7439 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : هَلْ تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِذَا كَانَتْ صَحْوًا ؟ قُلْنَا : لَا . قَالَ : فَإِنَّكُمْ لَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا ، ثُمَّ قَالَ : يُنَادِي مُنَادٍ لِيَذْهَبْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، فَيَذْهَبُ أَصْحَابُ الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ ، وَأَصْحَابُ الْأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ ، وَأَصْحَابُ كُلِّ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ ، حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ ، فَيُقَالُ لِلْيَهُودِ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا : كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ ، فَيُقَالُ : كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا : نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا ، فَيُقَالُ : اشْرَبُوا ، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ ، ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ ، فَيُقَالُ : كَذَبْتُمْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلَا وَلَدٌ فَمَا تُرِيدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا ، فَيُقَالُ : اشْرَبُوا فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ ؟ فَيَقُولُونَ : فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ الْيَوْمَ ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي : لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا . قَالَ : فَيَأْتِيهِمْ الْجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ فَيَقُولُ : أَنَا رَبُّكُمْ ، فَيَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، فَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ ، فَيَقُولُ : هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ ؟ فَيَقُولُونَ : السَّاقُ . فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً ، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ ، فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ . قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْجَسْرُ ؟ قَالَ : مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ مُفَلْطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا : السَّعْدَانُ ، الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا ، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ ، وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ يَقُولُونَ : رَبَّنَا إِخْوَانُنَا الذين كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا ، وَيَصُومُونَ مَعَنَا ، وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : اذْهَبُوا ، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ ، وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ، ثُمَّ يَعُودُونَ ، فَيَقُولُ : اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُمَّ يَعُودُونَ ، فَيَقُولُ : اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ : فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَءُوا : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ : بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدْ امْتُحِشُوا فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرٍ بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ مَاءُ الْحَيَاةِ ، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيْهِ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ ، وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤُ فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ : هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ ، أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ ، فَيُقَالُ لَهُمْ : لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِطُولِهِ ، وَتَقَدَّمَ شَرْحُهُ أَيْضًا هُنَاكَ ، وَقَوْلُهُ فِي سَنَدِهِ عَنْ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ ، وَعَطَاءٌ هُوَ ابْنُ يَسَارٍ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : وَأَصْحَابُ آلِهَةٍ مَعَ آلِهَتِهِمْ . فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : إِلَهِهِمْ بِالْإِفْرَادِ ، وَقَوْلُهُ : مَا يُجْلِسُكُمْ بِالْجِيمِ وَاللَّامِ مِنَ الْجُلُوسِ ، أَيْ : يُقْعِدُكُمْ عَنِ الذَّهَابِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مَا يَحْبِسُكُمْ بِالْحَاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ مِنَ الْحَبْسِ ، أَيْ : يَمْنَعُكُمْ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَةٍ ، اسْتَدَلَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِذِكْرِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّ لِلَّهِ صُورَةً لَا كَالصُّوَرِ كَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ وَتَعَقَّبُوهُ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجَسِّمَةُ فَأَثْبَتُوا لِلَّهِ صُورَةً ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ وَضَعَهَا اللَّهُ لَهُمْ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ كَمَا يُسَمَّى الدَّلِيلُ وَالْعَلَامَةُ صُورَةً ، وَكَمَا تَقُولُ : صُورَةُ حَدِيثِكَ كَذَا وَصُورَةُ الْأَمْرِ كَذَا ، وَالْحَدِيثُ وَالْأَمْرُ لَا صُورَةَ لَهُمَا حَقِيقَةً ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصُّورَةِ الصِّفَةُ ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْبَيْهَقِيِّ ، وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ مَعْنَاهُ صُورَةُ الِاعْتِقَادِ ، وَأَجَازَ الْخَطَّابِيُّ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ خَرَجَ عَلَى وَجْهِ الْمُشَاكَلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالطَّوَاغِيتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ هَذَا هُنَاكَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ : نَعُوذُ بِكَ . وَقَالَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا : يَحْتَمِلُ أَنْ يُشِيرَ بِذَلِكَ إِلَى مَا عَرَفُوهُ حِينَ أَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ ثُمَّ أَنْسَاهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ يُذَكِّرُهُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ ، وَقَوْلُهُ : فَإِذَا رَأَيْنَا رَبَّنَا عَرَفْنَاهُ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، عَنِ الْمُهَلَّبِ : إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لَهُمْ مَلَكًا لِيَخْتَبِرَهُمْ فِي اعْتِقَادِ صِفَاتِ رَبِّهِمُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، فَإِذَا قَالَ لَهُمْ : أَنَا رَبُّكُمْ رَدُّوا عَلَيْهِ لِمَا رَأَوْا عَلَيْهِ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ ، فَقَوْلُهُ : فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ ، أَيْ : إِذَا ظَهَرَ لَنَا فِي مُلْكٍ لَا يَنْبَغِي لِغَيْرِهِ ، وَعَظَمَةٍ لَا تُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَحِينَئِذٍ يَقُولُونَ : أَنْتَ رَبُّنَا ، قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ عَلَامَةٌ تَعْرِفُونَهَا ، فَيَقُولُونَ : السَّاقُ ، فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنَّ اللَّهَ عَرَّفَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَوِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمْ عَلَامَةً تَجَلِّيهِ السَّاقُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَمْتَحِنُهُمْ بِإِرْسَالِ مَنْ يَقُولُ لَهُمْ : أَنَا رَبُّكُمْ ، وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ وَهِيَ وَإِنْ وَرَدَ أَنَّهَا فِي عَذَابِ الْقَبْرِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَتَنَاوَلَ يَوْمَ الْمَوْقِفِ أَيْضًا ، قَالَ : وَأَمَّا السَّاقُ فَجَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ قَالَ : عَنْ شِدَّةٍ مِنَ الْأَمْرِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : قَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ إِذَا اشْتَدَّتْ ، وَمِنْهُ : قَدْ سَنَّ أَصْحَابُكَ ضَرْبَ الْأَعْنَاقِ وَقَامَتِ الْحَرْبُ بِنَا عَلَى سَاقِ وَجَاءَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي تَفْسِيرِهَا عَنْ نُورٍ عَظِيمٍ . قَالَ ابْنُ فَوْرَكٍ : مَعْنَاهُ مَا يَتَجَدَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْأَلْطَافِ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : كَشْفُ السَّاقِ لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةٌ وَلِغَيْرِهِمْ نِقْمَةٌ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَهَيَّبَ كَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ الْخَوْضَ فِي مَعْنَى السَّاقِ ، وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنْ قُدْرَتِهِ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا الشِّدَّةُ . وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ الْأَثَرَ الْمَذْكُورَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِسَنَدَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا حَسَنٌ ، وَزَادَ : إِذَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَتْبِعُوهُ مِنَ الشِّعْرِ ، وَذَكَرَ الرَّجَزَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ ، وَأَنْشَدَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِطْلَاقِ السَّاقِ عَلَى الْأَمْرِ الشَّدِيدِ : فِي سَنَةٍ قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقِهَا وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : يُرِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ النَّفْسُ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً ، فَيَذْهَبُ كَيْمَا يَسْجُدُ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا ، ذَكَرَ الْعَلَّامَةُ جَمَالُ الدِّينِ بْنُ هِشَامٍ فِي الْمُغْنِي أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَيْمَا مُجَرَّدَةً وَلَيْسَ بَعْدَهَا لَفْظُ يَسْجُدُ ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنِ الْكُوفِيِّينَ : إِنَّ كَيْ نَاصِبَةٌ دَائِمًا ، قَالَ : وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُمْ : كَيْمَهْ ، كَمَا يَقُولُونَ : لِمَهْ ، وَأَجَابُوا بِأَنَّ التَّقْدِيرَ كَيْ تَفْعَلَ مَاذَا ، وَيَلْزَمُهُمْ كَثْرَةُ الْحَذْفِ وَإِخْرَاجُ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّةُ عَنِ الصَّدْرِ وَحَذْفُ أَلِفِهَا فِي غَيْرِ الْجَرِّ ، وَحَذْفُ الْفِعْلِ الْمَنْصُوبِ مَعَ بَقَاءِ عَامِلِ النَّصْبِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ ، نَعَمْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ فَيَذْهَبُ كَيْمَا فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا ، أَيْ : كَيْمَا يَسْجُدُ ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا لَا يَحْتَمِلُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَكَأَنَّهُ وَقَعَتْ لَهُ نُسْخَةٌ سَقَطَتْ مِنْهَا هَذِهِ اللَّفْظَةُ ؛ لَكِنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا حَتَّى أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ ذَكَرَهَا بِلَفْظِ : كَيْ يَسْجُدَ بِحَذْفِ مَا ، وَكَلَامُ ابْنِ هِشَامٍ يُوهِمُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَهُ فِي التَّفْسِيرِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ ذَكَرَهَا هُنَا فَقَطْ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقِصَّةِ أَبِي لَهَبٍ ، وَأَنَّ اللَّهَ كَلَّفَهُ الْإِيمَانَ بِهِ مَعَ إِعْلَامِهِ بِأَنَّهُ يَمُوتُ عَلَى الْكُفْرِ ، وَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ، قَالَ : وَمَنَعَ الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَتَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَأَجَابُوا عَنِ السُّجُودِ بِأَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ إِلَيْهِ تَبْكِيتًا إِذْ أَدْخَلُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الْمُؤْمِنِينَ السَّاجِدِينَ فِي الدُّنْيَا فَدُعُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى السُّجُودِ فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ ، فَأَظْهَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ نِفَاقَهُمْ وَأَخْزَاهُمْ ، قَالَ : وَمِثْلُهُ مِنَ التَّبْكِيتِ مَا يُقَالُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ : ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا وَلَيْسَ فِي هَذَا تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ ، بَلْ إِظْهَارُ خِزْيِهِمْ ، وَمِثْلُهُ مَنْ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً فَإِنَّهَا لِلزِّيَادَةِ فِي التَّوْبِيخِ وَالْعُقُوبَةِ ، انْتَهَى . وَلَمْ يَجِبْ عَنْ قِصَّةِ أَبِي لَهَبٍ ، وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ لَمْ تَقَعْ إِلَّا بِالْإِيمَانِ فَقَطْ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَةُ الذَّيْلِ ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا ، وَقَوْلُهُ : قَالَ : مَدْحَضَةٌ : مَزِلَّةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ ، وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَتَشْدِيدُ اللَّامِ ، قَالَ : أَيْ : مَوْضِعُ الزَّلَلِ ، وَيُقَالُ بِالْكَسْرِ فِي الْمَكَانِ ، وَبِالْفَتْحِ فِي الْمَقَالِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، عَنِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا الدَّحْضُ الزَّلَقُ ، لِيَدْحَضُوا لِيَزْلَقُوا زَلَقًا لَا يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ ، وَهَذَا قَدْ تَقَدَّمَ لَهُمْ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْكَهْفِ ، وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ : عَلَيْهِ خَطَاطِيفٌ وَكَلَالِيبٌ ، تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَقَوْلُهُ : وَحَسَكَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ . قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُ : الْحَسَكُ : نَبَاتٌ لَهُ ثَمَرٌ خَشِنٌ يَتَعَلَّقُ بِأَصْوَافِ الْغَنَمِ ، وَرُبَّمَا اتُّخِذَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيدٍ ، وَهُوَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ ، وَقَوْلُهُ : مُفَلْطَحَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ بَعْدَهَا طَاءٌ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَتَانِ ، كَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : مُطَلْفَحَةٌ بِتَقْدِيمِ الطَّاءِ وَتَأْخِيرِ الْفَاءِ وَاللَّامُ قَبْلَهَا ، وَلِبَعْضِهِمْ كَالْأَوَّلِ لَكِنْ بِتَقْدِيمِ الْحَاءِ عَلَى الطَّاءِ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ اتِّسَاعٌ وَهُوَ عَرِيضٌ ، يُقَالُ : فَلْطَحَ الْقُرْصَ بَسَطَهُ وَعَرَّضَهُ ، وَقَوْلُهُ : شَوْكَةٌ عَقِيفَةٌ بِالْقَافِ ثُمَّ الْفَاءِ وَزْنُ عَظِيمَةٌ ، وَلِبَعْضِهِمْ عُقَيْفَاءُ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ مَمْدُودٌ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَرَأْتُ فِي تَنْقِيحِ الزَّرْكَشِيِّ : وَقَعَ هُنَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بَعْدَ شَفَاعَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ : بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا ، وَتَمَسَّكَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي تَجْوِيزِ إِخْرَاجِ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّارِ ، وَرُدَّ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ضَعِيفَةٌ ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ ، وَالثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَيْرِ الْمَنْفِيِّ مَا زَادَ عَلَى أَصْلِ الْإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْأَحَادِيثِ هَكَذَا قَالَ ، وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ غَلَطٌ مِنْهُ ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ مُتَّصِلَةٌ هُنَا ، وَأَمَّا نِسْبَةُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الْحَقِّ فَغَلَطٌ عَلَى غَلَطٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ إِلَّا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى وَقَعَ فِيهَا : أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ . قَالَ : هَذِهِ الرِّوَايَةُ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ ، وَلَمَّا سَاقَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي فِي هَذَا الْبَابِ سَاقَهُ بِلَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَتَعَقَّبْنَاهُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا انْقِطَاعَ فِي السَّنَدِ أَصْلًا ، ثُمَّ إِنَّ لَفْظَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ هُنَا لَيْسَ كَمَا سَاقَهُ الزَّرْكَشِيُّ ، وَإِنَّمَا فِيهِ : فَيَقُولُ الْجَبَّارُ : بَقِيَتْ شَفَاعَتِي فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ : فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الزَّرْكَشِيُّ ذَكَرَهُ بِالْمَعْنَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ · ص 437 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة · ص 128 66 - حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : قلنا : يا رسول الله ، هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ قال : هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا ؟ قلنا : لا ، قال : فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما ، ثم قال : ينادي مناد ليذهب كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ، فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم ، وأصحاب الأوثان مع أوثانهم ، وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم ، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر وغبرات من أهل الكتاب ، ثم يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب ، فيقال لليهود : ما كنتم تعبدون ؟ قالوا : كنا نعبد عزيرا ابن الله ، فيقال : كذبتم ، لم يكن لله صاحبة ولا ولد ، فما تريدون ؟ قالوا : نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا ، فيتساقطون في جهنم ، ثم يقال للنصارى : ما كنتم تعبدون ؟ فيقولون : كنا نعبد المسيح ابن الله ، فيقال : كذبتم ، لم يكن لله صاحبة ولا ولد ، فما تريدون ؟ فيقولون : نريد أن تسقينا ، فيقال : اشربوا ، فيتساقطون ، حتى يبقى من كان يعبد الله من بر أو فاجر ، فيقال لهم : ما يحبسكم وقد ذهب الناس ، فيقولون : فارقناهم ونحن أحوج منا إليه اليوم ، وإنا سمعنا مناديا ينادي : ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون ، وإنما ننتظر ربنا ، قال : فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيه أول مرة ، فيقول : أنا ربكم ، فيقولون : أنت ربنا ، فلا يكلمه إلا الأنبياء فيقول : هل بينكم وبينه آية تعرفونه ؟ فيقولون : الساق ، فيكشف عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ، ويبقى من كان يسجد لله رياء وسمعة ، فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا ، ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهري جهنم ، قلنا : يا رسول الله ، وما الجسر ؟ قال : مدحضة مزلة ، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة عقيفاء تكون بنجد يقال لها السعدان ، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب ، فناج مسلم وناج مخدوش ومكدوس في نار جهنم ، حتى يمر آخرهم يسحب سحبا ، فما أنتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار ، وإذا رأوا أنهم قد نجوا في إخوانهم يقولون : ربنا ، إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويعملون معنا ، فيقول الله تعالى : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ، ويحرم الله صورهم على النار ، فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه وإلى أنصاف ساقيه ، فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه ، فيخرجون من عرفوا ، ثم يعودون فيقول : اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه ، فيخرجون من عرفوا . قال أبو سعيد : فإن لم تصدقوني فاقرؤوا : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون ، فيقول الجبار : بقيت شفاعتي ، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له ماء الحياة ، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبة في حميل السيل ، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة وإلى جانب الشجرة ، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر ، وما كان منها إلى الظل كان أبيض ، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ ، فيجعل في رقابهم الخواتيم فيدخلون الجنة ، فيقول أهل الجنة : هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ، فيقال لهم : لكم ما رأيتم ومثله معه . مطابقته للترجمة ظاهرة . ويحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي المصري ، يروي عن الليث بن سعد ، عن خالد بن يزيد من الزيادة الجمحي ، عن سعيد بن أبي هلال الليثي المدني ، عن زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - عن عطاء بن يسار ضد اليمين ، عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك . والحديث مضى في تفسير سورة النساء عن محمد بن عبد العزيز . قوله : تضارون بالتخفيف ، أي : لا يلحقكم ضرر ولا يخالف بعضكم بعضا ولا تتنازعون ، ويروى بالتشديد ، أي : لا تضارون أحدا ، فتسكن الراء الأولى وتدغم في التي بعدها ، وحذف مفعوله لبيان معناه . قوله : إذا كانت صحوا أي : ذات صحو ، وفي الصحاح : أصحت السماء انقشع عنها الغيم فهي مصحية ، وقال الكسائي : فهي صحو ، ولا تقل مصحية . قوله : إلا كما تضارون بفتح التاء المثناة من فوق وضمها وتشديد الراء وتخفيفها . قوله : وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم ، وفي رواية : مع إلههم بالإفراد . قوله : وغبرات بضم الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة ، أي : بقايا ، وقال الكرماني : جمع غابر ، وليس كذلك ، بل هو جمع غبر ، وغبر الشيء بقيته ، وقال ابن الأثير : الغبرات جمع غبر ، والغبر جمع غابر . قوله : كأنها سراب هو الذي يتراءى للناس في القاع المستوي وسط النهار في الحر الشديد لامعا ، مثل الماء يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا . قوله : عزير اسم منصرف ، وإن كانت فيه العجمة والعلمية مثل نوح ولوط . قوله : فيقال كذبتم قيل : كانوا صادقين في عبادة عزير ، وأجيب بأنهم كذبوا في كونه ابن الله . قال الكرماني : فإن قلت : المرجع هو الحكم الواقع لا المشار إليه فالصدق والكذب راجعان إلى الحكم بالعبادة لا إلى الحكم بكونه ابنا . قلت : إن الكذب راجع إلى الحكم بالعبادة المقيدة وهي منتفية في الواقع باعتبار انتفاء قيدها ، وهو في حكم القضيتين كأنهم قالوا : عزير هو ابن الله ونحن كنا نعبده فكذبهم في القضية الأولى . قوله : فيتساقطون لشدة عطشهم وإفراط حرارتهم . قوله : ما يحبسكم بالحاء المهملة والباء الموحدة من الحبس هكذا في رواية الكشميهني أي : ما يمنعكم من الذهاب ، وفي رواية غيره ما يجلسكم بالجيم واللام من الجلوس أي : ما يقعدكم عن الذهاب . قوله : فيقولون فارقناهم أي : الناس في الدنيا وكنا في ذلك الوقت أحوج إليهم منا في هذا اليوم ، فكل واحد هو المفضل والمفضل عليه ، لكن باعتبار زمانين أي : نحن فارقنا أقاربنا وأصحابنا ممن كانوا يحتاج إليهم في المعاش؛ لزوما لطاعتك ومقاطعة لأعداء الدين ، وغرضهم منه التضرع إلى الله في كشف هذه خوفا من المصاحبة معهم في النار يعني كما لم نكن مصاحبين لهم في الدنيا لا نكون مصاحبين لهم في الآخرة . قوله : في صورة أي : في صفة وأطلق الصورة على سبيل المشاكلة ، واستدل ابن قتيبة بذكر الصورة على أن لله صورة لا كالصور كما ثبت أنه شيء لا كالأشياء . وقال ابن بطال : تمسكت به المجسمة فأثبتوا لله صورة ، ولا حجة لاحتمال أن تكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلا على معرفته ، كما يسمى الدليل والعلامة صورة . قوله : غير صورته التي رأوه أول مرة قيل : يحتمل أن يشير بذلك إلى ما عرفوه حين أخرج ذرية آدم من صلبه ، ثم أنساهم ذلك في الدنيا ، ثم يذكرهم بها في الآخرة . قوله : فإذا رأينا ربنا عرفناه قال ابن بطال عن المهلب : إن الله يبعث لهم ملكا ليختبرهم في اعتقاد صفات ربهم الذي ليس كمثله شيء ، فإذا قال لهم : أنا ربكم ردوا عليه لما رأوا عليه من صفة المخلوق ، فقوله : فإذا جاء ربنا عرفناه أي : إذا أظهر لنا في ملك لا ينبغي لغيره ، وعظمته لا تشبه شيئا من مخلوقاته فحينئذ يقولون : أنت ربنا . قال : وأما قوله : هل بينكم وبينه آية تعرفونه ؟ فيقولون : الساق فهذا يحتمل أن الله عرفهم على ألسنة الرسل من الملائكة والأنبياء أن الله جعل لهم علامة تجلية الساق . قوله : يكشف على صيغة المجهول ، والمعروف عن ساقه فسر الساق بالشدة أي : يكشف عن شدة ذلك اليوم وأمر مهول ، وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر كما يقال : قامت الحرب على ساق . وجاء عن ابن عباس في قوله : يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ قال : عن شدة من الأمر ، وقيل : المراد به النور العظيم ، وقيل : هو جماعة من الملائكة يقال : ساق من الناس ، كما يقال : رجل من جراد ، وقيل : هو ساق يخلقه الله خارجا عن السوق المعتادة ، وقيل : جاء الساق بمعنى النفس أي : تتجلى لهم ذاته . قوله : رياء أي : ليراه الناس . قوله : وسمعة أي : ليسمعه الناس . قوله : فيذهب كيما يسجد لفظة كي هنا بمنزلة لام التعليل في المعنى ، والعمل دخلت على كلمة ما المصدرية بعدها أن مضمرة تقديره يذهب لأجل السجود . قوله : طبقا واحدا الطبق فقار الظهر أي : صار فقارة واحدة كالصفحة فلا يقدر على السجود ، وقيل : الطبق عظم رقيق يفصل بين كل فقارين ، وقال ابن بطال : تمسك به من أجاز تكليف ما لا يطاق من الأشاعرة ، والمانعون تمسكوا بقوله تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا ورد عليهم بأن هذا ليس فيه تكليف ما لا يطاق ، وإنما هو خزي وتوبيخ إذ أدخلوا أنفسهم بزعمهم في جملة المؤمنين الساجدين في الدنيا ، وعلم الله منهم الرياء في سجودهم فدعوا في الآخرة إلى السجود كما دعي المؤمنون المحقون فيتعذر السجود عليهم ، وتعود ظهورهم طبقا واحدا ويظهر الله تعالى نفاقهم ، فأخبرهم وأوقع الحجة عليهم . قوله : ثم يؤتى بالجسر بفتح الجيم وكسرها حكاهما ابن السكيت والجوهري . قوله : مدحضة من دحضت رجله دحضا زلقت ، ودحضت الشمس عن كبد السماء زالت ، ودحضت حجته بطلت . قوله : مزلة من زلت الأقدام سقطت . وقال الكرماني : مزلة بكسر الزاي وفتحها بمعنى المزلقة أي : موضع تزلق فيه الأقدام ، ومدحضة أي : محل ميل الشخص وهما بفتح الميم ومعناهما متقاربان . قوله : خطاطيف جمع خطاف بالضم وهو الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء والكلاليب جمع كلوب ، وقد مر تفسيره في الحديث الماضي . قوله : وحسكة بفتحات وهي شوكة صلبة معروفة قاله ابن الأثير ، وقال صاحب التهذيب وغيره : الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم ، وربما اتخذ مثله من حديد وهو من آلات الحرب . وقال الجوهري : الحسك حسك السعدان ، والحسكة ما يعمل من حديد على مثاله . قوله : مفلطحة بضم الميم وفتح الفاء وسكون اللام وفتح الطاء المهملة وبالحاء المهملة أي : عريضة هكذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني مطلفحة بتقديم الطاء وتأخير الفاء واللام قبلها من طلفحه إذا أرقه ، والطلافح العراض ، والأول هو المعروف في اللغة يعني عريض يقال : فلطح القرص إذا بسطه وعرضه . قوله : عقيفاء بضم العين المهملة وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء ممدودا ، ويروى عقيفة على وزن كريمة ، وهي المنعطفة المعوجة . قوله : المؤمن عليها أي : يمر عليها كالطرف بكسر الطاء وهو الكريم من الخيل وبالفتح البصر يعني كلمح البصر ، وهذا هو الأولى لئلا يلزم التكرار . قوله : وكأجاويد الخيل جمع الأجواد وهو جمع الجواد وهو فرس بين الجودة بالضم رائع . قوله : والركاب الإبل واحدتها الراحلة من غير لفظها . قوله : مسلم بفتح اللام المشددة . قوله : مخدوش أي : مخموش ممزوق قاله الكرماني من الخمش بالمعجمتين ، وهو تمزيق الوجه بالأظافير . قوله : ومكدوس بالمهملتين أي : مصروع ، ويروى بالشين المعجمة أي : مدفوع مطرود ، ويروى مكردس بالمهملات من كردست الدواب إذا ركب بعضها بعضا يعني أنهم ثلاثة أقسام : قسم مسلم لا يناله شيء ، وقسم يخدش ثم يسلم ويخلص ، وقسم يسقط في جهنم . قوله : وآخرهم أي : آخر الناجين يسحب على صيغة المجهول . قوله : فما أنتم بأشد لي مناشدة أي : مطالبة . قوله : قد تبين جملة حالية . قوله : من المؤمن صلة أشد . قوله : للجبار ، وقوله : في إخوانهم كلاهما متعلق بمناشدة مقدرة أي : ليس طلبكم مني في الدنيا في شأن حق يكون ظاهرا لكم أشد من طلب المؤمنين من الله في الآخرة في شأن نجاة إخوانهم من النار ، والغرض شدة اعتناء المؤمنين بالشفاعة لإخوانهم . قوله : في إخوانهم ، ويروى وبقي إخوانهم فإن قلت : المؤمن مفرد فلم جمع الضمير ؟ قلت : باعتبار الجمع المراد من لفظ الجنس ، وكان القياس أن يقال : إذا رأى بدون الواو ولكن قوله : في إخوانهم مقدم عليه حكما ، وهذا خبر مبتدأ محذوف أي : وذلك إذا رأوا نجاة أنفسهم يقولون : ربنا إخواننا إلخ . وقال الكرماني : يقولون استئناف كلام ، قلت : الذي يظهر من حل التركيب أنه جواب إذا والله أعلم . قوله : فأخرجوه صيغة أمر للجماعة قوله : فيخرجون بضم الياء من الإخراج قوله : من عرفوا مفعوله وكذلك البواقي قوله : ذرة بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء . وقال ابن الأثير سئل ثعلب عنها فقال : إن مائة نملة وزن حبة والذرة واحدة منها ، وقيل : الذرة ليس لها وزن ، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة . قوله : قال أبو سعيد هو الخدري راوي الحديث . قوله : بأفواه الجنة الأفواه جمع فوهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة على غير القياس ، وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها ، والمراد مفتتح مسالك قصور الجنة . قوله : في حافتيه تثنية حافة بتخفيف الفاء وهي الجانب . قوله : الخواتيم أراد أشياء من الذهب تعلق في أعناقهم كالخواتيم علامة يعرفون بها ، وهم كاللآلئ في صفائهم . قوله : بغير عمل عملوه أي : في الدنيا ، ولا خير قدموه في الدنيا إلى الآخرة ، أراد مجرد الإيمان دون أمر زائد عليه من الأعمال والخيرات ، وعلم منه أن شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين فيمن كان له طاعة غير الإيمان الذي لا يطلع عليه إلا الله .