42 - بَاب إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَبْدَأُ بِالْعَشَاءِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مِنْ فِقْهِ الْمَرْءِ إِقْبَالُهُ عَلَى حَاجَتِهِ حَتَّى يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ 671 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ هِشَامٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : سَمِعْتُ عَائِشَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ ، فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : حُذِفَ جَوَابُ الشَّرْطِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِشْعَارًا بِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالْحُكْمِ لِقُوَّةِ الْخِلَافِ . انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِالْأَثَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَنْزَعِ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ حَمَلَهُ عَلَى إِطْلَاقِهِ ، وَأَشَارَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِلَى تَقْيِيدِهِ بِمَا إِذَا كَانَ الْقَلْبُ مَشْغُولًا بِالْأَكْلِ ، وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ مَذْكُورٌ فِي الْبَابِ بِمَعْنَاهُ ، وَأَثَرُ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَصَلَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ وَأَخْرَجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ السَّرَّاجُ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَيْضًا لَكِنَّ لَفْظَهُ إِذَا حَضَرَ وَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ إِذَا حَضَرَ وَقَالَ بَعْدَهُ قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَوُهَيْبٌ ، عَنْ هُشَيْمٍ إِذَا وَضَعَ انْتَهَى . وَرِوَايَةُ وُهَيْبٍ وَصَلَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ ، وَحَفْصٍ ، وَوَكِيعٍ بِلَفْظِ إِذَا حَضَرَ وَوَافَقَ كُلًّا جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّوَاةِ عَنْ هِشَامٍ ، لَكِنَّ الَّذِينَ رَوَوْهُ بِلَفْظِ إِذَا وَضَعَ كَمَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَكْثَرُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ الْحُضُورَ أَعَمُّ مِنَ الْوَضْعِ ، فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ حَضَرَ أَيْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِتَأْتَلِفَ الرِّوَايَاتُ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الْآتِي بَعْدَهُ بِلَفْظِ إِذَا قُدِّمَ الْعَشَاءُ وَلِمُسْلِمٍ إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُنَاطُ الْحُكْمُ بِمَا إِذَا حَضَرَ الْعِشَاءُ لَكِنَّهُ لَمْ يُقَرَّبْ لِلْأَكْلِ كَمَا لَوْ لَمْ يُقَرَّبْ . قَوْلُهُ : ( وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ وَلَا عَلَى تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْمَغْرِبِ ، لِقَوْلِهِ فَابْدَؤوا بِالْعَشَاءِ وَيَتَرَجَّحُ حَمْلُهُ عَلَى الْمَغْرِبِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : فَابْدَؤوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا الْمَغْرِبَ . وَالْحَدِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ : إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَأَحَدُكُمْ صَائِمٌ . انْتَهَى . وَسَنَذْكُرُ مَنْ أَخْرَجَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّانِي . وَقَالَ الْفَاكِهَانِيُّ : يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ نَظَرًا إِلَى الْعِلَّةِ وَهِيَ التَّشْوِيشُ الْمُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْخُشُوعِ ، وَذِكْرُ الْمَغْرِبِ لَا يَقْتَضِي حَصْرًا فِيهَا لِأَنَّ الْجَائِعَ غَيْرُ الصَّائِمِ قَدْ يَكُونُ أَشْوَقَ إِلَى الْأَكْلِ مِنَ الصَّائِمِ . انْتَهَى . وَحَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْنَى إِلْحَاقًا لِلْجَائِعِ بِالصَّائِمِ وَلِلْغَدَاءِ بِالْعَشَاءِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ . قَوْلُهُ : ( فَابْدَؤوا بِالْعَشَاءِ ) حَمَلَ الْجُمْهُورُ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا : فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَهُ بِمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى الْأَكْلِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَزَادَ الْغَزَالِيُّ مَا إِذَا خَشِيَ فَسَادَ الْمَأْكُولِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي ، وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ : تَبْطُلُ الصَّلَاةُ . وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَ الْبُدَاءَةَ بِالصَّلَاةِ إِلَّا إِنْ كَانَ الطَّعَامُ خَفِيفًا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ تَفْصِيلٌ قَالُوا : يُبْدَأُ بِالصَّلَاةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقَ النَّفْسِ بِالْأَكْلِ ، أَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ لَكِنْ لَا يُعَجِّلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ ، فَإِنْ كَانَ يُعَجِّلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ بَدَأَ بِالطَّعَامِ وَاسْتُحِبَّتْ لَهُ الْإِعَادَةُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ · ص 186 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إذا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ · ص 101 42 - باب إذا حَضَرَ الطَّعَامُ وَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ وكان ابن عُمَر يبدأ بالعشاء . وَقَالَ أبو الدرداء : من فقه الرَّجُلُ إقباله عَلَى حاجته حَتَّى يقبل عَلَى صلاته وقلبه فارغ . أما المروي عَن ابن عُمَر ، فَقَدْ أسنده البخاري فِي هَذَا الباب ، وسيأتي إن شاء الله . وأما المروي عَن أَبِي الدرداء [ . . . ] . وقد روي نحوه عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء . ذكره الترمذي فِي ( جامعه ) تعليقاً ، وخرجه وكيع فِي ( كتابه ) عَن شريك ، عَن عُثْمَان الثَّقَفِيّ ، عَن زياد مَوْلَى ابن عياش ، أن ابن عَبَّاس كَانَ ينتظر الطعام ، فحضرت الصلاة ، فَقَالَ : انتظروا ، لا يعرض لنا فِي صلاتنا . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ كَانَ يؤخر الصلاة إذا كَانَ في انتظار الطعام وإن لَمْ يكن حاضراً ، وعلله بخشية أن يعرض لَهُ فِي صلاته ، يعني : ذكره وتحديث النفس بِهِ . وروى وكيع - أَيْضاً - عَن شريك ، عَن أَبِي إِسْحَاق ، قَالَ : قَالَ الْحَسَن : أذهب للنفس اللوامة أن يبدأ بالطعام . خرج البخاري من هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث . الحَدِيْث الأول : 671 - حَدَّثَنَا مسدد ، ثنا يَحْيَى ، عَن هِشَام ، حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : سَمِعْت عَائِشَة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ قَالَ : ( إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ) . الحَدِيْث الثاني : 672 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن بكير ، ثنا الليث ، عَن عقيل ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس بن مَالِك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إذا قدم العشاء فابدأوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم ) . الحَدِيْث الثالث : 673 - حَدَّثَنَا عُبَيْدِ بْن إِسْمَاعِيل ، عَن أَبِي أسامة ، عَن عُبَيْدِ الله ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ، ولا يعجل حَتَّى يفرغ مِنْهُ ) . وكان ابن عُمَر يوضع لَهُ الطعام ، وتقام الصلاة ، فلا يأتيها حَتَّى يفرغ ، وإنه يسمع قراءة الإمام . 674 - وَقَالَ زهير ووهب بْن عُثْمَان ، عَن موسى بْن عقبة ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كَانَ أحدكم عَلَى الطعام فلا يعجل حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، وإن أقيمت الصلاة ) . قَالَ أبو عَبْد الله : رواه إِبْرَاهِيْم بْن المنذر ، عَن وهب بْن عُثْمَان . ووهب مديني . حَدِيْث عَائِشَة ، قَدْ خرجه - أَيْضاً - فِي ( الأطعمة ) من رِوَايَة وهيب وسفيان الثوري ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، بِهِ . وحديث أنس ، قَدْ خرجه فِي ( الأطعمة ) من طريق أيوب ، عَن أَبِي قلابة ، عَن أنس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم . وَقَالَ : عَن أيوب ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه . وعن أيوب ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، أَنَّهُ تعشى وَهُوَ يسمع قراءة الإمام . وحديث موسى بْن عقبة الَّذِي علقه البخاري ، قَدْ خرجه مُسْلِم من رِوَايَة أَبِي ضمرة ، عَن موسى ، ولم يذكر لفظه ، لكنه قَالَ : بنحو رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر . وخرجه البيهقي من طريق سويد بْن سَعِيد ، عَن حفص بْن ميسرة ، عَن موسى بْن عقبة ، ولفظه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إذا كَانَ أحدكم عَلَى الطعام فلا يعجلن حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، وإن أقيمت الصلاة ) . ثُمَّ قَالَ : وبهذا اللفظ رواه زهير بْن معاوية ووهب بْن عُثْمَان ، عَن موسى بن عقبة ، وأشار البخاري إلى روايتهما . قُلتُ : وإنما أشار البخاري إليه ؛ لأن لفظه صريح فِي أن من شرع فِي عشائه ثُمَّ أقيمت الصلاة فلا يقم إلى الصلاة حَتَّى يقضي حاجته مِنْهُ ، بخلاف سائر ألفاظ الحَدِيْث الَّتِيْ خرجها ؛ لأنه يحتمل أن يكون الخطاب بِهَا لمن لَمْ يتناول من عشائه شيئاً . ووهب بْن عُثْمَان ، ذكر البخاري أَنَّهُ مديني ، وأن هَذَا الحَدِيْث رواه عَنْهُ إِبْرَاهِيْم بْن المنذر الحزامي ، ولم يذكره فِي غير هَذَا الموضع من ( كتابه ) ، ولا خرج لَهُ فِي بقية ( الكتب الستة ) ، وذكره ابن حبان فِي ( ثقاته ) . وقد خرج ابن حبان فِي ( صحيحه ) من طريق ابن جُرَيْج : أخبرني نَافِع ، قَالَ : كَانَ ابن عُمَر إذا غربت الشمس وتبين لَهُ الليل ، فكان أحياناً يقدم عشاءه وَهُوَ صائم ، والمؤذن يؤذن ، ثُمَّ يقيم وَهُوَ يسمع ، فلا يترك عشاءه ، ولا يجعل حَتَّى يقضي عشاءه ، ثُمَّ يخرج فيصلي ، ويَقُول : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تعجلوا عَن عشائكم إذا قدم إليكم ) . وقد روي ذكر الصيام مرفوعاً . خرجه ابن حبان - أَيْضاً - من طريق موسى بْن أعين ، عَن عَمْرِو بْن الحارث ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم ) . وخرجه الدارقطني فِي كِتَاب ( الإلزامات ) وصححه . وخرجه الطبراني ، وَقَالَ : لَمْ يقل فِي هَذَا الحَدِيْث : ( وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب ) إلا عَمْرِو بْن الحارث ، تفرد بِهِ موسى بْن أعين . قُلتُ : وإنما تفرد موسى بذكر : ( وأحدكم صائم ) ، وأما قوله : ( فليبدأ بالعشاء قَبْلَ صلاة المغرب ) فَقَدْ خرجه مُسْلِم من طريق ابن وهب ، عَن عَمْرِو بن الحارث بهذا الإسناد ، ولفظ حديثه : ( إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة فابدأوا بِهِ قَبْلَ أن تصلوا صلاة المغرب ، ولا تعجلوا عَن عشائكم ) . فهذه الأحاديث كلها تدل عَلَى أَنَّهُ إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فإنه يبدأ بالعشاء ، سواء كَانَ قَدْ أكل مِنْهُ شيئاً أو لا ، وأنه لا يقوم حَتَّى يقضي حاجته من عشائه ، ويفرغ مِنْهُ . وممن روي عَنْهُ تقديم العشاء عَلَى الصلاة : أبو بَكْر وعمر وابن عُمَر وابن عَبَّاس وأنس وغيرهم . وروى معمر ، عَن ثابت ، عَن أنس ، قَالَ : إني لمع أَبِي بْن كعب وأبي طلحة وغيرهما من أصْحَاب النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى طعام ، إذ نودي بالصلاة ، فذهبت أقوم فأقعدوني ، وأعابوا عَلِيّ حِينَ أردت أن أقوم وأدع الطعام . خرجه عَبْد الله ابن الإمام أحمد فِي ( مسائله ) . وإلى هَذَا القوم ذهب الثوري وأحمد - فِي المشهور عَنْهُ - وإسحاق وابن المنذر . وَقَالَ أحمد : لا يقوم حَتَّى يفرغ من جميع عشائه ، وإن خاف أن تفوته الصلاة مَا دام فِي وقت ، قَالَ : لأنه إذا تناول مِنْهُ شيئاً ثُمَّ تركه كَانَ فِي نفسه شغل من تركه الطعام إذا لَمْ ينل مِنْهُ حاجته . وحاصل الأمر ؛ أَنَّهُ إذا حضر الطعام كَانَ عذراً فِي ترك صلاة الجماعة ، فيقدم تناول الطعام ، وإن خشي فوات الجماعة ، ولكن لا بد أن يكون لَهُ ميل إلى الطعام ، ولو كَانَ ميلاً يسيراً ، صرح بذلك أصحابنا وغيرهم . وعلى ذَلِكَ دل تعليل ابن عَبَّاس والحسن وغيرهما ، وكذلك مَا ذكره البخاري عَن أَبِي الدرداء . فأما إذا لَمْ يكن لَهُ ميل بالكلية إلى الطعام ، فلا معنى لتقديم الأكل عَلَى الصلاة . وقالت طائفة أخرى : يبدأ بالصلاة قَبْلَ الأكل ، إلا أن يكون نفسه شديدة التوقان إلى الطعام ، وهذا مذهب الشَّافِعِيّ ، وقول ابن حبيب المالكي . واستدل لَهُ ابن حبان بالحديث الَّذِي فِيهِ التقييد بالصائم ، وألحق بِهِ كل من كَانَ شديد التوقان إلى الطعام فِي الصلاة ، يمنع من كمال الخشوع ، بخلاف الميل اليسير . وقالت طائفة أخرى : يبدأ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفاً ، حكاه ابن المنذر ، عَن مَالِك . وهذا يحتمل أَنَّهُ أراد أن الخفيف من الطعام يطمع مَعَهُ فِي إدراك الجماعة ، بخلاف الطعام الكثير فيختص هَذَا بالعشاء . وهذا بناء عَلَى أن وقت المغرب وقت واحد ، كما هُوَ قَوْلِ مَالِك والشافعي فِي أحد قوليه . ونقل حرب ، عَن إِسْحَاق ، أَنَّهُ يبدأ بالصلاة ، إلا فِي حالين : أحدهما : أن يكون الطعام خفيفاً ، والثاني : أن يكون أكله مَعَ جماعة ، فيشق عليهم قيامه إلى الصلاة . وهؤلاء قالوا : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتقديم العشاء عَلَى الصلاة حيث كَانَ عشاؤهم خفيفاً ، كما كَانَتْ عادة الصَّحَابَة فِي عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فَلَمْ يتناول أمره غير مَا هُوَ معهود فِي زمنه . وروى أبو داود بإسناده ، عَن عَبْد الله بْن عُبَيْدِ بْن عمير ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ أَبِي فِي زمان ابن الزُّبَيْر إلى جنب عَبْد الله بْن عُمَر ، فَقَالَ عباد بْن عَبْد الله بْن الزُّبَيْر : إنا سمعنا أَنَّهُ يبدأ بالعشاء قَبْلَ الصلاة ، فَقَالَ عَبْد الله بْن عُمَر : ويحك ، مَا كَانَ عشاؤهم ، أتراه كَانَ مثل عشاء أبيك ؟ وخرج البيهقي من حَدِيْث حميد ، قَالَ : كنا عِنْدَ أنس بْن مَالِك ، فأذن المؤذن بالمغرب وقد حضر العشاء ، فَقَالَ أنس : ابدأوا بالعشاء ، فتعشينا مَعَهُ ، ثُمَّ صلينا ، فكان عشاؤه خفيفاً . وقالت طائفة : يبدأ بالصلاة ، إلا أن يكون الطعام يخاف فساده لما فِي تأخيره من إفساد الطعام ، وهذا قَوْلِ وكيع ، رواه الترمذي فِي ( جامعه ) عَنْهُ . وفي هَذَا القول بعد ، وَهُوَ مخالف ظاهر الأحاديث الكثيرة . وللإمام أحمد فِي المسألة ثَلاَثَة أقوال : أحدها : أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَة أَبِي الحارث ، وسئل عَن العشاء إذا وضع وأقيمت الصلاة ، فَقَالَ : قد جاءت أحاديث ، وكان القوم فِي مجاعة ، فأما اليوم فلو قام رجوت . وهذه الرواية تدل عَلَى أن تقديم الأكل عَلَى الصلاة مختص بحال مجاعة النَّاس عموماً ، وشدة توقانهم بأجمعهم إلى الطعام ، وفي هَذَا نظر . وقد يستدل لَهُ بما رَوَى مُحَمَّد بْن ميمون الزعفراني ، عَن جَعْفَر بْن مُحَمَّد ، عَن أبيه ، عَن جابر ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤخر الصلاة لطعام ولا غيره . وخرجه الطبراني ، ولفظه : لَمْ يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر صلاة المغرب لعشاء ولا غيره . وهذا حَدِيْث ضَعِيف لا يثبت . ومحمد بْن ميمون هَذَا ، وثقه ابن معين وغيره ، وَقَالَ البخاري والنسائي : منكر الحَدِيْث . وروى سلام بْن سُلَيْمَان المدائني : ثنا ورقاء بْن عُمَر ، عَن ليث بْن أَبِي سليم ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا حضر العشاء والصلاة فابدأوا بالصلاة ) . خرجه تمام الرَّازِي فِي ( فوائده ) ، وَقَالَ : هكذا وقع فِي كتابي ، وَهُوَ خطأ . وليث بْن أَبِي سليم ليس بالحافظ ، فلا تقبل مخالفته لثقات أصْحَاب نَافِع ؛ فإنهم رووا : ( فابدأوا بالعشاء ) كما تقدم ، وسلام المدائني ضَعِيف جداً . والقول الثاني : نقل حَنْبل ، عَن أحمد ، قَالَ : إن كَانَ أخذ من طعامه لقمةً أو نحو ذَلِكَ فلا يقوم إلى الصلاة فيصلي ، ثُمَّ يرجع إلى العشاء ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يحتز من كتف الشاة ، فألقى السكين وقام . وكذا نقل عَنْهُ ابنه عَبْد الله والأثرم . وحاصل هَذَا القول : إن كَانَ أكل شيئاً من الطعام ثُمَّ أقيمت الصلاة قام إليها ، وترك الأكل ، وإن لَمْ يكن أكل شيئاً أكل مَا تسكن بِهِ نفسه ثُمَّ قام إلى الصلاة ، ثُمَّ عاد إلى تتمة طعامه . وصرح بذلك الأثرم فِي ( كِتَاب الناسخ والمنسوخ ) ، واستدل بحديث عَمْرِو بن أمية الضمري ، وقد خرجه البخاري فِي الباب الذي يلي هَذَا . وروي نحوه من حَدِيْث المغيرة بْن شعبة وجابر بْن عَبْد الله . وفي هذه الأحاديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يحتز من كتف شاة ، فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة ، فألقى السكين ثُمَّ قام إلى الصلاة . وقد ذهب طائفة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أَنَّهُ إذا سَمِعَ الإقامة لم يشبع من طعامه ، بل يأكل مَا يكسر بِهِ سورة جوعه . وحديث ابن عُمَر صريح فِي رد ذَلِكَ ، وأنه لا يعجل حَتَّى يفرغ من عشائه . والقول الثالث : عكس الثاني ، نقله حرب عَن أحمد ، قَالَ : إن كَانَ قَدْ أكل بعض طعامه ، فأقيمت الصلاة ، فإنه يتم أكله ، وإن كَانَ لَمْ يأكل شيئاً فأحب أن يصلي . وقد يعلل هَذَا بأنه إذا تناول شيئاً من طعامه فإن نفسه تتوق إلى تمامه ، بخلاف من لَمْ يذق مِنْهُ شيئاً ؛ فإن توقان نفسه إليه أيسر . وفي المسألة قَوْل آخر ، وَهُوَ الجمع بَيْن أحاديث هَذَا الباب ، وبين حَدِيْث عَمْرِو بْن أمية ، وما فِي معناه من طرح النبي صلى الله عليه وسلم السكين من يده ، وقيامه إلى الصلاة بالفرق بَيْن الإمام والمأمومين ، فإذا دعي الإمام إلى الصلاة قام وترك بقية طعامه ؛ لأنه ينتظر ، ويشق عَلَى النَّاس عِنْدَ اجتماعهم تأخره عنهم ، بخلاف آحاد المأمومين ، وهذا مسلك البخاري ، كما سيأتي ذَلِكَ فِي الباب الَّذِي يلي هَذَا . وبكل حال ؛ فلا يرخص مَعَ حضور الطعام فِي غير ترك الجماعة ، فأما الوقت فلا يرخص بذلك فِي تفويته عِنْدَ جمهور العلماء ، ونص عَلِيهِ أحمد وغيره . وشذت طائفة ، فرخصت فِي تأخير الصلاة عَن الوقت بحضور الطعام - أَيْضاً - وَهُوَ قَوْلِ بعض الظاهرية ، ووجه ضَعِيف للشافعية ، حكاه المتولي وغيره . وقد رَوَى المروذي أن أحمد احتجم بالعسكر ، فما فرغ إلا والنجوم قَدْ بدت ، فبدأ بالعشاء قَبْلَ الصلاة ، فما فرغ حَتَّى دخل وقت العشاء ، فتوضأ وصلى المغرب والعشاء . قَالَ القاضي فِي ( خِلافَه ) : يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون مسافراً ؛ لأن المراد بالعسكر سامراء ، وكان قَدْ طلبه المتوكل إليها . والثاني : أَنَّهُ خاف عَلَى نفسه من تأخير العشاء المرض ؛ لضعفه بالحجامة . وَقَالَ ابن عقيل : يحتمل أَنَّهُ كَانَ مريضاً أو ناسياً ، قَالَ : ومع هذه الاحتمالات لا يؤخذ من ذَلِكَ مذهب يخالف مذهب النَّاس . ومتى خالف ، وصلى بحضرة طعام تتوق نفسه إليه فصلاته مجزئة عند جميع العلماء المعتبرين ، وقد حكى الإجماع عَلَى ذَلِكَ ابن عَبْد البر وغيره ، وإنما خالف فِيهِ شذوذ من متأخري الظاهرية ، لا يعبأ بخلافهم الإجماع القديم . وفي أحاديث هَذَا الباب : دليل عَلَى أن وقت المغرب متسع ، وأنه لا يفوت بتأخير الصلاة فِيهِ عَن أول الوقت ، ولولا ذَلِكَ لَمْ يأمر بتقديم العشاء عَلَى صلاة المغرب من غير بيان لحد التأخير ؛ فإن هَذَا وقت حاجة إلى البيان ،
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة · ص 196 ( باب إذا حضر الطعام ، وأقيمت الصلاة ) . أي هذا باب ترجم فيه إذا حضر الطعام ، وأقيمت الصلاة ، وجواب إذا محذوف تقديره يقدم الطعام على الصلاة ، وإنما لم يذكر الجواب تنبيها على أن الحكم بالنفي أو بالإثبات غير مجزوم به لقوة الخلاف فيه . ( وكان ابن عمر يبدأ بالعشاء ) . هذا الأثر يبين أن جواب إذا في الترجمة الإثبات ، وفيه المطابقة بينه وبين الترجمة ، وهذا الأثر مذكور في الباب بمعناه مسندا قريبا حيث قال : وكان ابن عمر يوضع له الطعام ، وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ وإنه ليسمع قراءة الإمام ، وفي ( سنن ابن ماجه ) من طريق صحيح : وتعشى ابن عمر ليلة وهو ليسمع الإقامة ، والعشاء بفتح العين ، وبالمد الطعام بعينه ، وهو خلاف الغداء . ( وقال أبو الدرداء : من فقه المرء إقباله على حاجته حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ ) . هذا الأثر مثل ذلك في بيان جواب إذا في الترجمة ، وفيه المطابقة للترجمة لأن معنى قوله : ( إقباله على حاجته ) أعم من إقباله إلى الطعام إذا حضر ومن قضاء حاجة نفسه إذا دعته إليه ، قوله : ( وقلبه فارغ ) أي من الشواغل الدنياوية ليقف بين يدي الرب . عز وجل على أكمل حال ، وهذا الأثر وصله عبد الله بن المبارك في ( كتاب الزهد ) ، وأخرجه محمد بن نصر المروزي في ( كتاب تعظيم قدر الصلاة ) من طريق ابن المبارك . 63 - حدثنا مسدد ، قال : حدثنا يحيى ، عن هشام ، قال : حدثني أبي ، قال : سمعت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء . مطابقته للترجمة مثل ما ذكرنا . ورجاله تقدموا غير مرة ، ويحيى هو ابن سعيد القطان ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنه . ( ذكر معناه ) قوله : ( إذا وضع ) ، وفي رواية مسلم عن ابن نمير ، وحفص ، ووكيع بلفظ إذا حضر ، وكذا في رواية السراج من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن هشام بن عروة إذا حضر ، ولكن الذين رووه بلفظ إذا وضع أكثر قاله الإسماعيلي ، والفرق بين اللفظين أن الحضور أعم من الوضع فيحمل قوله : ( حضر ) أي بين يديه لتتفق الروايتان لاتحاد المخرج ، ويؤيده حديث أنس الآتي بعده بلفظ إذا قدم العشاء ، ولمسلم إذا قرب ، وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء لكنه لم يقرب للأكل كما لو لم يفرغ ، ونحوه قوله : ( وأقيمت الصلاة ) ، قيل : الألف واللام فيهما للعهد وهي المغرب ؛ لقوله : ( فابدؤوا بالعشاء ) ، ويؤيد هذا ما جاء في الرواية الأخرى فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب ، والحديث يفسر بعضه بعضا ، وقيل : الألف واللام فيه للاستغراق نظرا إلى العلة ، وهي التشويش المفضي إلى ترك الخشوع ، وذكر المغرب لا يقتضي الحصر فيها لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم ، قوله : ( فابدؤوا ) اختلفوا في هذا الأمر فالجمهور على أنه للندب ، وقيل للوجوب ، وبه قالت الظاهرية ، وقالوا : لا يجوز لأحد حضر طعامه بين يديه وسمع الإقامة أن يبدأ بالصلاة قبل العشاء فإن فعل فصلاته باطلة ، والجمهور على الصحة ، وعلى عدم الإقامة . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال النووي في هذه الأحاديث التي وردت في هذا الباب كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من اشتغال القلب وذهاب كمال الخشوع ، وهذه الكراهة إذا صلى كذلك ، وفي الوقت سعة فإن ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت لا يجوز تأخير الصلاة ولأصحابنا وجه أنه يأكل ، وإن خرج الوقت لأن المقصود من الصلاة الخشوع فلا يفوته ، وفيه دليل على امتداد وقت المغرب وعلى أنه يأكل حاجته من الأكل بكماله ، وقال في ( شرح السنة ) : الابتداء بالطعام إنما هو فيما إذا كانت نفسه شديدة التوقان إلى الأكل ، وكان في الوقت سعة ، وإلا فيبدأ بالصلاة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحتز من كتف شاة فدعي إلى الصلاة فألقاها ، وقام يصلي ، وقال أحمد بن حنبل : يؤول هذا الحديث أعني حديث الحز من كتف شاة بأن من شرع في الأكل ثم أقيمت الصلاة أنه يقوم إلى الصلاة ، ولا يتمادى في الأكل لأنه قد أخذ منه ما يمنعه من شغل البال ، وإنما الذي أمر بالأكل قبل الصلاة من لم يكن بدأ به لئلا يشتغل باله به ، وقال ابن بطال ، ويرد هذا التأويل حديث ابن عمرو : لا يعجل حتى يقضي حاجته انتهى ، قيل : لا رد عليه لأنه يقول أنه قد قضى حاجته كما في الحديث إذ ليس من شرطه أنه يستوفي أكل الكتف لا سيما قلة أكله - عليه السلام - ، وأنه يكتفي بحزة واحدة ، ولكن لقائل أن يقول ليست الصلاة التي دعي إليها في حديث عمرو بن أمية ، وهو حديث الحز من كتف الشاة أنها المغرب ، وإذا ثبت ذلك زال ما يؤول به ، وفي ( التوضيح ) : واختلف العلماء في تأويل هذه الأحاديث فذكر ابن المنذر أنه قال بظاهرها عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وهو قول الثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصله شغل القلب ، وذهاب كمال الخشوع ، وقال الشافعي : يبدأ بالعشاء إذا كانت نفسه شديدة التوقان إليه فإن لم يكن كذلك ترك العشاء ، وإتيان الصلاة أحب إلي ، وذكر ابن حبيب مثل معناه ، وقال ابن المنذر عن مالك : يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعاما خفيفا ، وفي الدارقطني : قال حميد : كنا عند أنس فأذن بالمغرب ، فقال أنس : ابدؤوا بالعشاء . وكان عشاؤه خفيفا ، وقال بعض أصحاب الشافعي لا يصلي بحال بل يأكل وإن خرج الوقت ، والصواب خلافه ، وقال ابن الجوزي : وقد ظن قوم أن هذا من باب تقديم حظ العبد على حق الحق عز وجل ، وليس كذلك ، وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل العبادة بقلوب غير مشغولة ، فإن قلت : روى أبو داود من حديث جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره ، قلت : هذا حديث ضعيف ، فبالضعيف لا يعترض على الصحيح ، ولئن سلمنا صحته فله معنى غير معنى الآخر بمعنى إذا وجبت . لا تؤخر ، وإذا كان الوقت باقيا يبدأ بالعشاء فاجتمع معناهما ، ولم يتهاترا .