6881 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قِصَاصٌ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِمْ الدِّيَةُ . فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ . قَالَ : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَطْلُبَ بِمَعْرُوفٍ وَيُؤَدِّيَ بِإِحْسَانٍ . الحديث الثاني ، قَوْلُهُ : ( عَنْ عَمْرٍو ) هُوَ ابْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُجَاهِدٍ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْبَقَرَةِ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو سَمِعْتُ مُجَاهِدًا . قَوْلُهُ : ( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ هَكَذَا وَصَلَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَهُوَ مِنْ أَثْبَتِ النَّاسِ فِي عَمْرٍو ، وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ عَمْرٍو فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ . قَوْلُهُ : ( كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ ) كَذَا هُنَا مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ : كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي التَّفْسِيرِ وَهُوَ أَوْجَهُ ، وَكَأَنَّهُ أَنَّثَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْقِصَاصِ وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ وَالْمُسَاوَاةُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قُلْتُ : كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ ، وَوَقَعَ هُنَا عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ وَالْأَكْثَرُ ، وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ ، وَالْقَابِسِيِّ إِلَى قَوْلِهِ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ فِي مُسْنَدِهِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ إِلَى قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْمُرَادُ ، وَإِلَّا فَالْأَوَّلُ يُوهِمُ أَنَّ قَوْلَهُ : فَمَنْ عُفِيَ فِي آيَةٍ تَلِي الْآيَةَ الْمُبْدَأَ بِهَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سُفْيَانَ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الْقَتْلَى : فَقَرَأَ إِلَى وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ مَا حُذِفَ هُنَا مِنَ الْآيَةِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ : ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا تَفْسِيرَ قَوْلِهِ : فَمَنِ اعْتَدَى أَيْ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْعَذَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقِيلَ : يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لِمَنْ قَتَلَ ابْتِدَاءً وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ ، وَقَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ يَتَحَتَّمُ الْقَتْلُ وَلَا يَتَمَكَّنُ الْوَلِيُّ مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ . وَفِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ رَفَعَهُ : لَا أَعْفُو عَمَّنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ بَلْ هُمَا مُحَكَّمَتَانِ ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ مُفَسِّرَةٌ لِآيَةِ الْبَقَرَةِ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ نَفْسُ الْأَحْرَارِ ذُكُورِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ دُونَ الْأَرِقَّاءِ فَإِنَّ أَنْفُسَهُمْ مُتَسَاوِيَةٌ دُونَ الْأَحْرَارِ . وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ : الْمُرَادُ فِي النَّفْسِ بِالنَّفْسِ الْمُكَافِئَةُ لِلْأُخْرَى فِي الْحُدُودِ ; لِأَنَّ الْحُرَّ لَوْ قَذَفَ عَبْدًا لَمْ يُجْلَدِ اتِّفَاقًا ، وَالْقَتْلُ قِصَاصًا مِنْ جُمْلَةِ الْحُدُودِ ، قَالَ وَبَيَّنَهُ قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ فَمِنْ هُنَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ وَالْكَافِرُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدَمِهِ وَلَا بِجُرْحِهِ ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُسَمَّى مُتَصَدِّقًا وَلَا مُكَفَّرًا عَنْهُ . قُلْتُ : مُحَصَّلُ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَيْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ مُطْلَقًا فَخَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الدِّيَةِ بَدَلًا عَنِ الْقَتْلِ لِمَنْ عَفَا مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَنِ الْقِصَاصِ وَبِتَخْصِيصِهِ بِالْحُرِّ فِي الْحُرِّ ، فَحِينَئِذٍ لَا حُجَّةَ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا فِي قَتْلِ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ وَالْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ ، لِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا إِنَّمَا يُتَمَسَّكُ مِنْهُ بِمَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ شَرِيعَةَ عِيسَى لَمْ يَكُنْ فِيهَا قِصَاصٌ وَإِنَّهُ كَانَ فِيهَا الدِّيَةُ فَقَطْ ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ امْتَازَتْ شَرِيعَةُ الْإِسْلَامِ بِأَنَّهَا جَمَعَتِ الْأَمْرَيْنِ فَكَانَتْ وُسْطَى ؛ لَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُخَيَّرَ فِي الْقَوَدِ أَوْ أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَرَّرَهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْعَفْوَ فِي الْآيَةِ يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ ، لِأَنَّ ظَاهِرَ الْقِصَاصِ أَنْ لَا تَبِعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، لَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ عُفِيَ عَنْهُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ فَعَلَى مُسْتَحِقِّ الدِّيَةِ الِاتِّبَاعُ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ وَعَلَى الْقَاتِلِ الْأَدَاءُ وَهُوَ دَفْعُ الدِّيَةِ بِإِحْسَانٍ . وَذَهَبَ مَالِكٌ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْخِيَارَ فِي الْقِصَاصِ أَوِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ : وَالْحُجَّةُ لَهُمْ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ عَمَّتِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ فَإِنَّهُ حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَلَمْ يُخَيِّرْ ، وَلَوْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْوَلِيِّ لَأَعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَحَكَّمَ لِمَنْ ثَبَتَ لَهُ أَحَدُ شَيْئَيْنِ بِأَحَدِهِمَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فِي أَحَدِهِمَا ، فَلَمَّا حَكَمَ بِالْقِصَاصِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ أَيْ وَلِيُّ الْمَقْتُولِ مُخَيَّرٌ بِشَرْطِ أَنْ يَرْضَى الْجَانِي أَنْ يَغْرَمَ الدِّيَةَ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ إِنَّمَا وَقَعَ عِنْدَ طَلَبِ أَوْلِيَاءِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ الْقَوَدَ فَأَعْلَمَ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ نَزَلَ عَلَى أَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ الْقَوَدَ أُجِيبَ إِلَيْهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا ادَّعَاهُ مِنْ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ ، وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ قَالَ لِلْقَاتِلِ رَضِيتُ أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا عَلَى أَنْ لَا أَقْتُلَكَ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ كُرْهًا وَإِنْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْقِنَ دَمَ نَفْسِهِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ وَغَيْرُهُ : يُسْتَفَادُ مِنْ قَوْلِهِ : فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا سُئِلَ فِي الْعَفْوِ عَلَى مَالٍ إِنْ شَاءَ قَبِلَ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَعَلَى الْوَلِيِّ اتِّبَاعُ الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِكْرَاهِ الْقَاتِلِ عَلَى بَذْلِ الدِّيَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَالدِّيَةُ بَدَلٌ مِنْهُ ، وَقِيلَ الْوَاجِبُ الْخِيَارُ ، وَهُمَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ ، وَكَذَا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ . وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ فَقِيلَ نَزَلَتْ فِي حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ كَانَ لِأَحَدِهِمَا طَوْلٌ عَلَى الْآخَرِ فِي الشَّرَفِ فَكَانُوا يَتَزَوَّجُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَإِذَا قُتِلَ مِنْهُمْ عَبْدٌ قَتَلُوا بِهِ حُرًّا أَوِ امْرَأَةٌ قَتَلُوا بِهَا رَجُلًا ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَكَانَ النَّضِيرُ أَشْرَفَ مِنْ قُرَيْظَةَ ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ وَإِذَا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ يُودَى بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ ، فَلَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِنْ قُرَيْظَةَ فَقَالُوا ادْفَعُوهُ لَنَا نَقْتُلْهُ ، فَقَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَتَوْهُ فَنَزَلَتْ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَالْقِسْطُ : النَّفْسُ بِالنَّفْسِ ، ثُمَّ نَزَلَتْ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ أَخْذِ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَلَوْ كَانَ غِيلَةً وَهُوَ أَنْ يَخْدَعَ شَخْصًا حَتَّى يَصِيرَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ خَفِيٍّ فَيَقْتُلُهُ ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ ، وَأَلْحَقَهُ مَالِكٌ بِالْمُحَارِبِ فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ إِلَى السُّلْطَانِ وَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ الْعَفْوُ عَنْهُ ، وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ حَدَّ الْمُحَارِبِ الْقَتْلُ إِذَا رَآهُ الْإِمَامُ وَأَنَّ أَوْ فِي الْآيَةِ لِلتَّخْيِيرِ لَا لِلتَّنْوِيعِ ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ مُتَأَوِّلًا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَنْ قَتَلَ خَطَأً فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : فَإِنِّي عَاقِلَهُ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى قَتْلِ مَنِ الْتَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ بَعْدَ أَنْ يَقْتُلَ عَمْدًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ بَلْ يُلْجَأُ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ ، وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي قِصَّةِ قَتِيلِ خُزَاعَةَ الْمَقْتُولِ فِي الْحَرَمِ ، وَأَنَّ الْقَوَدَ مَشْرُوعٌ فِيمَنْ قَتَلَ عَمْدًا ، وَلَا يُعَارِضُهُ مَا ذُكِرَ مِنْ حُرْمَةِ الْحَرَمِ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَعْظِيمُهُ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْجَانِي بِهِ مِنْ جُمْلَةِ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ آنِفًا مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ · ص 217 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين · ص 42 باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين . أي هذا باب فيه ذكر من قتل له قتيل ، أي القتيل بهذا القتل لا بقتل سابق ، لأن قتل القتيل محال ، وقال الكرماني : ومثله يذكر في علم الكلام على سبيل المغالطة ، قالوا : لا يمكن إيجاد موجود لأن الموجد إما أن يوجده في حال وجوده فهو تحصيل الحاصل ، وإما في حال العدم فهو جمع بين النقيضين ، فيجاب باختيار الشق الأول إذ ليس إيجادا للموجود بوجود سابق ليكون تحصيل الحاصل بل إيجاد له بهذا الوجود ، وكذا حديث من قتل قتيلا فله سلبه ، قوله : فهو أي ولي القتيل بخير النظرين أي الدية أو القصاص . 19 - حدثنا أبو نعيم ، حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا ، وقال عبد الله بن رجاء ، حدثنا حرب ، عن يحيى ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا أبو هريرة أنه عام فتح مكة قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليهم رسوله والمؤمنين ، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، ألا وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يختلى شوكها ، ولا يعضد شجرها ، ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما يودى ، وإما يقاد ، فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه : فقال : اكتب لي يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اكتبوا لأبي شاه ، ثم قام رجل من قريش فقال : يا رسول الله ، إلا الإذخر ، فإنما نجعله في بيوتنا ، وقبورنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر . مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة من لفظ الحديث . وأخرجه من طريقين أحدهما عن أبي نعيم بضم النون الفضل بن دكين ، عن شيبان بن عبد الرحمن النحوي أصله بصري سكن الكوفة ، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي الطائي ، واسم أبي كثير صالح بن المتوكل ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبي هريرة ، ومضى هذا في العلم في باب كتابة العلم ، فإنه أخرجه هناك ، عن أبي نعيم ، عن شيبان ، إلخ نحوه ، وفيه بعض الزيادة والنقصان ، والطريق الآخر أخرجه عن عبد الله بن رجاء بن المثنى البصري في صورة التعليق ، وهو أيضا شيخه ، روى عنه في غير موضع ، وروى عن محمد غير منسوب عنه عن حرب بن شداد ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، ووصله البيهقي من طريق هشام بن علي السيرافي ، عنه ، وساق البخاري الحديث هنا على لفظ حرب ، وساق الطريق الأول على لفظ شيبان ، كما في كتاب العلم ، ومراده من الطريق الثاني تبيين عدم تدليس يحيى بن أبي كثير ، وتقدم في اللقطة من طريق الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، عن يحيى ، عن أبي سلمة مصرحا بالتحديث في جميع السند . قوله : أنه أي الشأن ، قوله : خزاعة بضم الخاء المعجمة وبالزاي وهي قبيلة كانوا غلبوا على مكة ، وحكموا فيها ، ثم أخرجوا منها ، فصاروا في ظاهرها ، وكانت بينهم وبين بني بكر عداوة ظاهرة في الجاهلية ، وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت بنو بكر حلفاء قريش ، قوله : رجلا من بني ليث واسم الرجل القاتل من خزاعة خراش بالخاء والشين المعجمتين ابن أمية الخزاعي ، واسم المقتول منهم في الجاهلية أحمر ، واسم المقتول من بني ليث قبيلة ، لم يدر اسمه ، وبنو ليث قبيلة مشهورة ينسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ، قوله : حبس عن مكة الفيل أشار به إلى قصة الحبشة ، وهي مشهورة ، قوله : ألا بفتح الهمزة واللام المخففة وهي كلمة تنبيه تدل على تحقق ما بعدها ، وتأتي لمعان أخر ، قوله : ولا يختلى بالخاء المعجمة أي لا يجز شوكها ، قوله : ولا يعضد أي لا يقطع ، قوله : ولا يلتقط بفتح الياء من الالتقاط وفاعله هو قوله : إلا منشد بالرفع وهو المعرف يعني لا يجوز لقطتها إلا للتعريف ، قوله : فهو أي ولي القتيل بخير النظرين وهما الدية والقصاص ، قوله : إما يودى بضم الياء على صيغة المجهول ، ويروى : إما أن يؤدى ، أي إما أن يعطى الدية وإما أن يقاد أي يقتص من القود ، وهو القصاص واختلف العلماء في أخذ الدية من قاتل العمد فروي عن سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء أن ولي المقتول بالخيار بين القصاص وأخذ الدية ، وبه قال الليث ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وقال الثوري ، والكوفيون : ليس له إذا كان عمدا إلا القصاص ، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل ، وبه قال مالك في المشهور عنه ، قوله : أبو شاه بالهاء لا غير على المشهور ، وقيل بالتاء ، قوله : ثم قام رجل من قريش هو العباس بن عبد المطلب وقد مر الكلام فيه مبسوطا في كتاب العلم ، وكتاب الحج ، والإذخر بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة وكسر الخاء المعجمة وبالراء وهي حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب ، وهمزتها زائدة . وتابعه عبيد الله عن شيبان في الفيل . أي تابع حرب بن شداد عبيد الله بن موسى بن باذام الكوفي ، وهو شيخ البخاري أيضا في روايته عن شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة بلفظ الفيل بالفاء وهو الحيوان المشهور ، وقد مر في كتاب العلم : حبس مكة عن القتل أو الفيل بالشك . قال بعضهم : عن أبي نعيم القتل . أراد بالبعض محمد بن يحيى الذهلي ، فإنه روى عن أبي نعيم الفضل بن دكين القتل بالقاف والتاء المثناة من فوق ، وقد مر في العلم وجعلوه على الشك كذا قال أبو نعيم : الفيل أو القتل ، وغيره يقول : الفيل يعني بالفاء . وقال عبيد الله : إما أن يقاد أهل القتيل . هو عبيد الله بن موسى المذكور شيخ البخاري أي قال في روايته الحديث المذكور عن شيبان بعد قوله : إما أن يؤدى وإما أن يقاد أهل القتيل يعني زاد هذه اللفظة وهي في روايته : إما أن يعطى الدية وإما أن يقاد أهل القتيل ، ومعناه يؤخذ لأهل القتيل بثأرهم هكذا يفسر حتى لا يبقى الإشكال وقد استشكله الكرماني ، ثم أجاب بقوله : هو مفعول ما لم يسم فاعله ليودى له ، وأما مفعول يقاد ضمير عائد إلى القتيل ، وبالتفسير الذي فسرناه يزول الإشكال فلا يحتاج إلى التكلف . 20 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانت في بني إسرائيل قصاص ، ولم تكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الأمة : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى إلى هذه الآية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ قال ابن عباس : فالعفو أن يقبل الدية في العمد ، قال : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أن يطلب بمعروف ويؤدي بإحسان . مطابقته للترجمة من حيث إن لولي القتيل ترك القصاص والرضا بالدية وإن الاختيار في أخذ الدية ، أو الاقتصاص راجع إلى ولي القتيل ، ولا يشترط في ذلك رضا القاتل ، وكذا كان قصد البخاري من الترجمة المذكورة . وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو بفتح العين ابن دينار ، وقد تقدم في سورة البقرة عن الحميدي ، عن سفيان حدثنا عمرو ، سمعت مجاهدا ، عن ابن عباس هكذا وصله ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، وهو أثبت الناس في عمرو ، ورواه ورقاء بن عمر ، عن عمرو ، فلم يذكر فيه ابن عباس أخرجه النسائي . قوله : كانت في بني إسرائيل قصاص كذا هنا كانت بالتأنيث ، وفي رواية الحميدي ، عن سفيان : كان وهو أوجه ، ولكنه أنث هنا باعتبار معنى المقاصة ، ولم يكن في دين عيسى عليه السلام القصاص ، فكل واحد منهما واقع في الطرف ، وهذا الدين الإسلامي هو الواقع وسطا ، قوله : فقال الله إلى قوله : فمن عفي له من أخيه شيء كذا وقع في رواية قتيبة ، وكذا وقع في رواية أبي ذر ، والأكثرين ، ووقع في رواية النسفي ، والقابسي إلى قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ووقع في رواية ابن أبي عمر في مسنده إلى قوله : في هذه الآية ، وبهذا يظهر المراد ، وإلا فالأول يوهم أن قوله : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ في آية تلي الآية المبدأ بها ، وليس كذلك ، قوله : فالعفو أن يقبل أي ولي القتيل أن يقبل الدية في العمد يعني يترك له دمه ، ويرضى منه بالدية ، قوله : فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ أي في المطالبة بالدية من القاتل ، وعلى القاتل إذ ذاك أداء إليه بإحسان وهو معنى قوله : ويؤدي بإحسان أي القاتل كما ذكرنا .