11 - بَاب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ 7391 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْلِفُ : لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ . قَالَ الرَّاغِبُ : تَقْلِيبُ الشَّيْءِ تَغْيِيرُهُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ ، وَالتَّقْلِيبُ التَّصَرُّفُ وَتَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْبَصَائِرَ صَرْفُهَا مِنْ رَأْيٍ إِلَى رَأْيٍ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مَا مَعْنَاهُ : كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ مُقَلِّبَ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْقَلْبَ قَلْبًا ، لَكِنَّ مَظَانَّ اسْتِعْمَالِهِ تَنْشَأُ عَنْهُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ إِعْرَاضَ الْقَلْبِ كَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهَا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَمَرْجِعُهَا إِلَى الْقُدْرَةِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ) هُوَ الْوَاسِطِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ يُكْنَى أَبَا عُثْمَانَ ، وَيُلَقَّبُ سَعْدَوَيْهِ وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ وَابْنُ الْمُبَارَكِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ ، وَكَذَا الْآيَةُ وَيُسْتَفَادُ مِنْهُمَا أَنَّ أَعْرَاضَ الْقُلُوبِ مِنْ إِرَادَةٍ وَغَيْرِهَا تَقَعُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ تَسْمِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ فِي الْخَبَرِ ، وَلَوْ لَمْ يَتَوَاتَرْ ، وَجَوَازُ اشْتِقَاقِ الِاسْمِ لَهُ تَعَالَى مِنَ الْفِعْلِ الثَّابِتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مِنْ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ نُصَرِّفُهَا بِمَا شِئْنَا كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ ، وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيُّ : مَعْنَاهُ نَطْبَعُ عَلَيْهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ ، وَالطَّبْعُ عِنْدَهُمُ التَّرْكُ ، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا : نَتْرُكُهُمْ وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ ، وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى التَّقْلِيبِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَمَدَّحَ بِالِانْفِرَادِ بِذَلِكَ ، وَلَا مُشَارَكَةَ لَهُ فِيهِ ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الطَّبْعِ بِالتَّرْكِ فَالطَّبْعُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ خَلْقُ الْكُفْرِ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ : أَنَّ اللَّهَ يَتَصَرَّفُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَلَا تَفُوتُهُ إِرَادَةٌ . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : فِي نِسْبَةِ تَقَلُّبِ الْقُلُوبِ إِلَى اللَّهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قُلُوبَ عِبَادِهِ ، وَلَا يَكِلُهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَفِي دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ، إِشَارَةٌ إِلَى شُمُولِ ذَلِكَ لِلْعِبَادِ حَتَّى الْأَنْبِيَاءِ ، وَرَفْعُ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُمْ يُسْتَثْنَوْنَ مِنْ ذَلِكَ ، وَخَصَّ نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ إِعْلَامًا بِأَنَّ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى أَنْ تَلْجَأَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَافْتِقَارُ غَيْرِهَا مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ · ص 388 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب مقلب القلوب وقول الله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم · ص 94 باب مقلب القلوب . وقول الله تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ أي : هذا باب فيه ذكر مقلب القلوب ، هذا على تقدير إضافة الباب إلى مقلب القلوب ، ويجوز قطع الباب عنه ويكون مقلب مرفوعا على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : الله مقلب القلوب ، ويكون التقدير : هذا باب يذكر فيه : الله مقلب القلوب ، ومعناه مبدل الخواطر وناقض العزائم ، فإن قلوب العباد تحت قدرته يقلبها كيف يشاء ، وقال الكرماني : فإن قلت : لم لا تحمله على حقيقته بأن يكون معناه يا جاعل القلب قلبا ؟ قلت : لأن مظان استعماله تنبو عنه ، وفيه أن أغراض القلب كالإرادة ونحوها بخلق الله تعالى ، وهذا من الصفات الفعلية ومرجعه إلى القدرة ، وقيل : سمي القلب به لكثرة تقلبه من حال إلى حال ، قال الشاعر : وما سمي الإنسان إلا لأنسه ولا القلب إلا أنه يتقلب . 20 - حدثني سعيد بن سليمان ، عن ابن المبارك ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن عبد الله قال : أكثر ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحلف : لا ومقلب القلوب . مطابقته للترجمة ظاهرة . وسعيد بن سليمان الواسطي ، سكن بغداد ، يلقب بسعدويه ، يروي عن عبد الله بن المبارك المروزي ، وعبد الله هو ابن عمر بن الخطاب . والحديث مضى في القدر عن محمد بن مقاتل ، وفي الأيمان والنذور عن محمد بن يوسف ، عن سفيان ، ومضى الكلام فيه . قوله : لا ومقلب القلوب الواو فيه للقسم ، وبعد لا يقدر نحو لا أفعل أو لا أقول وحق مقلب القلوب .