128 - بَاب يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ وَقَالَ نَافِعٌ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ . 803 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ، ثُمَّ يَقُولُ : سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ . ثُمَّ يَقُولُ : رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ . قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ ، ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ . حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنْ الْجُلُوسِ فِي الِاثْنَتَيْنِ ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ الصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : رُوِّينَاهُ بِالْفَتْحِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِالضَّمِّ وَالْفَتْحُ أَرْجَحُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا بِالْوَجْهَيْنِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِلَخْ ) وَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ بِهَذَا ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ ، وَيَقُولُ : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَهْمًا ، يَعْنِي رَفْعَهُ . قَالَ : وَالْمَحْفُوظُ مَا اخْتَرْنَا . ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ ، وَإِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا . اهـ . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : هَذَا الْمَوْقُوفُ غَيْرُ الْمَرْفُوعِ ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ فِي تَقْدِيمِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ ، وَالثَّانِي فِي إِثْبَاتِ وَضْعِ الْيَدَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ . وَاسْتُشْكِلَ إِيرَادُ هَذَا الْأَثَرِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ ، وَأَجَابَ الزَّيْنُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ صِفَةَ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ الْقَوْلِيَّةَ أَرْدَفَهَا بِصِفَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ ، وَقَالَ أَخُوهُ : أَرَادَ بِالتَّرْجَمَةِ وَصْفَ حَالِ الْهُوِيِّ مِنْ فِعَالٍ وَمَقَالٍ اهـ . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ جُمْلَةِ التَّرْجَمَةِ ، فَهُوَ مُتَرْجَمٌ بِهِ لَا مُتَرْجَمٌ لَهُ ، وَالتَّرْجَمَةُ قَدْ تَكُونُ مُفَسِّرَةً لِمُجْمَلِ الْحَدِيثِ وَهَذَا مِنْهَا ، وَهَذِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا . قَالَ مَالِكٌ : هَذِهِ الصِّفَةُ أَحْسَنُ فِي خُشُوعِ الصَّلَاةِ ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَعُورِضَ بِحَدِيثٍ عَنْهُ أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ : إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْفَحْلِ . وَلَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ . وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ الْأَفْضَلُ أَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ فِي السُّنَنِ أَيْضًا عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ : لَا يَظْهَرُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ حَيْثُ السُّنَّةُ اهـ . وَعَنْ مَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِالتَّخْيِيرِ ، وَادَّعَى ابْنُ خُزَيْمَةَ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ سَعْدٍ قَالَ : كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ ، فَأُمِرْنَا بِالرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ . وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ قَاطِعًا لِلنِّزَاعِ ، لَكِنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَهُمَا ضَعِيفَانِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : مُقْتَضَى تَأْخِيرِ وَضْعِ الرَّأْسِ عَنْهُمَا فِي الِانْحِطَاطِ وَرَفْعِهِ قَبْلَهُمَا أَنْ يَتَأَخَّرَ وَضْعُ الْيَدَيْنِ عَنِ الرُّكْبَتَيْنِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى تَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ عَلَيْهِمَا فِي الرَّفْعِ . وَأَبْدَى الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ لِتَقْدِيمِ الْيَدَيْنِ مُنَاسَبَةً ؛ وَهِيَ أَنْ يَلْقَى الْأَرْضَ عَنْ جَبْهَتِهِ وَيَعْتَصِمَ بِتَقْدِيمِهِمَا عَلَى إِيلَامِ رُكْبَتَيْهِ إِذَا جَثَا عَلَيْهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ ) ، زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ : حِينَ اسْتَخْلَفَهُ مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا ) فِيهِ أَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرُ الْهُوِيِّ ، فَيَبْتَدِئُ بِهِ مِنْ حِينِ يَشْرَعُ فِي الْهُوِيِّ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ إِلَى حِينِ يَتَمَكَّنُ سَاجِدًا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الْجُلُوسِ فِي الِاثْنَتَيْنِ ) فِيهِ أَنَّهُ يَشْرَعُ فِي التَّكْبِيرِ مِنْ حِينِ ابْتِدَاءِ الْقِيَامِ إِلَى الثَّالِثَةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا ، وَسَيَأْتِي فِي بَابٍ مُفْرَدٍ بَعْدَ بِضْعَةَ عَشَرَ بَابًا . قَوْلُهُ : ( إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلَاتَهُ ) ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : هَذَا الْكَلَامُ يُؤَيِّدُ رِوَايَةَ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ، يَعْنِي مُرْسَلًا . قُلْتُ : وَكَذَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ الزُّهْرِيُّ رَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ التَّكْبِيرِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ مِنْ طَرِيقِ عَقِيلٍ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ؛ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ مَرْفُوعَةٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ · ص 338 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب يهوي بالتكبير حين يسجد · ص 87 128 - باب يهوي بالتكبير حين يسجد وقال نافع : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه . بوب على أن التكبير للسجود يكون في حال الهوي إلى الأرض بالسجود . وذكر فيه أحكاما أخرى من أحكام السجود . فأما التكبير في حال الهوي ، فروي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة . وكان عبد الله بن يزيد الخطمي يهوي بالتكبير ، فكأنه في أرجوحة حتى يسجد . وقال النخعي : كبر وأنت تهوي ، وأنت تركع . يشير إلى أن التكبير للركوع يكون - أيضا - في حال الهوي إليه كالسجود . والهوي : هو السقوط والانخفاض ، وهو بتشديد الياء ، وأما الهاء فمضمومة . وقيل : بفتحها : ثم قيل : هما لغتان . وقيل : بل هو بالضم الصعود ، وبالفتح النزول . وقال بعض أصحابنا : يكون تكبير الخفض والرفع والنهوض ابتداؤه مع ابتداء الانتقال ، وانتهاؤه مع انتهائه ، فإن كمله في جزء من الانتقال ، ولم يستوعبه به أجزأه ؛ لأنه لم يخرج به عن محله ، وإن شرع فيه قبله أو كمله بعده ، فوقع بعضه خارجا منه ، فهو كتركه ، لأنه لم يكمله في محله ، فهو كمن تمم قراءته في الركوع . قال : هذا هو قياس المذهب . قال : ويحتمل أن يعفى عن ذلك ؛ لأن التحرز منه يعسر ، والسهو به يكثر ، ففي إبطال الصلاة بعمده ، وإيجاب السجود لسهوه مشقة . وقال أصحاب الشافعي : يبتدئ تكبير الركوع قائما ، ويمده إلى أن يصل إلى حد الراكع . قالوا : هذا هو الذي نص عليه الشافعي في الأم . وقطع به العراقيون . وحكى الخراسانيون قولين : أحدهما : هذا . قالوا : وهو الجديد . والثاني - وهو القديم - : لا يديم التكبير بل يسرع به . قالوا : والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات : هل تحذف ، أم تمد حتى يصل إلى الذكر الذي بعدها ؟ والصحيح : المد . وقالوا في تكبير السجود : إنه يشرع به من حين يشرع في الهوي ، ولم يقولوا : إنه يبتدئه قائما ، كما قالوا في تكبير الركوع ، وهو خلاف نص الشافعي ؛ فإنه حكوا عنه أنه قال في الأم : أحب أن يبتدئ التكبير قائما وينحط مكانه ساجدا . قال : وإن أخر التكبير عن ذلك - يعني : عن الانحطاط - أو كبر معتدلا ، أو ترك التكبير كرهت ذلك . انتهى . وهذا يدل على أن تأخير التكبير عن الانحطاط وتقديمه عليه كتركه . وممن رأى التكبير في الهوي للسجود وغيره : مالك والثوري وأحمد وغيرهم . وأما ما ذكره البخاري ، عن نافع - تعليقا - قال : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه . فخرج ابن خزيمة في صحيحه والدارقطني من رواية أصبغ بن الفرج ، عن الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، إنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك . وخرجه الحاكم والبيهقي من رواية محرز بن سلمة ، عن الدراوردي ، به . وقال البيهقي : ما أراه إلا وهما - يعني : رفعه . وقد رواه ابن أخي ابن وهب ، عن عمه ، عن الدراوردي كذلك . وقيل : إن أشهب رواه عن الدراوردي كذلك . ورواه أبو نعيم الحلبي ، عن الدراوردي ، فوقفه على ابن عمر . قال الدارقطني : وهو الصواب . وروي عن ابن عمر خلاف ذلك ؛ روى ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه ، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه . خرجه ابن أبي شيبة . وروى شريك ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد يضع ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه . خرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن . وخرجه الحاكم ، وصححه . وهو مما تفرد به شريك ، وليس بالقوي . وخرجه أبو داود من طريق همام ، عن محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال همام : ونا عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله . فهذا الثاني مرسل ، والأول منقطع ؛ لأن عبد الجبار بن وائل لم يدرك أباه . وفي الباب أحاديث أخر مرفوعة ، لا تخلو من ضعف . وروي في عكس هذا من حديث أبي هريرة ، ولا يثبت - أيضا - وأجود طرقه : من رواية محمد بن عبد الله بن حسن ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه . خرجه أبو داود والنسائي والترمذي مختصرا . وقال : غريب . وقال حمزة الكناني : هو منكر . ومحمد راويه ، ذكره البخاري في الضعفاء ، وقال : يقال : ابن حسن ، ولا يتابع عليه ، ولا أدري سمع من أبي الزناد ، أم لا ؟ فكأنه توقف في كونه محمد بن عبد الله بن حسين بن حسن الذي خرج بالمدينة على المنصور ، ثم قتله المنصور بها . وزعم حمزة الكناني ، أنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الذي يقال له : الديباج ، وهو بعيد . واختلف العلماء في الساجد : هل يضع ركبتيه قبل يديه ، أم يديه قبل ركبتيه ؟ فقال الأكثرون : يضع ركبتيه قبل يديه . قال الترمذي : وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله . وهو قول مسلم بن يسار ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي والثوري ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال حجاج ، عن أبي إسحاق : كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم . وكره النخعي أن يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : هل يفعله إلا مجنون ؟ وقالت طائفة : يبدأ بيديه قبل ركبتيه ، وهو مروي عن الحسن ، وقد روي عن ابن عمر كما تقدم ، وحكي رواية عن أحمد . ومن أصحابنا من خصها بالشيخ الكبير والضعيف خاصة ، وهو أصح . وقال الأوزاعي : أدركت الناس يصنعونه . وهو قول مالك . وروي عنه ، أنهما سواء . وقال قتادة : فيضع أهون ذلك عليه .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب يهوي بالتكبير حين يسجد · ص 91 خرج البخاري في هذا الباب حديثين : الحديث الأول : 803 - نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري : أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره ، فيكبر حين يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، ثم يقول : ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد ، ثم يقول : الله أكبر حين يهوي ساجدا ، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يسجد ، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين ، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، ثم يقول حين ينصرف : والذي نفسي بيده ، إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا . 804 - قالا : وقال أبو هريرة : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين يرفع رأسه يقول : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد يدعو لرجال ، فيسمهم بأسمائهم ، فيقول : اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش بن أبي ربيعة ، والمستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف . وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له . مقصوده من هذا الحديث في هذا الباب : التكبير للسجود حين يهوي ساجدا ، وقد فعله أبو هريرة ، وذكر أن هذه الصلاة كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى فارق الدنيا . وقد خرجه مختصرا فيما تقدم من رواية مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة وحده . ومن رواية عقيل ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وحده . وفي هذه الرواية زيادة القنوت بعد الركوع ؛ للدعاء على المشركين ، والدعاء للمستضعفين من المؤمنين . فأما القنوت ، فيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله تعالى . وأما تسمية الرجال المدعو لهم وعليهم في الصلاة ، فجائز عند أكثر العلماء ، منهم : عروة والأوزاعي والشافعي وأحمد وغيرهم ، وروي عن أبي الدرداء . وكرهه عطاء والنخعي وأحمد - في رواية . وعند الثوري وأبي حنيفة : أن ذلك كلام يبطل الصلاة . واستدل لهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صرف أصحابه عن سلامهم في التشهد على جبريل وميكائيل ، وأمرهم أن يسلموا على عباد الله الصالحين عموما . ولا حجة في ذلك ؛ لأنه إنما قصد جوامع الكلم واختصاره . وسيأتي ذلك في موضع آخر إن شاء الله سبحانه وتعالى . وقوله : وأهل المشرق من مضر مخالفون له ، يريد : قبائل من مضر ، كانوا مشركين ، وكانت إقامتهم بأرض نجد وما والاها ؛ لأن ذلك مشرق المدينة ، ولهذا قال له عبد القيس - عند قدوم وفدهم عليه - : بيننا وبينك هذا الحي من مضر ، ولن نصل إليك إلا في شهر حرام ، وكان عبد القيس يسكنون بالبحرين . وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال فيهم : هم خير أهل المشرق .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يهوي بالتكبير حين يسجد · ص 78 ( باب يهوي بالتكبير حين يسجد ) أي هذا باب ترجمته يهوي المصلي بالتكبير وقت سجدته . قوله : " يهوي " روي بضم الياء وفتحها ، ومعنى " يهوي " ينحط ، يقال : هوى يهوي هَويا بالفتح إذا هبط ، وهوى يهوي هُويا بالضم إذا صعد ، وقيل : بالعكس ، وفي صفته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كأنما يهوي من صبب أي ينحط ، وفي حديث البراق : " ثم انطلق يهوي " أي يسرع ، وهوي يهوى هوى إذا أحب . ( وقال نافع : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة من حيث اشتمالها عليه ؛ لأنها في الهوي بالتكبير إلى السجود ، فالهوي فعل ، والتكبير قول ، فكما أن حديث أبي هريرة المذكور في هذا الباب يدل على القول يدل أثر ابن عمر على الفعل ؛ لأن للهوي إلى السجود صفتين ؛ صفة قولية وصفة فعلية ، فأثر ابن عمر إشارة إلى الصفة الفعلية ، وأثر أبي هريرة إلى الفعلية والقولية جميعا ، فهذا هو السر في هذا الموضع . وقول بعضهم : إن أثر ابن عمر من جملة الترجمة ، فهو مترجم به لا مترجم له - غير موجه ، بل ولا يصح ذلك ؛ لأنه إذا كان من جملة الترجمة يحتاج إلى شيء يذكره يكون مطابقا لها ، وليس ذلك بموجود ، ثم إن هذا الأثر المعلق أخرجه ابن خزيمة والحاكم والدارقطني والبيهقي والطحاوي من طريق عبد العزيز الدراوردي ، فقال الطحاوي : حدثنا علي بن عبد الرحمن بن محمد بن المغيرة قال : حدثنا أصبغ بن الفرج قال : حدثنا الدراوردي ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه إذا كان سجد بدأ بوضع يديه قبل ركبتيه ، وكان يقول : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل ذلك ، ثم قال البيهقي : رواه ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد العزيز . ولا أراه إلا وهما ، فالمشهور عن ابن عمر ما رواه حماد بن زيد وابن علية ، عن أيوب ، عن نافع عنه قال : " إذا سجد أحدكم فليضع يديه ، فإذا رفع فليرفعهما ، فإن اليدين يسجدان ، كما يسجد الوجه " . قلت : الذي أخرجه الطحاوي أخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) والحاكم في ( مستدركه ) وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه . والحديث الذي علله به فيه نظر ؛ لأن كلا منهما منفصل عن الآخر . وقال الحازمي : اختلف أهل العلم في هذا الباب ؛ فذهب بعضهم إلى أن وضع اليدين قبل الركبتين أولى . وبه قال مالك والأوزاعي والحسن ، وفي ( المغني ) وهي رواية عن أحمد . وبه قال ابن حزم . وخالفهم في ذلك آخرون ، ورأوا وضع الركبتين قبل اليدين أولى ، منهم عمر بن الخطاب والنخعي ومسلم بن يسار وسفيان بن سعيد والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأهل الكوفة ، وفي ( المصنف ) زاد : أبا قلابة ومحمد بن سيرين ، وقال أبو إسحاق : كان أصحاب عبد الله إذا انحطوا للسجود وقعت ركبهم قبل أيديهم . وحكاه البيهقي أيضا عن ابن مسعود ، وحكاه القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء ، وحكاه ابن بطال عن ابن وهب ، قال : وهي رواية ابن شعبان ، عن مالك ، وقال قتادة : يضع أهون ذلك عليه ، وفي الأسبيجاني عن أبي حنيفة : من آداب الصلاة وضع الركبتين قبل اليدين ، واليدين قبل الجبهة ، والجبهة قبل الأنف ، ففي الوضع يقدم الأقرب إلى الأرض ، وفي الرفع يقدم الأقرب إلى السماء ؛ الوجه ، ثم اليدان ، ثم الركبتان ، وإن كان لابس خف يضع يديه أولا . 191 - ( حدثنا أبو اليمان قال : حدثنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة وغيرها في رمضان وغيره ، فيكبر حين يقوم ، ثم يكبر حين يركع ، ثم يقول : سمع الله لمن حمده ، ثم يقول : ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد ، ثم يقول : الله أكبر حين يهوي ساجدا ، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يسجد ، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود ، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين ، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة ، ثم يقول حين ينصرف : والذي نفسي بيده ، إني لأقربكم شبها بصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا ، قالا : وقال أبو هريرة رضي الله عنه : وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين يرفع رأسه يقول : سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، يدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فيقول : اللهم أنج الوليد ابن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف . وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له ) . مطابقته للترجمة في قوله : " ثم يقول : الله أكبر حين يهوي ساجدا " . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : كلهم ذكروا غيرة مرة . وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة . والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، والإخبار كذلك في موضع ، والإخبار بصورة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه ثلاثة بالكنى ، وفيه الزهري يروي عن اثنين ، وفيه أن رواته ما بين حمصيين ومدنيين . والحديث أخرجه أبو داود في الصلاة عن عمرو بن عثمان ، عن أبيه . وأخرجه النسائي فيه عن نصر بن علي وسوار بن عبد الله . ( ذكر معناه ) : قوله : " أن أبا هريرة كان يكبر " وزاد النسائي من طريق يونس ، عن الزهري حين استخلفه مروان على المدينة . قوله : " ثم يقول : الله أكبر " إنما قال هنا : " الله أكبر " بالجملة الاسمية ، وفي سائر المواضع : " ثم يكبر " بالجملة الفعلية المضارعية ؛ لأن سياق الكلام يدل على ما يدل عليه عقد الباب على هذا التكبير ، فأراد أن يصرح بما هو المقصود نصا على لفظه . قوله : " حين ينصرف " أي من الصلاة . قوله : " إن كانت هذه لصلاته " كلمة " إن " هذه مخففة من الثقيلة ، وأصلها إنه أي إن الشأن . وقوله : " هذه " اسم كانت إشارة إلى الصلاة التي صلاها أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . وقوله : " لصلاته " خبر كانت واللام فيه للتأكيد وهي مفتوحة . وقال أبو داود في سننه بعد أن روى هذا الحديث : هذا الكلام الأخير يجعله مالك والزبيدي وغيرهما ، عن الزهري ، عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه يعني يجعله مرسلا ، قاله بعضهم . ( قلت ) : هو قسم من أقسام المدرج ، ولكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون الزهري رواه أيضا عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث وغيره ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو الحسين رضي الله تعالى عنهما أو أبو الحسن المدني ، وهو زين العابدين رضي الله تعالى عنه ، وقال أحمد بن عبد الله : هو تابعي ، ثقة ، توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين ، روى له الجماعة . قوله : " قالا " يعني أبا بكر بن عبد الرحمن وأبا سلمة المذكورين ، وهو موصول بالإسناد المذكور إليهما . قوله : " يدعو " قال الكرماني : هو خبر آخر ، أو هو عطف على " يقول " بدون حرف العطف . ( قلت ) : الأوجه أن يكون حالا من الضمير الذي في " يقول " من الأحوال المقدرة . قوله : " الرجال " أي من المسلمين واللام تتعلق بقوله : " يدعو " . قوله : " فيسميهم " الفاء فيه للتفسير . قوله : " أنج " بفتح الهمزة أمر من أنجى ينجي إنجاء ، والأمر في مثل هذا التماس وطلب . قوله : " الوليد " بفتح الواو وكسر اللام في اللفظين ، والوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله المخزومي أخو خالد بن الوليد ، أسر يوم بدر كافرا ، فلما أفدي أسلم فقيل له : هلا أسلمت قبل أن تفتدى ، فقال : كرهت أن يظن بي أني أسلمت جزعا ، فحبس بمكة ، ثم أفلت من أسارتهم بدعاء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولحق برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال الذهبي : أسره عبد الله بن جحش يوم بدر ، وذهبوا به إلى مكة ، فأسلم ، فحبسوه بمكة ، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يدعو له في القنوت ، ثم إنه نجا فتوصل إلى المدينة ، فمات بها في حياة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قوله : " وسلمة بن هشام " بالنصب عطفا على ما قبله أي أنج سلمة بن هشام بن المغيرة ، المذكور آنفا ، أخو أبي جهل ، وكان قديم الإسلام ، وعذب في الله ، ومنعوه أن يهاجر إلى المدينة . قال الذهبي : هاجر إلى الحبشة ، ثم قدم مكة ، فمنعوه من الهجرة وعذبوه ، ثم هاجر بعد الخندق ، وشهد مؤتة ، واستشهد بمرج الصفرة ، وقيل : بأجنادين . قوله : " وعياش " - بفتح العين وتشديد الياء آخر الحروف وبعد الألف شين معجمة - ابن أبي ربيعة واسم أبي ربيعة عمرو بن المغيرة المذكور ، وهو أخو أبي جهل أيضا لأمه ، أسلم قديما ، وأوثقه أبو جهل بمكة ، قتل يوم اليرموك بالشام . وهؤلاء الثلاثة أسباط المغيرة كل واحد منهم ابن عم الآخر . قوله : " والمستضعفين " أي وأنج المستضعفين من المؤمنين ، وهو من قبيل عطف العام على الخاص ، عكس قوله : وملائكته وجبريل . قوله : " اشدد " بضم الهمزة أمر من شد . قوله : " وطأتك " بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وفتح الهمزة من الوطء ، وهو الدوس بالقدم في الأصل ، ومعناه هاهنا خذهم أخذا شديدا ، ومنه قول الشاعر : ووطئتنا وطَأ على حنق وطَأ المقيد ثابت الهرم وكان حماد بن سلمة يرويه : " اللهم اشدد وطأتك على مضر " الوطَأ الإثبات والغمز في الأرض . ومضر - بضم الميم وفتح الضاد المعجمة - ابن نزار بن معد بن عدنان ، وهو شعب عظيم فيه قبائل كثيرة كقريش وهذيل وأسد وتميم وضبة ومزينة والضباب وغيرهم . ومضر شعب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - واشتقاقه من اللبن المضير ، وهو الحامض ، قاله ابن دريد . قوله : " اجعلها " أي الوطأة . قوله : " كسني يوسف " أي كالسنين التي كانت في زمن يوسف عليه الصلاة والسلام مقحطة ، ووجه الشبه امتداد زمان المحنة والبلاء والبلوغ غاية الشدة والضراء ، وجمع السنة بالواو والنون شاذ من جهة أنه ليس لذوي العقول ، ومن جهة تغير مفرده بكسر أوله ؛ ولهذا جعل بعضهم حكمه كحكم المفردات وجعل نونه متعقب الإعراب كقول الشاعر : دعانيَ من نجد فإن سنينه لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه إثبات التكبير في كل خفض ورفع ، إلا في رفعه من الركوع يقول : سمع الله لمن حمده ، وفيه في قوله : " ثم يكبر حين يركع " إلى آخره - دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات وبسطه عليها فيبدأ بالتكبير حين يسرع في الانتقال إلى الركوع ويمده حتى يصل إلى حد الراكعين ، ثم يشرع في تسبيح الركوع ، ويبدأ بالتكبير حين يشرع في الهوي إلى السجود ، ويمده حتى يضع جبهته على الأرض ، ثم يشرع في تسبيح السجود ، وفيه يبدأ في قوله : " سمع الله لمن حمده " حتى يشرع في الرفع من الركوع ويمده حتى ينتصب قائما . ثم هل يجمع بين التسميع والتحميد ؟ قد ذكرنا الخلاف فيه . وظاهر هذا الحديث أنه يجمع بينهما ، وعند أبي حنيفة يكتفي بالتسميع إن كان إماما ، وقد مر وجهه . وفيه أنه يشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول : ويمده حتى ينتصب قائما ، هذا مذهب العلماء كافة إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان لا يكبر للقيام من الركعتين حتى يستوي قائما . وبه قال مالك ، وقال الخطابي : فيه إثبات القنوت ، وأن موضعه عند الرفع من الركوع . وقد قلنا : إن هذا منسوخ وبينا وجهه . وقال : وفيه أن تسمية الرجال بأسمائهم فيما يدعى لهم وعليهم لا تفسد الصلاة . قلنا : النسخ شمل الكل .