39 - بَاب حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ 664 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ الْأَسْوَدِ ، قَالَ : كُنَّا عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَذَكَرْنَا الْمُوَاظَبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالتَّعْظِيمَ لَهَا ، قَالَتْ : لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ ، فَأُذِّنَ فَقَالَ : مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ ، إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، وَأَعَادَ فَأَعَادُوا لَهُ ، فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ : إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى ، فَوَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً ، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ ، كَأَنِّي أَنْظُرُ رِجْلَيْهِ تَخُطَّانِ مِنْ الْوَجَعِ ، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَكَانَكَ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِهِ ، قِيلَ لِلْأَعْمَشِ : وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ بِرَأْسِهِ : نَعَمْ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ بَعْضَهُ ، وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ : مَعْنَى الْحَدِّ هَاهُنَا الْحِدَّةُ ، وَقَدْ نَقَلَهُ الْكِسَائِيُّ ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ عُمَرَ فِي أَبِي بَكْرٍ كُنْتُ أَرَى مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ أَيِ الْحِدَّةِ ، قَالَ : وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْحَضُّ عَلَى شُهُودِ الْجَمَاعَةِ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هُنَا جِدٌّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ الِاجْتِهَادُ فِي الْأَمْرِ ، لَكِنْ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا رَوَاهُ بِالْجِيمِ . انْتَهَى . وَقَدْ أَثْبَتَ ابْنُ قُرْقُولٍ رِوَايَةَ الْجِيمِ وَعَزَاهَا لِلْقَابِسِيِّ . وَقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : إِنَّمَا الْمَعْنَى مَا يُحَدُّ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ مَعَهُ الْجَمَاعَةُ فَإِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ الْحَدَّ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ شُهُودُهَا . وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ خُرُوجُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَوَكِّئًا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ شِدَّةِ الضَّعْفِ فَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ مَنْ بَلَغَ إِلَى تِلْكَ الْحَالِ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ تَكَلُّفُ الْخُرُوجِ لِلْجَمَاعَةِ إِلَّا إِذَا وَجَدَ مَنْ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ . وَأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا . وَقَعَ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ ، قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ مَعْنَاهُ بَابُ الْحَدِّ الَّذِي لِلْمَرِيضِ أَنْ يَأْخُذَ فِيهِ بِالْعَزِيمَةِ فِي شُهُودِ الْجَمَاعَةِ . انْتَهَى مُلَخَّصًا . قَوْلُهُ : ( مَرَضُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُبَيَّنًا فِي آخِرِ الْمَغَازِي فِي سَبَبِهِ وَوَقْتِ ابْتِدَائِهِ وَقَدْرِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَ الزُّهْرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ أَنِ اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ وَاسْتَقَرَّ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ ) هِيَ الْعِشَاءُ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ الْآتِيَةِ قَرِيبًا فِي بَابِ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَسَنَذْكُرُ هُنَاكَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَأُذِّنَ ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ . وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَأُذِّنَ بِالْوَاوِ وَهُوَ أَوْجَهُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَذَانُ الصَّلَاةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أُعْلِمَ ، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ الْآتِيَةُ فِي بَابُ الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بِالْإِمَامِ وَلَفْظُهُ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ الْمُبْهَمِ ، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَدَأَ بِالسُّؤَالِ عَنْ حُضُورِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَتَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَيْهَا فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ . . الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْآمِرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ آمِرًا بِهِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ بِأَنَّ الْمَعْنَى بَلِّغُوا أَبَا بَكْرٍ أَنِّي أَمَرْتُهُ . وَفَصْلُ النِّزَاعِ أَنَّ النَّافِيَ إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا حَقِيقَةً فَمُسَلَّمٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ أَمْرٍ لِلثَّانِي ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُهُ فَمَرْدُودٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ لَهُ ) قَائِلُ ذَلِكَ عَائِشَةُ كَمَا سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( أَسِيفٌ ) بِوَزْنِ فَعِيلٍ وَهُوَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ مِنَ الْأَسَفِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحُزْنِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ رَقِيقُ الْقَلْبِ . وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : قَالَ عَاصِمٌ وَالْأَسِيفُ الرَّقِيقُ الرَّحِيمُ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ سِتَّةِ أَبْوَابٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ : إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ ، إِذَا قَرَأَ غَلَبَهُ الْبُكَاءُ. وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى نَحْوُهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا بِلَفْظِ قَالَتْ عَائِشَةُ : قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ فَمُرْ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( فَأَعَادُوا لَهُ ) أَيْ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ ، وَالْمُخَاطِبُ بِذَلِكَ عَائِشَةُ كَمَا تَرَى ، لَكِنْ جَمْعٌ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي مَقَامِ الْمُوَافِقِينَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ . وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى بِالْإِفْرَادِ وَلَفْظُهُ فَعَادَتْ وَلِابْنِ عُمَرَ فَعَاوَدَتْهُ . قَوْلُهُ : ( فَأَعَادَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ ) فِيهِ حَذْفٌ بَيَّنَهُ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ الْمُذَكُورَةِ ، وَأَنَّ الْمُخَاطِبَ لَهُ حِينَئِذٍ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بِأَمْرِ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ أَيْضًا فَمُرْ عُمَرَ ، فَقَالَ : مَهْ إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ وَصَوَاحِبُ جَمْعُ صَاحِبَةٍ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُنَّ مِثْلُ صَوَاحِبِ يُوسُفَ فِي إِظْهَارِ خِلَافِ مَا فِي الْبَاطِنِ . ثُمَّ إِنَّ هَذَا الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدٌ وَهِيَ عَائِشَةُ فَقَطْ ، كَمَا أَنَّ صَوَاحِبَ صِيغَةُ جَمْعٍ وَالْمُرَادُ زُلَيْخَا فَقَطْ ، وَوَجْهُ الْمُشَابَهَةِ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّ زُلَيْخَا اسْتَدْعَتِ النِّسْوَةَ وَأَظْهَرَتْ لَهُنَّ الْإِكْرَامَ بِالضِّيَافَةِ وَمُرَادُهَا زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَى حُسْنِ يُوسُفَ وَيَعْذُرْنَهَا فِي مَحَبَّتِهِ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ أَظْهَرَتْ أَنَّ سَبَبَ إِرَادَتِهَا صَرْفَ الْإِمَامَةِ عَنْ أَبِيهَا كَوْنُهُ لَا يُسْمِعُ الْمَأْمُومِينَ الْقِرَاءَةَ لِبُكَائِهِ ، وَمُرَادُهَا زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنْ لَا يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ . وَقَدْ صَرَّحَتْ هِيَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ لَقَدْ رَاجَعْتُهُ وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا الْحَدِيثَ . وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي بَابِ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا . وَبِهَذَا التَّقْرِيرُ يَنْدَفِعُ إِشْكَالُ مَنْ قَالَ إِنَّ صَوَاحِبَ يُوسُفَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُنَّ إِظْهَارٌ يُخَالِفُ مَا فِي الْبَاطِنِ . وَوَقَعَ فِي مُرْسَلِ الْحَسَنِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تُكَلِّمَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَصْرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ ، فَأَرَادَتِ التَّوَصُّلَ إِلَى ذَلِكَ بِكُلِّ طَرِيقٍ فَلَمْ يَتِمَّ . وَوَقَعَ فِي أَمَالِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ النِّسْوَةَ أَتَيْنَ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ يُظْهِرْنَ تَعْنِيفَهَا ، وَمَقْصُودُهُنَّ فِي الْبَاطِنِ أَنْ يَدْعُونَ يُوسُفَ إِلَى أَنْفُسِهِنَّ ، كَذَا قَالَ وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ مَا يُسَاعِدُ مَا قَالَ . ( فَائِدَةٌ ) : زَادَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تُشِيرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَأْمُرَ عُمَرَ بِالصَّلَاةِ ، أَخْرَجَهُ الدَّوْرَقِيُّ فِي مُسْنَدِهِ ، وَزَادَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَقَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ : مَا كُنْتُ لِأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا . وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَإِنَّمَا قَالَتْ حَفْصَةُ ذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَهَا صَادَفَ الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ مِنَ الْمُعَاوَدَةِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُرَاجَعُ بَعْدَ ثَلَاثٍ ، فَلَمَّا أَشَارَ إِلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ كَوْنِهِنَّ صَوَاحِبَ يُوسُفَ وَجَدَتْ حَفْصَةُ فِي نَفْسِهَا مِنْ ذَلِكَ لِكَوْنِ عَائِشَةَ هِيَ الَّتِي أَمَرَتْهَا بِذَلِكَ ، وَلَعَلَّهَا تَذَكَّرَتْ مَا وَقَعَ لَهَا مَعَهَا أَيْضًا فِي قِصَّةِ الْمَغَافِيرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِلنَّاسِ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ ) فِيهِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ ، وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ فَأَتَاهُ الرَّسُولُ أَيْ بِلَالٌ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعْلَمَ بِحُضُورِ الصَّلَاةِ فَأُجِيبَ بِذَلِكَ ، وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا فَقَالَ لَهُ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا - : يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ انْتَهَى . وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا أَرَادَتْ عَائِشَةُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَوَاضُعًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ قَالَهُ لِلْعُذْرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ كَوْنُهُ رَقِيقَ الْقَلْبِ كَثِيرَ الْبُكَاءِ ، فَخَشِيَ أَنْ لَا يُسْمِعَ النَّاسَ . انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهِمَ مِنَ الْإِمَامَةِ الصُّغْرَى الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى وَعَلِمَ مَا فِي تَحَمُّلِهَا مِنَ الْخَطَرِ ، وَعَلِمَ قُوَّةَ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ ، فَاخْتَارَهُ . وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُبَايِعُوهُ أَوْ يُبَايِعُوا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَفَهِمَ مِنَ الْأَمْرِ لَهُ بِذَلِكَ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ لَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ بَاشَرَ بِنَفْسِهِ أَوِ اسْتَخْلَفَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ لِلْمُسْتَخْلِفِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخلِفَ ولَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِذْنٍ خَاصٍّ لَهُ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالسَّرَخْسِيِّ يُصَلِّي وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ تَهَيَّأَ لَهَا ، وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِلَفْظِ فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ دَخَلَ فِي مَكَانِ الصَّلَاةِ ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ مَعَ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَوَجَدَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَ ذَلِكَ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ فِيهِ حَذْفٌ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي قَوْلِهِ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ وَأَوْضَحُ مِنْهُ رِوَايَةُ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً وَعَلَى هَذَا لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ الْعِشَاءُ . قَوْلُهُ : ( يُهَادَى ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الدَّالِ أَيْ يَعْتَمِدُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ مُتَمَايِلًا فِي مَشْيِهِ مِنْ شِدَّةِ الضَّعْفِ ، وَالتَّهَادِي التَّمَايُلُ فِي الْمَشْيِ الْبَطِيءِ ، وَقَوْلُهُ يَخُطَّانِ الْأَرْضَ أَيْ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى تَمْكِينِهِمَا مِنَ الْأَرْضِ ، وَسَقَطَ لَفْظُ الْأَرْضِ مِنْ رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى بُطُونِ قَدَمَيْهِ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ رَجُلَيْنِ ) فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ حَدِيثَيِ الْبَابِ أَنَّهُمَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْمَذْكُورَةِ وَجَدَ خِفَّةً مِنْ نَفْسِهِ فَخَرَجَ بَيْنَ بَرِيرَةَ وَنُوبَةَ وَيُجْمَعُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ بَيْنَ هَذَيْنِ ، وَمِنْ ثَمَّ إِلَى مَقَامِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْعَبَّاسِ ، وَعَلِيٍّ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ خَرَجَ بَيْنَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ . وَأَمَّا مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ خَرَجَ بَيْنَ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ، وَعَلِيٍّ فَذَاكَ فِي حَالِ مَجِيئِهِ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ . ( تَنْبِيهٌ ) : نُوبَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ فِي النِّسَاءِ الصَّحَابِيَّاتِ فَوَهِمَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ أَسْوَدُ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ سَيْفٍ فِي كِتَابِ الرِّدَّةِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ فِي صَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ خَرَجَ بَيْنَ بَرِيرَةَ وَرَجُلٍ آخَرَ . قَوْلُهُ : ( فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ ) زَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ وَفِي رِوَايَةِ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمَّا أَحَسَّ النَّاسُ بِهِ سَبَّحُوا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ . قَوْلُهُ : ( أَنْ مَكَانَكَ ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ الْمَذْكُورَةِ أَنِ اثْبُتْ مَكَانَكَ وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أُتِيَ بِهِ ) كَذَا هُنَا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ . وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِأَمْرِهِ وَلَفْظُهُ فَقَالَ أَجْلَسَانِي إِلَى جَنْبِهِ ، فَأَجْلَسَاهُ وَعَيَّنَ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ الْبَابِ - كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ - مَكَانَ الْجُلُوسِ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا هُوَ مَقَامُ الْإِمَامِ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ . وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ شَارِحُ مُسْلِمٍ لَمَّا حَكَى الْخِلَافُ هَلْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا ؟ فَقَالَ : لَمْ يَقَعْ فِي الصَّحِيحِ بَيَانُ جُلُوسِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ كَانَ عَنْ يَمِينِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ . انْتَهَى . وَرِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ هَذِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا ، فَالْعَجَبُ مِنْهُ كَيْفَ يَغْفُلُ عَنْ ذَلِكَ فِي حَالِ شَرْحِهِ لَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقِيلَ لِلْأَعْمَشِ إِلَخْ ) ظَاهِرُه الِانْقِطَاعُ ، لِأَنَّ الْأَعْمَشَ لَمْ يُسْنِدْهُ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْهُ ذِكْرُ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِالْحَدِيثِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا . قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ . قَوْلُهُ : ( بَعْضَهُ ) بِالنَّصْبِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ ، وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ بِهِ وَلَفْظُهُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ، كَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَضِيَّةِ حَدِيثِ الْبَابِ ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدِهِ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ : كَانَ أَبُو بَكْرٍ الْمُقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّفِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْمُقَدَّمُ وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهَذَا عَكْسُ رِوَايَةِ أَبِي مُوسَى ، وَهُوَ اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا أَيْضًا اخْتِلَافٌ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْ شَقِيقٍ عَنْهُ بِلَفْظِ كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِ ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ شَقِيقٍ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ أَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُشَاهِدِ الْهَيْئَةَ الْمَذْكُورَةَ ، وَلَكِنْ تَضَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَنْهَا بِالْجَزْمِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ هُوَ الْإِمَامُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ، مِنْهَا رِوَايَةُ مُوسَى ابْنِ أَبِي عَائِشَةَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا فَفِيهَا فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَهَذِهِ رِوَايَةُ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ ، عَنْ مُوسَى ، وَخَالَفَهُ شُعْبَةُ أَيْضًا فَرَوَاهُ عَنْ مُوسَى بِلَفْظِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِالنَّاسِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّفِّ خَلْفَهُ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ سَلَكَ التَّرْجِيحَ فَقَدَّمَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مَأْمُومًا لِلْجَزْمِ بِهَا ، وَلِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ أَحْفَظُ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ عَكْسَ ذَلِكَ وَرَجَّحَ أَنَّهُ كَانَ إِمَامًا ، وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي بَابِ مَنْ دَخَلَ لِيَؤُمَّ النَّاسَ حَيْثُ قَالَ مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَكَ الْجَمْعَ فَحَمَلَ الْقِصَّةَ عَلَى التَّعَدُّدِ . وَأَجَابَ عَنْ قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ . وَيُؤَيِّدُهُ اخْتِلَافُ النَّقْلِ عَنِ الصَّحَابَةِ غَيْرِ عَائِشَةَ ، فَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ مَأْمُومًا كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَرْقَمَ بْنِ شُرَحْبِيلَ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِمَامًا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ بِلَفْظِ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي ثَوْبٍ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ فَلَمْ يَذْكُرْ ثَابِتًا ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَا تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ مِنَ الْحُكْمِ فِي بَابُ إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( وَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ : جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا ) يَعْنِي رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَمَا رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ مُطَوَّلًا وَشُعْبَةُ مُخْتَصَرًا ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ ، فَزَادَ أَبُو مُعَاوِيَةَ مَا ذُكِرَ . وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِيهِ . وَغَفَلَ مُغْلَطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ فَنَسَبُوا وَصْلَهُ إِلَى رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ نُمَيْرٍ لَيْسَ فِيهَا عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ . وَالثَّانِي أَنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى تَخْرِيجِ صَاحِبِ الْكِتَابِ أَوْلَى مِنْ نِسْبَتِهِ لِغَيْرِهِ فِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب حَدِّ الْمَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الْجَمَاعَةَ · ص 177 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ · ص 78 39 - باب حَدِّ المَرِيضِ أَنْ يَشْهَدَ الجَمَاعَةَ قوله : ( حد المريض ) ضبطه جماعة بالجيم المكسورة ، والمعنى : اجتهاد المريض أن يشهد الجماعة ، ومنهم من ضبطه بالحاء المهملة المفتوحة ، وفسره بالعزم والحرص . ابتدأ البخاري - رحمه الله - فِي ذكر الأعذار الَّتِيْ يباح معها التخلف عَن شهود الجماعة ، فمنها : المرض ، وَهُوَ عذر مبيح لترك الجماعة ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بَكْر أن يصلي بالناس ، وإنما خرج إلى الصلاة لما وجد من نفسه خفة . وخروج المريض إلى المسجد ومحاملته أفضل ، كما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يهادى بَيْن رجلين . وقد قَالَ ابن مَسْعُود : ولقد كَانَ الرَّجُلُ يهادى بَيْن رجلين حَتَّى يقام فِي الصف . ومتى كَانَ المريض لا يقدر عَلَى المشي إلى المسجد ، وإنما يقدر أن يخرج محمولاً لَمْ يلزمه الخروج إلى الجماعة . ولو وجد الزمن من يتطوع بحمله لَمْ تلزمه الجماعة ، وفي لزوم الجمعة لَهُ بذلك وجهان لأصحابنا . قَالَ ابن المنذر : ولا أعلم اختلافاً بَيْن أهل العلم أن للمريض أن يتخلف عَن الجماعات من أجل المرض . خرج البخاري فِي هَذَا الباب حَدِيْث عَائِشَة فِي مرض النبي صلى الله عليه وسلم من طريقين : الأول : قَالَ : 664 - حَدَّثَنَا عُمَر بْن حفص بْن غياث ، ثنا أَبِي ، ثنا الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، قَالَ : كنا عِنْدَ عَائِشَة ، فذكرنا المواظبة عَلَى الصلاة ، والتعظيم لها ، قَالَتْ : لما مرض النبي صلى الله عليه وسلم مرضه الَّذِي مات فِيهِ ، فحضرت الصلاة ، فأوذن ، فَقَالَ : ( مروا أبا بَكْر فليصل بالناس ) ، فَقِيلَ لَهُ : إن أبا بَكْر رَجُل أسيف ، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس ، وأعاد ، فأعادوا لَهُ ، فأعاد الثالثة ، فَقَالَ : ( إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بَكْر فليصل بالناس ) ، فخرج أبو بَكْر فصلى ، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة ، فخرج يهادى بَيْن رجلين ، حَتَّى كأني أنظر إلى رجليه تخطان الأرض من الوجع ، فأراد أبو بَكْر أن يتأخر ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك . ثُمَّ أتي بِهِ حَتَّى جلس إلى جنبه . فَقِيلَ للأعمش : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر ؟ فَقَالَ برأسه : نَعَمْ . روى أبو داود ، عَن شعبة ، عَن الأعمش بعضه ، وزاد أبو معاوية : جلس عَن يسار أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر يصلي قائماً . قَالَ الخطابي : الأسيف : الرقيق القلب ، الَّذِي يسرع إليه الأسف والحزن . قَالَ : ويهادى : يحمل ، يعتمد عَلَى هَذَا مرة وعلى هَذَا مرة . قَالَ : وقوله : ( صواحبات يوسف ) يريد النسوة اللاتي فتنه وتعنتنه . انتهى . وكانت عَائِشَة هِيَ الَّتِيْ أشارت بصرف الإمامة عَن أَبِي بَكْر ؛ لمخافتها أن يتشاءم النَّاس بأول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الإمامة ، فكان إظهارها لرقة أَبِي بَكْر خشية أن لا يسمع النَّاس توصلاً إلى مَا تريده من صرف التشاؤم عَن أبيها ، ففيه نوع مشابهة لما أظهره النسوة مَعَ يوسف عَلِيهِ السلام مِمَّا لا حقيقة لَهُ توصلاً إلى مرادهن . وكان قصد النبي صلى الله عليه وسلم تقديم أَبِي بَكْر عَلَى النَّاس فِي أهم أمور الدين حَتَّى تكون الدنيا تبعاً للدين فِي ذَلِكَ . وفي الحَدِيْث دليل عَلَى أن تخلف النبي صلى الله عليه وسلم عَن الخروج أولاً لشدة الوجع عَلِيهِ ، فإنه لَمْ يمكنه الخروج بالكلية ، فلما وجد من نفسه خفة فِي الألم خرج محمولاً بَيْن رجلين ، يعتمد عَلَيْهِمَا ويتوكأ ، ورجلاه تخطان الأرض ، فَلَمْ يستطع أن يمشي برجليه عَلَى الأرض لقوة وجعه ، بل كَانَ يحمل حملاً . ولما رأى أبو بَكْر النبي صلى الله عليه وسلم قَدْ خرج أراد أن يتأخر تأدباً مَعَ النبي صلى الله عليه وسلم ، فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ، أي : اثبت مكانك ، ثُمَّ أتي بالنبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى أجلس إلى جانب أَبِي بَكْر . وليس فِي هذه الرواية تعيين الجانب الَّذِي أجلس النبي صلى الله عليه وسلم فِيهِ من أَبِي بكرٍ : هَلْ هُوَ جانبه الأيمن أو الأيسر ؟ وقد ذكر البخاري أن أبا معاوية زاد فِي حديثه عَن الأعمش : ( فجلس عَن يسار أَبِي بَكْر ) . وقد خرج البخاري فيما بعد عَن قتيبة ، عَن أَبِي معاوية كذلك . وخرجه - أَيْضاً - من رِوَايَة عَبْد الله بْن داود الخريبي ، عَن الأعمش ، ولفظه : فتأخر أبو بَكْر ، وقعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ، وأبو بَكْر يسمع النَّاس التكبير . وذكر أن محاضر بْن المورع رواه عن الأعمش كذلك . وخرجه مُسْلِم من رِوَايَة وكيع وأبي معاوية ، كلاهما عَن الأعمش ، وفي حَدِيْث أَبِي معاوية عنده : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى جلس عَن يسار أَبِي بَكْر . وخرجه - أَيْضاً - من طريق عَلِيّ بْن مسهر وعيسى بْن يونس ، كلاهما عَن الأعمش ، وفي حديثهما : فأتي برسول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى أجلس إلى جنبه . وخرج إِسْحَاق بْن راهويه فِي ( مسنده ) ، عَن وكيع ، عَن الأعمش هَذَا الحَدِيْث ، وَقَالَ فِيهِ : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى جلس عَن يمين أَبِي بَكْر ، يقتدي بِهِ ، والناس يقتدون بأبي بَكْر . وهذه زيادة غريبةُ . وقد خرج الحَدِيْث الإمام أحمد فِي ( مسنده ) ، عَن وكيع ، ولم يذكر فِيهِ ذَلِكَ ، بل قَالَ فِي حديثه : فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حَتَّى جلس إلى جنب أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر يأتم بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والناس يأتمون بأبي بَكْر . وأما ذكر جلوسه عَن يسار أَبِي بَكْر ، فتفرد بذلك أبو معاوية عَن الأعمش ، وأبو معاوية وإن كَانَ حافظاً لحديث الأعمش خصوصاً ، إلا أن ترك أصْحَاب الأعمش لهذه اللفظة عَنْهُ توقع الريبة فيها ، حَتَّى قَالَ الحافظ أبو بَكْر بْن مفوز المعافري : إنها غير محفوظة ، وحكاه عَن غيره من العلماء . وأما رِوَايَة أَبِي داود الطيالسي ، عَن شعبة ، عَن الأعمش لبعض هَذَا الحَدِيْث ، كما أشار إليه البخاري ، فإنه رَوَى بهذا الإسناد عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : من النَّاس من يَقُول : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم فِي الصف ، ومنهم من يَقُول : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم المقدم . قَالَ البيهقي : هكذا رواه الطيالسي ، عَن شعبة ، عَن الأعمش ، ورواية الجماعة عَن الأعمش كما تقدم عَلَى الإثبات والصحة . قُلتُ : قَدْ رَوَى غير واحد عَن شعبة ، عَن الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أَبِي بَكْر قاعداً . وأما مَا ذكره حفص بْن غياث فِي روايته عَن الأعمش ، أَنَّهُ قيل للأعمش : فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بَكْر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر ، فأشار برأسه : نَعَمْ ، فإنه يشعر بأن هذه الكلمات ليست من الحَدِيْث الَّذِي أسنده الأعمش ، عَن إِبْرَاهِيْم ، عَن الأسود ، عَن عَائِشَة ، بل هِيَ مدرجة ، وقد أدرجها أبو معاوية ووكيع فِي حديثهما عَن الأعمش . ورواه عَن همام ، عَن الأعمش ، فَلَمْ يذكر فِيهِ هَذه الكلمات بالكلية ، وهذا - أَيْضاً - يشعر بإدراجها . وقد رَوَى عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه ، فكان يصلي بهم ، قَالَ عُرْوَةَ : فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة ، فخرج ، فذكر معنى ذَلِكَ أَيْضاً . وهذا مدرج مصرح بإدراجه ، وقد خرجه البخاري فيما بعد كذلك . وروى الإمام أحمد : حَدَّثَنَا شبابة ، ثنا شعبة ، عَن سعد بْن إِبْرَاهِيْم ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي مرضه : ( مروا أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس ) - وذكر الحَدِيْث ، وفي آخره : فصلى أبو بَكْر ، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه قاعداً . ولو كَانَتْ هذه الكلمات الَّتِيْ ذكرها الأعمش فِي حديثه فِي هَذَا الحَدِيْث عَن عَائِشَة ، فكيف كَانَتْ تَقُول : من النَّاس من يَقُول : كَانَ أبو بَكْر المقدم بَيْن يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الصف ، ومنهم من يَقُول : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم المقدم . وكذلك قَالَ ابن أخيها الْقَاسِم بْن مُحَمَّد فقيه المدينة . قَالَ عُمَر بْن شبة فِي ( كِتَاب أخبار المدينة ) : حَدَّثَنَا زيد بْن يَحْيَى أبو الحسين ، ثنا صخر بْن جويرية ، عَن عَبْد الرحمن بْن الْقَاسِم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح فِي اليوم الَّذِي مات فِيهِ فِي المسجد ، جَاءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بَكْر يصلي ، فجلس عِنْدَ رجليه ، فمن النَّاس من يَقُول : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم هُوَ المتقدم ، وعظم الناس يقولون : كَانَ أبو بَكْر هُوَ المتقدم . قَالَ عُمَر بْن شبة : اختلف النَّاس فِي هَذَا ، فَقَالَ بعضهم : صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر ، وَقَالَ آخرون : بل كَانَ أبو بَكْر يأتم بتكبير النبي صلى الله عليه وسلم ، ويأتم النَّاس بتكبير أَبِي بَكْر . وَقَالَ أبو بَكْر بْن المنذر : اختلفت الأخبار فِي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ خلف أبي بَكْر ، ففي بعض الأخبار : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس . وفي بعضها : أن أَبَا بَكْر كَانَ المقدم ، وقالت عَائِشَة : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف أبي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ . انتهى . وهذا المروي عَن عَائِشَة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه مِمَّا يدل عَلَى أن هذه الألفاظ فِي آخر حَدِيْث الأعمش مدرجة ، ليست من حَدِيْث عَائِشَة . وقد رَوَى شبابة ، عَن شعبة ، عَن نعيم بْن أَبِي هند ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عائشة ، قَالَتْ : صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ . خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان فِي ( صحيحه ) . وَقَالَ الترمذي : حسن صحيح . وخرجه الإمام أحمد والنسائي من رِوَايَة بَكْر بْن عيسى ، عَن شعبة بهذا الإسناد ، عَن عَائِشَة ، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس والنبي صلى الله عليه وسلم فِي الصف . وقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة بَكْر بْن عيسى عَلَى رِوَايَة شبابة ، وذكر أنها مخالفة لها . وقد يقال : ليست مخالفة لها ؛ فإن المراد بالصف صف المأمومين ، فهما إذا بمعنى واحد . وروى هَذَا الحَدِيْث معتمر بْن سُلَيْمَان ، عَن أبيه ، عَن نعيم بْن أَبِي هند ، عَن أَبِي وائل ، أحسبه عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، فذكرت حَدِيْث مرض النبي صلى الله عليه وسلم ، وصلاة أَبِي بَكْر ، قَالَتْ : ثُمَّ أفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاءت نوبة وبريرة فاحتملاه ، فلما أحس أبو بَكْر بمجيئه أراد أن يتأخر ، فأومأَ إليه أن اثبت ، قَالَ : وجيء بنبي الله صلى الله عليه وسلم ، فوضع بحذاء أَبِي بَكْر فِي الصف . خرجه ابن حبان فِي ( صحيحه ) . ومنعه من التأخر يدل عَلَى أَنَّهُ أراد أن يستمر عَلَى إمامته . وخرجه ابن حبان - أَيْضاً - من طريق عاصم ، عَن أَبِي وائل ، عَن مسروق ، عَن عَائِشَة ، وزاد فِيهِ : فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وَهُوَ جالس ، وأبو بَكْر قائم يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بَكْر . ولكن عاصم ، هُوَ ابن أَبِي النجود ، ليس بذاك الحافظ . وروى شعبة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة ، عَن عُبَيْدِ الله بْن عَبْد الله بْن عُتْبَة ، عَن عَائِشَة ، أن أَبَا بَكْر صلى بالناس ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فِي الصف خلفه . خرجه ابن حبان فِي ( صحيحه ) من طريق بدل بْن المحبر ، عَن شعبة . وبدل ، وثقه غير واحد ، وخرج لَهُ البخاري فِي ( صحيحه ) ، وإن تكلم فِيهِ الدارقطني . خالفه فِيهِ أبو داود الطيالسي : خرجه الإمام أحمد : حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي ، ثنا شعبة بهذا الإسناد ، عَن عَائِشَة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أَبَا بَكْر أن يصلي بالناس فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْن يدي أَبِي بَكْر يصلي بالناس قاعداً ، وأبو بَكْر يصلي بالناس ، والناس خلفه . وكذا رواه زائدة ، عَن موسى بْن أَبِي عَائِشَة . وقد خرج حديثه البخاري فيما بعد بسياق مطول ، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بَيْن رجلين - أحدهما العباس - لصلاة الظهر ، وذكر بقية الحَدِيْث بمعنى مَا رواه أبو معاوية ووكيع وغيرهما عَن الأعمش . وقد ذكر ابن أَبِي حاتم فِي كِتَاب ( الجرح والتعديل ) لَهُ عَن أَبِيه ، قَالَ : يريبني حَدِيْث موسى بْن أَبِي عَائِشَة فِي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرضه ، قُلتُ : كَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ : صالح الحَدِيْث ، قُلتُ : يحتج بِهِ ؟ قَالَ : يكتب حديثه . قُلتُ : وقد اختلف عَلِيهِ فِي لفظه ، فرواه شعبة ، عَنْهُ ، كما تقدم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فِي الصف خلف أَبِي بَكْر . ورواه زائدة ، واختلف عَنْهُ ، فَقَالَ الأكثرون ، عَنْهُ : إن أَبَا بَكْر كَانَ يصلي وَهُوَ قائم بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قاعد ، والناس يأتمون بصلاة أَبِي بَكْر . ورواه عَبْد الرحمن بْن مهدي ، عَن زائدة ، وَقَالَ فِي حديثه : فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر قاعداً ، وأبو بَكْر يصلي بالناس وَهُوَ قائم يصلي . وقد رجح الإمام أحمد رِوَايَة الأكثرين عَن زائدة عَلَى رِوَايَة ابن مهدي . وليس ائتمام أَبِي بَكْر بالنبي صلى الله عليه وسلم صريحاً فِي أنه كَانَ مأموماً ، بل يحتمل أَنَّهُ كَانَ يراعي فِي تلك الصلاة حال النبي صلى الله عليه وسلم وضعفه ، وما هُوَ أهون عَلِيهِ ، كما قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بْن أَبِي العاص لما جعل إمام قومه : ( اقتد بأضعفهم ) أي : راع حال الأضعف ، وصل صلاةً لا تشق عليهم . وقد اختلف العلماء : هَلْ كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم إماماً لأبي بَكْر فِي هذه الصلاة ، أو كَانَ مؤتماً بِهِ ؟ وقد تقدم عَن عَائِشَة والقاسم بْن مُحَمَّد ، أنهما ذكرا هَذَا الاختلاف ، وأن الْقَاسِم قَالَ : عظم النَّاس يَقُول : أبو بَكْر كَانَ هُوَ المقدم - يعني : فِي الإمامة - وعلماء أهل المدينة عَلَى هَذَا القول ، وهم أعلم النَّاس بهذه القصة . وذكر ابن عَبْد البر فِي ( استذكاره ) أن ابن الْقَاسِم رَوَى عَن مَالِك ، عَن رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرحمن ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وَهُوَ مريض ، وأبو بَكْر يصلي بالناس ، فجلس إلى أَبِي بَكْر ، فكان أبو بَكْر هُوَ الإمام ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بصلاة أَبِي بَكْر ، وَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ( مَا مات نبي حتى يؤمه رَجُل من أمته ) . قَالَ ابن الْقَاسِم : قَالَ مَالِك : العمل عندنا عَلَى حَدِيْث رَبِيعَة هَذَا ، وَهُوَ أحب إلي . قَالَ سحنون : بهذا الحَدِيْث يأخذ ابن الْقَاسِم . أما مذهب الشَّافِعِيّ وأحمد ، فهو أن هذه الصلاة الَّتِيْ حكتها عَائِشَة كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هُوَ الإمام فيها لأبي بَكْر ، ثُمَّ اختلفا : فَقَالَ أحمد : كَانَ أبو بَكْر إماماً للناس - أَيْضاً - فكانت تلك الصلاة بإمامين . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : بل كَانَ مأموماً ، وَهُوَ الَّذِي ذهب إليه البخاري والنسائي . وفرع عَلَى هَذَا الاختلاف مسألة الصلاة بإمامين ، ومسألة الصلاة قاعداً أو قائماً خلف الإمام القاعد ، وسيأتي ذَلِكَ مبسوطاً فِي مواضعه إن شاء الله تعالى . ولم ينف الشَّافِعِيّ ولا أكثر أصْحَاب الإمام أحمد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم ائتم بأبي بَكْر فِي غير هذه الصلاة ، بل قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْ صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر مرة لَمْ يمنع ذَلِكَ أن يكون صلى خلفه مرة أخرى . وكذلك ذكر أبو بَكْر عَبْد العزيز بْن جَعْفَر من أصحابنا فِي كتابه ( الشَّافي ) ، وكذلك ذكره ابن حبان ومحمد بْن يَحْيَى الهمداني فِي ( صحيحيهما ) ، والبيهقي وغيرهم . وكذلك صنف أبو علي البرداني وعبد العزيز بْن زهير الحربي من أصحابنا فِي إثبات صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر . ورد ذَلِكَ أبو الفرج ابن الجوزي ، وصنف فِيهِ مصنفاً ، وَهُوَ يشتمل عَلَى أوهام كثيرة . وقد ذكر كثير من أهل المغازي والسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أَبِي بَكْر فِي مرضه ، منهم : موسى بْن عقبة ، وَهُوَ أجل أهل المغازي ، وذكر أن صلاته خلفه كَانَتْ صلاة الصبح يوم الاثنين ، وَهُوَ آخر صلاة صلاها ، وذكره عَن ابن شِهَاب الزُّهْرِيّ . وروى ابن لهيعة ، عَن أَبِي الأسود ، عَن عُرْوَةَ ، مثله . وقد تقدم عَن الْقَاسِم بْن مُحَمَّد نحوه . وروي عَن الْحَسَن أَيْضاً . ولذلك رجحه ابن حبان والبيهقي وغيرهما . وجمع البيهقي فِي ( كِتَاب المعرفة ) بَيْن هَذَا وبين حَدِيْث الزُّهْرِيّ عَن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف الستر فِي أول الصلاة ، ثُمَّ وجد خفة فِي الركعة الثانية فخرج فصلاها خلف أَبِي بَكْر ، وقضى الركعة الَّتِي فاتته . وخرج ابن سعد فِي ( طبقاته ) هَذَا المعنى من تمام حَدِيْث عَائِشَة وأم سَلَمَة وأبي سَعِيد بأسانيد فيها مقال . والله أعلم . وبإسناد صحيح ، عَن عُبَيْدِ بْن عمير ، مرسلاً . وروى ابن إِسْحَاق : حَدَّثَنِي يعقوب بْن عُتْبَة ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَةَ ، عَن عَائِشَة ، قَالَتْ : رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ اليوم حِينَ دَخَلَ المسجد ، فاضطجع فِي حجري - ثُمَّ ذكرت قصة السواك الأخضر - وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ . خرجه الإمام أحمد . وَهُوَ دليل عَلَى أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ قَدْ خرج إلى المسجد ذَلِكَ اليوم . وفي ( مسند الإمام أحمد ) أن المغيرة بْن شعبة سئل : هَلْ أم النبي صلى الله عليه وسلم رَجُل من هذه الأمة غير أَبِي بَكْر الصديق ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، كنا فِي سفر ... ، ثُمَّ ذكر قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وراء عَبْد الرحمن بْن عوف . وذكر ابن سعد فِي ( طبقاته ) عَن الواقدي ، أَنَّهُ قَالَ : هَذَا الَّذِي ثبت عندنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى خلف أَبِي بَكْر . وفي صلاة النبي صلى الله عليه وسلم خلف أَبِي بَكْر أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا . وقد خرج الترمذي من حَدِيْث حميد ، عَن ثابت ، عَن أنس ، قَالَ : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي مرضه خلف أَبِي بَكْر قاعداً ، فِي ثوب متوشحاً بِهِ . وَقَالَ : حسن صحيح . وخرجه - أَيْضاً - ابن حبان فِي ( صحيحه ) ، وصححه العقيلي وغير واحد . وقد رواه جماعة عَن حميد ، عَن أنس ، من غير واسطة . واختلف الحفاظ فِي الترجيح ؛ فرجحت طائفة قَوْلِ من أدخل بَيْنَهُمَا ( ثابتاً ) ، منهم : الترمذي وأبو حاتم الرَّازِي ، ومنهم من رجح إسقاطه ، ومنهم : أبو زُرْعَة الرَّازِي ، والله تعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حد المريض أن يشهد الجماعة · ص 186 ( باب حد المريض أن يشهد الجماعة ) أي هذا باب في بيان حد المريض لأن يشهد الجماعة وكلمة أن مصدرية ، والتقدير لشهود الجماعة وحاصل المعنى باب في بيان ما يحد للمريض أن يشهد الجماعة حتى إذا جاوز ذلك الحد لم يستحب له شهودها ، وإليه أشار ابن رشيد ، وقد تكلف الشراح فيه بالتصرف العسف منهم ابن بطال ، فقال : معنى الحد هنا الحدة كما قال عمر رضي الله تعالى عنه في أبي بكر رضي الله تعالى عنه : كنت أداري منه بعض الحد أي : الحدة ، وتبعه على ذلك ابن التين ، والمعنى على هذا الحض على شهود الجماعة ، وقال ابن التين أيضا : ويصح أن يقال أيضا في باب جد المريض بالجيم المكسورة بمعنى باب اجتهاد المريض لشهود الجماعة ثم قال : لكن لم أسمع أحدا رواه بالجيم . ( قلت ) : روى ابن قرقول رواية الجيم وعزاها للقابسي . 56 - حدثنا عمر بن حفص بن غياث قال : حدثني أبي قال : حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، قال الأسود : كنا عند عائشة رضي الله عنها فذكرنا المواظبة على الصلاة والتعظيم لها ، قالت : لما مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم مرضه الذي مات فيه فحضرت الصلاة ، فأذن فقال : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فقيل له : إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام في مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس ، وأعاد فأعادوا له ، فأعاد الثالثة فقال : إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فخرج أبو بكر فصلى فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين كأني أنظر رجليه تخطان الأرض من الوجع ، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك ، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه ، قيل للأعمش : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأبو بكر يصلي بصلاته ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ، فقال برأسه : نعم . مناسبته للترجمة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى الجماعة وهو مريض يهادى بين اثنين ، فكان هذا المقدار هو الحد لحضور الجماعة حتى لو زاد على ذلك ، أو لم يجد من يحمله إليها لا يستحب له الحضور ، فلما تحامل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وخرج بين اثنين دل على تعظيم أمر الجماعة ودل على فضل الشدة على الرخصة ، وفيه ترغيب لأمته في شهود الجماعة لما لهم فيه من عظيم الأجر ، ولئلا يعذر أحد منهم نفسه في التخلف عن الجماعة ما أمكنه وقدر عليها . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة كلهم قد ذكروا غير مرة ، والأعمش هو سليمان ، والأسود بن يزيد النخعي . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث في ثلاثة مواضع بصيغة الجمع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته كوفيون ، وفيه رواية الابن عن الأب . وفيه التصريح باسم الجد . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن قتيبة ، عن أبي معاوية ، وعن مسدد ، عن عبد الله بن داود ، وأخرجه مسلم فيه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن يحيى بن يحيى ، وعن منجاب بن الحارث ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي كريب ، عن أبي معاوية ، وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن علي بن محمد . ( ذكر اختلاف الروايات في هذه القصة ) عند مسلم في لفظ : " أول ما اشتكى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في بيت ميمونة رضي الله تعالى عنها ، واستأذن أزواجه أن يمرض في بيتي ، فأذن له ، قالت : فخرج ويده على الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهما والأخرى على رجل آخر ، وهو يخط برجليه الأرض ، قالت : فلما اشتد به وجعه قال : أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس ، فأجلسناه في مخضب لحفصة ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا : أن قد فعلتن ، ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم " ، وفي لفظ : " قالت عائشة : إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر فليصل بالناس ، ففعلت حفصة ، فقال : مه إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس ، فقالت لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيرا " ، وفي ( فضائل الصحابة ) لأسد بن موسى حدثنا أبو معاوية ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة في حديث طويل في مرض النبي صلى الله عليه وسلم : " ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة فانطلق يهادى بين رجلين ، فذهب أبو بكر يستأخر ، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بيده مكانك ، فاستفتح النبي صلى الله عليه وسلم من حيث انتهى أبو بكر من القراءة " ، وفي حديثه عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرسلا " فلما دخل المسجد ذهب أبو بكر يجلس ، فأومأ إليه أن كما كنت ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر ليريهم أنه صاحب صلاتهم من بعده ، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه ذلك يوم الاثنين " ، وعند ابن حبان " فأجلسناه في مخضب لحفصة من نحاس ، ثم خرج فحمد الله تعالى وأثنى عليه واستغفر للشهداء الذين قتلوا يوم أحد " وعنها : " رجع صلى الله عليه وسلم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي وأنا أقول : وارأساه ، فقال : بل أنا يا عائشة وارأساه ، ثم قال : وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ثم دفنتك ؟ فقلت : لكأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه " ، وعنها " أغمي عليه ورأسه في حجري ، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء ، فلما أفاق قال : لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام " ، وفي لفظ : " سمعته وأنا مسندته إلى صدري يقول : اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى " ، وفي لفظ " إن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه " ، ولفظه عند الترمذي : " صلى خلف أبي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا " وقال : حسن صحيح غريب ، وعنده من حديث أنس " صلى في مرضه خلف أبي بكر قاعدا في ثوب متوشحا به " وقال : حسن صحيح ، زاد النسائي : وهي آخر صلاة صلاها مع القوم ، قال ابن حبان : خالف شعبة زائدة بن قدامة في متن هذا الخبر عن موسى ، فجعل شعبة النبي صلى الله عليه وسلم مأموما حيث صلى قاعدا والقوم قيام ، وجعله زائدة إماما حيث صلى قاعدا والقوم قيام وهما متقنان حافظان ، وليس بين حديثيهما تضاد ولا تهاتر ولا ناسخ ولا منسوخ بل مجمل مفسر ، وإذا ضم بعضها إلى بعض بطل التضاد بينهما واستعمل كل خبر في موضعه ، بيان ذلك أنه صلى الله عليه وسلم صلى في علته صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة في إحداهما كان إماما وفي الأخرى كان مأموما ، والدليل على أن ذلك في خبر عبد الله بن جريج بين رجلين أحدهما العباس والآخر علي رضي الله تعالى عنه ، وفي خبر مسروق خرج بين بريرة ونوبة فهذا يدلك على أنها كانت صلاتين لا صلاة واحدة ، وكذلك التوفيق بين كلام نعيم بن أبي هند وبين كلام عاصم بن أبي النجود في متن خبر أبي وائل ، فإن فيه : " وجيء بنبي الله صلى الله عليه وسلم فوضع بحذاء أبي بكر في الصف ، قال أبو حاتم : في هذه الصلاة كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموما وصلى قاعدا خلف أبي بكر ، فإن عاصما جعل أبا بكر مأموما وجعل نعيم أبا بكر إماما وهما ثقتان حافظان متقنان ، وذكر أبو حاتم أنه صلى الله عليه وسلم خرج بين الجاريتين إلى الباب ، ومن الباب أخذه العباس وعلي رضي الله تعالى عنهما حتى دخلا به المسجد ، وذكر الدارقطني في ( سننه ) : " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يهادى بين الرجلين أسامة والفضل حتى صلى خلف أبي بكر " فيما ذكره السهيلي وزعم بعض الناس أن طريق الجمع أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده صلى الله عليه وسلم ، وكان العباس ألزمهم بيده ، وأولئك يتناوبونها ، فذكرت عائشة أكثرهم ملازمة ليده وهو العباس ، وعبرت عن أحد المتناوبين برجل آخر . ( فإن قلت ) : ليس بين المسجد وبيته صلى الله عليه وسلم مسافة تقتضي التناوب . ( قلت ) : يحتمل أن يكون ذلك لزيادة في إكرامه صلى الله عليه وسلم أو لالتماس البركة من يده ، وفي حديث حماد بن سلمة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وجعا فأمر أبا بكر يصلي بالناس ، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر ، فأم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وهو قاعد ، وأم أبو بكر الناس وهو قائم " ، وفي حديث قيس عن عبد الله بن أبي السفر ، عن الأرقم بن شرحبيل ، عن ابن عباس ، عن العباس بن عبد المطلب ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : مروا أبا بكر فليصل بالناس ، ووجد النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه خفة فخرج يهادى بين رجلين ، فتأخر أبو بكر فجلس إلى جنب أبي بكر ، فقرأ من المكان الذي انتهى إليه أبو بكر من السورة . وفي حديث ابن خزيمة أخرجه عن سالم بن عبيد قال : " مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال أحضرت الصلاة ؟ قلن : نعم ، قال : مروا بلالا فليؤذن ، ومروا أبا بكر فليصل بالناس ، ثم أغمي عليه . فذكر الحديث . وفيه : " أقيمت الصلاة ؟ قلن : نعم ، قال : جيئوني بإنسان فأعتمد عليه ، فجاءوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد عليهما ، ثم خرج إلى الصلاة فأجلس إلى جنب أبي بكر ، فذهب أبو بكر يتنحى ، فأمسكه حتى فرغ من الصلاة " ، وفي كتاب عبد الرزاق : أخبرني ابن جريج أخبرني عطاء قال : " اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أبا بكر يصلي بالناس فصلى النبي صلى الله عليه وسلم للناس يوما قاعدا ، وجعل أبا بكر وراءه بينه وبين الناس ، قال : فصلى الناس وراءه قياما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعودا ، فصلوا صلاة إمامكم ما كان ، إن صلى قائما فصلوا قياما ، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا " ، وعند أبي داود من حديث عبد الله بن زمعة لما قال صلى الله عليه وسلم : " مروا أبا بكر يصلي بالناس ، خرج عبد الله بن زمعة فإذا عمر في الناس ، وكان أبو بكر غائبا فقال : قم يا عمر فصل بالناس ، فتقدم ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته قال أين أبو بكر ، يأبى الله ذلك والمسلمون ، فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة فصلى أبو بكر بالناس . ( ذكر معناه ) قوله : " والتعظيم لها " بالنصب عطفا على المواظبة . قوله : " مرضه الذي مات فيه " قد بين الزهري في روايته كما في الحديث الثاني من هذا الباب أن ذلك كان بعد أن اشتد به المرض واستقر في بيت عائشة . قوله : " فأذن " على صيغة المجهول من التأذين ، وفي رواية الأصيلي ، وأذن بالواو ، وقال بعضهم : وهو أوجه . ( قلت ) : لم يبين ما وجه الأوجهية بل الفاء أوجه على ما لا يخفى . قوله : " وأذن " أي : بالصلاة كما في رواية أخرى جاء كذلك ، وفي أخرى : وجاء بلال يؤذنه بالصلاة ، وفي أخرى أن هذه الصلاة صلاة الظهر ، وفي مسلم : خرج لصلاة العصر . قوله : " مروا " أصله اؤمروا لأنه من أمر فحذفت الهمزة للاستثقال واستغني عن الألف فحذفت فبقي مروا على وزن علوا ؛ لأن المحذوف فاء الفعل ، وقال الكرماني : هذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ، ولفظ مروا يدل على أنهم الآمرون لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أجاب بقوله الأصح عند الأصولي أن المأمور بالأمر بالشيء ليس أمرا به سيما ، وقد صرح النبي بقوله هاهنا بلفظ الأمر حيث قال فليصل . انتهى . " قلت " هذه مسألة معروفة في الأصول وفيها خلاف ، قال بعضهم : إن الأمر بالأمر بالشيء يكون أمرا به ومنهم من منع ذلك وقالوا : معناه بلغوا فلانا أني أمرته . قوله : " فليصل بالناس " الفاء فيه للعطف تقديره : فقولوا له قولي فليصل . قوله : " فقيل له " قائل ذلك عائشة كما جاء في بعض الروايات . قوله : " أسيف " على وزن فعيل بمعنى فاعل من الأسف وهو شدة الحزن والمراد أنه رقيق القلب سريع البكاء ، ولا يستطيع لغلبة البكاء وشدة الحزن والأسف عند العرب شدة الحزن والندم ، يقال منه أسف فلان على كذا يأسف إذا اشتد حزنه وهو رجل أسيف وأسوف ، ومنه قول يعقوب عليه الصلاة والسلام يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ يعني : واحزناه واجزعاه تأسفا وتوجعا لفقده ، وقيل : الأسيف الضعيف من الرجال في بطشه ، وأما الأسف فهو الغضبان المتلهف ، قال تعالى : فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا وسيأتي بعد ستة أبواب من حديث ابن عمر في هذه القصة " فقالت له عائشة : إنه رجل رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء " ومن رواية مالك عن هشام ، عن أبيه ، عنها بلفظ قالت عائشة " قلت : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر رضي الله تعالى عنه " كما ذكرناه عن قريب . قوله : " وأعاد " أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته في أبي بكر بالصلاة . قوله : " فأعادوا له " أي : من كان في البيت يعني الحاضرون له مقالتهم في كون أبي بكر أسيفا . ( فإن قلت ) : الخطاب لعائشة كما ترى فما وجه الجمع ؟ ( قلت ) : جمع لأنهم كانوا في مقام الموافقين لها على ذلك ، ووقع في حديث أبي موسى بالإفراد ولفظه فعادت ، وفي رواية ابن عمر فعاودته . قوله : " فأعاد الثالثة " أي : فأعاد عليه الصلاة والسلام المرة الثالثة في مقالته تلك ، وفي رواية أخرى " فراجعته مرتين أو ثلاثا . وفي اجتهاد عائشة في أن لا يتقدم والدها وجهان . أحدهما ما هو مذكور في بعض طرقه ( قالت ) وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس من بعده رجلا قام مقامه أبدا وكنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به ، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر " . الوجه الثاني : أنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة " فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره . قوله : " إنكن صواحب يوسف " أي : مثل صواحبه في التظاهر على ما يردن من كثرة الإلحاح فيما يمكن إليه ، وذلك لأن عائشة وحفصة بالغتا في المعاودة إليه في كونه أسيفا لا يستطيع ذلك . والصواحب جمع صاحبة على خلاف القياس وهو شاذ ، وقيل : يراد بها امرأة العزيز وحدها وإنما جمعها كما يقال : فلان يميل إلى النساء وإن كان مال إلى واحدة ، وعن هذا قيل : إن المراد بهذا الخطاب عائشة وحدها كما أن المراد زليخا وحدها في قصة يوسف . قوله : " " فليصل بالناس " ، وفي رواية الكشميهني " للناس " قوله : " فخرج أبو بكر يصلي " ( فإن قلت ) : كيف تتصور الصلاة وقت الخروج . ( قلت ) : لفظ يصلي وقع حالا من الأحوال المنتظرة ، وفي رواية فصلى بفاء العطف وهي رواية المستملي والسرخسي ، ورواية غيرهما : يصلي بالياء آخر الحروف ، وظاهره أنه شرع في الصلاة ويحتمل أنه تهيأ لها ويؤيده رواية الأكثرين لأنه حال ، ففي حالة الخروج كان متهيئا للصلاة ولم يكن مصليا . ( فإن قلت ) : في رواية أبي معاوية عن الأعمش فلما دخل في الصلاة . ( قلت ) : يحتمل أن يكون المعنى : فلما أراد الدخول في الصلاة ، أو فلما دخل في مكان الصلاة ، وفي رواية موسى بن أبي عائشة فأتاه الرسول أي : بلال لأنه هو الذي أعلم بحضور الصلاة ، وفي رواية : فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال أبو بكر وكان رجلا رقيقا : يا عمر صل بالناس ، فقال له عمر : أنت أحق بذلك " وقول أبي بكر هذا لم يرد به ما أرادت عائشة ، قال النووي : تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعا وليس كذلك بل قاله للعذر المذكور ، وهو أنه رقيق القلب كثير البكاء ، فخشي أن لا يسمع الناس ، وقيل : يحتمل أن يكون رضي الله تعالى عنه فهم من الإمامة الصغرى الإمامة الكبرى ، وعلم ما في تحملها من الخطر وعلم قوة عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك فاختاره ، ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح . قوله : " فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة " ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم وجدها في تلك الصلاة بعينها ويحتمل أن يكون ذلك بعدها ، وفي رواية موسى بن أبي عائشة فصلى أبو بكر تلك الأيام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة ، فعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء . قوله : " يهادى بين رجلين " بلفظ المجهول من المفاعلة يقال : جاء فلان يهادى بين اثنين إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه متمايلا إليهما في مشيه من شدة الضعف ، والرجلان هما العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما على ما يأتي في الحديث الثاني من حديثي الباب ، وقد مر في بيان اختلاف الروايات ، فخرج بين بريرة ونوبة بضم النون وفتح الباء الموحدة ، وكان عبدا أسود ويدل عليه حديث سالم بن عبيد في صحيح ابن خزيمة بلفظ : فخرج بين بريرة ورجل آخر ، وقال بعضهم : وذكره بعضهم في النساء الصحابيات وهو وهم . ( قلت ) : أراد بالبعض الذهبي ، فإنه ذكر نوبة في باب النون في الصحابيات ، وقال : خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في مرضه بين بريرة ونوبة ، وإسناده جيد ، وقد علمت أن الذهبي من جهابذة المتأخرين لا يجارى في فنه . قوله : " يخطان الأرض " أي : لم يكن يقدر على رفعهما من الأرض . قوله : " أن مكانك " كلمة أن بفتح الهمزة وسكون النون ، ومكانك منصوب على معنى الزم مكانك ، وفي رواية عاصم : أن اثبت مكانك ، وفي رواية موسى بن أبي عائشة : فأومأ إليه بأن لا يتأخر . قوله : " ثم أتي به " بضم الهمزة أي : أتي برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلى جنبه وبين ذلك في رواية الأعمش حتى جلس عن يسار أبي بكر على ما سيأتي في باب مكان الجلوس ، وقال القرطبي في ( شرح مسلم ) لم يقع في الصحيح بيان جلوسه صلى الله عليه وسلم هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره ؟ ( قلت ) : هذا غفلة منه وقد بين ذلك في ( الصحيح ) كما ذكرناه الآن . قوله : " فقيل للأعمش " هو سليمان ويروى قيل بدون الفاء وظاهر هذا أنه منقطع لأن الأعمش لم يسنده ، لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلا بالحديث ، وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة . ( ذكر ما يستفاد من هذه القصة ) وهو على وجوه : الأول فيه الإشارة إلى تعظيم الصلاة بالجماعة. الثاني : فيه تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة. الثالث : فيه فضيلة عمر بن الخطاب بعده. الرابع : فيه جواز الثناء في الوجه لمن أمن عليه الإعجاب. الخامس : فيه ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه وخصوصا لعائشة . السادس : في هذه القصة وجوب القسم على النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيها : فأذن له أي : فأذنت له نساؤه صلى الله عليه وسلم بالتمريض في بيت عائشة على ما سيأتي . السابع : فيه جواز مراجعة الصغير للكبير . الثامن : فيه المشاورة في الأمر العام . التاسع : فيه الأدب مع الكبير حيث أراد أبو بكر التأخر عن الصف . العاشر : البكاء في الصلاة لا يبطلها وإن كثر ، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء ولم يعدل عنه ولا نهاه عن البكاء ، وأما في هذا الزمان فقد قال أصحابنا : إذا بكى في الصلاة فارتفع بكاؤه فإن كان من ذكر الجنة أو النار لم يقطع صلاته ، وإن كان من وجع في بدنه أو مصيبة في ماله أو أهله قطعها ، وبه قال مالك وأحمد ، وقال الشافعي : البكاء والأنين والتأوه يبطل الصلاة إذا كانت حرفين ، سواء بكى للدنيا أو للآخرة . الحادي عشر : أن الإيماء يقوم مقام النطق لكن يحتمل أن اقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الإشارة أن يكون لضعف صوته ، ويحتمل أن يكون للإعلام بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق. الثاني عشر : فيه تأكيد أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد ، وإن كان المرض يرخص في تركها ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأمثل وإن كانت الرخصة أولى. الثالث عشر : استدل به الشعبي على جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض وهو مختار الطبري أيضا ، وأشار إليه البخاري كما يأتي إن شاء الله تعالى ، ورد بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان مبلغا ، وعلى هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤه بصوته ، والدليل عليه أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا وأبو بكر كان قائما ، فكانت بعض أفعاله تخفى على بعض المأمومين فلأجل ذلك كان أبو بكر كالإمام في حقهم. الرابع عشر : استدل به البعض على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة لصنيع أبي بكر رضي الله عنه. الخامس عشر : استدل به البعض على جواز مخالفة موقف الإمام للضرورة كمن قصد أن يبلغ عنه ويلتحق به من زحم عن الصف . السادس عشر : فيه اتباع صوت المكبر وصحة صلاة المستمع والسامع ، ومنهم من شرط في صحته تقدم إذن الإمام . السابع عشر : استدل به الطبري على أن للإمام أن يقطع الاقتداء به ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة . الثامن عشر : فيه جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة . التاسع عشر : استدل به البعض على جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، والدليل عليه ما رواه أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس فابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث انتهى أبو بكر كما قدمناه . العشرون : استدل به على صحة صلاة القادر على القيام قائما خلف القاعد خلافا للمالكية وأحمد حيث أوجب القعود على من يصلي خلف القاعد . ( قلت ) : يصلي القائم خلف القاعد عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وبه قال الشافعي ومالك في رواية ، وقال أحمد والأوزاعي يصلون خلفه قعودا وبه قال حماد بن زيد وإسحاق وابن المنذر وهو المروي عن أربعة من الصحابة ، وهم جابر بن عبد الله وأبو هريرة وأسيد بن حضير وقيس بن فهد حتى لو صلوا قياما لا يجزيهم ، وعند محمد بن الحسن لا تجوز صلاة القائم خلف القاعد ، وبه قال مالك في رواية ابن القاسم عنه وزفر . الحادي والعشرون : استدل به ابن المسيب على أن مقام المأموم يكون عن يسار الإمام لأنه صلى الله عليه وسلم جلس على يسار أبي بكر ، والجماعة على خلافه ويتمشى قوله على أن الإمام هو أبو بكر ، وأما من قال : الإمام هو النبي صلى الله عليه وسلم فلا يتمشى قوله . ( قلت ) : اختلفت الروايات هل كان النبي صلى الله عليه وسلم الإمام أو أبو بكر الصديق ، فجماعة قالوا الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان الإمام إذا جلس عن يسار أبي بكر ولقوله : " فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي به " وكان أبو بكر مبلغا لأنه لا يجوز أن يكون للناس إمامان . وجماعة قالوا : كان أبو بكر هو الإمام لما رواه شعبة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر " ، وفي رواية مسروق عنها " أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر جالسا في مرضه الذي توفي فيه ، وروي حديث عائشة بطرق كثيرة في الصحيحين وغيرهما . وفيه اضطراب غير قادح ، وقال البيهقي : لا تعارض في أحاديثها فإن الصلاة التي كان فيها النبي صلى الله عليه وسلم إماما هي صلاة الظهر يوم السبت أو يوم الأحد ، والتي كان فيها مأموما هي صلاة الصبح من يوم الاثنين وهي آخر صلاة صلاها صلى الله عليه وسلم حتى خرج من الدنيا ، وقال نعيم بن أبي هند : الأخبار التي وردت في هذه القصة كلها صحيحة وليس فيها تعارض ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرضه الذي مات فيه صلاتين في المسجد في إحداهما كان إماما وفي الأخرى كان مأموما ، وقال الضياء المقدسي وابن ناصر : صح وثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى خلفه مقتديا به في مرضه الذي توفي فيه ثلاث مرات ولا ينكر ذلك إلا جاهل لا علم له بالرواية ، وقيل : إن ذلك كان مرتين جمعا بين الأحاديث ، وبه جزم ابن حبان ، وقال ابن عبد البر : الآثار الصحاح على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الإمام. الثاني والعشرون : فيه تقديم الأفقه الأقرأ ، وقد جمع الصديق رضي الله تعالى عنه بين الفقه والقرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره أبو بكر بن الطيب وأبو عمرو الدواني. الثالث والعشرون : فيه جواز تشبيه أحد بأحد في وصف مشهور بين الناس. الرابع والعشرون : فيه أن للمستخلف أن يستخلف في الصلاة ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك . ( رواه أبو داود عن شعبة عن الأعمش بعضه ) أي روى الحديث المذكور أبو داود وسليمان الطيالسي . قوله : " بعضه " بالنصب بدل من الضمير الذي في رواه ، وروايته هذه وصلها البزار ، قال : حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى ، حدثنا أبو داود به ولفظه : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المقدم بين يدي أبي بكر " هكذا رواه مختصرا يعني يوم صلى بالناس وأبو بكر إلى جنبه .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب حد المريض أن يشهد الجماعة · ص 191 ( وزاد أبو معاوية جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما ) يعني زاد أبو معاوية محمد بن حازم الضرير في روايته عن الأعمش بإسناده ، وهذه الزيادة أسندها البخاري في باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم عن قتيبة عنه على ما يأتي إن شاء الله تعالى ، ورواه ابن حبان عن الحسن بن شعبان ، عن ابن نمير ، عنه بلفظ : " فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس قاعدا وأبو بكر قائما " .