16 - بَاب قَوْلِ اللَّهِ عز وجل : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ 7406 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ، فَقَالَ : أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ . قَالَ : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَذَا أَيْسَرُ . قَوْلُهُ : بَابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ، ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا الْآيَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : هَذَا أَيْسَرُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ : هَذِهِ ، وَسَقَطَ لَفْظُ الْإِشَارَةِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِيهِ : أَعُوذُ بِوَجْهِكَ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ وَجْهًا وَهُوَ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ ، وَلَيْسَ بِجَارِحَةٍ وَلَا كَالْوُجُوهِ الَّتِي نُشَاهِدُهَا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ، كَمَا نَقُولُ : إِنَّهُ عَالِمٌ ، وَلَا نَقُولُ : إِنَّهُ كَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ نُشَاهِدُهُمْ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرْجَمَةِ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ ، وَلَوْ كَانَتْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَشَمَلَهَا الْهَلَاكُ كَمَا شَمَلَ غَيْرَهَا مِنَ الصِّفَاتِ وَهُوَ مُحَالٌ ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : أَصْلُ الْوَجْهِ : الْجَارِحَةُ الْمَعْرُوفَةُ ، وَلَمَّا كَانَ الْوَجْهُ أَوَّلَ مَا يُسْتَقْبَلُ وَهُوَ أَشْرَفُ مَا فِي ظَاهِرِ الْبَدَنِ ، اسْتُعْمِلَ فِي مُسْتَقْبَلِ كُلِّ شَيْءٍ وَفِي مَبْدَئِهِ ، وَفِي إِشْرَاقِهِ ، فَقِيلَ : وَجْهُ النَّهَارِ ، وَقِيلَ : وَجْهُ كَذَا ، أَيْ : ظَاهِرُهُ ، وَرُبَّمَا أُطْلِقَ الْوَجْهُ عَلَى الذَّاتِ كَقَوْلِهِمْ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ وَقَوْلُهُ : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ وَقِيلَ : إِنَّ لَفْظَ الْوَجْهِ صِلَةٌ ، وَالْمَعْنَى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا هُوَ ، وَكَذَا : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْقَصْدُ ، أَيْ : يَبْقَى مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ . قُلْتُ : وَهَذَا الْأَخِيرُ نُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا وَرَدَ فِيهِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْقَصَصِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قِيلَ : الْمُرَادُ بِالْوَجْهِ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الذَّاتُ أَوِ الْوُجُودُ أَوْ لَفْظُهُ زَائِدٌ ، أَوِ الْوَجْهُ الَّذِي لَا كَالْوُجُوهِ ، لِاسْتِحَالَةِ حَمْلِهِ عَلَى الْعُضْوِ الْمَعْرُوفِ ، فَتَعَيَّنَ التَّأْوِيلُ أَوِ التَّفْوِيضُ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْوَجْهِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ ، وَهُوَ فِي بَعْضِهَا صِفَةُ ذَاتٍ كَقَوْلِهِ : إِلَّا رِدَاءَ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ ، وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، عَنْ أَبِي مُوسَى ، وَفِي بَعْضِهَا بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ كَقَوْلِهِ : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ وَفِي بَعْضِهَا بِمَعْنَى الرِّضَا كَقَوْلِهِ : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْجَارِحَةَ جَزْمًا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ عز وجل كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ · ص 400 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تبارك وتعالى كل شيء هالك إلا وجهه · ص 101 باب قول الله تبارك وتعالى : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ أي : هذا باب في قول الله - عز وجل - إلى آخره . قوله : إِلا وَجْهَهُ وكذا في قوله : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ وقال ابن بطال : في هذه الآية والحديث دلالة على أن لله وجها ، وهو من صفة ذاته وليس بجارحة ولا كالوجوه التي نشاهدها من المخلوقين ، كما نقول إنه عالم ولا نقول إنه كالعلماء الذين نشاهدهم ، وقال غيره : دلت الآية على أن المراد بالوجه الذات المقدسة ، ولو كانت صفة من صفات العلم لشملها الهلاك كما شمل غيرها من الصفات ، وهو محال ، وقال الكرماني ما حاصله : إن المراد بالوجه الذات ، وقال أبو عبيدة : إلا جاهه ، واحتج بقوله : لفلان جاه في الناس ، أي : وجه ، وقيل : إلا إياه ، ولا يجوز أن يكون وجهه غيره لاستحالة مفارقته له بزمان أو مكان أو عدم أو وجود ، فثبت أن له وجها لا كالوجوه ؛ لأنه ليس كمثله شيء . 35 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا حماد ، عن عمرو ، عن جابر بن عبد الله قال : لما نزلت هذه الآية : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بوجهك ، فقال : أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعوذ بوجهك ، قال : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : هذا أيسر . مطابقته للترجمة في قوله : أعوذ بوجهك . وحماد هو ابن زيد وعمرو هو ابن دينار . والحديث مر في تفسير سورة الأنعام ، فإنه أخرجه هناك ، عن أبي النعمان ، عن حماد إلى آخره نحوه ، ومضى أيضا في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة في باب قول الله تعالى : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا فإنه أخرجه هناك عن علي بن عبد الله عن سفيان عن عمرو عن جابر ، ومضى الكلام فيه . قوله : هذا أيسر ، وفي رواية ابن السكن : هذه ، وسقط في رواية الأصيلي لفظ الإشارة .