620 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ) هَذَا إِسْنَادٌ آخَرُ لِمَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ ، وَاعْتَرَضَ ابْنُ التَّيْمِيِّ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْجَمَةِ ، لِجَعْلِهِ غَايَةَ الْأَكْلِ ابْتِدَاءَ أَذَانِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَذَانَهُ كَانَ يَقَعُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِقَلِيلٍ . وَجَوَابُهُ مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : الِاسْتِدْلَالُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَوْجَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ : حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُنَادِي حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُنَادِي قَبْلَهُ لَكَانَ كَبِلَالٍ يُنَادِي بِلَيْلٍ . ( تَنْبِيهٌ ) قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ عَنْهُ شُعْبَةُ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ : رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْهُ عَلَى الشَّكِّ أَنَّ بِلَالًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، أَوْ أَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُنَادِي بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ . قَالَ : وَلِشُعْبَةَ فِيهِ إِسْنَادٌ آخَرُ ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمَّتِهِ أُنَيْسَةَ فَذَكَرَهُ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ غُنْدَرٍ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنْهُ جَازِمًا بِالْأَوَّلِ ، وَرَوَاهُ أَبُو الْوَلِيدِ عَنْهُ جَازِمًا بِالثَّانِي ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ زَاذَانَ ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَادَّعَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهُ مَقْلُوبٌ وَأَنَّ الصَّوَابَ حَدِيثُ الْبَابِ ، وَقَدْ كُنْتُ أَمِيلُ إِلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ رَأَيْتُ الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ مَا يُبْعِدُ وُقُوعَ الْوَهْمِ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُهُ إِذَا أَذَّنَ عَمْرٌو فَإِنَّهُ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ ، وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا يَطْعَمَنَّ أَحَدٌ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ أَيْضًا أَنَّهَا كَانَتْ تُنْكِرُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَتَقُولُ إِنَّهُ غَلَطٌ ، أَخْرَجَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَزَادَ قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانَ بِلَالٌ يُبْصِرُ الْفَجْرَ قَالَ : وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ : غَلِطَ ابْنُ عُمَرَ . انْتَهَى . وَقَدْ جَمَعَ خُزَيْمَةُ ، وَالضُّبَعِيُّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ كَانَ نُوَبًا بَيْنَ بِلَالٍ ، وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْلِمُ النَّاسَ أَنَّ أَذَانَ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا لَا يُحَرِّمُ عَلَى الصَّائِمِ شَيْئًا وَلَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الثَّانِي . وَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِذَلِكَ وَلَمْ يُبْدِهِ احْتِمَالًا ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الضِّيَاءُ وَغَيْرُهُ ، وَقِيلَ : لَمْ يَكُنْ نُوَبًا ، وَإِنَّمَا كَانَتْ لَهُمَا حَالَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ : فَإِنَّ بِلَالًا كَانَ فِي أَوَّلِ مَا شُرِعَ الْأَذَانُ يُؤَذِّنُ وَحْدَهُ وَلَا يُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ، وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَلُ رِوَايَةُ عُرْوَةَ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ : كَانَ بِلَالٌ يَجْلِسُ عَلَى بَيْتِي وَهُوَ أَعْلَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ ، فَإِذَا رَأَى الْفَجْرَ تَمَطَّأَ ثُمَّ أَذَّنَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَرِوَايَةُ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَالًا فَأَذَّنَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، ثُمَّ أَرْدَفَ بِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ وَاسْتَمَرَّ بِلَالٌ عَلَى حَالَتِهِ الْأُولَى ، وَعَلَى ذَلِكَ تَنْزِلُ رِوَايَةُ أُنَيْسَةَ وَغَيْرِهَا ، ثُمَّ فِي آخِرِ الْأَمْرِ أَخَّرَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ لِضَعْفِهِ وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يُرَاعِي لَهُ الْفَجْرَ ، وَاسْتَقَرَّ أَذَانُ بِلَالٍ بِلَيْلٍ ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ أَخْطَأَ الْفَجْرَ فَأَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِهِ ، وَأَنَّهُ أَخْطَأَ مَرَّةً فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَرْجِعَ فَيَقُولُ : أَلَا إِنَّ الْعَبْدَ نَامَ يَعْنِي أَنَّ غَلَبَةَ النَّوْمِ عَلَى عَيْنَيْهِ مَنَعَتْهُ مِنْ تَبَيُّنِ الْفَجْرِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ حُفَّاظٌ ، لَكِنِ اتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَالذُّهْلِيُّ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالْأَثْرَمُ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَلَى أَنَّ حَمَّادًا أَخْطَأَ فِي رَفْعِهِ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ وَقْفُهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ مَعَ مُؤَذِّنِهِ وَأَنَّ حَمَّادًا انْفَرَدَ بِرَفْعِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَ لَهُ مُتَابِعٌ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ زَرْبِيٍّ وَهُوَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ يَاءٌ كَيَاءِ النَّسَبِ فَرَوَاهُ عَنْ أَيُّوبَ مَوْصُولًا لَكِنْ سَعِيدٌ ضَعِيفٌ . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ أَيُّوبَ أَيْضًا ، لَكِنَّهُ أَعْضَلَهُ فَلَمْ يَذْكُرْ نَافِعًا وَلَا ابْنَ عُمَرَ . وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ اخْتُلِفَ فِي رَفْعِهَا وَوَقْفِهَا أَيْضًا ، وَأُخْرَى مُرْسَلَةٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ وَأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلَةٌ وَوَصَلَهَا يُونُسُ ، عَنْ سَعِيدٍ بِذِكْرِ أَنَسٍ ، وَهَذِهِ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا قُوَّةً ظَاهِرَةً ، فَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ اسْتَقَرَّ أَنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ ، وَسَنَذْكُرُ اخْتِلَافَهُمْ فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ : يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ · ص 121 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الأذان بعد الفجر · ص 507 الحديث الثالث : 620 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم ) . كذا خرج في ( الموطأ ) هذا الحديث . وخرجه الإسماعيلي في ( صحيحه ) من طرق عن مالك . وخرجه من طريق عبد الله بن يوسف ، وزاد فيه : وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال له : أصبحت ، أصبحت . وزعم أن تخريج هذا الحديث في ( باب : أذان الأعمى ) كان أولى ؛ لأنه زعم أن هذه الزيادة فيه من قول ابن عمر ومالك مدرجة . وهذا الذي قاله ليس بشيء ، وهذه الزيادة في حديث عبد الله بن دينار ما أراها محفوظة عن مالك بالكلية ، والظاهر أن بعض الرواة اشتبه عليه حديث عبد الله بن دينار بحديث سالم المتقدم . والله أعلم . وقد رواه أيضا شعبة ، عن عبد الله بن دينار ، بدون هذه الزيادة أيضا . وقد روي عن مالك بهذه الزيادة من وجه آخر : رواه حرملة ، عن ابن وهب والشافعي ، كلاهما عن مالك ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ، وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى ، لا ينادي حتى يقال : أصبحت ، أصبحت . خرجه الطبراني ، وذكر أنه تفرد به حرملة ، ولا يرويه عن مالك غير الشافعي وابن وهب ، وعنده : أن هذه الزيادة في آخره من رواية الشافعي وحده . وذكر ابن أبي حاتم أن أباه حدثه عن حرملة ، عن ابن وهب وحده بهذه الزيادة ، وقال : قال أبي : هذا منكر بهذا الإسناد . وبكل حال ؛ فتحمل صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الأذان على أذان ابن أم مكتوم الثاني ، إلا أن في حديث عائشة ما يدل على [أنه] الأذان الأول في عدة روايات ، فيحمل ذلك على أنه كان يصلي بين الأذانين إذا تبين له الفجر قبل أذان ابن أم مكتوم ، بدليل رواية من روى أنه كان يصلي إذا سكت المؤذن وتبين له الفجر . وقد روى جعفر بن ربيعة ، عن عراك بن مالك ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين بين النداءين ، لم يكن يدعهما أبدا . خرجه البخاري . والمراد : بين النداء والإقامة . وقد رواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، وذكر في حديثه : أنه كان يصلي ركعتي الفجر بين الأذان والإقامة ، كما سبق . فتعين حمل ذلك على الأذان الثاني ، ولا بد . وقد روى بعضهم حديث عراك ، وزاد فيه بعد قوله : يصلي ركعتين بين النداءين : ( جالسا ) . خرجه أبو داود . ولفظة : ( جالسا ) غير محفوظة . وإنما كان يصلي ركعتين جالسا بعد وتره ، كذلك رواه يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة . ومما يدل على هذا - أيضا - : حديث ابن عمر المخرج في ( الصحيحين ) من طريق أنس بن سيرين ، عنه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي الركعتين قبل صلاة الغداة ، كأن الأذان بأذنيه . زاد البخاري : قال حماد بن زيد : أي : بسرعة . وروى الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي [ركعتي] الفجر إذا سمع الأذان ويخففهما . خرجه النسائي . وقال : هذا حديث منكر . قلت : نكارته من قبل إسناده ، وروايات الأعمش عن حبيب فيها منكرات ؛ فإن حبيب بن أبي ثابت إنما يروي هذا الحديث عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن جده . [وخرج أبو داود ] من حديث كريب ، عن الفضل بن عباس - أنه نام ليلة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لينظر كيف صلاته ، [فذكر صلاته] ووتره ، ثم قام فنادى المنادي عند ذلك ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما سكت المؤذن ، فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم جلس حتى صلى الصبح . فهذه الأحاديث المخرجة في هذا الباب كلها ليس فيها دلالة صريحة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يؤذن له إلا بعد طلوع الفجر ، وغاية ما يدل بعضها على أنه كان يؤذن له بعد طلوع الفجر ، وذلك لا ينفي أن يكون قد أذن قبل الفجر أذان أول . والأحاديث التي فيها أن بلالا كان لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر أسانيدها غير قوية ، ويمكن أن تحمل - على تقدير ثبوتها - على أنه كان يؤذن بعد طلوع الفجر الأول ، وقبل طلوع الفجر الثاني . ويدل على ذلك : ما روى ابن وهب ، قال : حدثني سالم بن غيلان ، أن سليمان بن أبي عثمان التجيبي حدثه ، عن حاتم بن عدي الحمصي ، عن أبي ذر ، أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة - فذكر الحديث - قال : ثم أتاه بلال للصلاة ، فقال : ( أفعلت ؟ ) فقال : نعم . قال : ( إنك يا بلال مؤذن إذا كان الصبح ساطعا في السماء ، وليس ذلك الصبح ، إنما الصبح هكذا إذا كان معترضا ) ، ثم دعا بسحوره فتسحر . خرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) ويونس بن يعقوب القاضي في ( كتاب الصيام ) . وخرجه الإمام أحمد - بمعناه من رواية رشدين بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن سالم بن غيلان . ومن طريق ابن لهيعة ، عن سالم بن غيلان - أيضا . وقد اختلف في هذا الإسناد : فقال البخاري في ( تاريخه ) : هو إسناد مجهول . وقال الدارقطني - فيما نقله عنه البرقاني - في هؤلاء الثلاثة : سالم وسليمان وحاتم : مصريون متروكون ، وذكر أن رواية حاتم ، عن أبي ذر لا تثبت . وخالفه في ذلك آخرون : أما حاتم ، فقال العجلي : تابعي حمصي شامي ، ثقة . وأما سليمان بن أبي عثمان التجيبي ، فقال أبو حاتم الرازي : هو مجهول . وأما سالم بن غيلان ، فمشهور ، روى عنه جماعة من أهل مصر . وقال أحمد وأبو داود والنسائي : لا بأس به . وقال ابن خراش : صدوق ، وقال ابن حبان : ثقة . فلم يبق من هؤلاء من لا يعرف حاله سوى سليمان بن أبي عثمان . وقد عضد هذا الحديث : ما خرجه مسلم في ( صحيحه ) من حديث سمرة بن جندب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا هذا البياض - لعمود الصبح - حتى يستطير ) . وحديث ابن مسعود ، وقد خرجه البخاري في الباب الآتي . وفي النهي عن الأذان قبل الفجر أحاديث أخر ، لا تصح : فروى جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض بن عامر ، عن بلال ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا تؤذن حتى يستبين لك الفجر هكذا ) ، ومد يديه عرضا . خرجه أبو داود . وقال : شداد لم يلق بلالا . قال أبو بكر الأثرم : هو إسناد مجهول منقطع . يشير إلى جهالة شداد ، وأنه لم يلق بلالا . وقد خرجه أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) : ثنا جعفر بن برقان ، عن شداد مولى عياض ، قال : بلغني أن بلالا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره . وروى [ أبو داود ، عن] حماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن بلالا أذن بليل ، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ينادي : ألا إن العبد نام . وقال : تفرد به حماد . وذكر أن الدراوردي روى عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : كان لعمر مؤذن ، يقال له : مسروح - فذكر نحوه . وقال : هذا أصح من ذاك . يعني : أنه موقوف على عمر ، وأن حماد بن سلمة وهم في رفعه . وحكى الترمذي عن علي بن المديني ، أنه قال : هو غير محفوظ ، وأخطأ فيه حماد بن سلمة . وكذا قال الترمذي : هو غير محفوظ . وكذلك أنكره الإمام أحمد على حماد . وقال أبو حاتم الرازي : حديث حماد خطأ . والصحيح : عن نافع ، عن ابن عمر ، أن عمر أمر مسروحا . قال : ورواه ابن أبي محذورة ، عن عبد العزيز أبي رواد ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا - أيضا - وابن أبي محذورة شيخ . وقال محمد [بن] يحيى الذهلي : هو حديث شاذ ، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر . يعني : أنهم رووا عنه حديث : ( إن بلالا يؤذن بليل ) . وقال الشافعي : رأينا أهل الحديث من أهل العراق لا يثبتون هذا الحديث ، ويزعمون أنها ضعيفة ، لا يقوم بمثلها حجة على الانفراد . وقال الأثرم : هذا الحديث [خطأ] معروف من خطأ حماد بن سلمة . وقال الدارقطني : أخطأ فيه حماد بن سلمة . وتابعه سعيد بن زربي - وكان ضعيفا - روياه عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر . والمحفوظ : عن أيوب ، عن ابن سيرين أو حميد بن هلال ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال هذا . قال : ولا يقوم بالمرسل حجة . قلت : روايات حماد بن سلمة عن أيوب غير قوية . قال أحمد : أسند عن أيوب [أحاديث لا يسندها الناس عنه . وقال مسلم : حماد يخطئ في حديث أيوب كثيرا . وقد خولف في رواية هذا عن أيوب ، فرواه معمر ، عن أيوب ] - مرسلا . خرجه عبد الرزاق ، عنه . وأما حديث عبد العزيز بن أبي رواد ، فقد روي عنه متصلا كما تقدم من رواية ابن أبي محذورة عنه . وتابعه عامر بن مدرك . قال الدارقطني : هو وهم ، والصواب : رواية شعيب بن حرب ، عن عبد العزيز ، عن نافع ، عن مؤذن لعمر ، يقال له : مسروح ، أن عمر أمره بذلك . وذكر أبو داود أن حماد بن زيد رواه عن عبيد الله ، عن نافع أو غيره ، أن مؤذنا لعمر يقال له : مسروح - فذكره . وذكر الترمذي ، أن ابن أبي رواد رواه ، عن نافع ، أن عمر أمر بذلك . قال : هذا لا يصح ؛ لأنه منقطع . وقال البيهقي في حديث ابن أبي رواد المتصل : إنه ضعيف لا يصح ، والصواب : رواية شعيب بن حرب . وقال ابن عبد البر : الصحيح : أن عمر هو الذي أمر مؤذنه بذلك . وقد روي من حديث قتادة ، عن أنس - نحو حديث حماد بن سلمة . والصحيح : أنه عن قتادة مرسل - : قاله الدارقطني . وروي من حديث الحسن ، عن أنس - أيضا - بإسناد لا يصح . والنهي عن الأذان قبل طلوع الفجر قد روي عن عمر ، كما سبق ، وعن علي . قال أبو نعيم : ثنا إسرائيل ، عن فضل بن عمير ، قال : كان لعلي مؤذن ، فجعل علي معه مؤذنا آخر ؛ لكيلا يؤذن حتى ينفجر الفجر . وهذا منقطع . وروى وكيع : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : ما كانوا يؤذنون حتى يصبحون . وخرج الإمام أحمد من رواية يونس ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، قال : قلت لعائشة : متى توترين ؟ قالت : ما أوتر حتى يؤذن ، وما يؤذن حتى يطلع الفجر . وعن شريك ، عن علي بن علي ، عن إبراهيم ، قال : سمع علقمة مؤذنا يؤذن بليل ، فقال : لقد خالف هذا سنة أصحاب محمد . وإلى هذا القول ذهب الكوفيون ، منهم : أبو الأحوص صاحب ابن مسعود ، وقيس بن أبي حازم ، والشعبي ، والنخعي ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، والحسن بن صالح . وروى ابن أبي شيبة من طريق حجاج ، عن طلحة ، عن سويد - هو : ابن علقمة - عن بلال : أنه كان لا يؤذن حتى ينشق الفجر . وعن حجاج ، عن عطاء ، عن أبي محذورة : أنه أذن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولأبي بكر وعمر ، فكان لا يؤذن حتى يطلع الفجر . حجاج : هو ابن أرطاة . قال الأثرم : هذا ضعيف الإسناد . وقال ابن أبي شيبة : ثنا ابن نمير ، عن عبيد الله ، قال : قلت لنافع : إنهم كانوا ينادون قبل الفجر ؟ قال : ما كان النداء إلا مع الفجر .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الأذان بعد الفجر · ص 133 17 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن بلالا ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم . قد مر هذا الحديث قبل هذا الباب ، أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، الحديث وقد استوفينا الكلام فيه هناك ، وقال ابن عبد البر : هذا الإسناد لم يختلف عن مالك فيه ، ووجه مطابقته للترجمة بطريق الإشارة أيضا ؛ لأن قوله : حتى ينادي ابن أم مكتوم يقتضي أن نداءه حين يطلع الفجر لأنه لو كان قبله لم يكن فرق بين أذانه وأذان بلال . قوله : ينادي أي : يؤذن ، والباء في بليل للظرفية .