126 - بَاب 797 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، عَنْ يَحْيَى ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْنُتُ فِي رَّكْعَةِ الأخرى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَمَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ قَوْلُهُ : ( بَابٌ ) كَذَا لِلْجَمِيعِ بِغَيْرِ تَرْجَمَةٍ إِلَّا لِلْأَصِيلِيِّ فَحَذَفَهُ ، وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَالرَّاجِحُ إِثْبَاتُهُ كَمَا أَنَّ الرَّاجِحَ حَذْفُ بَابٍ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَذْكُورَةَ فِيهِ لَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ إِلَّا بِتَكَلُّفٍ ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَوَّلًا بَابُ مَا يَقُولُ الْإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ، وَذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . اسْتَطْرَدَ إِلَى ذِكْرِ فَضْلِ هَذَا الْقَوْلِ بِخُصُوصِهِ ، ثُمَّ فَصَلَ بِلَفْظِ بَابٍ لِتَكْمِيلِ التَّرْجَمَةِ الْأُولَى ، فَأَوْرَدَ بَقِيَّةَ مَا ثَبَتَ عَلَى شَرْطِهِ مِمَّا يُقَالُ فِي الِاعْتِدَالِ كَالْقُنُوتِ وَغَيْرِهِ . وَقَدْ وَجَّهَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ دُخُولَ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ تَحْتَ تَرْجَمَةِ فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، فَقَالَ : وَجْهُ دُخُولِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْقُنُوتَ لَمَّا كَانَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ كانت هِيَ مِفْتَاحُهُ وَمُقَدِّمَتُهُ ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ سَبَبُ تَخْصِيصِ الْقُنُوتِ بِمَا بَعْدَ ذِكْرِهَا . انْتَهَى . وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ، وَقَدْ تُعُقِّبَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ لَمْ يَقَعْ فِيهِ قَوْلُ : رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَقُولَ وَقَعَ فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ اخْتِصَارٌ وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْأَصْلِ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحَدِيثِ أَنَسٍ ، لَكِنْ لَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا أَوْرَدَهُ اسْتِطْرَادًا لِأَجْلِ ذِكْرِ الْمَغْرِبِ . قَالَ : وَأَمَّا حَدِيثُ رِفَاعَةَ فَظَاهِرٌ فِي أَنَّ الِابْتِدَارَ الَّذِي تَنْشَأُ عَنْهُ الْفَضِيلَةُ إِنَّمَا كَانَ لِزِيَادَةِ قَوْلِ الرَّجُلِ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَتِ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ صِفَةً فِي التَّحْمِيدِ جَارِيَةً مَجْرَى التَّأْكِيدِ لَهُ تَعَيَّنَ جَعْلُ الْأَصْلِ سَبَبًا أَوْ سَبَبًا لِلسَّبَبِ فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تَرْجَمَ بَعْضُهُمْ لَهُ بِبَابِ الْقُنُوتِ وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَايَتِنَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا هِشَامٌ ) هُوَ الدَّسْتُوَائِيُّ ، وَيَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَحْيَى حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ . قَوْلُهُ : ( لَأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَةِ لَأُقَرِّبَنَّ لَكُمْ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ إِنِّي لَأَقْرَبُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى آخِرِهِ ) ، قِيلَ : الْمَرْفُوعُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وُجُودُ الْقُنُوتِ لَا وُقُوعُهُ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ . وَيُوَضِّحُهُ مَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ مِنْ رِوَايَةِ شَيْبَانَ ، عَنْ يَحْيَى مِنْ تَخْصِيصِ الْمَرْفُوعِ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْعَتَمَةِ شَهْرًا ، وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ ، لَكِنْ لَا يُنَافِي هَذَا كَوْنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ فِي غَيْرِ الْعِشَاءِ ، وَالظَّاهِرُ سِيَاقُ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ جَمِيعَهُ مَرْفُوعٌ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي تَعَقُّبِ الْمُصَنِّفِ لَهُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْقُنُوتَ فِي النَّازِلَةِ لَا يَخْتَصُّ بِصَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ ، وَاسْتَشْكَلَ التَّقْيِيدَ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ بِشَهْرٍ لِأَنَّ الْمَحْفُوظَ أَنَّهُ كَانَ فِي قِصَّةِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْوِتْرِ ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ مَنْ كَانَ مَأْسُورًا بِمَكَّةَ ، وَبِالْكَافِرِينَ قُرَيْشٌ ، وَأَنَّ مُدَّتَهُ كَانَتْ طَوِيلَةً فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ بِشَهْرٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَتَعَلَّقُ بِصِفَةٍ مِنَ الدُّعَاءِ مَخْصُوصَةٍ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ . قَوْلُهُ : ( فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْآخِرَةِ ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ بَيَانُ الْخِلَافِ فِي مُدَّةِ الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَحْوَالِ مَنْ سَمَّى مِنْهُمْ . وَقَدِ اخْتَصَرَ يَحْيَى سِيَاقُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَطَوَّلَهُ الزُّهْرِيُّ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ ، وَسَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَتَمَّ مِمَّا سَاقَهُ هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ · ص 331 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب القنوت · ص 77 126 - باب القنوت 797 - حدثنا معاذ بن فضالة ، نا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : لأقربن لكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - . فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر وصلاة العشاء ، وصلاة الصبح ، بعدما يقول : سمع الله لمن حمده فيدعو للمؤمنين ، ويلعن الكفار . 798 - حدثنا عبد الله بن أبي الأسود ، نا إسماعيل ، عن خالد ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، قال : كان القنوت في المغرب والفجر . ليس مقصود البخاري بهذا الباب ذكر القنوت ؛ فإن القنوت قد أفرد له بابا في أواخر أبواب الوتر ، ويأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله سبحانه وتعالى . إنما مراده بتخريج هذين الحديثين في هذا الباب : أن المصلي يشرع له بعد أن يقول : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد أن يدعو ، ولا يقتصر على التسميع والتحميد خاصة . وقد وردت أحاديث صريحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنه كان يزيد في الثناء على التسميع والتحميد ، ولم يخرجها البخاري ، فإنها ليست على شرطه ، وخرج مسلم كثيرا منها . فخرج من حديث علي ، أنه وصف صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر فيها : قال : وإذا رفع من الركوع قال : اللهم ، ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد . وفي رواية أخرى له : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد إلى آخره . وخرج - أيضا - من رواية قيس بن سعد ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من الركوع قال : اللهم ، ربنا ولك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وخرج - أيضا - من حديث الأعمش ، عن عبيد بن الحسن ، عن ابن أبي أوفى ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع ظهره من الركوع قال : سمع الله لمن حمده ، اللهم ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد . وخرجه من حديث شعبة ، عن عبيد ، عن ابن أبي أوفى ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهذا الدعاء ، ولم يذكر فيه : رفع رأسه من الركوع . ورجح الإمام أحمد رواية شعبة ، وقال : أظن الأعمش غلط فيه . يعني : في ذكره : أنه كان يقوله بعد رفع رأسه من الركوع . وقد بين ذلك أبو داود في سننه ، وبسط القول فيه . وفي رواية لمسلم زيادة : اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد ، اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوسخ . وليس في هذه الرواية : ذكر رفع رأسه من الركوع أيضا . وخرج مسلم - أيضا - من حديث قزعة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع قال : ربنا لك الحمد ، ملء السماوات ، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وفي إسناده بعض اختلاف ، وروي مرسلا . وفي الباب أحاديث أخر ، ليست أسانيدها بالقوية . وقد استحب الشافعي وإسحاق قول هذه الأذكار المروية بعد التسميع والتحميد في الصلاة المكتوبة وغيرها . ولم يستحب الكوفيون الزيادة على التسميع والتحميد في الصلاة المكتوبة ، وحملوا ما ورد في الزيادة عليها على صلاة النافلة . وظاهر مذهب الإمام أحمد : أن الإمام والمنفرد يقول كل منهما بعد التحميد : ملء السماوات والأرض ، إلى قوله : من شيء بعد في الصلاة المفروضة وغيرها . وأما المأموم فيقتصر على قول : ربنا ولك الحمد . قيل لأحمد : فيزيد - يعني الإمام والمنفرد - على هذا ، فيقول : أهل الثناء والمجد ؟ قال : قد روي ذلك ، وأما أنا فإني أقول إلى ملء ما شئت من شيء بعد يعني : لا يزيد عليه . وحكي عن أحمد رواية أخرى : أنه يستحب قولها في المكتوبة - أيضا - وهي اختيار أبي حفص العكبري . ومن أصحابنا من قال : من اكتفى في ركوعه وسجوده بأدنى الكمال من التسبيح لم يستحب له الزيادة على ذلك ، ومن زاد على ذلك في التسبيح استحب له قولها ؛ لتقع أركان الصلاة متناسبة في طولها وقصرها ، وحمل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها وتركه على مثل ذلك . وعن أحمد رواية : أن المأموم يستحب له أن يأتي بالتحميد وما بعده من الدعاء ، كالإمام والمنفرد ، غير أنه لا يأتي بالتسميع ، ورجحها بعض أصحابنا المتأخرين .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 72 ( باب ) لم تقع لفظة " باب " في رواية الأصيلي ، وعلى روايته شرح ابن بطال . ووقع في رواية الأكثرين لكن بلا ترجمة ، وقال بعضهم : والراجح إثباته ؛ لأن الأحاديث المذكورة فيه لا دلالة فيها على فضل " اللهم ربنا لك الحمد " إلا بتكلف ، فالأولى أن يكون بمنزلة الفصل من الباب الذي قبله . انتهى . قلت : لا نسلم دعوى التكلف في دلالة الأحاديث المذكورة بعد لفظة " باب " مجردا عن الترجمة على فضل " اللهم ربنا لك الحمد " ؛ لأنه لا يلزم أن تكون الدلالة صريحة ؛ لأن الموضع الذي يكون فيه لفظ " باب " بمعنى الفصل يكون حكمه حكم الفصل ، وحكم الفصل أن تكون الأشياء المذكورة بعده من جنس الأشياء المذكورة فيما قبله ، ولا يلزم أن يكون التطابق بينهما ظاهرا صريحا ، بل وجوده بحيثية من الحيثيات يكفي في ذلك وهاهنا كذلك ؛ لأن المذكور بعد قوله : " باب " ثلاثة أحاديث : الأول : حديث أبي هريرة ، والأصل فيه أنه صلاة كان فيها قنوت ، والصلاة التي فيها القنوت قد ذكر فيها التسميع والتحميد معا ، ويدل ذكر التحميد فيه على فضله ؛ لأن الموضع كان موضع الدعاء فدل هذا الحديث المختصر من الأصل على فضيلة التحميد ؛ من حيث إنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهما في الدعاء ، والذي يدل على الفضل في الأصل صريحا يدل على المختصر منه دلالة . الثاني : حديث أنس الذي يدل على أن القنوت كان في المغرب والفجر ، والكلام فيه كالكلام في حديث أبي هريرة . الثالث : حديث رفاعة بن رافع رضي الله تعالى عنه ، وفيه الدلالة على فضيلة التحميد صريحا ؛ لأن ابتدار الملائكة إنما كان بسبب ذكر الرجل إياه . فإن قلت : لفظ " باب " هذا هل هو معرب أم مبني . قلت : الإعراب لا يكون إلا بعد العقد والتركيب ، فلا يكون معربا ، بل حكمه حكم أعداد الأسماء من غير تركيب ، فافهم . 185 - ( حدثنا معاذ بن فضالة قال : حدثنا هشام ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : لأقربن صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعدما يقول : سمع الله لمن حمده ، فيدعوا للمؤمنين ، ويلعن الكفار ) . وجه ذكر هذا الحديث قد مضى ذكره الآن . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة : الأول : معاذ بن فضالة بفتح الفاء ، أبو زيد البصري . مر ذكره في باب النهي عن الاستنجاء باليمين . الثاني : هشام الدستوائي . الثالث : يحيى بن أبي كثير . الرابع : أبو سلمة بن عبد الرحمن . الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين . وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه عن أبي سلمة . وفي رواية مسلم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه ، عن يحيى ، حدثني أبو سلمة . وفيه أن رواته ما بين بصري ودستوائي ويماني ومدني . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم أيضا في الصلاة ، عن محمد بن المثنى . وأخرجه أبو داود فيه عن داود بن أمية . وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن مسلم البلخي . ذكر معناه : قوله : " لأقربن صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ، وفي رواية مسلم " لأقربن لكم " ، وفي رواية الإسماعيلي " إني لأقربكم صلاة برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ، وفي رواية النسائي " إني لأقربكم شبها بصلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " . وقال الكرماني " لأقربن " أي والله لأقربكم إلى صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو لأقرب صلاته إليكم . قلت : " لأقربن " بالباء الموحدة وبنون التأكيد ، ومعناه لآتينكم بما يشبهها وما يقرب منها ، وفي نسخة من نسخ أبي داود " لأقرأن " من القراءة ، ولم يظهر لي وجهها ، وفي رواية الطحاوي قال أبو هريرة : " لأرينكم صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " . قوله : " فكان أبو هريرة " إلى آخره قيل : المرفوع من هذا الحديث وجود القنوت لا وقوعه في الصلوات المذكورة ؛ فإنه موقوف على أبي هريرة ، والظاهر أن جميعه مرفوع ؛ يدل عليه " لأقربن صلاة النبي " ، وفي رواية مسلم : " لأقربن لكم صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " ، ثم إنه فسر ذلك بقوله : " فكان أبو هريرة " إلى آخره ، والفاء فيه تفسيرية . قوله : " في الركعة الآخرة " هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره " في الركعة الأخرى " . ( ذكر ما يستفاد منه ) : استدل به من يرى بالقنوت في الصلوات المذكورة ، وعند الظاهرية القنوت فعل حسن في جميع الصلوات ، وعند ابن سيرين وابن أبي ليلى ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق : القنوت في الفجر بعد الركوع . وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم في قول ، وعند مالك وابن أبي ليلى وأحمد في رواية هو قبل الركوع ، وعند أبي حنيفة القنوت في الوتر خاصة قبل الركوع ، وحكى ابن المنذر كذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وأنس وعمر بن عبد العزيز وعبيدة السلماني وحميد الطويل وعبد الله بن المبارك . وحكى ابن المنذر أيضا التخيير قبل الركوع وبعده - عن أنس وأيوب ابن أبي تميمة وأحمد بن حنبل ، وقال أبو داود : قال أحمد : كل ما روى البصريون عن عمر في القنوت فهو بعد الركوع . وروى الكوفيون قبل الركوع ، وقال الترمذي : وقال أحمد وإسحاق : لا يقنت في الفجر إلا عند نازلة تنزل بالمسلمين ، فإذا نزلت نازلة فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين ، وقال سفيان الثوري : إن قنت في الفجر فحسن ، وإن لم يقنت فحسن ، واختار أن لا يقنت ، ولم ير ابن المبارك القنوت في الفجر ، وقال الطحاوي : حدثنا ابن أبي داود ، حدثنا المقدمي ، حدثنا أبو معشر ، حدثنا أبو حمزة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن ابن مسعود قال : " قنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شهرا يدعو على عصية وذكوان ، فلما ظهر عليهم ترك القنوت " ، وكان ابن مسعود لا يقنت في صلاته ، ثم قال : فهذا ابن مسعود يخبر أن قنوت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي كان يقنته إنما كان من أجل من كان يدعو عليه ، وأنه قد كان ترك ذلك ، فصار القنوت منسوخا ، فلم يكن هو من بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقنت ، وكان أحد من روى عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أيضا عبد الله بن عمر ، ثم أخبر أن الله عز وجل نسخ ذلك حين أنزل على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ فصار ذلك عند ابن عمر منسوخا أيضا ، فلم يكن هو يقنت بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وكان ينكر على من كان يقنت ، وكان أحد من روي عنه القنوت ، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عبد الرحمن بن أبي بكر ، فأخبر في حديثه بأن ما كان يقنت به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعاء على من كان يدعو عليه ، وأن الله عز وجل نسخ ذلك بقوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ الآية . ففي ذلك أيضا وجوب ترك القنوت في الفجر . ( فإن قلت ) : قد ثبت عن أبي هريرة أنه كان يقنت في الصبح بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكيف تكون الآية ناسخة لجملة القنوت . قلت : يحتمل أن يكون نزول هذه الآية لم يكن أبو هريرة علمه ، فكان يعمل على ما علم من فعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقنوته إلى أن مات ؛ لأن الحجة لم تثبت عنده بخلاف ذلك ألا ترى إلى أن عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهم لما علما بنزول هذه الآية وعلما كونها ناسخة لما كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل تركا القنوت .