6923 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قال : ، حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : أَقْبَلْتُ إِلَى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعِي رَجُلَانِ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِي وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ ، فَكِلَاهُمَا سَأَلَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - قَالَ : قُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا ، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ قَلَصَتْ ، فَقَالَ : لَنْ - أَوْ لَا - نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى - أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ - إِلَى الْيَمَنِ ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ : انْزِلْ ، فإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ . قَالَ : اجْلِسْ . قَالَ : لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ، ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : الليل ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ ، وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي . الْحَدِيثُ الثَّاني : حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْكَامٍ ؛ الْأَوَّلُ : السِّوَاكُ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ أَتَمَّ مِمَّا هُنَا ، الثَّانِي : ذَمُّ طَلَبِ الْإِمَارَةِ وَمَنْعُ مَنْ حَرَصَ عَلَيْهَا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، الثَّالِثُ : بَعْثُ أَبِي مُوسَى عَلَى الْيَمَنِ وَإِرْسَالُ مُعَاذٍ أَيْضًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ بِثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ ، الرَّابِعُ : قِصَّةُ الْيَهُودِيِّ الَّذِي أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا . قَوْلُهُ : ( يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ بِهَذَا السَّنَدِ : قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ . قَوْلُهُ : ( وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ ) هُمَا مِنْ قَوْمِهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَحَدَهُمَا ابْنُ عَمِّ أَبِي مُوسَى ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي . قَوْلُهُ : ( فَكِلَاهُمَا سَأَلَ ) كَذَا فِيهِ بِحَذْفِ الْمَسْئُولِ ، وَبَيَّنَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ فِيهَا : سَأَلَ الْعَمَلَ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَفْظُهُ : فَقَالَ أَحَدُهُمَا أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ . وَلِأَحْمَدَ ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ : فَتَشَهَّدَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ : جِئْنَاكَ لِتَسْتَعِينَ بِنَا عَلَى عَمَلِكَ فَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ . وَعِنْدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ : أَتَانِي نَاسٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ فَقَالُوا انْطَلِقْ مَعَنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ لَنَا حَاجَةً ، فَقُمْتُ مَعَهُمْ ، فَقَالُوا : أَتَسْتَعِينُ بِنَا فِي عَمَلِكَ ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ كَانَ مَعَهُمَا مَنْ يَتْبَعُهُمَا ، وَأَطْلَقَ صِيغَةَ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي بِأَيِّهِمَا خَاطَبَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَمُسَدَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ بِسَنَدِهِ فِيهِ فَقَالَ : مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسَى ، وَمِثْلُهُ لِمُسْلِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ ، عَنْ يَحْيَى . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا ) يُفَسَّرُ بِهِ رِوَايَةُ أَبِي الْعُمَيْسِ : فَاعْتَذَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا قَالُوا ، وَقُلْتُ : لَمْ أَدْرِ مَا حَاجَتُهُمْ ، فَصَدَّقَنِي وَعَذَرَنِي ، وَفِي لَفْظٍ : فَقَالَ : لَمْ أَعْلَمْ لِمَاذَا جَاءَا . قَوْلُهُ : ( لَنْ أَوْ لَا ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : إِنَّا وَاللَّهِ . قَوْلُهُ : ( لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعُمَيْسِ : مَنْ سَأَلَنَا بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ : أَحَدًا سَأَلَهُ وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ ، وَفِي أُخْرَى : فَقَالَ إِنَّ أَخْوَنَكُمْ عِنْدَنَا مَنْ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَسْتَعِنْ بِهِمَا فِي شَيْءٍ حَتَّى مَاتَ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، وَأَدْخَلَ أَبُو دَاوُدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بُرْدَةَ رَجُلًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَتْبَعَهُ ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ سَاكِنَةٍ . قَوْلُهُ : ( مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ) بِالنَّصْبِ أَيْ بَعَثَهُ بَعْدَهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَاتَّبَعَهُ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَتَشْدِيدٍ ، وَمُعَاذٌ بِالرَّفْعِ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي بِلَفْظِ : بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا مُوسَى ، وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ : يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا الْحَدِيثَ ، وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَ مُعَاذًا إِلَى أَبِي مُوسَى بَعْدَ سَبْقِ وِلَايَتِهِ لَكِنْ قَبْلَ تَوَجُّهِهِ فَوَصَّاهُمَا عِنْدَ التَّوَجُّهِ بِذَلِكَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَصَّى كُلًّا مِنْهُمَا وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ ) تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ عَلَى عَمَلٍ مُسْتَقِلٍّ ، وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ فَقَرُبَ مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا ، وَفِي أُخْرَى هُنَاكَ : فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ فَزَارَ مُعَاذٌ ، أَبَا مُوسَى ، وَفِي أُخْرَى : فَضَرَبَ فُسْطَاطًا ، وَمَعْنَى أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً : فَرَشَهَا لَهُ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ ، وَالْأَصِيلِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ : الْفِرَاشِ ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْوِسَادَةِ مَا يُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِ النَّائِمِ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، قَالَ : وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ أَنَّ مَنْ أَرَادُوا إِكْرَامَهُ وَضَعُوا الْوِسَادَةَ تَحْتَهُ مُبَالَغَةً فِي إِكْرَامِهِ . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهِ فَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ فَطَرَحَ لَهُ وِسَادَةً ، فَقَالَ لَهُ : مَا جِئْتُ لِأَجْلِسَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ الْفِرَاشَ يُسَمَّى وِسَادَةً . قَوْلُهُ : ( قَالَ انْزِلْ ) أَيْ فَاجْلِسْ عَلَى الْوِسَادَةِ . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا رَجُلٌ إِلَخْ ) هِيَ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْجَوَابِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ الرَّجُلِ الْمَذْكُورِ ، وَقَوْلُهُ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَأَبِي دَاوُدَ : ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السُّوءِ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ : قَدِمَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى أَبِي مُوسَى فَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَالَ : مَا هَذَا - فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ - وَنَحْنُ نُرِيدُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مُنْذُ أَحْسَبُهُ شَهْرَيْنِ . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُعَاذٍ ، وَأَبِي مُوسَى : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمَا أَنْ يُعَلِّمَا النَّاسَ ، فَزَارَ مُعَاذٌ ، أَبَا مُوسَى فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ مُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ : يَا أَخِي أَوَبُعِثْتَ تُعَذِّبُ النَّاسَ إِنَّمَا بُعِثْنَا نُعَلِّمُهُمْ دِينَهُمْ وَنَأْمُرُهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ ، فَقَالَ : إِنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ كَفَرَ ، فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أُحْرِقَهُ بِالنَّارِ . قَوْلُهُ : ( لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ وَيَجُوزُ النَّصْبُ . قَوْلُهُ : ( ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ) أَيْ كَرَّرَ هَذَا الْكَلَامَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَبَيَّنَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُمَا كَرَّرَا الْقَوْلَ ، أَبُو مُوسَى يَقُولُ : اجْلِسْ ، وَمُعَاذٌ يَقُولُ : لَا أَجْلِسُ ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي لَا تَتِمَّةَ كَلَامِ مُعَاذٍ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بَعْدَ قَوْلِهِ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ : إِنَّ مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ - أَوْ قَالَ : بَدَّلَ دِينَهُ - فَاقْتُلُوهُ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ : فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا : فَأُتِيَ بِحَطَبٍ فَأَلْهَبَ فِيهِ النَّارَ فَكَتَّفَهُ وَطَرَحَهُ فِيهَا ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّهُ ضَرَبَ عُنُقَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي النَّارِ ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مُعَاذًا ، وَأَبَا مُوسَى كَانَا يَرَيَانِ جَوَازَ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ وَإِحْرَاقِ الْمَيِّتِ بِالنَّارِ مُبَالَغَةً فِي إِهَانَتِهِ وَتَرْهِيبًا عَنِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى ، وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَدِمَ عَلَى مُعَاذٍ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْيَهُودِيِّ وَفِيهِ : فَقَالَ : لَا أَنْزِلُ عَنْ دَابَّتِي حَتَّى يُقْتَلَ فَقُتِلَ . قَالَ أَحَدُهُمَا : وَكَانَ قَدِ اسْتُتِيبَ قَبْلَ ذَلِكَ . وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ : أُتِيَ أَبُو مُوسَى بِرَجُلٍ قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَدَعَاهُ فَأَبَى عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ، وَجَاءَ مُعَاذٌ فَدَعَاهُ فَأَبَى فَضَرَبَ عُنُقَهُ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ فَلَمْ يَذْكُرِ الِاسْتِتَابَةَ ، وَكَذَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ ، عَنِ الْقَاسِمِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : فَلَمْ يَنْزِلْ حَتَّى ضَرَبَ عُنُقَهُ وَمَا اسْتَتَابَهُ . وَهَذَا يُعَارِضُهُ الرِّوَايَةُ الْمُثْبِتَةُ لِأَنَّ مُعَاذًا اسْتَتَابَهُ ، وَهِيَ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ ، وَالرِّوَايَاتُ السَّاكِتَةُ عَنْهَا لَا تُعَارِضُهَا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ : يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا يَكُونُ اكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِتَابَةِ أَبِي مُوسَى ، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَرِيبًا أَنَّ مُعَاذًا رَوَى الْأَمْرَ بِاسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَذَاكَرَا قِيَامَ اللَّيْلِ ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ : فَقَالَ كَيْفَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَيْ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَحَدُهُمَا ) هُوَ مُعَاذٌ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ : فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَقْرَؤُهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي وَأَتَفَوَّقُهُ بِفَاءٍ وَقَافٍ بَيْنَهُمَا وَاوٌ ثَقِيلَةٌ ، أَيْ : أُلَازِمُ قِرَاءَتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، وَفِي أُخْرَى : فَقَالَ أبو مُوسَى كَيْفَ تَقْرَأُ أَنْتَ يَا مُعَاذُ ؟ قَالَ : أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ حَاجَتِي فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي . قَوْلُهُ : ( وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي ) فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ : وَأَحْتَسِبُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْمَغَازِي ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يَرْجُو الْأَجْرَ فِي تَرْوِيحِ نَفْسِهِ بِالنَّوْمِ لِيَكُونَ أَنْشَطَ عِنْدَ الْقِيَامِ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ : تَوْلِيَةُ أَمِيرَيْنِ عَلَى الْبَلَدِ الْوَاحِدِ ، وَقِسْمَةُ الْبَلَدِ بَيْنَ أَمِيرَيْنِ ، وَفِيهِ كَرَاهَةُ سُؤَالِ الْإِمَارَةِ وَالْحِرْصِ عَلَيْهَا وَمَنْعُ الْحَرِيصِ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، وَفِيهِ تَزَاوُرُ الْإِخْوَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ ، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ الْمُبَاحَاتِ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ إِذَا صَارَتْ وَسَائِلَ لِلْمَقَاصِدِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ أَوْ تَكْمِيلًا لِشَيْءٍ مِنْهُمَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ وَاسْتِتَابَتِهِمْ · ص 285 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حكم المرتد والمرتدة · ص 80 6 - حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى عن قرة بن خالد قال : حدثني حميد بن هلال ، حدثنا أبو بردة عن أبي موسى قال : أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك ، فكلاهما سأل فقال : يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس قال : قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما ، وما شعرت أنهما يطلبان العمل ، فكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت فقال : لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده ، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس إلى اليمن ، ثم اتبعه معاذ بن جبل ، فلما قدم عليه ألقى له وسادة قال : انزل وإذا رجل عنده موثق قال : ما هذا ؟ قال : كان يهوديا فأسلم ، ثم تهود قال : اجلس ، قال : لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله ، ثلاث مرات ، فأمر به فقتل ، ثم تذاكرا قيام الليل ، فقال أحدهما : أما أنا فأقوم وأنام ، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي . مطابقته للترجمة في قوله : فأمر به فقتل . ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وقرة بضم القاف وتشديد الراء ابن خالد السدوسي ، وأبو بردة بضم الباء الموحدة اسمه عامر ، وقيل : الحارث ، واسم أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري . والحديث مضى مختصرا ومطولا في الإجارة ، وسيجيء في الأحكام ومضى الكلام فيه . قوله : ومعي رجلان ، لم يدر اسمهما ، وفي مسلم : رجلان من بني عمي ، وكلاهما ، أي كلا الرجلين المذكورين سأل كذا بحذف المسئول ، وبينه أحمد في روايته : سأل العمل ، يعني الولاية . قوله : أو يا عبد الله بن قيس ، شك من الراوي بأيهما خاطبه . قوله : قلصت ، أي انزوت ويقال : قلص ، أي ارتفع . قوله : فقال لن أو لا ، شك من الراوي أي لن نستعمل على عملنا من أراده ، أو لا نستعمل من أراده ، أي : من أراد العمل ، وفي رواية أبي العميس : من سألنا ، بفتح اللام . قوله : أو يا عبد الله شك من الراوي . قوله : ثم أتبعه بسكون التاء المثناة من فوق . قوله : معاذ بن جبل بالنصب أي : ثم أتبع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا موسى معاذ بن جبل أي بعثه بعده ، ويروى : ثم اتبعه بتشديد التاء ، فعلى هذا يكون معاذ مرفوعا على الفاعلية ، وتقدم في المغازي بلفظ : بعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا موسى ومعاذا إلى اليمن ، فقال : يسرا ولا تعسرا ، ويحمل على أنه أضاف معاذا إلى أبي موسى بعد سبق ولايته ، لكن قبل توجهه وصاه . قوله : فلما قدم عليه مضى في المغازي أن كلا منهما كان على عمل مستقل ، وأن كلا منهما إذا سار في أرضه فقرب من صاحبه أحدث به عهدا ، وفي رواية أخرى هناك : فجعلا يتزاوران ، فزار معاذ أبا موسى . قوله : ألقى له وسادة بكسر الواو ، وهي المخدة ، وقال بعضهم : ومعنى ألقى وسادة : فرشها له . قلت : هذا غير صحيح ، والوسادة لا تفرش ، وإنما المعنى : وضع الوسادة تحته ليجلس عليها ، وكانت عادتهم وضع الوسادة تحت من أرادوا إكرامه مبالغة فيه . قوله : انزل أي : فاجلس على الوسادة . قوله : فإذا رجل كلمة إذا للمفاجأة . قوله : موثق أي مربوط بقيد ، وفي رواية الطبراني : فإذا عنده رجل موثق بالحديد فقال : يا أخي ، أبعثت تعذب الناس ، إنما بعثنا نعلمهم دينهم ، ونأمرهم بما ينفعهم ، فقال : إنه أسلم ، ثم كفر ، فقال : والذي بعث محمدا بالحق لا أبرح حتى أحرقه بالنار . قوله : قضاء الله بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي : هذا قضاء الله ، أي حكم الله ، وقال بعضهم : ويجوز النصب ولم يبين وجهه . قوله : ثلاث مرات أي كرر هذا الكلام ثلاث مرات ، وفي رواية أبي داود أنهما كررا القول فأبو موسى يقول اجلس ، ومعاذ يقول : لا أجلس ، فعلى هذا قوله : ثلاث مرات من كلام الراوي ، لا تتمة كلام معاذ . قوله : فأمر به فقتل وفي رواية أيوب : فقال والله لا أقعد حتى تضرب عنقه ، فضرب عنقه ، وفي رواية الطبراني التي مضت الآن : فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها ، ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه ضرب عنقه ، ثم ألقاه في النار ، ويؤخذ منه أن معاذا وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار ، وإحراق المرتد بالنار ، ومبالغة في إهانته ، وترهيبا من الاقتداء به ، وقد مر أن عليا رضي الله تعالى عنه أحرق الزنادقة بالنار ، وقال الداودي : إحراق علي رضي الله تعالى عنه الزنادقة ليس بخطأ ؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال لقوم : إن لقيتم فلانا وفلانا فأحرقوهم بالنار ، ثم قال إن لقيتموهما فاقتلوهما ، فإنه لا ينبغي أن يعذب بعذاب الله ، ولم يكن صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في الغضب والرضا إلا حقا ، قال الله تعالى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى قوله : فأرجو في نومتي بالنون أي نومي ( ما أرجو في قومتي ) بالقاف أي في قيامي بالليل ، وفي رواية سعيد ، وأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي كما مر في المغازي ، وحاصله أن يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم ليكون أنشط له في القيام . .