10 - بَاب مَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ 891 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ - ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ : الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةَ ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا يُقْرَأُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ - وَيَجُوزُ فَتْحُهَا أَيِ الرَّجُلُ - وَلَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ : ( يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فِي التَّرْجَمَةِ . وَهُوَ مُرَادٌ . قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا فِي قَوْلِهِ : مَا يُقْرَأُ الظَّاهِرُ أَنَّهَا مَوْصُولَةٌ لَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ) فِي نُسْخَةٍ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَيِ : الْفِرْيَابِيُّ ، وَذُكِرَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ جَمِيعًا . وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ . وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَيِ : ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، نَسَبَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَغَيْرِهِ عَنِ الثَّوْرِيِّ . وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَشَيْخُهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ، وَهُمَا مَعًا مَدَنِيَّانِ . قَوْلُهُ : ( فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيُّ : فِي الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ . قَوْلُهُ : ( الم تَنْزِيلُ ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى الْحِكَايَةِ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ : السَّجْدَةَ وَهُوَ بِالنَّصْبِ . قَوْلُهُ : ( وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ) زَادَ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ : حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ وَالْمُرَادُ أَنْ يَقْرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِسُورَةٍ ، وَكَذَا بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ : الم تَنْزِيلُ ، فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَفِي الثَّانِيَةِ : هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ لِمَا تُشْعِرُ الصِّيغَةُ بِهِ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ أَوْ إِكْثَارِهِ مِنْهُ ، بَلْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّصْرِيحُ بِمُدَاوَمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ذَلِكَ ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَلَفْظُهُ : يُدِيمُ ذَلِكَ وَأَصْلُهُ فِي ابْنِ مَاجَهْ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ ، لَكِنْ صَوَّبَ أَبُو حَاتِمٍ إِرْسَالَهُ . وَكَأَنَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ الْبَابِ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي فِعْلَ ذَلِكَ دَائِمًا اقْتِضَاءً قَوِيًّا ، وَهُوَ كَمَا قَالَ بِالنِّسْبَةِ لِحَدِيثِ الْبَابِ ، فَإِنَّ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ نَصًّا فِي الْمُدَاوَمَةِ لَكِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا نَصٌّ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ أَشَارَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي رِجَالِ الْبُخَارِيِّ إِلَى الطَّعْنِ فِي سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ لِرِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّ مَالِكًا امْتَنَعَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ لِأَجْلِهِ ، وَأَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ اهـ . وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَإِنَّ سَعْدًا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ مُطْلَقًا ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ . وَأَمَّا دَعْوَاهُ أَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ فَبَاطِلَةٌ ، لِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَدْ قَالُوا بِهِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ ، حَتَّى إِنَّهُ ثَابِتٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالِدِ سَعْدٍ ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ بِهِمَا فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَكَلَامُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ أَمْرٌ طَرَأَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يُعْلَمْ بِالْمَدِينَةِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ قَطَعَهُ كَمَا قَطَعَ غَيْرَهُ اهـ . وَأَمَّا امْتِنَاعُ مَالِكٍ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْ سَعْدٍ فَلَيْسَ لِأَجْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، بَلْ لِكَوْنِهِ طَعَنَ فِي نَسَبِ مَالِكٍ ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْبَرْقِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَحَكَى أَبُو حَاتِمٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : كَانَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ لَا يُحَدِّثُ بِالْمَدِينَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبْ عَنْهُ أَهْلُهَا . وَقَالَ السَّاجِيُّ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى صِدْقِهِ . وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ ، فَصَحَّ أَنَّهُ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِهِمْ . قَالَ : وَمَالِكٌ إِنَّمَا لَمْ يَرْوِ عَنْهُ لِمَعْنًى مَعْرُوفٍ ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا أَحْفَظُ ذَلِكَ اهـ . وَقَدِ اخْتَلَفَ تَعْلِيلُ الْمَالِكِيَّةِ بِكَرَاهَةِ قِرَاءَةِ السَّجْدَةِ فِي الصَّلَاةِ ، فَقِيلَ : لِكَوْنِهَا تَشْتَمِلُ عَلَى زِيَادَةِ سُجُودٍ فِي الْفَرْضِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهُوَ تَعْلِيلٌ فَاسِدٌ بِشَهَادَةِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقِيلَ : لِخَشْيَةِ التَّخْلِيطِ عَلَى الْمُصَلِّينَ ، وَمِنْ ثَمَّ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْجَهْرِيَّةِ وَالسَّرِيَّةِ لِأَنَّ الْجَهْرِيَّةَ يُؤْمَنُ مَعَهَا التَّخْلِيطُ ، لَكِنْ صَحَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فَسَجَدَ بِهِمْ فِيهَا ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ ، فَبَطَلَتِ التَّفْرِقَةُ . وَمِنْهُمْ مَنْ عَلَّلَ الْكَرَاهَةَ بِخَشْيَةِ اعْتِقَادِ الْعَوَامِّ أَنَّهَا فَرْضٌ ، قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : أَمَّا الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا فَيَأْبَاهُ الْحَدِيثُ ، لَكِنْ إِذَا انْتَهَى الْحَالُ إِلَى وُقُوعِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ أَحْيَانًا لِتَنْدَفِعَ ، فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ قَدْ يُتْرَكُ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْمُتَوَقَّعَةِ ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالتَّرْكِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ اهـ . وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ : يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ ذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ لِلْقُدْوةِ ، وَيُقْطَعُ أَحْيَانًا لِئَلَّا تَظُنَّهُ الْعَامَّةُ سُنَّةً اهـ . وَهَذَا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي صُبْحِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْرَأَ غَيْرَ ذَلِكَ أَحْيَانًا لِئَلَّا يَظُنَّ الْجَاهِلُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ . وَأَمَّا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْهُمْ فَذَكَرَ أَنَّ عِلَّةَ الْكَرَاهَةِ هِجْرَانُ الْبَاقِي وَإِيهَامُ التَّفْضِيلِ . وَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ يُنَاسِبُ قَوْلَ صَاحِبِ الْمُحِيطِ ، فَإِنَّهُ خَصَّ الْكَرَاهَةَ بِمَنْ يَرَاهُ حَتْمًا لَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ أَوْ يَرَى الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِهِ مَكْرُوهَةً . ( فَائِدَتَانِ ) الْأُولَى : لَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ لَمَّا قَرَأَ سُورَةَ تَنْزِيلٌ السَّجْدَةَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ إِلَّا فِي كِتَابِ الشَّرِيعَةِ لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : غَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فَقَرَأَ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ فَسَجَدَ ، الْحَدِيثَ ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُنْظَرُ فِي حَالِهِ . ولِلطَّبَرَانِيِّ فِي الصَّغِيرِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي تَنْزِيلٌ السَّجْدَةَ لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ . الثَّانِيَةُ : قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ السَّجْدَةِ قَصْدُ السُّجُودِ الزَّائِدِ ، حَتَّى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ هَذِهِ السُّورَةَ بِعَيْنِهَا أَنْ يَقْرَأَ سُورَةً غَيْرَهَا فِيهَا سَجْدَةٌ ، وَقَدْ عَابَ ذَلِكَ عَلَى فَاعِلِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَنَسَبَهُمْ صَاحِبُ الْهَدْيِ إِلَى قِلَّةِ الْعِلْمِ وَنَقْصِ الْمَعْرِفَةِ ، لَكِنْ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ . وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَرَأَ سُورَةَ مَرْيَمَ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ : كَانُوا يَقْرَءُونَ فِي الصُّبْحِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِسُورَةٍ فِيهَا سَجْدَةٌ . وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا قَالَ : وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا - يَعْنِي ابْنَ سِيرِينَ - عَنْهُ فَقَالَ : لَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا اهـ . فَهَذَا قَدْ ثَبَتَ عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ فَلَا يَنْبَغِي الْقَطْعُ بِتَزْيِيفِهِ . وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي زِيَادَاتِ الرَّوْضَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ : لَمْ أَرَ فِيهَا كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا ، ثُمَّ قَالَ : وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا قَصَدَهُ اهـ . وَقَدْ أَفْتَى ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ قَبْلَهُ بِالْمَنْعِ وَبِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِقَصْدِ ذَلِكَ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُهِمَّاتِ : مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْجَوَازُ . وَقَالَ الْفَارِقِيُّ فِي فَوَائِدِ الْمُهَذَّبِ : لَا تُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ سَجْدَةٍ غَيْرِ تَنْزِيلٌ ، فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ قِرَاءَتِهَا قَرَأَ بِمَا أَمْكَنَ مِنْهَا وَلَوْ بِآيَةِ السَّجْدَةِ مِنْهَا ، وَوَافَقَهُ ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ فِي كِتَابِ الِانْتِصَارِ وَفِيهِ نَظَرٌ . ( تَكْمِلَةٌ ) : قَالَ الزَّيْنُ ابْنُ الْمُنِيرِ : مُنَاسَبَةُ تَرْجَمَةِ الْبَابِ لِمَا قَبْلِهَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِاخْتِصَاصِ صُبْحِهَا بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَى قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا فِيهِمَا مِنْ ذِكْرِ خَلْقِ آدَمَ وَأَحْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ وَسَيَقَعُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ دِحْيَةَ فِي الْعَلَمِ الْمَشْهُورِ وَقَرَّرَهُ تَقْرِيرًا حَسَنًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا يُقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ · ص 438 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة · ص 382 10 - باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة 891 - حدثنا أبو نعيم ومحمد بن يوسف ، ثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن - هو : ابن هرمز - عن أبي هريرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر يوم الجمعة ( الم تنزيل ) السجدة ، و( هل أتى على الإنسان ) . هذا الحديث خرجه البخاري هاهنا ، وفي سجود القرآن . في أحدهما : خرجه عن محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان - هو : الثوري . وفي الآخر : عن أبي نعيم ، عن سفيان . وفي رواية محمد بن يوسف زيادة : ذكر السجدة . ففي بعض النسخ في هذا الباب : رواية محمد بن يوسف ، وفي الآخر : رواية أبي نعيم ، وفي بعضها - في الموضعين : - عن محمد بن يوسف . والأول : أصح . والله أعلم . وقد ذكر الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في مستخرجه : أن البخاري خرجه في هذا الباب ، عن أبي نعيم . وقد رواه يحيى القطان ، عن سفيان ، فقال في حديثه : وفي الثانية هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ . خرجه من طريقه الإسماعيلي في صحيحه . والظاهر : أن ذلك وهم منه . وقد روي هذا الحديث ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية جماعة من الصحابة ، ولم يخرجه البخاري إلا من هذا الوجه . وخرجه مسلم منه ، ومن حديث ابن عباس - أيضا . وقوله : كان يقرأ يدل على تكرر ذلك منه ، ومداومته عليه . وقد روي أنه كان يديم ذلك : خرجه الطبراني من طريق عمرو بن قيس الملائي ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة الم تَنْـزِيلُ السجدة و هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ يديم ذلك . ورواته كلهم ثقات ، إلا أنه روي عن أبي الأحوص مرسلا . وإرساله أصح عند البخاري وأبي حاتم والدارقطني . وقد خرجه ابن ماجه من وجه آخر ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، موصولا - أيضا - بدون ذكر المداومة . وقد اختلف العلماء في قراءة سورة معينة في صلاة معينة . فكرهه طائفة ، وحكي عن أبي حنيفة ومالك . ولم يكرهه الأكثرون ، بل استحبوا منه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وممن استحب قراءة سورة ( الم ) سورة السجدة و هَلْ أَتَى في صلاة الفجر يوم الجمعة : الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وسليمان بن داود الهاشمي والجوزجاني وغيرهم من فقهاء الحديث . وهذا هو المروي عن الصحابة ، منهم : علي وابن عباس وأبو هريرة . ثم اختلفوا : هل يستحب المداومة على ذلك في كل جمعة ؟ فقال بعضهم : لا يستحب ذلك ، بل يستحب فعله أحيانا ، وهو قول الثوري وأحمد - في المشهور عنه - وإسحاق . وعللا بأنه يخشى من المداومة عليه اعتقاد الجهال وجوبه ، وأن صلاة الفجر يوم الجمعة فيها زيادة سجدة ، أو أنها ثلاث ركعات ، ونحو ذلك مما قد يتخيله بعض من هو مفرط في الجهل . وقال الأكثرون : بل يستحب المداومة عليه ، وهو قول الشافعي ، وسائر من سمينا قوله . وهو ظاهر ما نقله إسماعيل بن سعيد الشالنجي ، عن أحمد ؛ فإنه قال : سألته عن القراءة في الفجر يوم الجمعة ؟ فقال : نراه حسنا ، أن تقرأ الم تَنْـزِيلُ السجدة ، و هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ . ورجحه بعض أصحابنا ، وهو الأظهر . وكان السلف يداومون : قال الأعرج : كان مروان وأبو هريرة يقرآن في صلاة الصبح بـ الم تَنْـزِيلُ سورة السجدة و هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ في كل جمعة صلاة الصبح . وقال الشعبي : ما شهدت ابن عباس قرأ يوم الجمعة إلا ( تنزيل ) و هَلْ أَتَى . خرجه ابن أبي شيبة . واعتقاد فرضية ذلك بعيد جدا ، فلا يترك لأجله السنة الصحيحة ، واتباع عمل الصحابة . وكان كثير من السلف يرى أن السجدة مقصودة قراءتها في فجر يوم الجمعة : قال سعيد بن جبير : ما صليت خلف ابن عباس يوم الجمعة الغداة إلا قرأ سورة فيها سجدة . وعن ابن عوان ، قال : كانوا يقرءون يوم الجمعة سورة فيها سجدة ، قال : فسألت محمدا - يعني : ابن سيرين - فقال : لا أعلم به بأسا . وعن النخعي ، أنه صلى بهم يوم جمعة الفجر ، فقرأ بهم بـ كهيعص . خرج ذلك ابن أبي شيبة في كتابه . ونقل حرب ، عن إسحاق ، قال : لا بأس أن يقرأ الإمام في المكتوبة سورة فيها سجدة ، وأحب السور إلينا الم تَنْـزِيلُ السجدة ، و هَلْ أَتَى ، ويقرأ بهما في الجمعة ، ولا بد منهما في كل جمعة ، وإن أدمنهما جاز . وهذا يدل على أنه يستحب قراءة فيها سجدة ، وأفضلها الم تَنْـزِيلُ . وروى أبو بكر بن أبي داود بإسناده ، عن ابن عباس ، قال : غدوت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم جمعة في صلاة الفجر ، فقرأ في الركعة الأخيرة سورة من المئين فيها سجدة ، فسجد فيها . وقد روي عن أحمد ما يشهد لهذا - أيضا - وأن السجدة مقصودة في صلاة الفجر يوم الجمعة ؛ فإن أبا جعفر الوراق روى أن أحمد صلى بهم الفجر يوم الجمعة ، فنسي قراءة آية السجدة ، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو . قال القاضي أبو يعلى : إنما سجد للسهو ، لأن هذه السجدة من سنن الصلاة ، بخلاف بقية السجدات في الصلاة ؛ فإنها من سنن القراءة . وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا والشافعية : أن تعمد قراءة سورة سجدة غير الم تَنْـزِيلُ في فجر يوم الجمعة بدعة ، وقد تبين أن الأمر بخلاف ذلك . وقد صلى الإمام أحمد صلاة الفجر يوم الجمعة ب ( الم ) السجدة ، وسورة ( عبس ) ، وهذا يدل - أيضا - على أن إبدال هَلْ أَتَى بغيرها غير مكروه . وفي هذه الصلاة نسي قراءة السجدة ، وسجد سجدتي السهو ، وهو يدل على أن من نسي أن يسجد في صلاته للتلاوة لم يعد السجود بعد فراغه من الصلاة ، وقد صرح به أصحابنا . قال القاضي أبو يعلى في الجامع الكبير : ظاهره : أن من نسي سجود التلاوة سجد للسهو ، كما إذا نسي دعاء القنوت . قال : ولا يلزم على هذا بقية سجود التلاوة في غير صلاة ؛ لأنه يحتمل أن يقال فيه مثل ذلك ، ويحتمل أن يفرق بينهما ، بأن الحث والترغيب وجد في هذه السجدة أكثر ، وهو مداومة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقراءتها . انتهى ما ذكره . والتحقيق في الفرق : ما ذكره في موضع آخر : أن السجدة في فجر يوم الجمعة من سنن الصلاة ، فهي كقنوت الوتر ، وفي غيرها من سنن القراءة التي لا تختص بالصلاة . وممن قال : إن من نسي السجود للتلاوة في صلاته سجد للسهو إذا قضى صلاته : حماد وابن جريج ، ذكره عبد الرزاق عنهما في كتابه ، ولم يفرق بين سجدة يوم الجمعة وغيرها ، ويحتمل أن مذهبهما وجوب سجود التلاوة ، فيجبره إذا نسيه بسجود السهو . ومذهب مالك : إن نسي سجودها في الركعة الأولى من النافلة حتى يرفع رأسه من ركوعه ، قال : فأحب إلي أن يقرأها في الثانية ، ويسجدها ، ولا يفعل ذلك في الفريضة ، وإن ذكرها وهو راكع في الثانية من النافلة تمادى ، ولا شيء عليه ، إلا أن يدخل في نافلة أخرى ، فإذا قام قرأها وسجد . ذكره في تهذيب المدونة ، ولم يذكر لذلك سجود سهو . وعند أصحاب الشافعي : إذا نسي سجود التلاوة حتى سلم ، فإن لم يطل الفصل سجد للتلاوة بعد سلامه ، وإن طال ففي قضاء السجود لهم قولان . وأما من أوجب السجود للتلاوة ، فقال سفيان فيمن قرأ سجدة ، فركع ناسيا ، فذكر في آخر صلاته : سجدها ، ثم ركع .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة · ص 184 باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة أي هذا باب في بيان ما يقرأ في صلاة الفجر في صبح يوم الجمعة ، وقوله : يقرأ على صيغة المجهول ، ويجوز أن يكون على صيغة المعلوم ، أي : يقرأ المصلي ، وكلمة ما موصولة ، ومنع بعضهم أن تكون استفهامية ، ولا مانع مع ذلك على ما لا يخفى . 16 - حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الرحمن - هو ابن هرمز الأعرج - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر : ( الم تنزيل السجدة ) و ( هل أتى على الإنسان ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، كلهم قد ذكروا غير مرة ، وأبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين . وسفيان هو الثوري . وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه القول في موضعين . وفي بعض النسخ حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان وهي رواية كريمة ، ومحمد بن يوسف هو الفريابي ، وفي بعضها حدثنا محمد بن يوسف أبو نعيم كلاهما عن سفيان . وفيه رواية التابعي عن التابعي وهما سعد والأعرج . وفيه الأولان من الرواة كوفيان والثالث والرابع مدنيان . ( فإن قلت ) : طعن سعد بن إبراهيم في روايته لهذا الحديث ، ولهذا امتنع مالك عن الرواية عنه ، والناس تركوا العمل به لا سيما أهل المدينة . ( قلت ) : لم ينفرد سعد به مطلقا ، فقد أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله ، وكذا ابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة : الم تنزيل وهل أتى . وعن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا مثله رواه الطبراني ، وعن ابن مسعود مثله أخرجه ابن ماجه والطبراني ، وامتناع مالك من الرواية عنه ليس لأجل هذا الحديث بل لكونه طعن في نسب مالك ، وقولهم : إن الناس تركوا العمل به غير صحيح ، لأن ابن المنذر قال : أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين قالوا به . ذكر من أخرجه غيره ، أخرجه مسلم في الصلاة عن زهير بن حرب عن وكيع عن سفيان به ، وعن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن إبراهيم بن سعد عن أبيه به . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن بشار عن يحيى عن إبراهيم ، وعن عمرو بن علي عن ابن مهدي كلاهما عن سفيان به . وأخرجه ابن ماجه فيه عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب به . ذكر معناه قوله : كان النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الكرماني : قالوا مثل هذا التركيب يفيد الاستمرار ، انتهى . قلت : أكثر العلماء على أن كان لا يقتضي المداومة ، والدليل على ذلك ما رواه مسلم من حديث النعمان بن بشير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى و هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ الحديث ، وروى أيضا من حديث الضحاك بن قيس أنه سأل - عن النعمان بن بشير : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ به يوم الجمعة ؟ قال : سورة الجمعة و ( هل أتاك حديث الغاشية ) . وروى الطحاوي من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون . فهذه الأحاديث فيها لفظة كان ولم تدل على المداومة ، بل كان صلى الله عليه وسلم قرأ بهذا مرة وبهذا مرة ، فحكى عنه كل فريق ما حضره ، ففيه دليل على أن لا توقيت للقراءة في ذلك وأن للإمام أن يقرأ في ذلك مع فاتحة الكتاب أي القرآن شاء . قوله : في الفجر يوم الجمعة وفي رواية كريمة والأصيلي في الجمعة في صلاة الفجر . قوله : الم تنزيل الكتاب بضم اللام على الحكاية ، وفي رواية كريمة السجدة وهو بالنصب ، على أنه عطف بيان . قوله : وهل أتى على الإنسان وفي رواية الأصيلي زيادة حين من الدهر ومعناه : يقرأ في الركعة الأولى ( الم تنزيل ) وفي الثانية ( هل أتى على الإنسان ) وأوضح ذلك في رواية مسلم من طريق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيه بلفظ : ( الم تنزيل ) في الركعة الأولى وفي الثانية ( هل أتى على الإنسان ) ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن بطال : ذهب أكثر العلماء إلى القول بهذا الحديث ، روي ذلك عن علي وابن عباس ، واستحبه النخعي وابن سيرين ، وهو قول الكوفيين ، والشافعي وأحمد وإسحاق ، وقالوا : هو سنة . واختلف قول مالك في ذلك فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة ، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم . قلت : الكوفيون مذهبهم كراهة قراءة شيء من القرآن مؤقتة لشيء من الصلوات ، أن يقرأ سورة السجدة وهل أتى في الفجر كل جمعة . وقال الطحاوي رحمه الله تعالى : معناه إذ رآه حتما واجبا لا يجزئ غيره ، أو رأى القراءة بغيرها مكروهة ، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركا أو تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم أو لأجل التيسير فلا كراهة . وفي المحيط : بشرط أن : أن يقرأ غير ذلك أحيانا لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره . وقال المهلب : القراءة في الصلاة محمولة على قوله تعالى : فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وقال أبو عمر في التمهيد : قال مالك : يقرأ في صلاة العيدين بـ ( سبح اسم ربك الأعلى ) و ( الشمس وضحاها ) ونحوهما . وفي المغني لابن قدامة : ويستحب أن يقرأ في الأولى من العيد بـ ( سبح ) وفي الثانية بـ ( الغاشية ) نص عليه أحمد . وقال الشافعي : فقرأ بـ ( قاف ) و ( اقتربت ) لحديث أبي واقد الليثي قال : سألني عمر رضي الله تعالى عنه بما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين . قلت : ( قاف ) و ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ، رواه الطحاوي ومسلم ، وأخرجه الأربعة مرسلا ، واسم أبي واقد الحارث بن مالك ، وقيل : الحارث بن عوف ، وقيل : عوف بن الحارث . وقال ابن حزم في المحلى : واختيارنا هو اختيار الشافعي وأبي سليمان ، وأما صلاة الجمعة فقد قال أبو عمر : اختلف الفقهاء فيما يقرأ به في صلاة الجمعة فقال مالك : أحب إلي أن يقرأ الإمام في الجمعة هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ مع سورة الجمعة . وقال مرة أخرى : أما الذي جاء به الحديث فـ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ مع سورة الجمعة ، والذي أدركت عليه الناس سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى . وقال أبو عمر : محصل مذهب مالك أن كلتي السورتين قراءتهما حسنة مستحبة مع سورة الجمعة ، فإن فعل وقرأ بغيرهما فقد أساء وبئس ما صنع ، ولا تفسد عليه بذلك صلاته . وقال الشافعي وأبو ثور : يقرأ في الركعة الأولى بـ ( سورة الجمعة ) وفي الثانية إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ . واستحب مالك والشافعي وأبو ثور وداود بن علي أن لا يترك سورة الجمعة على كل حال ، ( فإن قلت ) : قد ثبتت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر يوم الجمعة بسورة السجدة ، فهل ورد أنه سجد فيها أم لا ؟ ( قلت ) : ذكر ابن أبي داود في كتاب الشريعة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : غدوت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة فيها سجدة فسجد وروى الطبراني في الصغير من حديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في صلاة الصبح في تنزيل السجدة والله أعلم . وفي إسناد الأول أبان ولا يدري من هو ، والثاني ضعيف ، ( فإن قلت ) : ما الحكمة في اختصاص يوم الجمعة بقراءة هذه السورة بعينها حتى إذا لم يقرأها يستحب أن يقرأ سورة فيها سجدة وفي إضافة ( هل أتى إليها ) ؟ ( قلت ) : الحكمة في ذلك الإشارة إلى ما في هاتين السورتين من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة وأنها تقع يوم الجمعة .