24 - بَاب الْأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ ، وَكَيْفَ مَعْنَى الدِّلَالَةِ وَتَفْسِيرُهَا ، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَ الْخَيْلِ وَغَيْرِهَا ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ الْحُمُرِ فَدَلَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَسُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الضَّبِّ فَقَالَ : لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ ، وَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضَّبُّ ، فَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ 7356 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ ؛ لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ ، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَطَالَ فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٍ ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ تُسْقَى بِهِ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ ، وَهِيَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَجْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ، وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا ، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ . وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحُمُرِ قَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ فِيهَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ قَوْلُهُ : ( بَابُ الْأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : بِالدَّلِيلِ بِالْإِفْرَادِ ، وَالدَّلِيلُ مَا يُرْشِدُ إِلَى الْمَطْلُوبِ وَيَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ بِوُجُودِ الْمَدْلُولِ ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مَنْ أَرْشَدَ قَاصِدَ مَكَانٍ مَا إِلَى الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( وَكَيْفَ مَعْنَى الدَّلَالَةِ وَتَفْسِيرُهَا ) يَجُوزُ فِي الدَّلَالَةِ فَتْحُ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَحُكِيَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ أَعْلَى ، وَالْمُرَادُ بِهَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ الْإِرْشَادُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ الْخَاصِّ الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ خَاصٌّ دَاخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ دَلِيلٍ آخَرَ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ فَهَذَا مَعْنَى الدَّلَالَةِ ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا فَالْمُرَادُ بِهِ تَبْيِينُهَا وَهُوَ تَعْلِيمُ الْمَأْمُورِ كَيْفِيَّةَ مَا أُمِرَ بِهِ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ التَّرْجَمَةِ بَيَانُ الرَّأْيِ الْمَحْمُودِ ، وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِمَّا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ بِطَرِيقِ التَّنْصِيصِ وَبِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ ، فَيَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ الِاسْتِنْبَاطُ ، وَيَخْرُجُ الْجُمُودُ عَلَى الظَّاهِرِ الْمَحْضِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرِ الْخَيْلِ إِلَخْ ) يُشِيرُ إِلَى أَوَّلِ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ إِلَى آخَرِ السُّورَةِ عَامٌّ فِي الْعَامِلِ وَفِي عَمَلِهِ ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَيَّنَ حُكْمَ اقْتِنَاءِ الْخَيْلِ وَأَحْوَالِ مُقْتَنِيهَا وَسُئِلَ عَنِ الْحُمُرِ ، أَشَارَ إِلَى أَنَّ حُكْمَهَا وَحُكْمَ الْخَيْلِ وَحُكْمَ غَيْرِهَا مُنْدَرِجٌ فِي الْعُمُومِ الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنَ الْآيَةِ . قَوْلُهُ : ( وَسُئِلَ عَنِ الضَّبِّ إِلَخْ ) يُشِيرُ إِلَى ثَالِثِ أَحَادِيثِ الْبَابِ ، وَمُرَادُهُ بَيَانُ حُكْمِ تَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ يُفِيدُ الْجَوَازَ إِلَى أَنْ تُوجَدَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْخَيْلُ لِثَلَاثَةٍ وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( وَسُئِلَ ) أَيِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُ السَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِصَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ التَّمِيمِيِّ ، وَحَدِيثُهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي التَّفْسِيرِ ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَلَفْظُهُ : قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - إِلَى آخَرِ السُّورَةِ - قَالَ : مَا أُبَالِي أَنْ لَا أَسْمَعَ غَيْرَهَا ، حَسْبِي حَسْبِي ، وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حُجَّةٌ فِي إِثْبَاتِ الْقِيَاسِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ عِنْدَ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَأَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي بَابِ تَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْأَحْكَامِ الَّتِي تُعْرَفُ بِالدَّلَائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدِّلَالَةِ وَتَفْسِيرُهَا · ص 341 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها · ص 70 باب الأحكام التي تعرف بالدلائل ، وكيف معنى الدلالة وتفسيرها . أي : هذا باب في بيان الأحكام التي تعرف بالدلائل ، أي : بالملازمات الشرعية أو العقلية ، وقال ابن الحاجب وغيره : المتفق عليها خمسة الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال ، وذلك كلما علم ثبوت الملزوم شرعا أو عقلا علم ثبوت لازمه عقلا أو شرعا . قوله : بالدلائل ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني : بالدليل بالإفراد ، والدليل ما يرشد إلى المطلوب ويلزم من العلم به العلم بوجود المدلول . قوله : وكيف معنى الدلالة بفتح الدال وكسرها ، وحكي ضمها أيضا ، والفتح أعلى ، ومعنى الدلالة هو كإرشاد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الخاص وهو الحمر حكمه داخل تحت حكم العام ، وهو فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ فإن من ربطها في سبيل الله فهو عامل للخير يرى جزاءه خيرا ، ومن ربطها فخرا ورياء فهو عامل للشر يرى جزاءه شرا . قوله : وتفسيرها ، يجوز بالرفع والجر ، وتفسيرها يعني تبيينها ، كتعليم عائشة - رضي الله تعالى عنها - للمرأة السائلة التوضؤ بالفرصة . وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الخيل وغيرها ، ثم سئل عن الحمر فدلهم على قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ قد بينا معناه الآن . وسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الضب فقال : لا آكله ولا أحرمه ، وأكل على مائدة النبي - صلى الله عليه وسلم - الضب ، فاستدل ابن عباس بأنه ليس بحرام . فيه أيضا بيان تقريره - عليه الصلاة والسلام - وأنه يفيد الجواز إلى أن يوجد منه قرينة تصرفه إلى غير ذلك . قوله : فاستدل ابن عباس بأنه أي : بأن أكل الضب ليس بحرام ، وذلك لما رأى أنه يؤكل على مائدته بحضرته ولم ينكره ولا منع منه ، ولقائل أن يقول : لا آكله قرينة على عدم جواز أكله مع قوله تعالى : وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ولا شك أن الضب من الخبائث ؛ لأن النفس الزكية لا تقبله ، ألا ترى كيف قال - صلى الله عليه وسلم - : إني أعافه ، وأما قوله : ولا أحرمه فيحتمل أنه يكون قبل نزول الآية ، ويحتمل أنه كان الذين أكلوه في ذلك الوقت في مجاعة ، وكان الوقت في ضيق شديد من عدم ما يؤكل من الحيوان . 124 - حدثنا إسماعيل ، حدثني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : الخيل لثلاثة ، لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال في مرج أو روضة ، فما أصابت في طيلها ذلك المرج أو الروضة كان له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له ، وهي لذلك الرجل أجر ، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ، فهي له ستر ، ورجل ربطها فخرا ورياء فهي على ذلك وزر ، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحمر قال : ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ مطابقته للترجمة من حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بين أمور الخيل وسئل عن الحمر عرف حكم الحمر بالدليل ، وهو قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ الآية ، وقد ذكرناه الآن . وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وأبو صالح ذكوان الزيات السمان . والحديث قد مضى في الشرب عن عبد الله بن يوسف ، وفي الجهاد ، وفي علامات النبوة عن القعنبي ، وفي التفسير عن إسماعيل ، وعن يحيى بن سليمان ، ومضى الكلام فيه . قوله : وزر هو الاسم . قوله : فأطال مفعوله محذوف ، أي : أطال لها الذي يشد به . قوله : في مرج هو الموضع الذي ترعى فيه الدواب . قوله : أو روضة شك من الراوي . قوله : في طيلها بكسر الطاء وفتح الياء آخر الحروف ، وهو الحبل الطويل الذي تشد به الدابة عند الرعي . قوله : فاستنت من الاستنان ، وهو العدو . قوله : شرفا بفتحتين ، وهو الشوط . قوله : يسقي به أي : يسقيه ، والياء زائدة ، ويروى : تسقى بلفظ المجهول . قوله : تغنيا قال ابن نافع : أي : يستغني بها عما في أيدي الناس ، وانتصابها على التعليل . قوله : وتعففا أي : يتعفف بها عن الافتقار إليهم بما يعمل عليها ويكسبه على ظهرها . قوله : في رقابها فيه دليل على أن فيها الزكاة ، واعتمد عليه الحنفية في إيجاب الزكاة في الخيل ، والخصم فسره بقوله : لا ينسى التصدق ببعض كسبه عليها لله تعالى . قوله : وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيل : يمكن أن يكون السائل هو صعصعة بن معاوية عم الأحنف التميمي ؛ لأن له حديثا رواه النسائي في التفسير وصححه الحاكم ، ولفظه : قدمت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمعته يقول : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ إلى آخر السورة ، قال : ما أبالي أن لا أسمع غيرها ، حسبي حسبي . قوله : الفاذة بتشديد الذال المعجمة المفردة في معناها ، ومعنى الجامعة التي تجمع أعمال البر كلها دقيقها وجليلها ، وكذلك أعمال المعاصي .