2 - بَاب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ 877 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ . قَوْلُهُ : ( بَابُ فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَذْكُرِ الْحُكْمَ لِمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْفَضْلِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ التَّرْغِيبُ فِيهِ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي تَتَّفِقُ الْأَدِلَّةُ عَلَى ثُبُوتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ ) اعْتَرَضَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ عَلَى هَذَا الشِّقِّ الثَّانِي مِنَ التَّرْجَمَةِ فَقَالَ : تَرْجَمَ هَلْ عَلَى الصَّبِيِّ أَوِ النِّسَاءِ جُمُعَةٌ ؟ وَأَوْرَدَ : إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ وُجُوبِ شُهُودٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّهُ أَرَادَ سُقُوطَ الْوُجُوبِ عَنْهُمْ ، أَمَّا الصِّبْيَانُ فَبِالْحَدِيثِ الثَّالِثِ فِي الْبَابِ حَيْثُ قَالَ : عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ عَلَى الصِّبْيَانِ ، قَالَ : وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِهَا عَنِ النِّسَاءِ لِأَنَّ الْفُرُوضَ تَجِبُ عَلَيْهِنَّ فِي الْأَكْثَرِ بِالْحَيْضِ لَا بِالِاحْتِلَامِ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحَيْضَ فِي حَقِّهِنَّ عَلَامَةٌ لِلْبُلُوغِ كَالِاحْتِلَامِ ، وَلَيْسَ الِاحْتِلَامُ مُخْتَصًّا بِالرِّجَالِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ وَإِلَّا فَقَدْ لَا يَحْتَلِمُ الْإِنْسَانُ أَصْلًا وَيَبْلُغُ بِالْإِنْزَالِ أَوِ السِّنِّ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُحْتَلِمِ . وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : إِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ شُرِعَ لِلرَّوَاحِ إِلَيْهَا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يُطْلَبُ رَوَاحُهُ فَيُطْلَبُ غُسْلُهُ ، وَاسْتُعْمِلَ الِاسْتِفْهَامُ فِي التَّرْجَمَةِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى وُقُوعِ الِاحْتِمَالِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : أَحَدُكُمْ لَكِنْ تَقَيُّدُهُ بِالْمُحْتَلِمِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ يُخْرِجُهُ ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيَقَعُ فِيهِنَّ الِاحْتِمَالُ بِأَنْ يَدْخُلْنَ فِي أَحَدُكُمْ بِطَرِيقِ التَّبَعِ ، وَكَذَا احْتِمَالُ عُمُومِ النَّهْيِ فِي مَنْعِهِنَّ الْمَسَاجِدَ ، لَكِنْ تَقَيُّدُهُ بِاللَّيْلِ يُخْرِجُ الْجُمُعَةَ اهـ . وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِذِكْرِ النِّسَاءِ إِلَى مَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ نَافِعٍ ، وَإِلَى الْحَدِيثِ الْمُصَرِّحِ بِأَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ لِكَوْنِهِ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ وَإِنْ كَانَ الْإِسْنَادُ صَحِيحًا ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يَسْمَعْ طَارِقٌ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَنَّهُ رَآهُ اهـ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ طَارِقٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : وَنُقِلَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ الرِّجَالِ إِنْ حَضَرَهَا لِابْتِغَاءِ الْفَضْلِ شُرِعَ لَهُ الْغُسْلُ وَسَائِرُ آدَابِ الْجُمُعَةِ ، وَإِنْ حَضَرَهَا لِأَمْرٍ اتِّفَاقِيٍّ فَلَا . ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ . أحدها : حَدِيثُ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْهُ بِلَفْظِ إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُمْ فَذَكَرَهُ ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْغُسْلَ يَعْقُبُ الْمَجِيءَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْمُرَادَ وَإِنَّمَا التَّقْدِيرُ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ : إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً فَإِنَّ الْمَعْنَى إِذَا أَرَدْتُمُ الْمُنَاجَاةَ بِلَا خِلَافٍ . وَيُقَوِّي رِوَايَةَ اللَّيْثِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي قَرِيبًا بِلَفْظِ : مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَأْخِيرِ الرَّوَاحِ عَنِ الْغُسْلِ ، وَعُرِفَ بِهَذَا فَسَادُ قَوْلِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَاحْتُجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَاحِدٌ وَمُخَرِّجُهُ وَاحِدٌ ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّيْثُ فِي رِوَايَتِهِ الْمُرَادَ ، وَقَوَّاهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرِوَايَةُ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَشْهُورَةٌ جِدًّا فَقَدِ اعْتَنَى بِتَخْرِيجِ طُرُقِهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ فَسَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ سَبْعِينَ نَفْسًا رَوَوْهُ عَنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ تَتَبَّعْتُ مَا فَاتَهُ وَجَمَعْتُ مَا وَقَعَ لِي مِنْ طُرُقِهِ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ لِغَرَضٍ اقْتَضَى ذَلِكَ فَبَلَغَتْ أَسْمَاءُ مَنْ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ مِائَةً وَعِشْرِينَ نَفْسًا ، فَمَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ هُنَا ذِكْرُ سَبَبِ الْحَدِيثِ ، فَفِي رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَقَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : كَانَ النَّاسُ يَغْدُونَ فِي أَعْمَالِهِمْ ، فَإِذَا كَانَتِ الْجُمُعَةُ جَاءُوا وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ مُتَغَيِّرَةٌ ، فَشَكَوْا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَنْ جَاءَ مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَمِنْهَا ذِكْرُ مَحَلِّ الْقَوْلِ ، فَفِي رِوَايَةِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَعْوَادِ هَذَا الْمِنْبَرِ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ : أَخْرَجَهُ يَعْقُوبُ الْجَصَّاصُ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْيَسَعِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْحَكَمِ ، وَطَرِيقُ الْحَكَمِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْهُ بِدُونِ هَذَا السِّيَاقِ بِلَفْظِ حَدِيثِ الْبَابِ إِلَّا قَوْلَهُ : جَاءَ ، فَعِنْدَهُ : رَاحَ ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَمَنْصُورٌ ، وَمَالِكٌ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ ، وَمِنْهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَكْرَارِ ذَلِكَ فَفِي رِوَايَةِ صَخْرِ بْنِ جُوَيْرِيَةَ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ بِلَفْظِ : كَانَ إِذَا خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ الْحَدِيثَ . وَمِنْهَا زِيَادَةٌ فِي الْمَتْنِ ، فَفِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي صِحَاحِهِمْ بِلَفْظِ مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ قَالَ الْبَزَّارُ : أَخْشَى أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ بْنُ وَاقِدٍ وَهِمَ فِيهِ . وَمِنْهَا زِيَادَةٌ فِي الْمَتْنِ وَالْإِسْنَادِ أَيْضًا ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيِّ ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ، وَعَلَى مَنْ رَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ الْغُسْلُ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ : لَمْ يَرْوِهِ عَنْ نَافِعٍ بِزِيَادَةِ حَفْصَةَ إِلَّا بُكَيْرٌ ، وَلَا عَنْهُ إِلَّا عَيَّاشٌ تَفَرَّدَ بِهِ مُفَضَّلٌ . قُلْتُ : رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ حَدِيثٌ آخَرُ وَلَا مَانِعَ أَنْ يَسْمَعَهُ ابْنُ عُمَرَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ، فَسَيَأْتِي فِي ثَانِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا سِيَّمَا مَعَ اخْتِلَافِ الْمُتُونِ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْلِيقِ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ بِالْمَجِيءِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ فِي أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ مُتَّصِلًا بِالذَّهَابِ ، وَوَافَقَهُ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَاللَّيْثُ وَالْجُمْهُورُ قَالُوا : يُجْزِئُ مِنْ بَعْدِ الْفَجْرِ ، وَيَشْهَدُ لَهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي قَرِيبًا . وَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَمَّنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ هَلْ يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ . وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ أَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبْزَى ، يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ وَلَهُ صُحْبَةٌ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُحْدِثُ فَيَتَوَضَّأُ وَلَا يُعِيدُ الْغُسْلَ وَمُقْتَضَى النَّظَرِ أَنْ يُقَالَ : إِذَا عُرِفَ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالتَّنْظِيفِ رِعَايَةُ الْحَاضِرِينَ مِنَ التَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، فَمَنْ خَشِيَ أَنْ يُصِيبَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ مَا يُزِيلُ تَنْظِيفَهُ اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ لِوَقْتِ ذَهَابِهِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الَّذِي لَحَظَهُ مَالِكٌ فَشَرَطَ اتِّصَالَ الذَّهَابِ بِالْغُسْلِ لِيَحْصُلَ الْأَمْنُ مِمَّا يُغَايِرُ التَّنْظِيفَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَلَقَدْ أَبْعَدَ الظَّاهِرِيُّ إِبْعَادًا يَكَادُ أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِبُطْلَانِهِ حَيْثُ لَمْ يَشْتَرِطْ تَقَدُّمَ الْغُسْلِ عَلَى إِقَامَةِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَتَّى لَوِ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ كَفَى عِنْدَهُ تَعَلُّقًا بِإِضَافَةِ الْغُسْلِ إِلَى الْيَوْمِ ، يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ الْبَابِ الثَّالِثِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الْغُسْلَ لِإِزَالَةِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بَعْدَ أَبْوَابٍ ، قَالَ : وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ تَأَذِّي الْحَاضِرِينَ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى بَعْدَ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ ، وَكَذَلِكَ أَقُولُ لَوْ قَدَّمَهُ بِحَيْثُ لَا يَتَحَصَّلُ هَذَا الْمَقْصُودُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ . وَالْمَعْنَى إِذَا كَانَ مَعْلُومًا كَالنَّصِّ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا مُقَارِنًا لِلْقَطْعِ فَاتِّبَاعُهُ وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ أَوْلَى مِنَ اتِّبَاعِ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ . قُلْتُ : وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنِ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ يَغْتَسِلْ لِلْجُمُعَةِ وَلَا فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ . وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِمَا هُوَ بِصَدَدِ الْمَنْعِ ، وَالرَّدُّ يُفْضِي إِلَى التَّطْوِيلِ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ، وَلَمْ يُورِدْ عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرَ التَّصْرِيحَ بِإِجْزَاءِ الِاغْتِسَالِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الْغُسْلِ بِالذَّهَابِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، فَأَخَذَ هُوَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ كَالشَّمْسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتُدِلَّ مِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يُشْرَعُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْجُمُعَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِمُقْتَضَاهُ فِي آخِرِ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ خِلَافًا لِأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ الْجُمُعَةَ الْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ أَوِ الْمَكَانُ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ ، وَذَكَرَ الْمَجِيءَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ شَامِلٌ لِمَنْ كَانَ مُجَاوِرًا لِلْجَامِعِ أَوْ مُقِيمًا بِهِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْوُجُوبِ إِلَّا بِقَرِينَةٍ لِقَوْلِهِ كَانَ يَأْمُرنَا مَعَ أَنَّ الْجُمْهُورَ حَمَلُوهُ عَلَى النَّدْبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّالِثِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ صِيغَةِ افْعَلْ فَإِنَّهَا عَلَى الْوُجُوبِ حَتَّى تَظْهَرَ قَرِينَةٌ عَلَى النَّدْبِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فَضْلِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهَلْ عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ · ص 415 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء · ص 337 2 - باب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة ، أو على النساء ؟ فيه ثلاثة أحاديث : الحديث الأول : 877 - ثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل . ليس في هذا الحديث ، ولا فيما بعده من الأحاديث المخرجة في هذا الباب ذكر فضل الغسل وثوابه ، كما بوب عليه ، بل الأمر به خاصة . وقد خرج فيما بعد هذا الباب أحاديث في فضل الغسل مع الرواح ، أو مع الدهن والطيب ، وستأتي في مواضعها - إن شاء الله تعالى . وقد بوب على أن الصبي والمرأة : هل عليهما شهود الجمعة ؟ فأما الصبي ، فسيأتي الحديث الذي يؤخذ منه حكمه . وأما حكم المرأة ، فكأنه أخذه من هذا الحديث ، وهو قوله : إذا جاء أحدكم الجمعة ، فإن الخطاب كان للرجال ، والضمير يعود إليهم ، لأنه ضمير تذكير ، فلا يدخل فيه النساء . وقد اختلف المتكلمون في أصول الفقه في صيغ الجموع المذكرة : هل يدخل فيها النساء تبعا ، أم لا ؟ وفي ذلك اختلاف مشهور بينهم . وأكثر أصحابنا على دخولهن مع الذكور تبعا . ومن أصحابنا من قال : لا يدخلن معهم ، وهو قول أكثر الشافعية والحنفية وغيرهم . ولفظة : أحد وإن لم تكن جمعا ، إلا أنها مقتضية للعموم ، إما بطريق البدلية ، أو الشمول ، كما في قوله : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ولكن الأمر هنا بالغسل ، لا بمجيء الجمعة ، ولكن المأمور به بالغسل هو الذي يأتي الجمعة ، بلفظ يقتضي أنه لا بد من المجيء إلى الجمعة ؛ فإن إذا إنما يعلق بها الفعل المحقق وقوعه غالبا قد يقتضي - أيضا - العموم ، لكن هذا العموم يخرج منه المرأة ، بالأحاديث الدالة على أنه لا جمعة عليها ، وقد سبق بعضها . وخرج أبو داود من حديث أم عطية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة جمع نساء الأنصار في بيت ، فأرسل إليهن عمر ، فقال : أنا رسولُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إليكن ، وأمرنا بالعيدين أن نخرج فيهما الحيض والعتق ، ولا جمعة علينا . وقد حكى ابن المنذر وغيره الإجماع على أن النساء لا تجب عليهن الجمعة ، وعلى أنهن إذا صلين الجمعة مع الرجال أجزأهن من الظهر . ومن حكى من متأخري أصحابنا في هذا خلافا ، فقد غلط ، وقال ما لا حقيقة له . وروى أبو داود في مراسيله بإسناده ، عن الحسن ، قال : كن النساء يجمعن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - . وعن واصل ، عن مجاهد ، قال : كان الضعفاء من الرجال والنساء يشهدون الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم لا يأوون إلى رحالهم إلا من الغد ، من الضعف . وواصل ، فيه ضعف . وروي عن ابن مسعود ، أنه قال للنساء يوم الجمعة : إذا صليتن مع الإمام فبصلاته ، وإذا صليتن وحدكن فتصلين أربعا . وعنه ، أنه كان يخرج النساء من المسجد يوم الجمعة ، ويقول : اخرجن ؛ فإن هذا ليس لكن . خرجهما البيهقي . ولعله كره أن يضيقن المسجد على الرجال لكثرة زحام الجمعة ، أو كره لهن الخروج من بيوتهن بالنهار . ومن الشافعية من استحب للعجائز حضور الجمعة . وعند أصحابنا : لا يكره للعجائز حضور الجمعة . وفي كراهته للشواب وجهان .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فضل الغسل يوم الجمعة وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء · ص 164 ( باب فضل الغسل يوم الجمعة ، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء ) أي هذا باب في بيان فضل الغسل يوم الجمعة ، ولهذه الترجمة ثلاثة أجزاء ؛ الأول : فضل الغسل يوم الجمعة . الثاني : هل على الصبي شهود يوم الجمعة ، أي : حضوره . الثالث : هل على النساء شهود يوم الجمعة . ثم إنه اقتصر على ذكر حكم الجزء الأول ، وهو الفضل ، لأن معناه الترغيب فيه ، والأدلة متفقة فيه ، ولم يجزم بالحكم في الجزأين الأخيرين بل ذكره بالاستفهام ، أما في حق الصبي فللاحتمال في دخولهم في عموم قوله : " إذا جاء أحدكم " ولكنه خرج بقوله : " على كل محتلم " ، وأما في حق النساء فلاحتمال دخولهن في العموم المذكور بطريق التبعية ، ولكن عموم النهي في منعهن من حضور المساجد إلا بالليل يخرج حضورهن الجمعة ، واعترض أبو عبد الملك على البخاري في الجزأين الأخيرين من الترجمة ، لأنه ترجم بهما ثم أورد " إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل " وليس فيه ذكر شهود ولا غيره ، وأجاب ابن التين عنه بأنه أراد سقوط الواجب عنهم ، لأنه قال : وهل عليهم ، فأبان بحديث " غسل الجمعة واجب على كل محتلم " أنها غير واجبة على الصبيان ، ولم يجب عن سقوط الواجب عن النساء ، ويجاب عن هذا بما ذكرنا . 2 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل . مطابقته للجزأين الأخيرين من الترجمة تفهم من الجواب عن اعتراض أبي عبد الملك المذكور . ورجاله قد تكرر ذكرهم على هذا النسق . وهذا الحديث أخرجه مسلم وغيره ، ولفظ مسلم : " إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل " وفي رواية له : " من جاء منكم الجمعة فليغتسل " . وأخرجه الترمذي ، ولفظه : " من أتى الجمعة فليغتسل " . وأخرجه النسائي عن قتيبة عن مالك نحو رواية البخاري سندا ومتنا ، وفي لفظ له مثل رواية مسلم الثانية ، وفي لفظ نحو لفظ البخاري ، وفي لفظ : " إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل " . وأخرجه ابن ماجه ولفظه : " عن ابن عمر قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر : من أتى الجمعة فليغتسل " . وفي رواية لابن حبان في صحيحه ، وأبي عوانة في مستخرجه : " من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل " . ورواه ابن خزيمة بزيادة : " ومن لم يأتها فليس عليه غسل من الرجال والنساء " . وأخرجه البزار من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى الجمعة فليغتسل " ، وروى البزار أيضا من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أتى الجمعة فليغتسل " . وروى ابن ماجه أيضا من حديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن هذا يوم عيد جعله الله للناس ، فمن جاء إلى الجمعة فليغتسل " . وروى الطبراني من حديث أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من جاء منكم الجمعة فليغتسل " الحديث . ذكر معناه قوله : " إذا جاء أحدكم الجمعة " ظاهره أن يكون الغسل عقيب المجيء ، لأن الفاء للتعقيب ، ولكن ليس ذلك المراد ، وإنما المعنى إذا أراد أحدكم الجمعة فليغتسل ، وقد جاء مصرحا به في رواية الليث عن نافع ، ولفظه : " إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل " ونظير ذلك قوله تعالى : فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ تقديره : إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ ، والظاهرية قالوا بظاهره في القراءة وهاهنا لم يقولوا به لظاهر رواية الليث المذكورة ، وقال الكرماني : " إذا جاء أحدكم " علم منه أن الغسل إنما هو للمجموع ، وهذا عام للصبي وللنساء أيضا . ( فإن قلت ) : من أين يستفاد العموم ؟ ( قلت ) : من لفظ الأحد المضاف . ( فإن قلت ) : ما وجه دلالته على شهودهما وهذه شرطية فلا يدل على وقوع المجيء . ( قلت ) : لفظة " إذا " لا تدخل إلا فيما كان وقوعه مجزوما به ، انتهى . ( قلت ) : هذا الذي قاله بناء على أنه فهم من الاستفهام في الترجمة الجزم بالحكم وليس كذلك على ما قررناه . قوله : " إذا جاء " المراد بالمجيء هو أن يحضر إلى الصلاة أو إلى المكان الذي تقام فيه الجمعة ، وذكر المجيء باعتبار الغالب ، وإلا فالحكم شامل لمن كان مجاورا للجامع أو مقيما به . ( ذكر ما يستفاد منه ) احتجت به الظاهرية على أن الأمر فيه للوجوب ، وليس كذلك ، لأن الأمر بالغسل ورد على سبب ، وقد زال السبب فزال الحكم بزوال علته ، لما رواه البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : " كان الناس مهنة أنفسهم ، وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في مهنتهم ، فقيل لهم : لو اغتسلتم " وسيأتي هذا في باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس ، وبعض أصحابنا قالوا : إن الحديث المذكور منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم : " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ، ومن اغتسل فهو أفضل " . واعترض بأنه ضعيف ، فكيف يحكم أن الصحيح منسوخ به . قلت : هذا الحديث روي من سبعة أنفس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وهم : سمرة بن جندب ، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن قتادة عن الحسن عن سمرة ، فذكره . وأنس عند ابن ماجه والطحاوي والبزار والطبراني . وأبو سعيد الخدري عند البيهقي والبزار . وأبو هريرة عند البزار وابن عدي . وجابر عند ابن عدي في الكامل . وعبد الرحمن بن سمرة عند الطبراني . وابن عباس عند البيهقي في سننه . وقال الترمذي : حديث حسن . واختلف في سماع الحسن عن سمرة ، فعن ابن المديني إمام هذا الفن : أنه سمع منه مطلقا . ولئن سلمنا ما قاله المعترض فالأحاديث الضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة فيما اجتمعت فيه من الحكم ، كذا قاله البيهقي وغيره . وقال المحققون من أصحابنا : إن حديث الكتاب خبر الواحد ، فلا يخالف الكتاب ، لأنه يوجب غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس عند القيام إلى الصلاة مع وجود الحدث ، فلو وجب الغسل لكان زيادة على الكتاب بخبر الواحد ، وهذا لا يجوز لأنه يصير كالنسخ ، فافهم . قلت : إذا حملنا الأمر فيه على الاستحباب توفيقا بين الحديثين لا يحتاج حينئذ إلى شيء آخر . وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه : ومما يدل على أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل يوم الجمعة فضيلة على الاختيار لا على الوجوب ، حديث عمر ، حيث قال لعثمان : والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالغسل يوم الجمعة ! فلو علما أن أمره على الوجوب لم يترك عمر عثمان حتى يرده ويقول له ارجع فاغتسل . وقال ابن دقيق العيد : في الحديث دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجيء إلى الجمعة . واستدل به لمالك في أنه يعتبر أن يكون الغسل متصلا بالذهاب ، ووافقه الأوزاعي والليث والجمهور ، قالوا : يجزئ من بعد الفجر ، انتهى . قلت : قال صاحب الهداية : ثم هذا الغسل - أي : غسل يوم الجمعة - للصلاة عند أبي يوسف - يعني لا يصل له الثواب إلا إذا صلى صلاة الجمعة بهذا الغسل حتى لو اغتسل بعد الجمعة أو أول اليوم وانتقض ثم توضأ وصلى ، لا يكون مدركا لثواب الغسل . وهو الصحيح ، واحترز به عن قول الحسن بن زياد ، فإنه قال : لليوم إظهارا لفضيلته . وبقوله قال داود ، وفي المبسوط وهو قول محمد ، وفي المحيط وهو رواية عن أبي يوسف ، فعلى هذا عن أبي يوسف روايتان ، وقيل : تظهر الفائدة أيضا في هذا الخلاف فيمن اغتسل بعد الصلاة قبل الغروب إن كان مسافرا ، أو عبدا أو امرأة أو ممن لا يجب عليه الجمعة ، وهذا بعيد ، لأن المقصود منه إزالة الرائحة الكريهة كيلا يتأذى الحاضرون بها ، وذلك لا يتأتى بعدها ، ولو اتفق يوم الجمعة ويوم العيد أو يوم عرفة ، وجامع ثم اغتسل ، ينوب عن الكل ، وفي صلاة الجلابي : لو اغتسل يوم الخميس ، أو ليلة الجمعة ، استن بالسنة لحصول المقصود ، وهو قطع الرائحة الكريهة .