5 - بَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَالْبِدَعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ 7299 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُوَاصِلُوا ، قَالُوا : إِنَّكَ تُوَاصِلُ ، قَالَ : إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ ، إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ، فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ . قَالَ : فَوَاصَلَ بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَيْنِ أَوْ لَيْلَتَيْنِ ، ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ . كَالْمُنَكِّي لَهُمْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ ) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ فِي الْعِلْمِ ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِالتَّنَازُعِ وَالتَّعَمُّقِ مَعًا ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ وَالْغُلُوُّ فِي الدِّينِ وَالْبِدَعِ يَتَنَاوَلُهُمَا وَقَوْلُهُ : لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ صَدْرُ الْآيَةِ يَتَعَلَّقُ بِفُرُوعِ الدِّينِ ، وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِالْعِلْمِ ، وَمَا بَعْدَهُ يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِهِ ، فَأَمَّا التَّعَمُّقُ فَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَبِتَشْدِيدِ الْمِيمِ ثُمَّ قَافٍ ، وَمَعْنَاهُ التَّشْدِيدُ فِي الْأَمْرِ حَتَّى يَتَجَاوَزَ الْحَدَّ فِيهِ ، وَقَدْ وَقَعَ شَرْحُهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْوِصَالِ فِي الصِّيَامِ ، حَيْثُ قَالَ : حَتَّى يَدَعَ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ ، وَأَمَّا التَّنَازُعُ فَمِنَ الْمُنَازَعَةِ ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ : الْمُجَاذَبَةُ ، وَيُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْمُجَادَلَةِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُجَادَلَةُ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الْحُكْمِ إِذَا لَمْ يَتَّضِحِ الدَّلِيلُ ، وَالْمَذْمُومُ مِنْهُ اللَّجَاجُ بَعْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ ، وَأَمَّا الْغُلُوُّ فَهُوَ الْمُبَالَغَةُ فِي الشَّيْءِ وَالتَّشْدِيدُ فِيهِ بِتَجَاوُزِ الْحَدِّ ، وَفِيهِ مَعْنَى التَّعَمُّقِ ، يُقَالُ غَلَا فِي الشَّيْءِ يَغْلُو غُلُوًّا وَغَلَا السِّعْرُ يَغْلُو غَلَاءً إِذَا جَاوَزَ الْعَادَةَ ، وَالسَّهْمُ يَغْلُو غَلْوًا بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ إِذَا بَلَغَ غَايَةَ مَا يُرْمَى ، وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِي حَصَى الرَّمْيِ ، وَفِيهِ : وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ وَأَمَّا الْبِدَعُ فَهُوَ جَمْعُ بِدْعَةٍ ، وَهِيَ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ مِثَالٌ تَقَدَّمَ ، فَيَشْمَلُ - لُغَةً - مَا يُحْمَدُ وَيُذَمُّ ، وَيَخْتَصُّ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ بِمَا يُذَمُّ ، وَإِنْ وَرَدَتْ فِي الْمَحْمُودِ فَعَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ . وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْآيَةِ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ لَفْظَ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلتَّعْمِيمِ ؛ لِيَتَنَاوَلَ غَيْرَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ تَنَاوُلَهَا مِنْ عَدَا الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْإِلْحَاقِ ، وَذَكَرَ فِيهِ سَبْعَةَ أَحَادِيثَ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَقَوْلُهُ هُنَا لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَاضِي فِي كِتَابِ التَّمَنِّي ، وَلَوْ مُدَّ لِي فِي الشَّهْرِ لَوَاصَلْتُ وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ . وَإِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ لَكِنَّهُ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيرَادِ مَا لَا يُنَاسِبُ التَّرْجَمَةَ ظَاهِرًا إِذَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مَا يُعْطِي ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُ هَذَا فِي كِتَابِ الصِّيَامِ بِزِيَادَةٍ فِيهِ . وَقَوْلُهُ كَالْمُنْكِي بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبَعْدَ الْكَافِ يَاءٌ سَاكِنَةٌ مِنَ النِّكَايَةِ ، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، عَنِ السَّرَخْسِيِّ ، وَعَنِ الْمُسْتَمْلِي بِرَاءٍ بَدَلَ الْيَاءِ مِنَ الْإِنْكَارِ ، وَعَلَى هَذَا فَاللَّامُ فِي لَهُمْ بِمَعْنَى عَلَى ، وَعَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ الْمَكْسُورَةِ بَعْدَهَا لَامٌ مِنَ النَّكَالِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْبَاقِينَ ، وَقَدْ مَضَى فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُكْرَهُ مِنْ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالْغُلُوِّ فِي الدِّينِ وَالْبِدَعِ · ص 289 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والعلو في الدين والبدع · ص 37 باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم والعلو في الدين والبدع أي هذا باب في بيان ما يكره من التعمق ، وهو التشدد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه ، قوله : والتنازع في العلم أي التجادل فيه ، يعني عند الاختلاف في الحكم إذا لم يتضح الدليل فيه ، قوله : والغلو بضم الغين المعجمة واللام وتشديد الواو وهو التجاوز في الحد ، قاله الكرماني ، قلت : الغلو فوق التعمق ، وهو من غلا في الشيء يغلو غلوا وغلا في السعر يغلو غلاء ، وورد النهي عنه صريحا فيما أخرجه النسائي وابن ماجه والحاكم من طريق أبي العالية ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فذكر حديثا وفيه : وإياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من قبلكم الغلو في الدين وهو مثل البحث في الربوبية حتى يحصل نزغة من نزغات الشيطان فيؤدي إلى الخروج عن الحق ، والذين غلوا في الفكرة آل بهم الأمر إلى أن جعلوا آلهة ثلاثة ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، قوله : والبدع جمع بدعة ، وهي ما لم يكن له أصل في الكتاب والسنة ، وقيل إظهار شيء لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم . لقوله تعالى : يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ احتج بهذه الآية على تحريم الغلو في الدين ، وأهل الكتاب : اليهود والنصارى ، وإذا قلنا إن لفظ أهل الكتاب للتعميم يتناول غير اليهود والنصارى بالإلحاق . 70 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا هشام ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تواصلوا ، قالوا : إنك تواصل ، قال : إني لست مثلكم ، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ، فلم ينتهوا عن الوصال ، قال : فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين أو ليلتين ثم رأوا الهلال ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو تأخر الهلال لزدتكم ، كالمنكل لهم . قيل لا مطابقة بين الحديث والترجمة هنا أصلا ، ورد بأن عادته جرت بإيراد ما لا يطابق الترجمة ظاهرا ؛ لكن يناسبها طريق من طرق الحديث الذي يورده ، وهنا كذلك . ومضى في حديث أنس في كتاب التمني قال : واصل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم آخر الشهر ، وواصل أناس من الناس ، فبلغ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : لو مد بي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم ، إني لست مثلكم ، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني فإن هذا يطابق الترجمة ، وحديث الوصال واحد وإن كان رواية الصحابة متعددة ، وقد رواه في كتاب الصيام في ثلاثة أبواب عن أنس وابن عمر وابن سعيد ، وعن عائشة وأبي هريرة ، وحديث الباب رواه في باب التنكيل لمن أكثر الوصال ، أخرجه هناك عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، وهنا أخرجه عن عبد الله بن محمد المعروف بالمسندي ، عن هشام بن يوسف اليماني قاضيها ، عن معمر بفتح الميمين ابن راشد ، عن محمد بن مسلم الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف . قوله : لا تواصلوا أي في الصوم ، قوله : إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني قيل : إذا كان يطعمه الله لا يكون مواصلا بل مفطرا ، وأجيب بأن المراد بالإطعام لازمه وهو التقوية ، أو المراد من طعام الجنة وهو لا يفطر آكله ، قوله : فلم ينتهوا عن الوصال قيل : لم خالفوا النهي ؟ وأجيب بأنهم ظنوا أنه ليس للتحريم ، قوله : لزدتكم أي في المواصلة حتى تعجزوا عنه وعن سائر الطاعات ، قوله : كالمنكل أي كالمعاقب ، من التنكيل وهو التعذيب ، ومنه النكال ، هكذا رواية الأكثرين والكشميهني ، ويروى كالمنكي بضم الميم وسكون النون وبعد الكاف ياء آخر الحروف ساكنة من النكاية والإنكاء ، وهو رواية أبي ذر عن السرخسي ، وعن المستملي كالمنكر من الإنكار ، ومضى في كتاب الصوم من طريق شعيب عن الزهري كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا .