22 - بَاب مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ 637 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ ؟ ) قِيلَ : أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ لَا تَقُومُوا نَهْيٌ عَنِ الْقِيَامِ ، وَقَوْلُهُ حَتَّى تَرَوْنِي تَسْوِيغٌ لِلْقِيَامِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ ، وَهُوَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ ، كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( هِشَامٌ ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ هُنَا عَنْ أَبَانَ الْعَطَّارِ ، عَنْ يَحْيَى ، فَلَعَلَّهُ لَهُ فِيهِ شَيْخَانِ . قَوْلُهُ : ( كَتَبَ إِلَى يَحْيَى ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ ، عَنْ هِشَامٍ ، وَحَجَّاجٍ الصَّوَافِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى ، وَهُوَ مِنْ تَدْلِيسِ الصِّيَغِ ، وَصَرَّحَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، عَنْ هِشَامٍ أَنَّ يَحْيَى كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ حَدَّثَهُ ، فَأُمِنَ بِذَلِكَ تَدْلِيسُ يَحْيَى . قَوْلُهُ : ( إِذَا أُقِيمَتْ ) أَيْ إِذَا ذُكِرَتْ أَلْفَاظُ الْإِقَامَةِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تَرَوْنِي ) أَيْ خَرَجْتُ ، وَصَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ يَحْيَى أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَحْدَهُ حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ ؛ وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَقُومُوا ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : لَمْ أَسْمَعْ فِي قِيَامِ النَّاسِ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ بِحَدٍّ مَحْدُودٍ ، إِلَّا أَنِّي أَرَى ذَلِكَ عَلَى طَاقَةِ النَّاسِ ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الثَّقِيلَ وَالْخَفِيفَ . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إِلَى أَنَّهُمْ إِذَا كَانَ الْإِمَامُ مَعَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَقُومُوا حَتَّى تَفْرُغَ الْإِقَامَةُ ، وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ ، رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَجَبَ الْقِيَامُ ، وَإِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ عُدِّلَتِ الصُّفُوفُ ، وَإِذَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَبَّرَ الْإِمَامُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقُومُونَ إِذَا قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ ، فَإِذَا قَالَ : قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ كَبَّرَ الْإِمَامُ ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقُومُونَ حَتَّى يَرَوْهُ ، وَخَالَفَ مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي شَرَحْنَا ، وَحَدِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْإِقَامَةِ وَالْإِمَامُ فِي مَنْزِلِهِ إِذَا كَانَ يَسْمَعُهَا ، وَتَقَدَّمَ إِذْنُهُ فِي ذَلِكَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَيْتِهِ ، وَهُوَ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُرَاقِبُ خُرُوجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَوَّلَ مَا يَرَاهُ يَشْرَعُ فِي الْإِقَامَةِ قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ غَالِبُ النَّاسِ ، ثُمَّ إِذَا رَأَوْهُ قَامُوا فَلَا يَقُومُ فِي مَقَامِهِ حَتَّى تَعْتَدِلَ صُفُوفُهُمْ . قُلْتُ : وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا سَاعَةَ يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ يَقُومُونَ إِلَى الصَّلَاةِ ، فَلَا يَأْتِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامَهُ حَتَّى تَعْتَدِلَ الصُّفُوفُ ؛ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ : أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَفْظُهُ فِي مُسْتَخْرَجِ أَبِي نُعَيْمٍ : فَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ : أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ، فَقُمْنَا فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَأَتَى فَقَامَ مَقَامَهُ الْحَدِيثَ . وَعَنْهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَقَامَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ بِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا وَقَعَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَبِأَنَّ صَنِيعَهُمْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ سَبَبَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ سَاعَةَ تُقَامُ الصَّلَاةُ وَلَوْ لَمْ يَخْرُجِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ لَهُ شُغْلٌ يُبْطِئُ فِيهِ عَنِ الْخُرُوجِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِمُ انْتِظَارُهُ وَلَا يَرُدُّ هَذَا حَدِيثَ أَنَسٍ الْآتِي أَنَّهُ قَامَ فِي مَقَامِهِ طَوِيلًا فِي حَاجَةِ بَعْضِ الْقَوْمِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ نَادِرًا ، أَوْ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَتَى يَقُومُ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ · ص 141 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة · ص 585 22 - باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة 637 - حدثنا مسلم بن إبراهيم : حدثنا هشام ، قال : كتب إلي يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني ) . هذا رواه هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير مكاتبة ، وقد رواه عن يحيى غير واحد : شيبان ، وحجاج الصواف ، وأيوب ، وأبان العطار ، ومعمر ، وغيرهم . وخرجه البخاري من رواية شيبان ، وخرجه مسلم من رواية حجاج ومعمر . وفي رواية له من رواية شيبان ومعمر : ( حتى تروني قد خرجت ) . وقال أبو داود : لم يذكر : ( قد خرجت ) إلا معمر . وذكر البيهقي : أنها قد رويت عن حجاج - أيضا . وخرجها ابن حبان في ( صحيحه ) من رواية معمر ، ولفظه : ( حتى تروني قد خرجت إليكم ) . وهذه اللفظة : يستدل بها على مراده - صلى الله عليه وسلم - برؤيته : أن يخرج من بيته ، فيراه من كان عند باب المسجد ، ليس المراد : يراه كل من كان في المسجد . وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ) ، ومعلوم أنه لو رآه واحد أو اثنان لاكتفي برؤيتهما ، وصام الناس كلهم . ويدل على هذا : ما خرجه مسلم من حديث الزهري ، قال : أخبرني أبو سلمة ، سمع أبا هريرة يقول : أقيمت الصلاة ، فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا قام في مصلاه قبل أن يكبر ذكر فانصرف - وذكر تمام الحديث . ويحمل ذلك على قيامهم قبل أن يطلع على أهل المسجد من المسجد ، لما علموا خروجه من بيته وتحققوه . وخرج - أيضا - بهذا الإسناد ، عن أبي هريرة ، قال : إن كانت الصلاة تقام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي - صلى الله عليه وسلم - مقامه . فهذه الرواية تصرح بأن الصفوف كانت تعدل قبل أن يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مصلاه ، ولكن كان قد خرج من بيته ، ورآه من كان بقرب بيته . وقد ذكر الدارقطني وغير واحد من الحفاظ أن هذا الحديث اختصره الوليد بن مسلم من الحديث الذي قبله ، فأتي به بهذا اللفظ . فإن قيل : فقد خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة ، قال : كان بلال يؤذن إذا دحضت ، فلا يقيم حتى يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه . فلو اكتفي برؤية واحد للنبي - صلى الله عليه وسلم - لاكتفي برؤية بلال له ، واكتفي بإقامة بلال في قيام الناس ، فإنه كان لا يقيم حتى يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج . قيل : هذا إنما ورد في صلاة الظهر بالمدينة خاصة ، وأما في غيرها من الصلوات ، فقد كان بلال يجيء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بيته ، فيؤذنه بالصلاة ، فكان يفعل ذلك في صلاة الفجر ، كما في حديث عائشة وابن عباس ، وكان أحيانا يفعله في السفر في غير الفجر ، كما روى أبو جحيفة ، أنه رأى بلالا آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بصلاة الظهر . فالظاهر : أن بلالا كان إذا آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة رجع ، فأقام قبل خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيته ، واكتفى بتأهبه للخروج [بإيذانه] له ، فوقع النهي في قيام الناس إلى الصلاة قبل خروجه في مثل هذه الحالة . والله أعلم . وقد اختلف العلماء في الوقت الذي يقوم فيه الناس للصلاة . فقال طائفة : يقومون إذا فرغ المؤذن من الإقامة ، سواء خرج الإمام أو لم يخرج . وحكى ذلك بعض الشافعية عن أبي حنيفة والشافعي . ورجح بعض متأخري الشافعية أنهم لا يقومون حتى يروه ؛ لحديث أبي قتادة . وحكى ابن المنذر ، عن أبي حنيفة ، أنه إذا لم يكن الإمام معهم كره أن يقوموا في الصف والإمام غائب عنهم . وممن روي عنه ، أنهم لا يقومون حتى يروا الإمام : عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب . خرجه وكيع ، عنهما . واختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة : فروى عن جماعة من أصحابه ، أنهم لا يقومون حتى يروه ؛ لحديث أبي قتادة ، ولو علموا به ، مثل أن يكون الإمام هو المؤذن ، وقد أقام الصلاة في المنارة وهو نازل . وروى عنه الأثرم وغيره : أنهم يقومون قبل أن يروه إذا أقيمت الصلاة ؛ لحديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم . وروى عنه المروذي وغيره : أنه وسع العمل بالحديثين جميعا ، فإن شاءوا قاموا قبل أن يروه ، وإن شاءوا لم يقوموا حتى يروه . ورجح بعض أصحابنا الرواية الأولى ؛ لحديث أبي قتادة ، وادعى أنه ناسخ لحديث أبي هريرة ؛ فإنه يدل على أن فعلهم لذلك كان سابقا ، ثم نهي عنه . وكذا ذكر البيهقي ، لكن قال : إنما نهي عنه تخفيفا عليهم ، ورفقا بهم ، وهذا لا يمنع العمل به كالصائم في السفر ونحوه . وروي عن أبي خالد الوالبي ، قال : خرج إلينا علي بن أبي طالب ونحن قيام ، فقال : ما لي أراكم سامدين - يعني : قياما . وسئل النخعي : أينتظرون الإمام قياما أو قعودا ؟ قال : قعودا . وقال ابن بريدة في انتظارهم قياما : هو السمود . وكذا روي عن النخعي ، أنه كرهه ، وقال : هو السمود . وحكي مثله عن أبي حنيفة وإسحاق . قال بعض أصحابنا : وروي عن أبي حنيفة وأصحابه ، والشافعي ، وداود ، أنه إن كان الإمام خارجا من المسجد فلا تقوموا حتى تروه ، وإن كان في المسجد فهو كالمشاهد ؛ حملا للرؤية في الحديث على العمل ، وكذا قال ابن بطة من أصحابنا . وإن كان الإمام في المسجد ، فهو مرئي للمصلين أو بعضهم ، لكن هل يكتفى برؤيته قاعدا ، أو لا بد من رؤيته قائما متهيئا للصلاة ؟ هذا محل نظر . والمنصوص عن أحمد ، أنه إذا كان في المسجد فإن المأمومين يقومون إذا قال المؤذن : ( قد قامت الصلاة ) ، وإن لم يقم الإمام . والقيام للصلاة عند الإقامة متفق على استحبابه للإمام ، إذا كان حاضرا في المسجد ، وللمأمومين معه . واختلفوا في موضع القيام من الإقامة على أقوال : أحدها : أنهم يقومون في ابتداء الإقامة ، روي عن كثير من التابعين ، منهم : عمر بن عبد العزيز ، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق ، وهو غريب عن أحمد . والثاني : إذا قال : ( قد قامت الصلاة ) ، روي عن أنس بن مالك ، والحسن بن علي ، وعطاء ، والحسن ، وابن سيرين ، والنخعي ، وهو قول ابن المبارك ، وزفر ، وأحمد ، وإسحاق . والثالث : إذا قال : ( حي على الفلاح ) ، وحكي عن أبي حنيفة ، ومحمد . والرابع : إذا فرغت الإقامة ، وحكي عن مالك ، والشافعي . وحكى ابن المنذر عن مالك ، أنه لم يوقت في ذلك شيئا . وقال الماوردي - من الشافعية - : إن كان شيخا بطيء النهضة قام عند قوله : ( قد قامت الصلاة ) ، وإن كان سريع النهضة قام بعد الفراغ ؛ ليستووا قياما في وقت واحد . فإن تأخر قيام الإمام عن فراغ الإقامة لعذر كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يناجي بعض أصحابه طويلا ، فهل يتأخر قيام المأمومين إلى حين قيامه ؟ الأظهر : نعم . ويدل عليه ما خرجه البخاري - وسيأتي قريبا إن شاء الله - عن أنس ، قال : أقيمت الصلاة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يناجي رجلا في جانب المسجد ، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم . ونومهم يدل على أنهم كانوا جلوسا ؛ إذ لو كانوا قياما ينتظرون الصلاة كان أبعد لنومهم . وروى حجاج بن فروخ ، عن العوام بن حوشب ، عن ابن أبي أوفى ، قال : كان بلال إذا قال : قد قامت الصلاة ، نهض النبي - صلى الله عليه وسلم - . حجاج واسطي ، قال أحمد ويحيى : لا نعرفه . وقال يحيى - أيضا - : ليس بشيء . وقال أبو حاتم : مجهول ، وضعفه النسائي ، وقال الدارقطني : متروك . وذكر هذا الحديث لأحمد فأنكره ، وقال : العوام لم يلق ابن أبي أوفى . هذا في القيام المبتدأ للصلاة ممن كان جالسا ، فأما من دخل المسجد إماما كان أو مأموما ، والمؤذن يقيم الصلاة ، فهل يجلس ليبتدئ القيام إما بعد الفراغ أو عند قوله : ( قد قامت الصلاة ) ، أم يستمر قائما ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه يجلس ليقوم إلى الصلاة في موضع القيام المشروع ، وكذلك كان الإمام أحمد يفعل - : نقله عنه ابن منصور ، وقاله طائفة من الشافعية ، منهم : أبو عاصم العبادي . وفيه حديث مرسل ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء وبلال في الإقامة ، فقعد . خرجه الخلال . والقول الثاني : إنه يستمر قائما ولا يجلس - : قاله طائفة من الشافعية ، منهم : البغوي وغيره ؛ لئلا يدخل في النهي عن القيام للصلاة قبل رؤية الإمام ؛ لأن النهي إنما يتناول القيام المبتدأ ، وهذا لم يبتدئ القيام ، بل استمر عليه . ويتخرج لأحمد مثل هذا ؛ لأنه فرق بين القيام المبتدأ والمستمر في القيام للجنازة ، فحمل النهي عن القيام المبتدأ لمن كان جالسا ، فأما من تبعها فإنه يستمر قائما ، ولا يجلس حتى توضع بالأرض ، ولم ير هذا القيام المستمر داخلا في القيام للجنازة المنهي عنه ، وجمع بذلك بين الحديثين . وقد يفرق بينهما : بأن في الجنازة حديثين مختلفين ، فجمع بينهما بالتفريق بين القيام المبتدأ والمستمر ، وأما في النهي عن القيام قبل رؤية الإمام فليس فيه حديث يعارضه ، بل مرسل ابن أبي ليلى يوافقه ، فلذلك سوى فيه بين القيام المبتدأ والمستمر . والله أعلم . وأما إن خرج الإمام إلى المسجد ، ورآه المأمومون قبل إقامة الصلاة ، فلا خلاف أنهم لا يقومون للصلاة برؤيته . وخرج البيهقي من رواية عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ، عن ابن جريج : أخبرني موسى بن عقبة ، عن سالم أبي النضر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج بعد النداء إلى المسجد ، فإذا رأى أهل المجلس قليلا جلس حتى يرى منهم جماعة ، ثم يصلي ، وكان إذا خرج فرأى جماعة أقام الصلاة . وقال : وحدثني موسى بن عقبة - أيضا - عن نافع بن جبير ، عن مسعود بن الحكم الزرقي ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل هذا الحديث . وخرجه أبو داود من رواية أبي عاصم ، عن ابن جريج بالإسنادين - أيضا - لكن لفظه : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين تقام الصلاة في المسجد إذا رآهم قليلا جلس ، ثم صلى ، وإذا رآهم جماعة صلى . وخرجه الإسماعيلي في ( مسند علي ) من طريق أبي عاصم ، عن ابن جريج بالإسنادين - أيضا - ، ولفظ حديثه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل المسجد فرأى جماعة أقام الصلاة ، وإن رآهم قليلا جلس . وخرجه من طريق عبد المجيد - أيضا - بنحو رواية البيهقي ، وفي آخره : يعني : أمر المؤذن ، فأقام . وأشار إلى أنه إنما يعرف بهذا الإسناد عن علي القيام للجنازة ثم الجلوس قال : ولعل هذا أن يكون [خبرا] آخر . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة · ص 153 ( باب متى يقوم الناس إذا رأوا الإمام عند الإقامة ) أي : هذا باب يذكر فيه متى تقوم الجماعة إذا رأوا الإمام عند إقامة الصلاة وحديث الباب يبين ذلك . 33 - حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا هشام قال : كتب إلي يحيى ، عن عبد الله بن أبي قتادة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني . مطابقته للترجمة من حيث إن معنى الحديث أن الجماعة لا يقومون عند الإقامة إلا حين يرون أن الإمام قام وقد بين ذلك معنى الترجمة التي فيها الاستفهام عن وقت قيام الناس إلى الصلاة ، وقد اختلف العلماء في وقت قيام الناس إلى الصلاة على ما نبينه عن قريب ، إن شاء الله تعالى . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة قد ذكروا وهشام هو الدستوائي وأبو قتادة الحارث بن ربعي . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه الكتابة وهي طريق من طرق الحديث وهو أن يكتب مسموعه لغائب أو حاضر ، إما أن تكون مقرونة بالإجازة أو لا وذلك عندهم معدود في المسند الموصول وظاهر قوله : " كتب إلي يحيى أنه لم يسمعه منه ، وقد رواه الإسماعيلي من طريق هشيم عن هشام وحجاج الصواف كلاهما عن يحيى وهو من تدليس الصيغ وصرح أبو نعيم في ( المستخرج ) من وجه آخر عن هشام : أن يحيى كتب إليه أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه ، فأمن من تدليس يحيى ، وفيه القول في أربعة مواضع . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن أبي نعيم ، عن شيبان ، عن يحيى به ، وعن عمرو بن علي ، عن أبي قتيبة ، وأخرجه مسلم فيه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن ابن أبي شيبة ، عن إسماعيل بن علية ، وعن محمد بن حاتم وعبيد الله بن سعيد ، وأخرجه أبو داود ، عن مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل ، وعن إبراهيم بن موسى ، وعن أحمد بن صالح ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن محمد ، وأخرجه النسائي فيه عن الحسين بن حريث ، وعن علي بن حجر . ( ذكر معناه وما يستفاد منه ) قوله : " أقيمت الصلاة " أي : ذكرت ألفاظ الإقامة ونودي بها . قوله : " حتى تروني " أي : تبصروني خرجت وبه صرح ابن حبان من طريق عبد الرزاق وحده " حتى تروني خرجت " ولا بد فيه من التقدير تقديره لا تقوموا حتى تروني خرجت ، فإذا رأيتموني خرجت فقوموا ، وقد اختلف السلف متى يقوم الناس إلى الصلاة ، فذهب مالك وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيامهم حد ولكن استحب عامتهم القيام إذا أخذ المؤذن في الإقامة ، وكان أنس رضي الله تعالى عنه يقوم إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة وكبر الإمام ، وحكاه ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة ، وكذا قيس بن أبي حازم وحماد ، وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز إذا قال المؤذن : الله أكبر وجب القيام ، وإذا قال : حي على الصلاة اعتدلت الصفوف ، وإذا قال : لا إله إلا الله ، كبر الإمام ، وذهبت عامة العلماء إلى أنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ، وفي ( المصنف ) كره هشام يعني ابن عروة أن يقوم حتى يقول المؤذن قد قامت الصلاة ، وعن يحيى بن وثاب : إذا فرغ المؤذن كبر وكان إبراهيم يقول : إذا قامت الصلاة كبر ومذهب الشافعي وطائفة أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة وهو قول أبي يوسف ، وعن مالك رحمه الله تعالى السنة في الشروع في الصلاة بعد الإقامة وبداية استواء الصف ، وقال أحمد : إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة يقوم ، وقال زفر : إذا قال المؤذن : قد قامت الصلاة مرة قاموا ، وإذا قال ثانيا افتتحوا ، وقال أبو حنيفة ومحمد : يقومون في الصف إذ قال : حي على الصلاة ، فإذا قال : قد قامت الصلاة كبر الإمام لأنه أمين الشرع ، وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقه ، وإذا لم يكن الإمام في المسجد فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه . ( فإن قلت ) : روى مسلم من حديث أبي هريرة " أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم " وفي رواية : " إن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم مقامه " وفي رواية جابر بن سمرة " كان بلال يؤذن إذا دحضت الشمس فلا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فإذا خرج الإمام أقام الصلاة حين يراه " وبين هذه الروايات معارضة . ( قلت ) : وجه الجمع بينهما أن بلالا كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه وسلم من حيث لا يراه غيره أو إلا القليل ، فعند أول خروجه يقيم ولا يقوم الناس حتى يروه ، ثم لا يقوم مقامه حتى يعدل الصفوف ، وقوله في رواية أبي هريرة " فيأخذ الناس مصافهم قبل خروجه " لعله كان مرة أو مرتين أو نحوهما لبيان الجواز أو لعذر ، ولعل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : " فلا تقوموا حتى تروني " كان بعد ذلك ، قال العلماء : والنهي عن القيام قبل أن يروه لئلا يطول عليهم القيام ، ولأنه قد يعرض له عارض فيتأخر بسببه .