بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 97 - كِتَاب التَّوْحِيدِ 1 - بَاب مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى 7371 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيْفِيٍّ ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ - كِتَابُ التَّوْحِيدِ ) كَذَا لِلنَّسَفِيِّ ، وَحَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ ، وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ ، وَزَادَ الْمُسْتَمْلِي : الرَّدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ ، وَسَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَوَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ ، وَابْنِ التِّينِ : كِتَابُ رَدِّ الْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ : التَّوْحِيدَ وَضَبَطُوا التَّوْحِيدَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَظَاهِرُهُ مُعْتَرَضٌ ؛ لِأَنَّ الْجَهْمِيَّةَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ لَمْ يَرُدُّوا التَّوْحِيدَ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ ، وَحُجَجُ الْبَابِ ظَاهِرَةٌ فِي ذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَغَيْرِهِمْ : الْقَدَرِيَّةُ ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَتَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ ، وَكَذَا الرَّافِضَةُ تَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِمْ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَهَؤُلَاءِ الْفِرَقُ الْأَرْبَعُ هُمْ رُءُوسُ الْبِدْعَةِ ، وَقَدْ سَمَّى الْمُعْتَزِلَةُ أَنْفُسَهُمْ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ وَعَنَوْا بِالتَّوْحِيدِ مَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ نَفْيِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ ؛ لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَمَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ أَشْرَكَ ، وَهُمْ فِي النَّفْيِ مُوَافِقُونَ لِلْجَهْمِيَّةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَفَسَّرُوا التَّوْحِيدَ بِنَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْجُنَيْدُ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ : التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ التَّمِيمِيُّ فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ : التَّوْحِيدُ مَصْدَرُ وَحَّدَ يُوَحِّدُ ، وَمَعْنَى وَحَّدْتُ اللَّهَ : اعْتَقَدْتُهُ مُنْفَرِدًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ لَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ ، وَقِيلَ مَعْنَى وَحَّدْتُهُ : عَلِمْتُهُ وَاحِدًا ، وَقِيلَ : سَلَبْتُ عَنْهُ الْكَيْفِيَّةَ وَالْكَمِّيَّةَ فَهُوَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا انْقِسَامَ لَهُ ، وَفِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ ، فِي إِلَهِيَّتِهِ وَمُلْكِهِ وَتَدْبِيرِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ ، وَلَا خَالِقَ غَيْرُهُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : تَضَمَّنَتْ تَرْجَمَةُ الْبَابِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَشْيَاءَ مُؤَلَّفَةٍ ، وَذَلِكَ يَرُدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ جِسْمٌ ، كَذَا وَجَدْتُ فِيهِ ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ الْمُشَبِّهَةَ ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْمَقَالَاتِ أَنَّهُمْ يَنْفُونَ الصِّفَاتِ حَتَّى نُسِبُوا إِلَى التَّعْطِيلِ ، وَثَبَتَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ : بَالَغَ جَهْمٌ فِي نَفْيِ التَّشْبِيهِ حَتَّى قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : الْجَهْمِيَّةُ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَنْتَسِبُونَ إِلَى جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ مُقَدَّمِ الطَّائِفَةِ الْقَائِلَةِ : أَنْ لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا ، وَهُمُ الْجَبْرِيَّةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَمَاتَ مَقْتُولًا فِي زَمَنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ انْتَهَى . وَلَيْسَ الَّذِي أَنْكَرُوهُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مَذْهَبُ الْجَبْرِ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا الَّذِي أَطْبَقَ السَّلَفَ عَلَى ذَمِّهِمْ بِسَبَبِهِ إِنْكَارُ الصِّفَاتِ . حَتَّى قَالُوا : إِنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ كَلَامَ اللَّهِ وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورِ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ أَنَّ رُءُوسَ الْمُبْتَدِعَةِ أَرْبَعَةٌ إِلَى أَنْ قَالَ : وَالْجَهْمِيَّةُ أَتْبَاعُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ الَّذِي قَالَ : بِالْإِجْبَارِ وَالِاضْطِرَارِ إِلَى الْأَعْمَالِ ، وَقَالَ : لَا فِعْلَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِنَّمَا يُنْسَبُ الْفِعْلُ إِلَى الْعَبْدِ مَجَازًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا أَوْ مُسْتَطِيعًا لِشَيْءٍ ، وَزَعَمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ حَادِثٌ ، وَامْتَنَعَ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ شَيْءٌ أَوْ حَيٌّ أَوْ عَالِمٌ أَوْ مُرِيدٌ ، حَتَّى قَالَ : لَا أَصِفُهُ بِوَصْفٍ يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ ، قَالَ : وَأَصِفُهُ بِأَنَّهُ خَالِقٌ وَمُحْيٍ وَمُمِيتٌ وَمُوَحَّدٌ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ خَاصَّةٌ بِهِ ، وَزَعَمَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَادِثٌ ، وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ مُتَكَلِّمًا بِهِ ، قَالَ : وَكَانَ جَهْمٌ يَحْمِلُ السِّلَاحَ وَيُقَاتِلُ ، وَخَرَجَ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ ، وَهُوَ بِمُهْمَلَةٍ وَجِيمٍ مُصَغَّرٌ ، لَمَّا قَامَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ بَنِي أُمَيَّةَ بِخُرَاسَانَ ، فَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ سَلْمُ بْنُ أَحَوْزَ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَأَبُوهُ بِمُهْمَلَةٍ وَآخِرُهُ زَايٌ وَزْنُ أَعْوَرَ ، وَكَانَ صَاحِبَ شُرْطَةِ نَصْرٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ : بَلَغَنِي أَنَّ جَهْمًا كَانَ يَأْخُذُ عَنِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ ، وَكَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ وَهُوَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ خَطَبَ فَقَالَ : إِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا . قُلْتُ : وَكَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَكَأَنَّ الْكِرْمَانِيَّ انْتَقَلَ ذِهْنُهُ مِنَ الْجَعْدِ إِلَى الْجَهْمِ ؛ فَإِنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ ، وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : وَلَا أَقُول بِقَوْلِ الْجَهْمِ أَنَّ لَهُ قَوْلًا يُضَارِعُ قَوْلَ الشِّرْكِ أَحْيَانًا وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ إِنَّا لَنَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَنَسْتَعْظِمُ أَنْ نَحْكِيَ قَوْلَ جَهْمٍ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَوْذَبٍ قَالَ : تَرَكَ جَهْمٌ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ مِنْ طَرِيقِ خَلَفِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَلْخِيِّ قَالَ : كَانَ جَهْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَانَ فَصِيحًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَاذٌ فِي الْعِلْمِ ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ ، فَقَالُوا لَهُ : صِفْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ ، فَدَخَلَ الْبَيْتَ لَا يَخْرُجُ مُدَّةً ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ . وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي التَّوْحِيدِ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا قُدَامَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْبَلْخِيَّ يَقُولُ : كَانَ جَهْمٌ عَلَى مَعْبَرِ تِرْمِذَ ، وَكَانَ كُوفِيَّ الْأَصْلِ فَصِيحًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ وَلَا مُجَالَسَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَقِيلَ لَهُ : صِفْ لَنَا رَبَّكَ ، فَدَخَلَ الْبَيْتَ لَا يَخْرُجُ كَذَا ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ : هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ شَيْءٌ . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ : كَلَامُ جَهْمٍ صِفَةٌ بِلَا مَعْنًى ، وَبِنَاءٌ بِلَا أَسَاسٍ ، وَلَمْ يُعَدَّ قَطُّ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَالَ : تَعْتَدُّ امْرَأَتُهُ ، وَأَوْرَدَ آثَارًا كَثِيرَةً عَنِ السَّلَفِ فِي تَكْفِيرِ جَهْمٍ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي حَوَادِثِ سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ سُرَيْجٍ خَرَجَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ خُرَاسَانَ لِبَنِي أُمَيَّةَ وَحَارَبَهُ ، وَالْحَارِثُ حِينَئِذٍ يَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَكَانَ جَهْمٌ حِينَئِذٍ كَاتِبَهُ ثُمَّ تَرَاسَلَا فِي الصُّلْحِ وَتَرَاضَيَا بِحُكْمِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ ، وَالْجَهْمِ ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَكُونُ شُورَى حَتَّى يَتَرَاضَى أَهْلُ خُرَاسَانَ عَلَى أَمِيرٍ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ نَصْرٌ ذَلِكَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى مُحَارَبَةِ الْحَارِثِ إِلَى أَنْ قَتَلَ الْحَارِثَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ فِي خِلَافَةِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ ، فَيُقَالُ : إِنَّ الْجَهْمَ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ ، وَيُقَالُ : بَلْ أُسِرَ ، فَأَمَرَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ ، سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ بِقَتْلِهِ فَادَّعَى جَهْمٌ الْأَمَانَ ، فَقَالَ لَهُ سَلْمٌ : لَوْ كُنْتَ فِي بَطْنِي لَشَقَقْتُهُ حَتَّى أَقْتُلَكَ فَقَتَلَهُ ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ قَالَ : قَالَ سَلْمٌ حِينَ أَخَذَهُ : يَا جَهْمُ إِنِّي لَسْتُ أَقْتُلُكَ ؛ لِأَنَّكَ قَاتَلْتَنِي ، أَنْتَ عِنْدِي أَحْقَرُ مِنْ ذَلِكَ ؛ وَلَكِنِّي سَمِعْتُكَ تَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا أَمْلِكَكَ إِلَّا قَتَلْتُكَ فَقَتَلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ خَلَّادٍ الطُّفَاوِيِّ بَلَغَ سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ خُرَاسَانَ أَنَّ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا فَقَتَلَهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ قَالَ رَأَيْتُ سَلْمَ بْنَ أَحَوْزَ حِينَ ضَرَبَ عُنُقَ جَهْمٍ فَاسْوَدَّ وَجْهُ جَهْمٍ ، وَأَسْنَدَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لَهُ أَنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ رَحْمَةَ صَاحِبِ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ أَنَّ قِصَّةَ جَهْمٍ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَهَذَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى جَبْرِ الْكَسْرِ ، أَوْ عَلَى أَنَّ قَتْلَ جَهْمٍ تَرَاخَى عَنْ قَتْلِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ ، وَأَمَّا قَوْلُ الْكِرْمَانِيِّ : إِنَّ قَتْلَ جَهْمٍ كَانَ فِي خِلَافَةِ هِشَامٍ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَوَهْمٌ ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي كَانَ جَهْمٌ كَاتِبَهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَعَلَّ مُسْتَنَدُ الْكِرْمَانِيِّ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ : قَرَأْتُ فِي دَوَاوِينِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ عَامِلِ خُرَاسَانَ : أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ نَجَمَ قِبَلَكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : جَهْمٌ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ ، فَإِنْ ظَفِرْتَ بِهِ فَاقْتُلْهُ ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ وَقَعَ فِي زَمَنِ هِشَامٍ ، وَإِنْ كَانَ ظُهُورُ مَقَالَتِهِ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ حَتَّى كَاتَبَ فِيهِ هِشَامٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ : فِرَقُ الْمُقِرِّينَ بِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ خَمْسٌ : أَهْلُ السُّنَّةِ ، ثُمَّ الْمُعْتَزِلَةُ ؛ وَمِنْهُمُ الْقَدَرِيَّةُ ، ثُمَّ الْمُرْجِئَةُ ؛ وَمِنْهُمُ الْجَهْمِيَّةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ ثُمَّ الرَّافِضَةُ ؛ وَمِنْهُمُ الشِّيعَةُ ، ثُمَّ الْخَوَارِجُ ؛ وَمِنْهُمُ الْأَزَارِقَةُ وَالْإِبَاضِيَّةُ ، ثُمَّ افْتَرَقُوا فِرَقًا كَثِيرَةً ، فَأَكْثَرُ افْتِرَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْفُرُوعِ ، وَأَمَّا فِي الِاعْتِقَادِ فَفِي نُبَذٍ يَسِيرَةٍ ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَفِي مَقَالَاتِهِمْ مَا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ الْخِلَافَ الْبَعِيدَ وَالْقَرِيبَ ، فَأَقْرَبُ فِرَقٍ الْمُرْجِئَةُ مَنْ قَالَ : الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ ، وَلَيْسَتِ الْعِبَادَةُ مِنَ الْإِيمَانِ . وَأَبْعَدُهُمُ الْجَهْمِيَّةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ عَقْدٌ بِالْقَلْبِ فَقَطْ ، وَإِنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ وَالتَّثْلِيثَ بِلِسَانِهِ ، وَعَبَدَ الْوَثَنَ مِنْ غَيْرِ تَقِيَّةٍ ، وَالْكَرَّامِيَّةُ : الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ فَقَطْ وَإِنِ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ ، وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى بَقِيَّةِ الْفِرَقِ ثُمَّ قَالَ : فَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَعُمْدَتُهُمُ الْكَلَامُ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ، فَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْعِبَادَةَ مِنَ الْإِيمَانِ ، وَإِنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَلَا يُكَفِّرُ مُؤْمِنًا بِذَنْبٍ ، وَلَا يَقُولُ إِنَّهُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ فَلَيْسَ مُرْجِئًا ، وَلَوْ وَافَقَهُمْ فِي بَقِيَّةِ مَقَالَاتِهِمْ . وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَعُمْدَتُهُمُ الْكَلَامُ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَالْقَدَرِ ، فَمَنْ قَالَ : الْقُرْآنُ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ، وَأَثْبَتَ الْقَدَرَ ، وَرُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقِيَامَةِ ، وَأَثْبَتَ صِفَاتِهِ الْوَارِدَةَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَأَنَّ صَاحِبَ الْكَبَائِرِ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ الْإِيمَانِ فَلَيْسَ بِمُعْتَزِلِيٍّ ، وَإِنْ وَافَقَهُمْ فِي سَائِرِ مَقَالَاتِهِمْ . وَسَاقَ بَقِيَّةَ ذَلِكَ إِلَى أَنْ قَالَ : وَأَمَّا الْكَلَامُ فِيمَا يُوصَفُ اللَّهُ بِهِ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْفِرَقِ الْخَمْسَةِ ، مِنْ مُثْبِتٍ لَهَا وَنَافٍ ، فَرَأْسُ النُّفَاةِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ ؛ فَقَدْ بَالَغُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى كَادُوا يُعَطِّلُونَ ، وَرَأْسُ الْمُثْبِتَةِ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الرَّافِضَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ ؛ فَإِنَّهُمْ بَالَغُوا فِي ذَلِكَ حَتَّى شَبَّهُوا اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ ، تَعَالَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ أَقْوَالِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا ، وَنَظِيرُ هَذَا التَّبَايُنِ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ : إِنَّ الْعَبْدَ لَا قُدْرَةَ لَهُ أَصْلًا ، وَقَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ : إِنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ . قُلْتُ : وَقَدْ أَفْرَدَ الْبُخَارِيُّ خَلْقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ فِي تَصْنِيفٍ ، وَذَكَرَ مِنْهُ هُنَا أَشْيَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْجَهْمِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى ) الْمُرَادُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ بَعْضُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ تَوْحِيدَ الْعَامَّةِ ، وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَتَانِ فِي تَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ أَمْرَيْنِ اخْتَرَعُوهُمَا ، أَحَدُهُمَا : تَفْسِيرُ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، ثَانِيهُمَا : غُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ ؛ فَإِنَّ أَكَابِرَهُمْ لَمَّا تَكَلَّمُوا فِي مَسْأَلَةِ الْمَحْوِ وَالْفَنَاءِ ، وَكَانَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ الْمُبَالَغَةَ فِي الرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ ، بَالَغَ بَعْضُهُمْ حَتَّى ضَاهَى الْمُرْجِئَةَ فِي نَفْيِ نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى الْعَبْدِ ، وَجَرَّ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ إِلَى مَعْذِرَةِ الْعُصَاةِ ، ثُمَّ غَلَا بَعْضُهُمْ فَعَذَرَ الْكُفَّارَ ، ثُمَّ غَلَا بَعْضُهُمْ فَزَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّوْحِيدِ اعْتِقَادُ وِحْدَةِ الْوُجُودِ ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ حَتَّى سَاءَ ظَنُّ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِمُتَقَدِّمِيهِمْ وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ كَلَامَ شَيْخِ الطَّائِفَةِ الْجُنَيْدِ ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْإِيجَازِ ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ قَالَ بِالْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ ، فَقَالَ : وَهَلْ مِنْ غَيْرٍ ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ كَلَامٌ طَوِيلٌ يَنْبُو عَنْهُ سَمْعُ كُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَذَكَرَ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فِي بَعْثِهِ إِلَى الْيَمَنِ ، أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى أَعْلَى مِنَ الثَّانِيَةِ ، وَقَدْ أَوْرَدَ الطَّرِيقَ الْعَالِيَةَ فِي ( كِتَابِ الزَّكَاةِ ) وَسَاقَهَا هُنَاكَ عَلَى لَفْظِ أَبِي عَاصِمٍ رَاوِيهَا ، وَذَكَرَهُ هُنَاكَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِنُزُولٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ شَيْخُهُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ وَاسْمُهُ حُمَيْدُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَلَاءِ يُكْنَى أَبَا الْعَلَاءِ ، وَيُقَالُ : أَبُو الْعَبَّاسِ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَثَّقَهُ عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : شَيْخٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَثِيرُ الْوَهْمِ . قُلْتُ : وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَدْ قَرَنَهُ بِغَيْرِهِ ، وَلَكِنَّهُ سَاقَ الْمَتْنَ هُنَا عَلَى لَفْظِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ ، وَكَأَنَّ الْمِيمَ انْفَتَحَتْ فَصَارَتْ تُشْبِهُ السِّينَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى · ص 356 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تعالى · ص 81 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب التوحيد أي : هذا كتاب في بيان إثبات الوحدانية لله تعالى بالدليل ، وإنما قلنا بالدليل ؛ لأن الله - عز وجل - واحد أزلا وأبدا قبل وجود الموحدين وبعدهم ، وكذا وقعت الترجمة للنسفي ، وعليه اقتصر الأكثرون عن الفربري ، وفي رواية المستملي : كتاب التوحيد والرد على الجهمية وغيرهم ، ووقع لابن بطال وابن التين كتاب رد الجهمية وغيرهم التوحيد ، وقال بعضهم : وضبطوا التوحيد بالنصب على المفعولية ، وظاهره معترض ؛ لأن الجهمية وغيرهم من المبتدعة لم يردوا التوحيد ، وإنما اختلفوا في تفسيره ، انتهى ، قلت : لا اعتراض عليه ، فإن من الجهمية طائفة يردون التوحيد ، وهم طوائف ينتسبون إلى جهم بن صفوان من أهل الكوفة ، وعن ابن المبارك : إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ونستعظم أن نحكي قول جهم ، وقال الكرماني : وفي بعض النسخ كتاب التوحيد ورد الجهمية بالإضافة إلى المفعول ، ولم تثبت البسملة قبل لفظ الكتاب إلا لأبي ذر . باب ما جاء في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته إلى توحيد الله تعالى أي : هذا باب في بيان ما جاء في دعاء النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أمته إلى توحيد الله تعالى ، وهو الشهادة بأن الله إله واحد ، والتوحيد في الأصل مصدر وحد يوحد ، ومعنى وحدت الله اعتقدته منفردا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه ، وقيل : التوحيد إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة عن الصفات . 1 - حدثنا أبو عاصم ، حدثنا زكرياء بن إسحاق ، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي ، عن أبي معبد ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذا إلى اليمن . وحدثني عبد الله بن أبي الأسود ، حدثنا الفضل بن العلاء ، حدثنا إسماعيل بن أمية ، عن يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي أنه سمع أبا معبد مولى ابن عباس يقول : سمعت ابن عباس يقول : لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا نحو اليمن قال له : إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى ، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم ، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم ، وتوق كرائم أموال الناس . مطابقته للترجمة في قوله : تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى . وأخرجه من طريقين ( أحدهما ) : عن أبي عاصم الضحاك المشهور بالنبيل ، وكثيرا ما يروي عنه البخاري بالواسطة ، وهو يروي عن زكريا بن إسحاق المكي عن يحيى بن عبد الله بن صيفي ، قال الكلاباذي : هو يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي مولى عمرو بن عثمان بن عفان المكي ، عن أبي معبد بفتح الميم والباء الموحدة واسمه نافذ بالنون والفاء وبالذال المعجمة ، ( والطريق الثاني ) : عن عبد الله بن أبي الأسود هو عبد الله بن محمد بن أبي الأسود واسمه حميد البصري ، يروي عن الفضل بن العلاء الكوفي ، نزل البصرة ، وثقه علي بن المديني ، وقال أبو حاتم : شيخ يكتب حديثه ، وقال الدارقطني : كثير الوهم ، وما له في البخاري سوى هذا الموضع ، وقد قرنه بغيره ، ولكنه ساق المتن هنا على لفظه . وإسماعيل بن أمية الأموي . والحديث مر في أول الزكاة عن أبي عاصم إلى آخره ، ومضى الكلام فيه . قوله : سمعت ابن عباس يقول ، وفي بعض النسخ : سمعت ابن عباس : لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - بحذف قال أو يقول ، وقد جرت العادة بحذفه خطأ . قوله : نحو اليمن أي : جهة اليمن ، ويروى : نحو أهل اليمن ، وهذا من إطلاق الكل وإرادة البعض ؛ لأنه بعثه إلى بعضهم لا إلى جميعهم ؛ لأن اليمن مخلافان ، وبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذا إلى مخلاف وأبا موسى الأشعري إلى مخلاف كما مر في آخر المغازي ، ويحتمل أن يكون الخبر على عمومه في الدعوى إلى الأمور المذكورة ، وإن كانت إمرة معاذ إنما كانت على جهة من اليمن مخصوصة . قوله : تقدم بفتح الدال . قوله : من أهل الكتاب هم اليهود ، وكان ابتداء دخول اليهود اليمن في زمن أسعد ذي كرب ، وهو تبع الأصغر ، فقام الإسلام وبعض أهل اليمن على اليهودية ، وبعد ذلك دخل دين النصرانية لما غلبت الحبشة على اليمن ، وكان منهم أبرهة صاحب الفيل ، ولم يبق بعد باليمن أحد من النصارى أصلا إلا بنجران ، وهي بين مكة واليمن ، وبقي ببعض بلادها قليل من اليهود . قوله : فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله أي : فليكن أول الأشياء دعوتهم إلى التوحيد ، وكلمة ما مصدرية ، ومضى في الزكاة : فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله . قوله : فإذا عرفوا ذلك أي : التوحيد . قوله : فإذا أقروا بذلك أي : صدقوا وآمنوا به فخذ منهم الزكاة . قوله : وتوق كرائم أموال الناس أي : احذر واجتنب خيار مواشيهم أن تأخذها في الزكاة ، والكرائم جمع كريمة ، وهي الشاة الغزيرة اللبن .