7 - بَاب يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ 886 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ . ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا . فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا . قَوْلُهُ : ( بَابُ يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ ) أَيْ : يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنَ الْجَائِزِ . أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ : يَا رَسُولُ اللَّهِ ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مِنْ جِهَةِ تَقْرِيرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ عَلَى أَصْلِ التَّجَمُّلِ لِلْجُمُعَةِ ، وَقَصْرِ الْإِنْكَارِ عَلَى لُبْسِ مِثْلِ تِلْكَ الْحُلَّةِ لِكَوْنِهَا كَانَتْ حَرِيرًا . وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الدَّاوُدِيُّ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّرْجَمَةِ . وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّهُ كَانَ مَعْهُودًا عِنْدَهُمْ أَنْ يَلْبَسَ الْمَرْءُ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ لِلْجُمُعَةِ ، وَتَبِعَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَمَا تَقَدَّمَ أَوْلَى . وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ : وَلَبِسَ مِنْ خَيْرِ ثِيَابِهِ وَنَحْوِهِ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَأَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ حَدِيثِ سَلْمَانَ وَفِيهِ : وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ . وَوَصَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ، فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ مُرْسَلًا ، وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ ، وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ طَرِيقٌ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ . وَقَوْلُهُ سِيَرَاءَ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ ثُمَّ رَاءٍ ثُمَّ مَدٍّ ، أَيْ : حَرِيرٍ . قَالَ ابْنُ قُرْقُولٌ : ضَبَطْنَاهُ عَنِ الْمُتْقِنِينَ بِالْإِضَافَةِ كَمَا يُقَالُ : ثَوْبُ خَزٍّ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ بِالتَّنْوِينِ عَلَى الصِّفَةِ أَوِ الْبَدَلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُقَالُ : حُلَّةٌ سِيَرَاءُ ، كَنَاقَةٍ عُشَرَاءَ . وَوَجَّهَهُ ابْنُ التِّينِ فَقَالَ : يُرِيدُ أَنَّ عُشَرَاءَ مَأْخُوذٌ مِنْ عَشَرَةِ أَيْ أَكْمَلَتِ النَّاقَةُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ فَسُمِّيَتْ عُشَرَاءَ ، وَكَذَلِكَ الْحُلَّةُ سُمِّيَتْ سِيَرَاءَ لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُّيُورِ ، هَذَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ ، وَعُطَارِدٌ صَاحِبُ الْحُلَّةِ هُوَ ابْنُ حَاجِبٍ التَّمِيمِيُّ . وَقَوْلُهُ فَكَسَاهَا أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا سَيَأْتِي أَنَّ اسْمَهُ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ ، وَكَانَ أَخَا عُمَرَ مِنْ أُمِّهِ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ · ص 434 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب يلبس أحسن ما يجد · ص 370 7 - باب يلبس أحسن ما يجد 886 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال : يا رسول الله لو اشتريت هذه ، فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة - وذكر بقيه حديث . وقد خرجه بتمامه في اللباس وغيره . والمقصود منه هاهنا : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر على ما ذكره من التجمل بحسن اللباس للجمعة ، والظاهر : أن ذلك كان عادته صلى الله عليه وسلم ؛ فلهذا قال له عمر ما قال ، وإنما امتنع من هذه الحلة لأنها كانت حريرا خالصا أو أكثرها حرير وقد قيل : إن السيراء نوع من البرود ، يخالطه حرير ، سمي سيراء لتخطيط فيه ، والثوب المسير الذي فيه سير ، أي : طرائق . وقال الخطابي : الحلة السيراء هي المضلعة بالحرير ، وسميت سيراء لما فيها من الخطوط التي تشبه السيور . وفي حديث عبد الله بن وديعة ، عن أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم من اغتسل يوم الجمعة فأحسن الغسل ، ثم لبس من صالح ثيابه - وذكر بقيه الحديث . خرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، وقد سبق ذكره . وخرج أبو داود معناه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرج - أيضا - من حديث يوسف بن سلام أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول على المنبر : ما على أحدكم إن وجد أن يتخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته . وفي رواية له : عن يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه ابن ماجه وعنده : يوسف بن عبد الله بن سلام ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه - أيضا - من حديث عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بإسناد ضعيف . وخرج البيهقي من رواية حجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفر ، عن جابر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة . كذا رواه حفص بن غياث ، عن حجاج . ورواه هشيم ، عن حجاج ، عن أبي جعفر - مرسلا - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ، ويعتم يوم العيدين . خرجه ابن سعد في طبقاته . وكذا خرجه عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن جعفر ، عن أبيه - مرسلا . وهذا المرسل أشبه . وخرج الطبراني من رواية سعد بن الصلت ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبس يوم العيد بردة حمراء . وهذا الإسناد غير محفوظ . وخرج الإمام أحمد من رواية فليح بن سليمان ، عن أبي بكر بن المنكدر ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : حق على كل محتلم الغسل يوم الجمعة ، ويلبس من صالح ثيابه ، وإن كان له طيب مس منه . كذا رواه فليح ، إنما رواه أبو بكر بن المنكدر ، عن عمرو بن سيلم ، عن أبي سعيد . وقد خرجه البخاري فيما تقدم بغير هذا اللفظ . ولا خلاف بين العلماء - فيما نعلمه - في استحباب لبس أجود الثياب لشهود الجمعة والأعياد . وروى وكيع في كتابه ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : أدركت أشياخ الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم الجمعة اغتسلوا ، ولبسوا أحسن ثيابهم ، وتطيبوا بأطيب طيبهم ، ثم راحوا إلى الجمعة .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يلبس أحسن ما يجد · ص 178 باب يلبس أحسن ما يجد أي هذا باب ترجمته : يلبس من يجيء إلى الجمعة أحسن ما يجد من الثياب . 11 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال : يا رسول الله ، لو اشتريت هذه فلبستها يوم الجمعة وللوفد إذا قدموا عليك ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة . ثم جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حلل ، فأعطى عمر بن الخطاب رضي الله عنه منها حلة ، فقال عمر : يا رسول الله ، كسوتنيها وقد قلت في حلة عطارد ما قلت ! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لم أكسكها لتلبسها . فكساها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخا له بمكة مشركا . مطابقته للترجمة من حيث إنه يدل على استحباب التجمل يوم الجمعة ، والتجمل يكون بأحسن الثياب ، وإنكاره صلى الله عليه وسلم على عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن لأجل التجمل بأحسن الثياب ، وإنما كان لأجل تلك الحالة التي أشار إليها عمر بشرائها من الحرير ، وبهذا يرد على الداودي قوله : ليس في الحديث دلالة على الترجمة ، لأنه لا يلزم أن تكون الدلالة صريحا ولم يلتزم البخاري بذلك ، وقد جرت عادته في التراجم بمثل ذلك وبأبعد منه في الدلالة عليها فافهم . ذكر بقية الكلام فيه ، أما رجاله فإنهم قد تكرر ذكرهم خصوصا على هذا النسق ، وهذا السند من أعلى الأسانيد ، وأحسنها : مالك عن نافع عن ابن عمر . وأما البخاري فإنه أخرجه في الهبة أيضا عن القعنبي ، وأخرجه مسلم في اللباس عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود في الصلاة عن القعنبي ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، الكل عن مالك رضي الله تعالى عنه ، وهو من مسند ابن عمر ، وجعله مسلم من مسند عمر لا ابنه . وأما معناه ، فقوله : حلة هي الإزار والرداء ، ولا تكون حلة حتى تكون ثوبين ، سواء كانا من برد أو غيره ، وقال ابن التين : لا تكون حلة حتى تكون جديدة ، سميت بذلك لحلها عن طيها . وقال أبو عبيد : الحلل برود اليمن ، وتجمع على حلال أيضا ، والأشهر حلل . قوله : سيراء بكسر السين المهملة وفتح الياء آخر الحروف بعدها راء ممدودة ، قال ابن قرقول : هو الحرير الصافي ، فمعناه : حلة حرير . وعن مالك : السيراء شيء من حرير . وعن ابن الأنباري : السيراء الذهب . وقيل : هو نبت ذو ألوان وخطوط ممتدة كأنها السيور ، ويخالطها حرير . وقال الفراء : هي نبت ، وهي أيضا ثياب من ثياب اليمن . وفي الصحاح : برود فيها خطوط صفر . وفي المحكم : قيل هو ثوب مسير فيه خطوط يعمل من القز . وفي الجامع : قيل هي ثياب يخالطها حرير . وفي العين : يقال سيرت الثوب والسهم جعلته خطوطا . وفي المغيث : برود يخالطها حرير كالسيور ، فهو فعلاء من السير وهو القد . وقال القرطبي : هي المخططة بالحرير . ذكره الخليل والأصمعي . ثم إعراب حلة سيراء ، قال ابن قرقول : بالإضافة ، ضبطناه من ابن السراج ومتقني شيوخنا ، قلت : فعلى هذا حلة بلا تنوين لأنه أضيف إلى سيراء . ورواه بعضهم على الوصفية ، قلت : فعلى هذا حلة بالتنوين وسيراء صفته . وقيل : إن سيراء بدل من حلة وليس بصفة . وقال الخطابي : حلة سيراء ، كناقة عشراء ، قلت : يعني بالتنوين ، ولكن أهل العربية يختارون الإضافة . قال سيبويه : لم يأت فعلاء صفة . واختلفت الروايات في هذه اللفظة ، فقال أبو عمر : قال أهل العلم : إنها كانت حلة من حرير ، وجاء من استبرق وهو الحرير الغليظ ، وقال الداودي : هو رقيق الحرير . وأهل اللغة على خلافه ، وفي رواية أخرى : من ديباج أو خز . وفي رواية : حلة سندس . وكلها دالة على أنها كانت حريرا محضا ، وهو الصحيح ، لأنه هو المحرم . وأما المختلط فلا يحرم إلا أن يكون الحرير أكثر وزنا عند الشافعية ، وعند الحنفية العبرة للحمة ، كما عرف في موضعه . قوله : لو اشتريت هذه يجوز أن تكون كلمة لو للشرط ، ويكون جزاؤها محذوفا ، تقديره : لكان حسنا . ويجوز أن تكون للتمني فلا تحتاج إلى الجزاء . قوله : فلبستها يوم الجمعة وللوفد وفي رواية للبخاري فلبستها للعيد وللوفود وفي رواية الشافعي فلبستها للجمعة والوفود وهو جمع وفد ، والوفد جمع وافد ، وهو القادم رسولا وزائرا منتجعا أو مسترفدا . قوله : إنما يليس هذه من لا خلاق له وفي رواية : إنما يلبس الحرير ، ويلبس بفتح الباء الموحدة ، والخلاق الحظ والنصيب من الخير والصلاح ، وقال ابن سيده : لا خلاق له يعني : لا رغبة له في الخير . وقال عياض : وقيل الحرمة وقيل الدين ، فعلى قول من يقول النصيب والحظ يكون محمولا على الكفار وعلى القولين الأخيرين يتناول المسلم والكافر . قوله : منها أي : من الحلة السيراء ، والضمير في منها الثاني يرجع إلى الحلل . قوله : في حلة عطارد بضم العين المهملة وتخفيف الطاء المهملة وكسر الراء وفي آخره دال مهملة ، وهو عطارد بن حاجب بن زرارة بن زيد بن عبد الله بن درام بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم ، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم سنة تسع وعليه الأكثرون ، وقيل سنة عشر ، وهو صاحب الديباج الذي أهداه للنبي صلى الله عليه وسلم وكان كسرى كساه إياه فعجب منه الصحابة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا . وقال الذهبي : له وفادة مع الأقرع والزبرقان ، ذكره في كتاب الصحابة . وكان عطارد يقيم بالسوق الحلل ، أي : يعرضها للبيع ، فأضاف الحلة إليه بهذه الملابسة ، وقال أبو عمر : قال أيوب عن ابن سيرين : حلة عطارد أو لبيد ، على الشك . قوله : فكساها عمر أي : فكسا الحلة التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم أخا له بمكة مشركا ، وانتصاب أخا على أنه مفعول ثان لكسا يقال : كسوته جبة ، فيتعدى إلى مفعولين أحدهما غير الأول . قوله : له في محل النصب ، لأنه صفة لقوله أخا تقديره : أخا كائنا له ، وكذلك بمكة في محل النصب ، ومشركا أيضا نصب على أنه صفة بعد صفة ، قيل : إنه أخوه من أمه ، وقيل : أخوه من الرضاعة . وفي النسائي وصحيح أبي عوانة فكساها أخا له من أمه مشركا واسمه عثمان بن حكيم ، وقد اختلف في إسلامه ، قاله بعضهم ، قلت : وفي رواية للبخاري أرسل بها عمر رضي الله تعالى عنه إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم وهذا يدل على إسلامه بعد ذلك . وأما الذي يستفاد منه فعلى أوجه ؛ الأول : فيه دلالة على حرمة الحرير للرجال ، قال القرطبي رحمه الله : اختلف الناس في لباس الحرير ، فمن مانع ومن مجوز على الإطلاق ، والجمهور من العلماء على منعه للرجال ، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام قال : شققها خمرا بين نسائك . وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي ، وأحل لإناثهم . وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح . وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه خطب بالجابية فقال : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع . وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح . الثاني : فيه جواز البيع والشراء على أبواب المساجد . الثالث : فيه مباشرة الصالحين والفضلاء البيع والشراء . الرابع : فيه جواز ملك ما لا يجوز لبسه له ، وجواز هديته ، وتحصيل المال منه ، وقد جاء لتصيب بها مالا . الخامس : فيه ما كان صلى الله عليه وسلم عليه من السخاء والجود وصلة الإخوان والأصحاب بالعطاء . السادس : فيه صلة للأقارب الكفار والإحسان إليهم ، وجواز الهدية إلى الكافر . السابع : فيه جواز إهداء الحرير للرجال ، لأنها لا تتعين للبسهم ، ( فإن قلت ) : يؤخذ منه عدم مخاطبة الكفار بالفروع حيث كساه عمر رضي الله تعالى عنه إياه . ( قلت ) : هذه حجة الحنفية ، فإن الكفار غير مخاطبين بالشرائع عندهم ، وقالت الشافعية : يؤخذ منه ذلك لأنه ليس فيه الإذن ، وإنما هو الهدية إلى الكافر ، وقد بعث الشارع ذلك إلى عمر وعلي وأسامة رضي الله تعالى عنهم ولم يلزم منه إباحة لبسها لهم ، بل صرح صلى الله عليه وسلم بأنه إنما أعطاها لينتفع بها بغير اللبس ، حيث قال صلى الله عليه وسلم : تبيعها وتصيب بها حاجتك . الثامن : فيه عرض المفضول على الفاضل ما يحتاج إليه من مصالحه التي لا يذكرها . التاسع : فيه أن من لبس الحرير في الدنيا من الرجال والنساء ، ظاهره أنه يحرم من ذلك في الآخرة ، لأن كلمة من تدل على العموم وتتناول الذكور والإناث ، لكن الحديث مخصوص بالرجال لقيام دلائل أخرى بإباحته للنساء ، وأما مسألة الحرمان في الآخرة فمنهم من حمله على حقيقته ، وزعم أن لابسه يحرم في الآخرة من لبسه سواء تاب عن ذلك أو لا ، جريا على الظاهر ، والأكثرون على أنه لا يحرم إذا تاب ومات على توبته . العاشر : فيه استحباب لبس الثياب الحسنة يوم الجمعة ، وروى أبو داود من حديث ابن سلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته . وروى ابن ماجه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مهنته . وروى ابن أبي شيبة بإسناد على شرط مسلم عن أبي سعيد مرفوعا : إن من الحق على المسلم إذا كان يوم الجمعة السواك ، وأن يلبس من صالح ثيابه ، وأن يطيب بطيب إن كان .