، وَهَذَا لَا يَطَّرِدُ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَوَاطَئُونَ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ لِغَرَضٍ مَا ، وَالْأَوْلَى مَا قَالَ غَيْرُهُ إِنَّ التَّعْبِيرَ بِالْإِذْنِ لَيْسَ لِتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِعَدَمِ الْإِذْنِ وَقَصْرِهِ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الْكَلَامُ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ الْغَالِبُ انْتَهَى . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ تَوَلَّى شَامِلًا لِلْمَعْنَى الْأَعَمِّ مِنَ الْمُوَالَاةِ ، وَأَنَّ مِنْهَا مُطْلَقَ النُّصْرَةِ وَالْإِعَانَةِ وَالْإِرْثِ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ يَتَعَلَّقُ بِمَفْهُومِهِ بِمَا عَدَا الْمِيرَاثَ ، وَدَلِيلُ إِخْرَاجِهِ حَدِيثُ إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَحَظَ هَذَا فَعَقَّبَ الْحَدِيثَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ ، فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْإِذْنِ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، لِأَنَّهُ إِذَا مُنِعَ السَّيِّدُ مِنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ مَعَ مَا تَحَصَّلَ لَهُ مِنَ الْعِوَضِ وَمِنْ هِبَتِهِ مَعَ مَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الْمَانَّةِ بِذَلِكَ فَمَنْعُهُ مِنَ الْإِذْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَا مَانَّةٍ أَوْلَى ، وَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي الْهِبَةِ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ انْتِمَاءَ الْمَوْلَى مِنْ أَسْفَلُ إِلَى غَيْرِ مَوْلَاهُ مِنْ فَوْق حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ كُفْرِ النِّعْمَةِ وَتَضْيِيعِ حَقِّ الْإِرْثِ بِالْوَلَاءِ وَالْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَبِهِ اسْتَدَلَّ مَالِكٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ فِي مُوَطَّئِهِ قَالَ : سُئِلَ عَنْ عَبْدٍ يَبْتَاعُ نَفْسَهُ مِنْ سَيِّدِهِ عَلَى أَنَّهُ يُوَالِي مَنْ شَاءَ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ : فَتِلْكَ الْهِبَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا . وَقَدْ شَذَّ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ بِالْأَخْذِ بِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ : إِنْ أَذِنَ الرَّجُلُ لِمَوْلَاهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ جَازَ ، وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَجَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ عَطَاءٌ ، قَالَ : وَيُحْمَلِ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَلَى أَنَّهُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْوَلَدِ حَرَامٌ سَوَاءٌ خَشِيَ الْإِمْلَاقَ أَمْ لَا ، وَهُوَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ . قُلْتُ : قَدْ سَبَقَ عَطَاءً إِلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ عُثْمَانُ ، فَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ عُثْمَانَ اخْتَصَمُوا إِلَيْهِ فِي نَحْوِ ذَلِكَ فَقَالَ لِلْعَتِيقِ : وَالِ مَنْ شِئْتَ ، وَأَنَّ مَيْمُونَةَ وَهَبَتْ وَلَاءَ مَوَالِيهَا لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْ هَؤُلَاءِ أَوْ بَلَغَهُمْ وَتَأَوَّلُوهُ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِمْ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْعَتِيقِ أَنْ يَكْتُبَ : فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ وَيُسَمِّيَ نَفْسَهُ وَمَوْلَاهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ ، بَلْ يَقُولُ : فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانٍ ، وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَسِبَ إِلَى نَسَبِهِ كَالْقُرَشِيِّ وَغَيْرِهِ ، قَالَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يُفْصِحَ بِذَلِكَ أَيْضًا كَأَنْ يَقُولَ : الْقُرَشِيُّ بِالْوَلَاءِ أَوْ مَوْلَاهُمْ . قَالَ : وَفِيهِ أَنَّ مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ لِمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَعِيدِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ . وَفِيهِ جَوَازُ لَعْنِ أَهْلِ الْفِسْقِ عُمُومًا ، وَلَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ . رَابِعُهَا : وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ الثَّانِيِ فَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الْعِتْقِ وَأَحَلْتُ بِشَرْحِهِ عَلَى مَا هُنَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِثْمِ مَنْ تَبَرَّأَ مِنْ مَوَالِيهِ · ص 42 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إثم من تبرأ من مواليه · ص 254 باب إثم من تبرأ من مواليه أي هذا باب في بيان إثم من تبرأ من مواليه بأن نفى كونه من موالي فلان أو والى غيره ، وروى أحمد في مسنده من طريق سهل بن معاذ بن أنس ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : إن لله عبادا لا يكلمهم الله . . الحديث ، وفيه : رجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم . 32 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن إبراهيم التيمي ، عن أبيه قال : قال علي رضي الله عنه : ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة ، قال : فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل ، قال : وفيها المدينة حرام ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل ، وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : ومن والى قوما إلى قوله : وذمة المسلمين ، فإن قلت : الترجمة مطلقة ، والحديث : ومن والى قوما بغير إذن مواليه ، فإن المفهوم منه أنه إذا والى بإذنهم لا يأثم ولا يكون متبرءا . قلت : ليس هذا لتقييد الحكم وإنما هو إيراد الكلام على الغالب ، وقيل : هو للتأكيد لأنه إذا استأذن مواليه في ذلك منعوه . وجرير هو ابن عبد الحميد ، والأعمش هو سليمان ، وإبراهيم التيمي هو إبراهيم بن يزيد من الزيادة ابن شريك التيمي تيم الرباب ، وليس هو إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو ، وقيل : ابن عمر بن يزيد بن الأسود بن عمر ، وأبو عمران النخعي الكوفي ، وإبراهيم التيمي يروي عن أبيه يزيد بن شريك بن طارق التيمي ، عداده في أهل الكوفة ، سمع علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة . والحديث مضى في الحج عن محمد بن بشار ، وفي الجزية عن محمد بن وكيع ، وسيجيء في الاعتصام عن عمر بن حفص . قوله : غير هذه الصحيفة حال أو هو استثناء آخر ، وحرف العطف مقدر كما في التحيات المباركات الصلوات ، تقديره : والصلوات . قوله : أشياء جمع شيء ، وهو لا ينصرف . قال الكسائي : تركوا صرفه لكثرة استعماله . قوله : من الجراحات أي من أحكام الجراحات وأسنان الإبل الديات ، قوله : حرام ويروى حرم ، قوله : عير بفتح العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء وهو اسم جبل بالمدينة ، قوله : إلى ثور بفتح الثاء المثلثة . وقال القاضي عياض : أما ثور بلفظ الحيوان المشهور ، فمنهم من ترك مكانه بياضا لأنهم اعتقدوا أن ذكر ثور خطأ ؛ إذ ليس في المدينة موضع يسمى ثورا ، ومنهم من كنى عنه بلفظ كذا ، وقيل : الصحيح أن بدله أحد أي عير إلى أحد . وقيل : إن ثورا كان اسما لجبل هناك ، إما أحد أو غيره ، فخفي اسمه . قوله : حدثا بفتحتين وهو الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة ، قوله : أو أوى القصر في اللازم والمد في المتعدي ، قوله : محدثا بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول ، فمعنى الكسر من نصر جانبا وآواه وأجاره من خصمه وحال بينه وبين أن يقتص منه . ومعنى الفتح هو الأمر المبتدع نفسه ، ويكون معنى الإيواء فيه الرضا به والصبر عليه ، فإنه إذا رضي ببدعته وأقر فاعلها عليها ولم ينكرها فقد آواه . قوله : لعنة الله المراد باللعنة البعد عن الجنة التي هي دار الرحمة في أول الأمر لا مطلقا ، قوله : صرف الصرف الفريضة والعدل النافلة ، وقيل : بالعكس ، وقيل : الصرف التوبة والعدل الفدية ، قوله : من والى قوما أي اتخذهم أولياء له . قوله : بغير إذن مواليه قد مر الكلام فيه الآن ، قوله : وذمة المسلمين المراد بالذمة العهد والأمان يعني أمان المسلم للكافر صحيح ، والمسلمون كنفس واحدة فيه . قوله : أدناهم أي مثل المرأة والعبد ، فإذا أمن أحدهم حربيا لا يجوز لأحد أن ينقض ذمته ، قوله : ومن أخفر بالخاء المعجمة والفاء أي من نقض عهده ، يقال : خفرته أي كنت له خفيرا أمنعه وأخفرته أيضا . وفيه جواز لعنة أهل الفسق من المسلمين ومن تبرأ من مواليه لم تجز شهادته وعليه التوبة والاستغفار لأن الشارع لعنه ، وكل من لعنه فهو فاسق .