7562- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يُحَدِّثُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ إِلَى فُوقِهِ ، قِيلَ : مَا سِيمَاهُمْ ؟ قَالَ : سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ - أَوْ قَالَ : التَّسْبِيدُ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : قَوْلُهُ : ( عَنْ مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ ) هُوَ أَخُو مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَالسَّنَدُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ إِلَّا الصَّحَابِيَّ وَقَدْ دَخَلَ الْبَصْرَةَ . قَوْلُهُ : ( يَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ) تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ أَنَّهُمْ الْخَوَارِجُ وَبَيَانُ مَبْدَأِ أَمْرِهِمْ وَمَا وَرَدَ فِيهِمْ ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ خُرُوجِهِمْ فِي الْعِرَاقِ وَهِيَ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ) جَمْعُ تَرْقُوَةٍ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الْوَاوِ ، وَهِيَ الْعَظْمُ الَّذِي بَيْنَ نَقْرَةِ النَّحْرِ وَالْعَاتِقِ ، وَذَكَرَهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِلَفْظِ حَنَاجِرَهُمْ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ وَهِيَ الْحُلْقُومُ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ الْحُلْقُومِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ حَنَاجِرَهُمْ ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِ التَّوْحِيدِ . قَوْلُهُ : ( قِيلَ : مَا سِيمَاهُمْ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ عَلَامَتُهُمْ ، وَالسَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِهِ . قَوْلُهُ : ( التَّحْلِيقُ أَوْ قَالَ التَّسْبِيدُ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ بِمَعْنَى التَّحْلِيقِ ، وَقِيلَ : أَبْلَغُ مِنْهُ وَهُوَ بِمَعْنَى الِاسْتِئْصَالِ وَقِيلَ : إِنْ نَبَتَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَقِيلَ هُوَ تَرْكُ دَهْنِ الشَّعْرِ وَغَسْلُهُ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : فِيهِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْعَلَامَةِ وُجُودُ ذِي الْعَلَامَةِ فَيَسْتَلْزِمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ فَهُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ ، وَالْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ اتِّفَاقًا ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا لَا يَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ إِلَّا لِلنُّسُكِ أَوْ فِي الْحَاجَةِ ، وَالْخَوَارِجُ اتَّخَذُوهُ دَيْدَنًا فَصَارَ شِعَارًا لَهُمْ وَعُرِفُوا بِهِ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَلْقُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَجَمِيعُ شُعُورِهِمْ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِفْرَاطُ فِي الْقَتْلِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الْمُخَالَفَةِ فِي أَمْرِ الدِّيَانَةِ . قُلْتُ : الْأَوَّلُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنَ الْخَوَارِجِ ، وَالثَّانِي مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ طُرُقَ الْحَدِيثِ الْمُتَكَاثِرَةِ كَالصَّرِيحَةِ فِي إِرَادَةِ حَلْقِ الرَّأْسِ ، وَالثَّالِثُ كَالثَّانِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ لِابْنِ بَطَّالٍ فِي وَصْفِ الْخَوَارِجِ خَبْطٌ أَرَدْتُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي قَوْمٍ عَرَفَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْوَحْيِ ، أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِبِدْعَتِهِمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ ، وَهُمُ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ حِينَ قَالُوا : إِنَّكَ رَبُّنَا ، فَاغْتَاظَ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَحُرِّقُوا بِالنَّارِ ، فَزَادَهُمْ ذَلِكَ فِتْنَةً وَقَالُوا : الْآنَ تَيَقَّنَّا أَنَّكَ رَبُّنَا ؛ إِذْ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللَّهُ ، انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ لِعَلِيٍّ فِي الْفِتَنِ وَلَيْسَتْ لِلْخَوَارِجِ وَإِنَّمَا هِيَ لِلزَّنَادِقَةِ كَمَا وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَوَقَعَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ لِلرَّافِعِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ الْخَوَارِجِ قَالَ : هُمْ فِرْقَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ خَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّهُ يَعْرِفُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقْتَصُّ مِنْهُمْ لِرِضَاهُ بِقَتْلِهِ وَمُوَاطَأَتِهِ إِيَّاهُمْ ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً فَقَدْ كَفَرَ وَاسْتَحَقَّ الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَيَطْعَنُونَ لِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ انْتَهَى . وَلَيْسَ الْوَصْفُ الْأَوَّلُ فِي كَلَامِهِ وَصْفَ الْخَوَارِجِ الْمُبْتَدِعَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَصْفُ النَّوَاصِبِ أَتْبَاعِ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَمِنْ مُعْتَقَدِهِمْ تَكْفِيرُ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ قُتِلَ بِحَقٍّ ، وَلَمْ يَزَالُوا مَعَ عَلِيٍّ حَتَّى وَقَعَ التَّحْكِيمُ بِصِفِّينَ فَأَنْكَرُوا التَّحْكِيمَ وَخَرَجُوا عَلَى عَلِيٍّ وَكَفَّرُوهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِمْ مَبْسُوطًا فِي كِتَابِ الْفِتَنِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قِرَاءَةِ الْفَاجِرِ وَالْمُنَافِقِ وَأَصْوَاتُهُمْ وَتِلَاوَتُهُمْ لَا تُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ · ص 546 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قراءة الفاجر والمنافق وأصواتهم وتلاوتهم لا تجاوز حناجرهم · ص 201 186 - حدثنا أبو النعمان ، حدثنا مهدي بن ميمون سمعت محمد بن سيرين يحدث عن معبد بن سيرين ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يخرج ناس من قبل المشرق ويقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه قيل : ما سيماهم قال : سيماهم التحليق أو قال التسبيد . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم . وأخرجه عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، عن مهدي بن ميمون الأزدي ، عن محمد بن سيرين ، عن أخيه معبد بن سيرين بفتح الميم والأربعة بصريون . قوله : يخرج ناس من قبل المشرق تقدم في الفتن أنهم الخوارج . قوله : تراقيهم جمع ترقوة بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو ، وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق . قوله : يمرقون أي : يخرجون . قوله : من الرمية بكسر الميم الخفيفة وتشديد الياء آخر الحروف فعيلة بمعنى المرمية أي : المرمى إليها . قوله : إلى فوقه بضم الفاء وهو موضع الوتر من السهم . قوله : ما سيماهم بكسر المهملة مقصورا وممدودا العلامة . قوله : التحليق هو إزالة الشعر . قوله : أو التسبيد بالمهملة والباء الموحدة ، وهو استيصال الشعر ، فإن قلت : يلزم من وجود العلامة وجود ذي العلامة ، فكل محلوق الرأس منهم لكنه خلاف الإجماع ، قلت : كان في عهد الصحابة لا يحلقون رؤوسهم إلا في النسك أو الحاجة ، وأما هؤلاء فقد جعلوا الحلق شعارهم ، ويحتمل أن يراد به حلق الرأس واللحية وجميع شعورهم .