718 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقِيمُوا الصُّفُوفَ ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي . قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : ( أَقِيمُوا ) أَيْ : عَدِّلُوا ، يُقَالُ : أَقَامَ الْعُودَ إِذَا عَدَلَهُ وَسَوَّاهُ . قَوْلُهُ : ( فَإِنِّي أَرَاكُمْ ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى سَبَبِ الْأَمْرِ بِذَلِكَ ، أَيْ : إِنَّمَا أَمَرْتُ بِذَلِكَ ؛ لِأَنِّي تَحَقَّقْتُ مِنْكُمْ خِلَافَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي الْمُرَادِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي بَابِ عِظَةِ الْإِمَامِ النَّاسَ فِي إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ الْمُخْتَارَ حَمْلُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا خَلْقُ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ لَهُ بِذَلِكَ وَنَحْوُ ذَلِكَ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَا حَاجَةَ إِلَى تَأْوِيلِهَا ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى تَعْطِيلِ لَفْظِ الشَّارِعِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : بَلْ حَمْلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا أَوْلَى ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً فِي كَرَامَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا · ص 243 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب تَسْوِيَةِ الصفُّوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعَدْهَاَ · ص 248 71 - باب تَسْوِيَةِ الصفُّوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعَدْهَاَ 717 - حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك ، ثنا شعبة ، قالَ : أخبرني عمرو بن مرة ، قالَ : سمعت سالم بن أبي الجعد ، قالَ : سمعت النعمان بن بشير ، قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) . 718 - حدثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس بن مالك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ : ( أتموا الصفوف ؛ فإني أراكم خلف ظهري ) . حديث النعمان ، خرجه مسلم من رواية سماك بن حرب ، عنه ، بزيادة ، وهي في أوله ، وهي : ( كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي القداح ، حتى رأى أنا قد عقلنا عنه ، ثم خرج يوما فقام حتى كاد يكبر ، فرأى رجلا باديا صدره من الصف ، فقالَ : عباد الله لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) . ومعناه : أنه كانَ يقوم الصفوف ويعدلها قبل الصلاة كما يقوم السهم . وقد توعد على ترك تسوية الصفوف بالمخالفة بين الوجوه ، وظاهره : يقتضي مسخ الوجوه وتحويلها إلى صور الحيوانات أو غيرها ، كما قالَ : ( أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار - أو صورته صورة حمار - ) . وظاهر هذا الوعيد يدل على تحريم ما توعد عليهِ . وفي ( مسند الإمام أحمد ) بإسناد فيهِ ضعف ، عن أبي أمامة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لتسون الصفوف ، أو لتطمسن وجوهكم ، ولتغضن أبصاركم ، أو لتخطفن أبصاركم ) . وقد خرج البيهقي حديث سماك ، عن النعمان ، الذي خرجه مسلم بزيادة في آخره ، وهي : ( أو ليخالفن الله بين وجوهكم يوم القيامة ) . وهذه الزيادة تدل على الوعيد على ذَلِكَ في الآخرة ، لا في الدنيا . وقد روي الوعيد على ذلك باختلاف القلوب ، والمراد : تنافرها وتباينها . فخرج مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري ، قالَ : كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ، ويقول : ( استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ) . وسيأتي من حديث النعمان بن بشير - أيضا - نحوه . وخرج أبو داود والنسائي نحوه من حديث البراء بن عازب . وأما أمره في حديث أنس بإقامة الصفوف ، فالمراد به : تقويمها . وقوله : ( فإني أراكم من وراء ظهري ) إعلام لهم بأنه صلى الله عليه وسلم لا يخفى عليهِ حالهم في الصلاة ؛ فإنه يرى من وراء ظهره كما يرى من بين يديه ، ففي هذا حث لهم على إقامة الصفوف إذا صلوا خلفه . وقد سبق القول في رؤيته وراء ظهره ، وأنه صلى الله عليه وسلم وإن كانَ الله قد توفاه ونقله من هذه الدار ، فإن المصلي يناجي ربه وهو قائم بين يدي من لا يخفى عليهِ سره وعلانيته ، فليحسن وقوفه وصلاته ؛ فإنه بمرأى من الله ومسمع . وقد روي أن تسوية الصفوف وإقامتها توجب تآلف القلوب : فروى الطبراني من طريق سريج بن يونس ، عن أبي خالد الأحمر ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي ، قالَ : قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( استووا تستوي قلوبكم ، وتماسوا تراحموا ) . قالَ سريج : ( تماسوا ) يعني : ازدحموا في الصلاة . وقال غيره : ( تماسوا ) : تواصلوا . واعلم أن الصفوف في الصلاة مما خص الله به هذه الأمة وشرفها به ؛ فإنهم أشبهوا بذلك صفوف الملائكة في السماء ، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وأقسم بالصافات صفا ، وهم الملائكة . وفي ( صحيح مسلم ) عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : ( فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ) ... الحديث . وفيه - أيضا - عن جابر بن سمرة ، قالَ : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالَ : ( ألا تصفون كما تصف الملائكة عندَ ربها ؟ ) فقلنا : يا رسول الله ، وكيف تصف الملائكة عند ربها ؟ قالَ : ( يتمون الصفوف الأولى ، ويتراصون في الصف ) . وروى ابن أبي حاتم من رواية أبي نضرة ، قالَ : كانَ ابن عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه ، ثم قالَ : أقيموا صفوفكم ، استووا قياما ، يريد الله بكم هدي الملائكة ، ثم يقول : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ تأخر فلان ، تقدم فلان ، ثم يتقدم فيكبر . وروى ابن جريج ، عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث ، قالَ : كانوا لا يصفون في الصلاة ، حتى نزلت : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ . وقد روي أن من صفة هذه الأمة في الكتب السالفة : صفهم في الصلاة ، كصفهم في القتال .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها · ص 254 107 - حدثنا أبو معمر ، قال : حدثنا عبد الوارث ، عن عبد العزيز ، عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أقيموا الصفوف فإني أراكم خلف ظهري . مطابقته للترجمة من حيث إن الأمر بإقامة الصفوف هو الأمر بالتسوية ، ورجاله قد مروا ، وأبو معمر بفتح الميمين هو عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد ، وعبد الوارث بن سعيد البصري . وأخرجه مسلم ، عن شيبان ، عن عبد الوارث ، وعند النسائي : كان يقول استووا استووا ، فوالذي نفسي بيده إني لأراكم من خلفي كما أراكم بين يدي . قوله : ( أقيموا الصفوف ) أي عدلوا ، يقال : أقام العود ، أي عدله وسواه ، قوله : ( فإني أراكم خلف ظهري ) الفاء فيه للسببية ، وأشار به إلى أن سبب الأمر بذلك إنما هو تحقيق منكم خلافه ، ولا يخفى ذلك على أني أرى من خلف ظهري كما أرى من بين يدي ، ثم إن هذا يجوز أن يكون إدراكا خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم محققا انخرقت له العادة ، وخلقت له عين وراءه فيرى بها كما ذكر مختار بن محمد في رسالته الناصرية أنه صلى الله عليه وسلم كان بين كتفه عينان مثل سم الخياط فكان يبصر بهما ولا تحجبهما الثياب ، وفي حديث : كان صلى الله عليه وسلم يرى في الظلام كما يرى في الضوء ، وذكر بعض أهل العلم أن ذلك راجع إلى العلم ، وأن معناه لا علم ، وهذا تأويل لا حاجة إليه بل حمل ذلك على ظاهره أولى ، ويكون ذلك زيادة في كرامات الشارع . قاله القرطبي ، وقال أحمد ، وجمهور العلماء : هذه الرؤية رؤية العين حقيقة ، ولا مانع له من جهة العقل ، وورد الشرع به فوجب القول به . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الأمر بتسوية الصفوف ، وهي من سنة الصلاة عند أبي حنيفة والشافعي ومالك ، وزعم ابن حزم أنه فرض لأن إقامة الصلاة فرض ، وما كان من الفرض فهو فرض ، قال صلى الله عليه وسلم : فإن تسوية الصف من تمام الصلاة ؛ فإن قلت : الأصل في الأمر الوجوب ، ولا سيما فيه الوعيد على ترك تسوية الصفوف فدل على أنها واجبة ، قلت : هذا الوعيد من باب التغليظ والتشديد تأكيدا وتحريضا على فعلها ، كذا قاله الكرماني وليس بسديد ؛ لأن الأمر المقرون بالوعيد يدل على الوجوب بل الصواب أن يقول : فلتكن التسوية واجبة بمقتضى الأمر ولكنها ليست من واجبات الصلاة ، بحيث إنه إذا تركها فسدت صلاته أو نقصتها غاية ما في الباب إذا تركها يأثم ، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يوكل رجالا بإقامة الصفوف فلا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت ، وروي عن علي وعثمان رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يتعاهدان ذلك ويقولان : استووا ، وكان علي رضي الله تعالى عنه يقول : تقدم يا فلان ، وتأخر يا فلان ، وروى أبو داود من حديث النعمان بن بشير قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسوي صفوفنا إذا قمنا للصلاة ، وإذا استوينا كبر للصلاة . ولفظ مسلم : كان يسوي صفوفنا حتى كأنما يسوي بها القداح حتى رأى أنا قد غفلنا عنه خرج يوما حتى كاد أن يكبر فرأى رجلا باديا صدره ، فقال : عباد الله لتسون صفوفكم . . الحديث .