8 - بَاب مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ 6880 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ : حَدَّثَنَا حَرْبٌ عَنْ يَحْيَى ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ من بَعْدِي ، أَلَا وَإِنَّها أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا ، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، إِمَّا أن يُودَى وَإِمَّا أن يُقَاد ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهٍ ، فَقَالَ : اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ ، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّمَا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِلَّا الْإِذْخِرَ . وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ . وقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَتْلَ . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ : إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ) تَرْجَمَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ ، وَظَاهِرُهُ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ : إِنَّ الِاخْتِيَارَ فِي أَخْذِ الدِّيَةِ أَوِ الِاقْتِصَاصِ رَاجِعٌ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ رِضَا الْقَاتِلِ . وَهَذَا الْقَدْرُ مَقْصُودُ التَّرْجَمَةِ وَمِنْ ثَمَّ عَقَّبَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أَيْ تَرَكَ لَهُ دَمَهُ وَرَضِيَ مِنْهُ بِالدِّيَةِ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أَيْ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالدِّيَةِ . وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْعَفْوَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ ، وَقَبُولُ الدِّيَةِ رَاجِعٌ إِلَى الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ لَهُمْ طَلَبُ الْقِصَاصِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا لَزِمَتِ الْقَاتِلَ الدِّيَةُ بِغَيْرِ رِضَاهُ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِذَا رَضِيَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ بِأَخْذِ الدِّيَةِ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْقَاتِلِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَخْذَ الدِّيَةِ لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَلْ كَانَ الْقِصَاصُ مُتَحَتِّمًا ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ أَخْذِ الدِّيَةِ إِذَا رَضِيَ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ . ثُمَّ ذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ . الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مُرْسَلًا ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَهِيَ شَاذَّةٌ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ ) كَذَا تَحَوَّلَ إِلَى طَرِيقِ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ يَحْيَى وَهُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي الطَّرِيقَيْنِ ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ هُنَا عَلَى لَفْظِ حَرْبٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُ شَيْبَانَ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَطَرِيقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عَلِيٍّ السِّيرَافِيِّ عَنْهُ ، وَتَقَدَّمَ فِي اللُّقَطَةِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُصَرِّحًا بِالتَّحْدِيثِ فِي جَمِيعِ السَّنَدِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ ) الْهَاءُ فِي أَنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ . قَوْلُهُ : ( قَتَلَتْ خُزَاعَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ بِقَتِيلٍ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الرَّجُلَ مِنْ هُذَيْلٍ ، وَإِنِّي عَاقِلُهُ ، وَقَعَ نَحْوُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ كَمَا أَوْرَدْتُهُ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ مِنْ أَبْوَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ . فَأَمَّا خُزَاعَةُ فَتَقَدَّمَ نَسَبُهُمْ فِي أَوَّلِ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ ، وَأَمَّا بَنُو لَيْثٍ فَقَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ، وَأَمَّا هُذَيْلٌ فَقَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يُنْسَبُونَ إِلَى هُذَيْلٍ وَهُمْ بَنُو مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ، وَكَانَتْ هُذَيْلٌ وَبَكْرٌ مِنْ سُكَّانِ مَكَّةَ وَكَانُوا فِي ظَوَاهِرِهَا خَارِجِينَ مِنَ الْحَرَمِ ، وَأَمَّا خُزَاعَةُ فَكَانُوا غَلَبُوا عَلَى مَكَّةَ وَحَكَمُوا فِيهَا ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنْهَا فَصَارُوا فِي ظَاهِرِهَا ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ حُلَفَاءَ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ إِلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ بَنُو بَكْرٍ حُلَفَاءَ قُرَيْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ فَتْحِ مَكَّةَ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي . وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ أَنَّ اسْمَ الْقَاتِلِ مِنْ خُزَاعَةَ خِرَاشُ بِمُعْجَمَتَيْنِ ابْنُ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيُّ ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ اسْمُهُ أَحْمَرَ ، وَأَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ لَمْ يُسَمَّ وَكَذَا الْقَاتِلُ ، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ لِابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الْخُزَاعِيَّ الْمَقْتُولَ اسْمُهُ مُنَبِّهٌ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَنْدَرٍ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ : كَانَ مَعَنَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ كَانَ شُجَاعًا وَكَانَ إِذَا نَامَ غَطَّ فَإِذَا طَرَقَهُمْ شَيْءٌ صَاحُوا بِهِ فَيَثُورُ مِثْلَ الْأَسَدِ ، فَغَزَاهُمْ قَوْمٌ مِنْ هُذَيْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الْأَثْوَعِ ، وَهُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ : لَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَنْظُرَ فَإِنْ كَانَ أَحْمَرُ فِيهِمْ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِمْ ، فَاسْتَمَعَ فَإِذَا غَطِيطُ أَحْمَرَ فَمَشَى إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَ السَّيْفَ فِي صَدْرِهِ فَقَتَلَهُ وَأَغَارُوا عَلَى الْحَيِّ . فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ وَكَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ أَتَى ابْنُ الْأَثْوَعِ الْهُذَلِيُّ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ ، فَرَأَتْهُ خُزَاعَةُ فَعَرَفُوهُ فَأَقْبَلَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ فَقَالَ أَفْرِجُوا عَنِ الرَّجُلِ فَطَعَنَهُ بِالسَّيْفِ فِي بَطْنِهِ فَوَقَعَ قَتِيلًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنِ الْقَتْلِ ، وَلَقَدْ قَتَلْتُمْ قَتِيلًا لَأَدِيَنَّهُ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ الْأَسْلَمِيُّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا صَنَعَ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ قَالَ : إِنَّ خِرَاشًا لَقَتَّالٌ يَعِيبُهُ بِذَلِكَ . ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَهَذَا قِصَّةُ الْهُذَلِيِّ ، وَأَمَّا قِصَّةُ الْمَقْتُولِ مِنْ بَنِي لَيْثٍ فَكَأَنَّهَا أُخْرَى ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ بَنِي لَيْثٍ اسْمُهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ ، وَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّلَ قَتِيلٍ وَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ قَتَلَهُ بَنُو كَعْبٍ فَوَدَاهُ بِمِائَةِ نَاقَةٍ ، لَكِنْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ اسْمَهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَدْلَعِ ، فَرَآهُ جُنْدَبُ بْنُ الْأَعْجَبِ الْأَسْلَمِيُّ فَخَرَجَ يَسْتَجِيشُ عَلَيْهِ فَجَاءَ خِرَاشٌ فَقَتَلَهُ ، فَظَهَرَ أَنَّ الْقِصَّةَ وَاحِدَةٌ فَلَعَلَّهُ كَانَ هُذَلِيًّا حَالَفَ بَنِي لَيْثٍ أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَرَأَيْتُ فِي آخِرِ الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ فَوَائِدِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ اسْمَ الْخُزَاعِيِّ الْقَاتِلِ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّ هِلَالًا لَقَبُ خِرَاشٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ الْمُشَارِ إِلَيْهَا فِي الْعِلْمِ : فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ ) بِالْفَاءِ ، اسْمُ الْحَيَوَانِ الْمَشْهُورِ ، وَأَشَارَ بِحَبْسِهِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى قِصَّةِ الْحَبَشَةِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ سَاقَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مَبْسُوطَةً ، وَحَاصِلُ مَا سَاقَهُ أَنَّ أَبْرَهَةَ الْحَبَشِيَّ لَمَّا غَلَبَ عَلَى الْيَمَنِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا بَنَى كَنِيسَةً وَأَلْزَمَ النَّاسَ بِالْحَجِّ إِلَيْهَا ، فَعَمَدَ بَعْضُ الْعَرَبِ فَاسْتَغْفَلَ الْحَجَبَةَ وَتَغَوَّطَ فَهَرَبَ ، فَغَضِبَ أَبْرَهَةُ وَعَزَمَ عَلَى تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ ، فَتَجَهَّزَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ فِيلًا عَظِيمًا ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ مَكَّةَ خَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَأَعْظَمَهُ وَكَانَ جَمِيلَ الْهَيْئَةِ ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ إِبِلًا لَهُ نُهِبَتْ فَاسْتَقْصَرَ هِمَّتَهُ وَقَالَ : لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ لَا تَسْأَلُنِي إِلَّا فِي الْأَمْرِ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ ، فَقَالَ إِنَّ لِهَذَا الْبَيْتِ رَبًّا سَيَحْمِيهِ ، فَأَعَادَ إِلَيْهِ إِبِلَهُ ، وَتَقَدَّمَ أَبْرَهَةُ بِجُيُوشِهِ فَقَدَّمُوا الْفِيلَ فَبَرَكَ وَعَجَزُوا فِيهِ ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ ؛ حَجَرَيْنِ فِي رِجْلَيْهِ وَحَجَرًا فِي مِنْقَارِهِ فَأَلْقَوْهَا عَلَيْهِمْ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أُصِيبَ . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : جَاءَ أَصْحَابُ الْفِيلِ حَتَّى نَزَلُوا الصِّفَاحَ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ فَاءٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ مَوْضِعٌ خَارِجَ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ طَرِيقِ الْيَمَنِ ، فَأَتَاهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ : إِنَّ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ لَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِ أَحَدًا ، قَالُوا لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَهْدِمَهُ ، فَكَانُوا لَا يُقَدِّمُونَ فِيلَهُمْ إِلَّا تَأَخَّرَ ، فَدَعَا اللَّهُ الطَّيْرَ الْأَبَابِيلَ فَأَعْطَاهَا حِجَارَةً سَوْدَاءَ فَلَمَّا حَاذَتْهُمْ رَمَتْهُمْ ، فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَخَذَتْهُ الْحَكَّةُ ، فَكَانَ لَا يَحُكُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ جِلْدَهُ إِلَّا تَسَاقَطَ لَحْمُهُ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ أَوَّلَ مَا وَقَعَتِ الْحَصْبَاءُ وَالْجُدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مِنْ يَوْمئِذٍ ، وَعِنْدَ الطَّبَرِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ طَيْرًا خُضْرًا خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ لَهَا رُءُوسٌ كَرُءُوسِ السِّبَاعِ ، وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ : بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَنْشَأَهَا مِنَ الْبَحْرِ كَأَمْثَالِ الْخَطَاطِيفِ ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي إِلَخْ ) تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا فِي بَابِ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ بِمَكَّةَ مِنْ أَبْوَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِيمَا قَبْلَهُ فِي بَابِ لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يُلْتَقَطُ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ وَفِي آخِرِهِ ( إِلَّا لِمُنْشِدٍ ) ، وَوَقَعَ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَفِي آخِرِهِ : إِلَّا مُنْشِدٌ وَهُوَ وَاضِحٌ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ ) أَيْ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَرِيبٌ كَانَ حَيًّا فَصَارَ قَتِيلًا بِذَلِكَ الْقَتْلِ . قَوْلُهُ : ( فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ) تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ : وَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ، وَهُوَ مُخْتَصَرٌ وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا اخْتِيَارَ لَهُ وَإِنَّمَا الِاخْتِيَارُ لِوَلِيِّهِ ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى نَحْوِ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ : فَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ ، وَالْمُرَادُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ : فَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الدِّيَةَ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَابْنِ مَاجَهْ وَعَلَّقَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ بِلَفْظِ : فَإِنَّهُ يَخْتَارُ إِحْدَى ثَلَاثٍ ؛ إِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ ، وَإِمَّا أَنْ يَعْفُوَ ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ ، فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَيْ إِنْ أَرَادَ زِيَادَةً عَلَى الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ ، وَسَأَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ الْخِيَارَ هَلْ هُوَ الْقَاتِلُ أَوْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ ، وَاخْتُلِفَ إِذَا اخْتَارَ الدِّيَةَ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ إِجَابَتُهُ؟ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى ذَلِكَ ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَجِبُ إِلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ قُتِلَ لَهُ بِأَنَّ الْحَقَّ يَتَعَلَّقُ بِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ ، فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ غَائِبًا أَوْ طِفْلًا لَمْ يَكُنْ لِلْبَاقِينَ الْقِصَاصُ حَتَّى يَبْلُغَ الطِّفْلُ وَيَقْدَمَ الْغَائِبُ . قَوْلُهُ : ( إِمَّا أَنْ يُودِيَ ) بِسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ يُعْطِيَ الْقَاتِلُ أَوْ أَوْلِيَاؤُهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الدِّيَةَ ( وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ ) أَيْ يُقْتَلُ بِهِ ، وَوَقَعَ فِي الْعِلْمِ بِلَفْظِ : إِمَّا أَنْ يَعْقِلَ بَدَلَ إِمَّا أَنْ يُودِيَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَالْعَقْلُ الدِّيَةُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي اللُّقَطَةِ : إِمَّا أَنْ يُفْدِيَ بِالْفَاءِ بَدَلَ الْوَاوِ ، وَفِي نُسْخَةٍ وَإِمَّا أَنْ يُعْطِيَ أَيِ الدِّيَةَ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : إِمَّا أَنْ يُودِيَ أَوْ يُفَادِي ، وَتَعَقَّبَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِالْفَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الدِّيَةِ ، وَلَوْ كَانَ بِالْقَافِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْمَقْتُولِ وَلِيَّانِ لَذُكِرَا بِالتَّثْنِيَةِ أَيْ يُقَادَا بِقَتِيلِهِمَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّعَدُّدِ ، قَالَ : وَصَحِيحُ الرِّوَايَةِ إِمَّا أَنْ يُودِيَ أَوْ يُقَادَ وَإِنَّمَا يَصِحُّ يُقادَى إِنْ تَقَدَّمَهُ أَنْ يُقْتَصَّ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ إِيقَاعِ الْقِصَاصِ بِالْحَرَمِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ بِذَلِكَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِغَيْرِ الْحَرَمِ ، وَتَمَسَّكَ بِعُمُومِهِ مَنْ قَالَ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاهْ ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ مَعَ شَرْحِهِ فِي الْعِلْمِ ، وَحَكَى السَّلَفِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ نَطَقَ بِهَا بِتَاءٍ فِي آخِرِهِ وَغَلَّطَهُ وَقَالَ هُوَ فَارِسِيٌّ مِنْ فُرْسَانِ الْفُرْسِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ كِسْرَى إِلَى الْيَمَنِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرَ ) تَقَدَّمَ بَيَانُ اسْمِهِ وَأَنَّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَشُرِحَ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ الْمُتَعَلِّقِ بِتَحْرِيمِ مَكَّةَ وَبِالْإِذْخِرِ فِي الْأَبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ . قَوْلُهُ : ( وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ ) يَعْنِي ابْنَ مُوسَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ شَيْبَانَ فِي الْفِيلِ ) أَيْ تَابِعُ حَرْبِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ يَحْيَى فِي الْفِيلِ بِالْفَاءِ ، وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورَةُ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ : الْقَتْلَ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ جَزَمَ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ : الْقَتْلُ ، وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِالشَّكِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ ) أَيْ يُؤْخَذُ لَهُمْ بِثَأْرِهِمْ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مُوسَى الْمَذْكُورُ ، وَرِوَايَتُهُ إِيَّاهُ عَنْ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْهُ مَوْصُولَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا بَيَّنْتُهُ وَلَفْظُهُ : إِمَّا أَنْ يُعْطِيَ الدِّيَةَ وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : إِمَّا أَنْ يُقَادَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ · ص 213 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين · ص 42 باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين . أي هذا باب فيه ذكر من قتل له قتيل ، أي القتيل بهذا القتل لا بقتل سابق ، لأن قتل القتيل محال ، وقال الكرماني : ومثله يذكر في علم الكلام على سبيل المغالطة ، قالوا : لا يمكن إيجاد موجود لأن الموجد إما أن يوجده في حال وجوده فهو تحصيل الحاصل ، وإما في حال العدم فهو جمع بين النقيضين ، فيجاب باختيار الشق الأول إذ ليس إيجادا للموجود بوجود سابق ليكون تحصيل الحاصل بل إيجاد له بهذا الوجود ، وكذا حديث من قتل قتيلا فله سلبه ، قوله : فهو أي ولي القتيل بخير النظرين أي الدية أو القصاص . 19 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا ، وقال عبد الله بن رجاء ، حدثنا حرب ، عن يحيى ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا أبو هريرة أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ، ولا يعضد شجرها ، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما يودى ، وإما يقاد ، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه : فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه ، ثم قام رجل من قريش فقال : يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فإنما نجعله في بيوتنا ، وقبورنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر . مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة من لفظ الحديث . وأخرجه من طريقين أحدهما عن أبي نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي أصله بصري سكن الكوفة ، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي الطائي ، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة ، ومضى هذا في العلم في باب كتابة العلم ، فإنه أخرجه هناك ، عن أبي نعيم ، عن شيبان ، إلخ نحوه ، وفيه بعض الزيادة والنقصان ، والطريق الآخر أخرجه عن عبد الله بن رجاء بن المثنى البصري في صورة التعليق ، وهو أيضا شيخه ، روى عنه في غير موضع ، وروى عن محمد غير منسوب عنه عن حرب بن شداد ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ووصله البيهقي من طريق هشام بن علي السيرافي ، عنه ، وساق البخاري الحديث هنا على لفظ حرب ، وساق الطريق الأول على لفظ شيبان ، كما في كتاب العلم ، ومراده من الطريق الثاني تبيين عدم تدليس يحيى بن أبي كثير ، وتقدم في اللقطة من طريق الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة مصرحا بالتحديث في جميع السند . قوله : أنه أي الشأن ، قوله : خزاعة بضم الخاء المعجمة وبالزاي وهي قبيلة كانوا غلبوا على مكة ، وحكموا فيها ، ثم أخرجوا منها ، فصاروا في ظاهرها ، وكانت بينهم وبين بني بكر عداوة ظاهرة في الجاهلية ، وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت بنو بكر حلفاء قريش ، قوله : رجلا من بني ليث واسم الرجل القاتل من خزاعة خراش بالخاء والشين المعجمتين ابن أمية الخزاعي ، واسم المقتول منهم في الجاهلية أحمر ، واسم المقتول من بني ليث قبيلة ، لم يدر اسمه ، وبنو ليث قبيلة مشهورة ينسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، قوله : حبس عن مكة الفيل أشار به إلى قصة الحبشة ، وهي مشهورة ، قوله : ألا بفتح الهمزة واللام المخففة وهي كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها ، وتأتي لمعان أخر ، قوله : ولا يختلى بالخاء المعجمة أي لا يجز شوكها ، قوله : ولا يعضد أي لا يقطع ، قوله : ولا يلتقط بفتح الياء من الالتقاط وفاعله هو قوله : إلا منشد بالرفع وهو المعرف يعني لا يجوز لقطتها إلا للتعريف ، قوله : فهو أي ولي القتيل بخير النظرين وهما الدية والقصاص ، قوله : إما يودى بضم الياء على صيغة المجهول ، ويروى : إما أن يؤدى ، أي إما أن يعطى الدية وإما أن يقاد أي يقتص من القود ، وهو القصاص واختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل العمد فروي عن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء أن ولي المقتول بالخيار بين القصاص وأخذ الدية ، وبه قال الليث ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال الثوري ، والكوفيون : ليس له إذا كان عمدا إلا القصاص ، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل ، وبه قال مالك في المشهور عنه ، قوله : أبو شاه بالهاء لا غير على المشهور ، وقيل بالتاء ، قوله : ثم قام رجل من قريش هو العباس بن عبد المطلب وقد مر الكلام فيه مبسوطا في كتاب العلم ، وكتاب الحج ، والإذخر بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة وبالراء وهي حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب ، وهمزتها زائدة . وتابعه عبيد الله عن شيبان في الفيل . أي تابع حرب بن شداد عبيد الله بن موسى بن باذام الكوفي ، وهو شيخ البخاري أيضا في روايته عن شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة بلفظ الفيل بالفاء وهو الحيوان المشهور ، وقد مر في كتاب العلم : حبس مكة عن القتل أو الفيل بالشك . قال بعضهم : عن أبي نعيم القتل . أراد بالبعض محمد بن يحيى الذهلي ، فإنه روى عن أبي نعيم الفضل بن دكين القتل بالقاف والتاء المثناة من فوق ، وقد مر في العلم وجعلوه على الشك كذا قال أبو نعيم : الفيل أو القتل ، وغيره يقول : الفيل يعني بالفاء . وقال عبيد الله : إما أن يقاد أهل القتيل . هو عبيد الله بن موسى المذكور شيخ البخاري أي قال في روايته الحديث المذكور عن شيبان بعد قوله : إما أن يؤدى وإما أن يقاد أهل القتيل يعني زاد هذه اللفظة وهي في روايته : إما أن يعطى الدية وإما أن يقاد أهل القتيل ، ومعناه يؤخذ لأهل القتيل بثأرهم هكذا يفسر حتى لا يبقى الإشكال وقد استشكله الكرماني ، ثم أجاب بقوله : هو مفعول ما لم يسم فاعله ليودى له ، وأما مفعول يقاد ضمير عائد إلى القتيل ، وبالتفسير الذي فسرناه يزول الإشكال فلا يحتاج إلى التكلف . 20 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت في بني إسرائيل قصاص ، ولم تكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الأمة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إلى هذه الآية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال ابن عباس : فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، قال : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أن يطلب بمعروف ويؤدي بإحسان . مطابقته للترجمة من حيث إن لولي القتيل ترك القصاص والرضا بالدية وإن الاختيار في أخذ الدية ، أو الاقتصاص راجع إلى ولي القتيل ، ولا يشترط في ذلك رضا القاتل ، وكذا كان قصد البخاري من الترجمة المذكورة . وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو بفتح العين ابن دينار ، وقد تقدم في سورة البقرة عن الحميدي ، عن سفيان حدثنا عمرو ، سمعت مجاهدا ، عن ابن عباس هكذا وصله ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، وهو أثبت الناس في عمرو ، ورواه ورقاء بن عمر ، عن عمرو ، فلم يذكر فيه ابن عباس أخرجه النسائي . قوله : كانت في بني إسرائيل قصاص كذا هنا كانت بالتأنيث ، وفي رواية الحميدي ، عن سفيان : كان وهو أوجه ، ولكنه أنث هنا باعتبار معنى المقاصة ، ولم يكن في دين عيسى عليه السلام القصاص ، فكل واحد منهما واقع في الطرف ، وهذا الدين الإسلامي هو الواقع وسطا ، قوله : فقال الله إلى قوله : فمن عفي له من أخيه شيء كذا وقع في رواية قتيبة ، وكذا وقع في رواية أبي ذر ، والأكثرين ، ووقع في رواية النسفي ، والقابسي إلى قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ووقع في رواية ابن أبي عمر في مسنده إلى قوله : في هذه الآية ، وبهذا يظهر المراد ، وإلا فالأول يوهم أن قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ في آية تلي الآية المبدأ بها ، وليس كذلك ، قوله : فالعفو أن يقبل أي ولي القتيل أن يقبل الدية في العمد يعني يترك له دمه ، ويرضى منه بالدية ، قوله : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أي في المطالبة بالدية من القاتل ، وعلى القاتل إذ ذاك أداء إليه بإحسان وهو معنى قوله : ويؤدي بإحسان أي القاتل كما ذكرنا .