625 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيَّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ شَيْءٌ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ شُعْبَةَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ( كَانَ الْمُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ إِذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي أَذَانِ الْمَغْرِبِ . قَوْلُهُ : ( قَامَ نَاسٌ ) فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَامَ كِبَارُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَا تَقَدَّمَ لِلْمُؤَلِّفِ فِي أَبْوَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ . قَوْلُهُ : ( يَبْتَدِرُونَ ) أَيْ يَسْتَبِقُونَ . وَ ( السَّوَارِيَ ) جَمْعُ سَارِيَةٍ ، وَكَأَنَّ غَرَضَهُمْ بِالِاسْتِبَاقِ إِلَيْهَا الِاسْتِتَارُ بِهَا مِمَّنْ يَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لِكَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ فُرَادَى . قَوْلُهُ : ( وَهُمْ كَذَلِكَ ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالِ . وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ : فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا ) أَيِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ . قَوْلُهُ : ( شَيْءٌ ) التَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ ، أَيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ كَثِيرٌ ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُعَلَّقَةَ مُعَارِضَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَوْصُولَةِ ، بَلْ هِيَ مُبَيِّنَةٌ لَهَا ، وَنَفْيُ الْكَثِيرِ يَقْتَضِي إِثْبَاتُ الْقَلِيلِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ وَكَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ قَرِيبٌ وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ نَحْوُهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : يُجْمَعُ بَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ النَّفْيِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ مَجَازًا ، وَالْإِثْبَاتُ لِلْقَلِيلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ . وَحَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : دَلَّ قَوْلُهُ : وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ عَلَى أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ : بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْمَغْرِبِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ بَيْنَهُمَا بَلْ كَانُوا يَشْرَعُونَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ وَيَفْرُغُونَ مَعَ فَرَاغِهِ . قَالَ : وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حَيَّانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ : إِلَّا الْمَغْرِبَ اهـ . وَفِي قَوْلِهِ وَيَفْرُغُونَ مَعَ فَرَاغِهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِيهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ شُرُوعِهِمْ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ حَيَّانَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ فَشَاذَّةٌ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا عِنْدَ الْبَزَّارِ وَغَيْرِهِ لَكِنَّهُ خَالَفَ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ ، وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ : وَكَانَ بُرَيْدَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَحْفُوظًا لَمْ يُخَالِفْ بُرَيْدَةُ رِوَايَتَهُ . وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الْفَلَّاسِ أَنَّهُ كَذَّبَ حَيَّانَ الْمَذْكُورَ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ : ظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ كَانَ أَمْرًا أَقَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ وَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى كَانُوا يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ . وَأَمَّا كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّهِمَا فَلَا يَنْفِي الِاسْتِحْبَابَ ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الرَّوَاتِبِ . وَإِلَى اسْتِحْبَابِهِمَا ذَهَبَ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُصَلِّيهِمَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَهُمَا . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَادَّعَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ نَسْخَهُمَا فَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَيْثُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَبَيَّنَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَقْتَ الْجَوَازِ ، ثُمَّ نَدَبَ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، فَلَوِ اسْتَمَرَّتِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى مُخَالَفَةِ إِدْرَاكِ أَوَّلِ وَقْتِهَا . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْهُ ، وَرِوَايَةُ أَنَسٍ الْمُثْبِتَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَفْيِهِ ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْهُمْ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ وَلَا الْكَرَاهَةِ . وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ سُئِلَ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ : كُنَّا نَفْعَلُهُمَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قِيلَ لَهُ : فَمَا يَمْنَعُكَ الْآنَ ؟ قَالَ : الشُّغْلُ . فَلَعَلَّ غَيْرَهُ أَيْضًا مَنَعَهُ الشُّغْلُ . وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ قَوِيَّةٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ ، وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَيْهِمَا . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ : اخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ بَعْدَهُمْ ، فَمَرْدُودٌ بِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، وَيَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ ، وَالْأَعْرَجِ ، وَعَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ سَئلَ عَنْهُمَا فَقَالَ : حَسَنَتَيْنِ وَاللَّهِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهِمَا . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ . وَعَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ بِاسْتِحْبَابِهِمَا . وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ فِعْلَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا خَيَالٌ فَاسِدٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَزَمَنُهُمَا زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا تَتَأَخَّرُ بِهِ الصَّلَاةُ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا . قُلْتُ : وَمَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ يُرْشِدُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِهِمَا كَمَا فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ ، قِيلَ : وَالْحِكْمَةُ فِي النَّدْبِ إِلَيْهِمَا رَجَاءُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ ، وَكُلَّمَا كَانَ الْوَقْتُ أَشْرَفَ كَانَ ثَوَابُ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَكْثَرَ ، وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاضِحٍ . ( تَنْبِيهَانِ ) : ( أَحَدُهُمَا ) مُطَابَقَةُ حَدِيثِ أَنَسٍ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا كَانُوا يَبْتَدِرُونَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَعَ قِصَرِ وَقْتِهَا ، فَالْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّنَقلِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ تَقَعُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَكْعَتَيْنِ إِلَّا مَا ضَاهَى الْمَغْرِبَ فِي قِصَرِ الْوَقْتِ كَالصُّبْحِ . ( الثَّانِي ) : لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ - إِلَى الْآنَ . وَزَعَمَ مُغْلَطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ وَصَلَهَا فِي مُسْتَخْرَجِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ، وَكَذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ فِيمَا يَظْهَرُ لِي ، وَقِيلَ هُوَ الْحَفَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ . وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مَقْصُودُ رِوَايَتِهِمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ ، وَأَبِي عَامِرٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كَمْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَمَنْ يَنْتَظِرُ الْإِقَامَةَ · ص 127 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب كم بين الأذان والإقامة · ص 527 الثاني : قال : 625 - ثنا محمد بن بشار : ثنا غندر : ثنا شعبة ، قال : سمعت عمرو بن عامر الأنصاري ، عن أنس بن مالك ، قال : كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتدرون السواري ، حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم كذلك ، يصلون الركعتين قبل المغرب ، ولم يكن بين الأذان [والإقامة] شيء . قال عثمان بن جبلة وأبو داود ، عن شعبة : ولم يكن بينهما إلا قليل . وحديث ابن مغفل يدل على أن بين كل أذان صلاة وإقامتها صلاة لمن شاء ، فدخل في ذلك المغرب وغيرها ، فدل على أن بين أذان المغرب وإقامتها ما يتسع لصلاة ركعتين . وقد ذكرنا قدر الفصل بين أذان المغرب وإقامتها في ( باب : وقت المغرب ) . وقد روى حيان بن عبيد [الله العدوي هذا الحديث عن عبد الله] بن بريدة ، عن أبيه ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن عند كل أذانين ركعتين قبل الإقامة ، ما خلا أذان المغرب ) . خرجه الطبراني والبزار والدارقطني . وقال : حيان بن عبيد الله هذا ليس بقوي ، وخالفه حسين المعلم وسعيد الجريري وكهمس بن الحسن ، وكلهم ثقات . يعني : أنهم رووه عن ابن بريدة ، عن [ابن] مغفل ، بدون هذه الزيادة . وقال الأثرم : ليس هذا بشيء ؛ قد رواه عن [ابن] بريدة ثلاثة ثقات على خلاف ما رواه هذا الشيخ الذي لا يعرف ، في الإسناد والكلام جميعا . وكذلك ذكر ابن خزيمة نحوه ، واستدل على خطئه في استثنائه صلاة المغرب بأن ابن المبارك روى الحديث عن كهمس ، عن [ ابن] بريدة ، عن ابن مغفل ، وزاد في آخره : فكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين . وحديث أنس يدل على أن بين أذان المغرب وإقامتها ما يتسع لصلاة ركعتين . فأما قوله في آخر الحديث : ( ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ) ، فمراده - والله أعلم - لم يكن شيء كثير ؛ بدليل رواية عثمان بن جبلة وأبي داود الطيالسي التي ذكرها البخاري تعليقا : ( ولم يكن بينهما إلا قليل ) . وقد خرجه النسائي من رواية أبي عامر العقدي ، عن شعبة ، وفي حديثه : ( ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ) - كرواية غندر . وقد زعم بعضهم : أن قيام الصحابة للصلاة كان إذا ابتدأ المؤذن في الأذان ، ولم يكن بين الأذان والإقامة ، واستدل برواية من روى : ( ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء ) . وفي ( صحيح مسلم ) عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، قال : كنا بالمدينة ، فإذا أذن المؤذن لصلاة المغرب ابتدروا السواري ، فركعوا ركعتين ، حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب أن الصلاة قد صليت ، من كثرة من يصليهما . في ( مسند الإمام أحمد ) من حديث معلى بن جابر ، عن موسى بن أنس ، عن أبيه ، قال : كان إذا قام المؤذن فأذن لصلاة المغرب قام من يشاء ، فصلى حتى تقام الصلاة ، ومن شاء ركع ركعتين ، ثم قعد ، وذلك بعيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . ومعلى بن جابر ، مشهور ، روى عنه جماعة ، وذكره ابن حبان في ( ثقاته ) . وهذا ظاهر في أنهم كانوا يقومون إذا شرع المؤذن في الأذان ، وأن منهم من كان يزيد على ركعتين . وفيه : رد على إسحاق بن راهويه ، قال : لا يزاد على ركعتين قبل المغرب ، وقد سبق ذكره . وقد خرج الإسماعيلي في ( صحيحه ) من حديث عثمان بن عمر : ثنا شعبة ، عن عمرو بن عامر ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان المؤذن إذا أخذ في أذان المغرب قام لباب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فابتدروا السواري ، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج إليهم وهم يصلون ، وكان بين الأذان والإقامة قريب . وهذه الرواية صريحة في صلاتهم في حال الأذان ، واشتغالهم حين إجابة المؤذن بهذه الصلاة . وقد كان الإمام أحمد يوم الجمعة إذا أخذ المؤذن في الأذان الأول للجمعة قام فصلى ركعتين - أو أربعا - على قدر طول الأذان وقصره . ويأتي الكلام على حكم الصلاة قبل المغرب في موضع آخر - إن شاء الله وإنما المقصود هنا : ذكر قدر الفصل بين الأذان والإقامة للمغرب وغيرها . وقد سبق حكم الفصل بين أذان المغرب وإقامتها في ( باب : وقت المغرب ) . وذكرنا أحاديث في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يفصل بين أذانه وإقامته في ( باب : الإبراد بالظهر ) .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر إقامة الصلاة · ص 139 21 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا غندر قال : حدثنا شعبة قال : سمعت عمرو بن عامر الأنصاري ، عن أنس بن مالك قال : كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب ، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء . مطابقته للترجمة في قوله : وهم يصلون الركعتين قبل المغرب فإن صلاتهم قبل صلاة المغرب بعد الأذان فصل بينه وبين الإقامة ، وبهذا أخذ أحمد وإسحاق ، والجواب ما ذكرناه من استثناء المغرب في حديث بريدة المذكور آنفا . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ذكروا غير مرة وبشار على وزن فعال بالتشديد والباء الموحدة والشين المعجمة ، وغندر بضم الغين المعجمة لقب محمد بن جعفر ابن امرأة شعبة ، وعمرو بفتح العين ابن عامر الأنصاري مر في باب الوضوء من غير حدث . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع ، وفيه السماع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بصري ومدني وواسطي وهو شعبة . ( بيان محل تعدده ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن قبيصة عن سفيان ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي عامر عن سفيان عنه به نحوه ، وفي نسخة عن شعبة بدل عن سفيان . ( ذكر معناه ) قوله : كان المؤذن إذا أذن وفي رواية الإسماعيلي : إذا أخذ المؤذن في أذان المغرب . قوله : قام ناس وفي رواية النسائي : قام كبار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام . قوله : يبتدرون أي : يتسارعون ويستبقون . قوله : السواري جمع سارية وهي الأسطوانة ، وكان غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى . قوله : وهم كذلك أي : في تلك الحالة هم مبتدرون منتظرون الخروج ، وفي رواية مسلم زيادة وهي : فيجيء الغريب فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليها رواها من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس ، وقال الكرماني : وفي بعض الروايات وهي كذلك بدل وهم ، والأمران جائزان في ضمير العقلاء نحو الرجال فعلت وفعلوا . قوله : قال ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء أي : قال أنس ولم يكن بينهما زمان أو صلاة . ( فإن قلت ) : هذا أثر وهو ناف ، والذي سبق قبله من النبي صلى الله عليه وسلم وهو مثبت فكيف الجمع بينهما . ( قلت ) : قال ابن المنير يجمع بين الروايتين بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازا والإثبات للتعليل على الحقيقة ، وقال الكرماني : وجه الجمع بينهما أن هذا خاص بأذان المغرب وذاك عام والخاص إذا عارض العام يخصصه عند الشافعية سواء علم تأخره أم لا ، والمراد بقوله : كل أذانين غير أذاني المغرب ، وقيل : التنوين فيه للتنكير والتعظيم ونفي الكثير لا يستلزم نفي القليل ، ويؤيد ذلك ما رواه الإسماعيلي من حديث شعبة : وكان بين الأذان والإقامة قرب . ( قلت ) : يدل عليه ما رواه عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة : ولم يكن بينهما إلا قليل وقيل : حديث الباب على ظاهره ، وقوله : ولم يكن بينهما شيء يدل على أن عموم قوله : بين كل أذانين صلاة مخصوص بالمغرب ، فإنهم لم يكونوا يصلون بينهما بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه ، ويؤيد ذلك حديث بريدة المذكور عن قريب ، فإن فيه استثناء المغرب كما ذكرنا . ( قلت ) : قول هذا القائل ويفرغون مع فراغه فيه نظر لأنه ما في الحديث شيء يدل على ذلك وشروعهم في الأذان لا يستلزم فراغهم مع فراغ الأذان ، وادعى بعض المالكية نسخهما لأن ذلك كان في أول الأمر لما نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب ، ثم ندب المبادرة إلى المغرب في أول وقتها ، فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها ، وقال بعضهم : دعوى النسخ لا دليل عليها . ( قلت ) : يستأنس لتأييد قول هذا القائل بما رواه أبو داود عن طاوس قال : سئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب فقال : ما رأيت أحدا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصليهما ، وقال أبو بكر ابن العربي : اختلف الصحابة فيه ولم يفعله أحد بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وقال النخعي : إنها بدعة ، وروي عن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما . ( قال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة لم يكن بينهما إلا قليل ) جبلة بفتح الجيم والباء الموحدة ابن أبي رواد ابن أخي عبد العزيز بن أبي رواد ، واسمه ميمون الأزدي مولاهم البصري وأبو داود سليمان بن داود الطيالسي ، وهو من أفراد مسلم ، ويقال : أبو داود هذا عمر بن سعيد الحفري الكوفي وحفر بالفاء موضع بالكوفة وهو أيضا من أفراد مسلم ، قال الكرماني : والظاهر أنه تعليق منه لأن البخاري كان ابن عشرة عند وفاة الطيالسي .