بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 96 ) كِتَاب الِاعْتِصَامِ بِالسُّنَّةِ 7268 - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ لِعُمَرَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا . فَقَالَ عُمَرُ : إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ . سَمِعَ سُفْيَانُ ، مِسْعَرًا ، وَمِسْعَرٌ ، قَيْسًا ، وَقَيْسٌ ، طَارِقًا . قَوْلُهُ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ) ، الِاعْتِصَامُ افْتِعَالٌ مِنَ الْعِصْمَةِ ، وَالْمُرَادُ امْتِثَالُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا الْآيَةَ . قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَبْلِ : الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ ، وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا سَبَبًا لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ الثَّوَابُ وَالنَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ ، كَمَا أَنَّ الْحَبْلَ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ مِنَ السَّقْيِ وَغَيْرِهِ . وَالْمُرَادُ بِالْكِتَابِ الْقُرْآنُ الْمُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ وَ بِالسُّنَّةِ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَمَا هَمَّ بِفِعْلِهِ . وَالسُّنَّةُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ : الطَّرِيقَةُ . وَفِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ مَا تَقَدَّمَ . وَفِي اصْطِلَاحِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ : مَا يُرَادِفُ الْمُسْتَحَبَّ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : لَا عِصْمَةَ لِأَحَدٍ إِلَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ أَوْ فِي إِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَعْنًى فِي أَحَدِهِمَا ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى السُّنَّةِ بِاعْتِبَارِ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ بَابٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : قَوْلُهُ : ( سُفْيَانُ ، عَنْ مِسْعَرٍ وَغَيْرِهِ ) أَمَّا سُفْيَانُ فَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَ مِسْعَرٌ هُوَ ابْنُ كِدَامٍ بِكَسْرِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ ، وَ الْغَيْرُ الَّذِي أُبْهِمَ مَعَهُ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ ، فَإِنَّ أَحْمَدَ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الْجَدَلِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُهْمَلَةِ كُوفِيٌّ يُكْنَى أَبَا عَمْرٍو ، كَانَ عَابِدًا ثِقَةً ثَبَتًا ، وَقَدْ نُسِبَ إِلَى الْإِرْجَاءِ ، وَفِي الرُّوَاةِ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ آخَرُ لَكِنَّهُ شَامِيٌّ غَيْرُ مَشْهُورٍ ، رَوَى عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ لِلْبُخَارِيِّ وَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ هُوَ الْأَحْمَسِيُّ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَبِيرٌ ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ مِنْهُ سَمَاعٌ . قَوْلُهُ ( قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مَعَ شَرْحِ سَائِرِ الْحَدِيثِ ، وَحَاصِلُ جَوَابِ عُمَرَ أَنَّا اتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا عَلَى وَفْقِ مَا ذَكَرْتُ . قَوْلُهُ : ( سَمِعَ سُفْيَانُ ، مِسْعَرًا ، وَمِسْعَرٌ قَيْسًا ، وَقَيْسٌ ، طَارِقًا ) هُوَ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ ؛ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْعَنْعَنَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا السَّنَدِ مَحْمُولَةٌ عِنْدَهُ عَلَى السَّمَاعِ لِاطِّلَاعِهِ عَلَى سَمَاعِ كُلٍّ مِنْهُمْ مِنْ شَيْخِهِ ، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أُمُورَ الدِّينِ كَمُلَتْ عِنْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَهِيَ قَبْلَ مَوْتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا ، فَعَلَى هَذَا لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ شَيْءٌ . وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِكْمَالِ مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الْأَرْكَانِ لَا مَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُتَمَسَّكٌ لِمُنْكِرِي الْقِيَاسِ ، وَيُمْكِنُ دَفْعُ حُجَّتِهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقِيَاسِ فِي الْحَوَادِثِ مُتَلَقًّى مِنْ أَمْرِ الْكِتَابِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَقَدْ وَرَدَ أَمْرُهُ بِالْقِيَاسِ وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ ، فَانْدَرَجَ فِي عُمُومِ مَا وُصِفَ بِالْكَمَالِ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْـزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُـزِّلَ إِلَيْهِمْ قَالَ : أَنْزَلَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَثِيرًا مِنَ الْأُمُورِ مُجْمَلًا ، فَفَسَّرَ نَبِيُّهُ مَا احْتِيجَ إِلَيْهِ فِي وَقْتِهِ وَمَا لَمْ يَقَعْ فِي وَقْتِهِ ، وَكَلَ تَفْسِيرَهُ إِلَى الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريص 258 عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 22 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة أي هذا باب في بيان الاعتصام وهو افتعال من العصمة ، وهذه الترجمة مقتبسة من قوله تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ إذ المراد بالحبل الكتاب والسنة على سبيل الاستعارة المصرحة والقرينة الإضافة إلى الله والجامع كونهما سببا للمقصود الذي هو الثواب ، كما أن الحبل سبب للمقصود من السقي ونحوه ، والمراد بالكتاب القرآن المتعبد بتلاوته ، وبالسنة ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله وتقريره وما هم بفعله . 41 - حدثنا الحميدي ، حدثنا سفيان ، عن مسعر وغيره ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : قال رجل من اليهود لعمر : يا أمير المؤمنين لو أن علينا نزلت هذه الآية الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا ، فقال عمر : إني لأعلم أي يوم نزلت هذه الآية ، نزلت يوم عرفة في يوم جمعة . سمع سفيان من مسعر ، ومسعر قيسا ، وقيس طارقا . وجه ذكر هذا الحديث عقيب هذه الترجمة من حيث إن الآية تدل على أن هذه الأمة معتصمة بالكتاب والسنة ؛ لأن الله تعالى من عليهم بهذه الآية بإكمال الدين وإتمام النعمة وبرضاه لهم بدين الإسلام . والحميدي عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب إلى أحد أجداد حميد بالضم ، وسفيان هو ابن عيينة ، ومسعر بكسر الميم ابن كدام بكسر الكاف وتخفيف الدال ، قوله : وغيره قيل يحتمل أن يكون سفيان الثوري ؛ فإن أحمد أخرجه من روايته عن قيس بن مسلم الجدلي ، بفتح الجيم والدال المهملة الكوفي ، كان عابدا ثقة ثبتا ؛ لكنه نسب إلى الإرجاء ، وهو يروي عن طارق بن شهاب الأحمسي ، معدود في الصحابة لأنه رأى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لكن لم يثبت له منه سماع . والحديث مضى في كتاب الإيمان في باب زيادة الإيمان ونقصانه ، ومضى الكلام فيه . قوله : يوم عرفة هو غير منصرف ، وعرفات منصرف لأن عرفة علم للزمان المعين وعرفات اسم جنس له . قوله : سمع سفيان من مسعر إلى آخره من كلام البخاري ، وأشار به إلى أن العنعنة المذكورة من هذا السند محمولة عنده على السماع لاطلاعه على سماع كل منهم من شيخه ، فافهم .