13 - بَاب مَا جَاءَ فِي اجْتِهَادِ الْقُضَاء بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَدَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ الْحِكْمَةِ حِينَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ولَا يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَلِهِ وَمُشَاوَرَةِ الْخُلَفَاءِ وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ الْعِلْمِ 7316 - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ : رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَآخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا . قَوْلُهُ ( بَابُ مَا جَاءَ فِي اجْتِهَادِ الْقَضَاءِ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالنَّسَفِيِّ ، وَابْنِ بَطَّالٍ وَطَائِفَةٍ ، الْقَضَاءُ - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْمَدِّ - وَإِضَافَةُ الِاجْتِهَادِ إِلَيْهِ بِمَعْنَى الِاجْتِهَادِ فِيهِ . وَالْمَعْنَى : الِاجْتِهَادُ فِي الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ، أَوْ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ اجْتِهَادُ مُتَوَلِّي الْقَضَاءِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمْ الْقُضَاةُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ ، وَهُوَ وَاضِحٌ لَكِنْ سَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ التَّرْجَمَةُ لِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فَيَلْزَمُ التَّكْرَارُ ، وَالِاجْتِهَادُ : بَذْلُ الْجَهْدِ فِي الطَّلَبِ وَاصْطِلَاحًا : بَذْلُ الْوُسْعِ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ . قَوْلُهُ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَلِقَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلنَّسَفِيِّ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ ، وَتَرْجَمَ فِي أَوَائِلِ الْأَحْكَامِ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْبَابِ أَجْرُ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْوَصْفَ بِالصِّفَتَيْنِ لَيْسَ وَاحِدًا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِحْدَاهُمَا فِي النَّصَارَى ، وَالْأُخْرَى فِي الْمُسْلِمِينَ ، وَالْأُولَى لِلْيَهُودِ ، وَالْأَظْهَرُ الْعُمُومُ ، وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى تِلَاوَةِ الْآيَتَيْنِ لِإِمْكَانِ تَنَاوُلِهِمَا الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْأُولَى . فَإِنَّهَا فِي حَقِّ مَنِ اسْتَحَلَّ الْحُكْمَ بِخِلَافِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأَمَّا الْآخِرَتَانِ فَهُمَا لِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : وَمَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ الْحِكْمَةِ حِينَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ، وَلَا يَتَكَلَّفُ مِنْ قِبَلِهِ ) يَجُوزُ فِي مَدْحِ فَتْحُ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُهَا عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ وَالْحَاءُ مَجْرُورَةٌ وَهُوَ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ . وَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ قِبَلِهِ ، فَلِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَ الْقَافِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ بِتَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ مِنْ كَلَامِهِ ، وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ . قَوْلُهُ : وَمُشَاوَرَةِ الْخُلَفَاءِ وَسُؤَالِهِمْ أَهْلَ الْعِلْمِ ) ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ الْأَوَّلُ لِلشِّقِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِلثَّانِي . الْأَوَّلُ : حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَدًا وَمَتْنًا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَتَرْجَمَ لَهُ أَجْرَ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ثَمَّةَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي اجْتِهَادِ الْقُضَاء بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى · ص 311 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في اجتهاد القضاة بما أنزل الله تعالى لقوله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون · ص 51 باب ما جاء في اجتهاد القضاة بما أنزل الله تعالى لقوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ أي هذا باب في بيان ما جاء في اجتهاد القضاة في حكمهم بما أنزل الله تعالى ، وفي رواية أبي ذر والنسفي وابن بطال وطائفة باب ما جاء في اجتهاد القضاة والاجتهاد لغة المبالغة في الجهد ، واصطلاحا استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية ، قوله : لقوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وفي القرآن أيضا فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ و فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وتخصيص آية الظلم من حيث إن الظلم عام شامل للفسق والكفر ؛ لأنه وضع الشيء في غير موضعه وهو يشملهما . ومدح النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الحكمة حين يقضي بها ويعلمها لا يتكلف من قبله ومشاورة الخلفاء وسؤالهم أهل العلم يجوز في قوله : ومدح النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وجهان : أحدهما أن يكون مصدرا مجرورا عطفا على قوله : ما جاء في اجتهاد القضاة ويكون المصدر مضافا إلى فاعله ، وقوله : صاحب الحكمة منصوب على أنه مفعوله ، والثاني أن يكون فعلا ماضيا من المدح ويكون النبي مرفوعا على أنه فاعل له وصاحب الحكمة منصوب على المفعولية ، والحكمة العلم الوافي المتقن ، قوله : حين يقضي بها أي بالحكمة ، قوله : من قبله بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته ، وفي رواية الكشميهني من قيله بكسر القاف وسكون الياء آخر الحروف ، أي من كلامه ، وفي رواية النسفي من قبل نفسه ، قوله : ومشاورة الخلفاء بالجر عطفا على قوله : في اجتهاد القضاة أي وفيما جاء في مشاورة الخلفاء ، أراد أن مشاورة الخلفاء وسؤالهم أهل العلم بما أنزل الله تعالى في الأحكام ، وذكر الخلفاء ليس بقيد لأن سائر الحكام في ذلك سواء ، وقوله : أهل العلم منصوب تنازع فيه العاملان أعني قوله : مشاورة وقوله : وسؤالهم . 87 - حدثنا شهاب بن عباد ، حدثنا إبراهيم بن حميد ، عن إسماعيل ، عن قيس ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا حسد إلا في اثنتين ، رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ، وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها . مطابقته للترجمة الثانية ظاهرة . وشهاب بن عباد بالفتح وتشديد الباء الموحدة العبدي الكوفي ، وإبراهيم بن حميد بالضم الرؤاسي ، وإسماعيل بن أبي خالد البجلي ، واسم أبي خالد سعد ، وقيس بن أبي حازم ، وعبد الله هو ابن مسعود . والحديث مضى في أوائل الأحكام في باب أجر من قضى بالحكمة فإنه أخرجه هناك عن شهاب بن عباد أيضا الخ ، ومضى الكلام فيه .