29- بَاب مَنْ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ : أَمَّا بَعْدُ رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 922 - وَقَالَ مَحْمُودٌ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ : أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ : دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ قُلْتُ : مَا شَأْنُ النَّاسِ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ ، فَقُلْتُ آيَةٌ ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ نَعَمْ ، قَالَتْ : فَأَطَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِدًّا حَتَّى تَجَلَّانِي الْغَشْيُ وَإِلَى جَنْبِي قِرْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ ، فَفَتَحْتُهَا فَجَعَلْتُ أَصُبُّ مِنْهَا عَلَى رَأْسِي ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، قَالَتْ : وَلَغَطَ نِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَانْكَفَأْتُ إِلَيْهِنَّ لِأُسَكِّتَهُنَّ ، فَقُلْتُ لِعَائِشَةَ : مَا قَالَ ؟ قَالَتْ : قَالَ : مَا مِنْ شَيْءٍ لَمْ أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هَذَا حَتَّى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، وَإِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ ، أَوْ قَرِيبَ ، مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ ، أَوْ قَالَ الْمُوقِنُ شَكَّ هِشَامٌ ، فَيَقُولُ : هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ، هُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ، فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا ، فَيُقَالُ لَهُ : نَمْ صَالِحًا ، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ ، أَوْ قَالَ الْمُرْتَابُ شَكَّ هِشَامٌ ، فَيُقَالُ لَهُ : مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ ؟ فَيَقُولُ : لَا أَدْرِي ، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُ ، قَالَ هِشَامٌ : فَلَقَدْ قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ : فَأَوْعَيْتُهُ ، غَيْرَ أَنَّهَا ذَكَرَتْ مَا يُغَلِّظُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ : أَمَّا بَعْدُ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مَنْ مَوْصُولَةً بِمَعْنَى الَّذِي وَالْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا فِي أَخْبَارِ الْبَابِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ وَالتَّقْدِيرُ فَقَدْ أَصَابَ السُّنَّةَ ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَنْبَغِي لِلْخُطَبَاءِ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهَا تَأَسِّيًا وَاتِّبَاعًا ا هـ مُلَخَّصًا . وَلَمْ يَجِدِ الْبُخَارِيُّ فِي صِفَةِ خُطْبَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَدِيثًا عَلَى شَرْطِهِ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الثَّنَاءِ ، وَاللَّفْظُ الَّذِي وُضِعَ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا بَعْدَهُ مِنْ مَوْعِظَةٍ وَنَحْوِهَا . قَالَ سِيبَوَيْهِ : أَمَّا بَعْدُ مَعْنَاهَا مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ الزَّجَّاجُ : إِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي حَدِيثٍ فَأَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ بِغَيْرِهِ قَالَ أَمَّا بَعْدُ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِأَنَّهُ مِنَ الظُّرُوفِ الْمَقْطُوعَةِ عَنِ الْإِضَافَةِ ، وَقِيلَ : التَّقْدِيرُ أَمَّا الثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ كَذَا ، وَأَمَّا بَعْدُ فَكَذَا . وَلَا يَلْزَمُ فِي قَسْمِهِ أَنْ يُصَرِّحَ بِلَفْظٍ ، بَلْ يَكْفِي مَا يَقُومُ مَقَامَهُ . وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ قَالَهَا ، فَقِيلَ دَاوُدُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، وَالطَّبَرَانِيُّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مَوْقُوفًا أَنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُعْطِيهِ دَاوُدُ ، وَأَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ فَزَادَ فِيهِ عَنْ زِيَادِ بْنِ سُمَيَّةَ . وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا يَعْقُوبُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ رَوَاهُ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ . وَقِيلَ : أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ ، وَقِيلَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ أَخْرَجَهُ الْقَاضِي أَبُو أَحْمَدَ الْغَسَّانِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ، وَقِيلَ سَحْبَانُ بْنُ وَائِلٍ ، وَقِيلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَوَّلِيَّةِ الْمَحْضَةِ ، وَالْبَقِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً ، ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقَبَائِلِ . قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) سَيَأْتِي مَوْصُولًا آخِرَ الْبَابِ . ثُمَّ أَوْرَدَ فِي الْبَابِ أَيْضًا سِتَّةَ أَحَادِيثَ ظَاهِرَةَ الْمُنَاسَبَةِ لِمَا تَرْجَمَ لَهُ : أَوَّلُهَا حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ، وَفِيهِ فَحَمِدَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ فِتْنَةِ الْقَبْرِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْكُسُوفِ ، وَذَكَرَهُ هُنَا عَنْ مَحْمُودٍ وَهُوَ ابْنُ غَيْلَانَ أَحَدُ شُيُوخِهِ بِصِيغَةِ قَالَ مَحْمُودٌ وَكَلَامُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ أَمَّا بَعْدُ · ص 468 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ قَالَ فِي الْخُطْبَةِ بَعْدَ الثَّنَاءِ أَمَّا بَعْدُ · ص 470 923- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ فَقَسَمَهُ ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا ، فَحَمِدَ اللَّهَ ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ الَّذِي أُعْطِي ، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجَزَعِ وَالْهَلَعِ ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ ، فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرَ النَّعَمِ . تَابَعَهُ يُونُسُ . ثَانِيهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ - وَفِيهِ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَمَّا بَعْدُ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْخُمُسِ ، وَوَقَعَ هُنَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ تَابَعَهُ يُونُسُ وَهُوَ ابْنُ عُبَيْدٍ . وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْنَدِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ لَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ عَمْرٍو . ثَالِثُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَفِيهِ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد · ص 478 29 - باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد رواه عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . حديث عكرمة ، عن ابن عباس قد أسنده في آخر الباب ، فلا أدري لأي معنى علقه في أوله ؟ وقد ذكر أبو نعيم في مستخرجه هذا في الباب الذي قبله .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد · ص 478 قال : 922 - وقال محمود : نا أبو أسامة ، نا هشام بن عروة : أخبرتني فاطمة ابنة المنذر ، عن أسماء ابنة أبي بكر ، قالت : دخلت على عائشة والناس يصلون . فذكرت حديث الكسوف ، وفيه : قالت : ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تجلت الشمس ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد - وذكر بقية الحديث . هكذا ذكره هنا تعليقا ، عن محمود - وهو : ابن غيلان - عن أبي أسامة . وذكر بعضه في الكسوف تعليقا - أيضا - عن أبي أسامة . وأسند الحديث في كتاب : العلم من حديث وهيب . وفي الكسوف وغيره من حديث مالك - كلاهما - عن هشام ، وليس في حديثهما ذكر : أما بعد . وخرج مسلم الحديث بهذه اللفظة من طريق ابن نمير وأبي أسامة - كلاهما - عن هشام ، به .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد · ص 479 ثم قال البخاري : 923 - نا محمد بن معمر ، نا أبو عاصم ، عن جرير بن حازم ، قال : سمعت الحسن ، نا عمرو بن تغلب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بمال - أو سبي - فقسمه ، فأعطى رجالا وترك رجلا ، فبلغه أن الذين ترك عتبوا ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فوالله ، إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب إلي من الذين أعطي . وذكر الحديث . سماع الحسن من عمرو بن تغلب مختلف فيه ، فأثبته أبو حاتم والبخاري ، ونفاه علي بن المديني شيخ البخاري . وكذلك يحيى بن معين - فيما نقله عنه جعفر بن محمد بن أبان الحراني - قال : لم يسمع منه ، ولم يرو حديثه إلا جرير بن حازم ، وليس بشيء . واختلف عن أحمد : فنقل عنه ابنه صالح ، قال : سمع الحسن من عمرو بن تغلب أحاديث . ونقل عنه ابنه عبد الله ، قال : كانت سجية في جرير بن حازم : نا الحسن ، نا عمرو بن تغلب ، وأبو الأشهب يقول : عن الحسن ، قال : بلغني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمرو بن تغلب . يريد : أن قول جرير بن حازم : نا الحسن ، نا عمرو بن تغلب كانت عادة له ، لا يرجع فيها إلى تحقيق . وقد ذكر أبو حاتم نحو هذا في أصحاب بقية بن الوليد ، أنهم يروون عنه ، عن شيوخه ، ويصرحون بتحديثه عنهم ، من غير سماع له منهم . وكذلك قال يحيى بن سعيد القطان في فطر بن خليفة : إنه كان يقول : ثنا فلان بحديث ، ثم يدخل بينه وبينه رجلا أخر ، كان ذلك سجية منه . ذكره العقيلي في كتابه . وكذا ذكر الإسماعيلي : أن أهل الشام ومصر يتسامحون في قولهم : ثنا من غير صحة السماع ، منهم : يحيى بن أيوب المصري .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد · ص 221 باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد أي هذا باب في بيان قول من قال في الخطبة بعد الثناء عن الله عز وجل كلمة أما بعد ، وكان البخاري رحمه الله لم يجد في صفة خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة حديثا على شرطه ، فاقتصر على ذكر الثناء ، واللفظ الذي وضع للفصل بينه وبين ما بعده من موعظة ونحوها . وقال أبو جعفر النحاس عن سيبويه : معنى أما بعد : مهما يكن من شيء . وقال أبو إسحاق : إذا كان رجل في حديث ، وأراد أن يأتي بغيره قال أما بعد ، وأجاز الفراء أما بعدا بالنصب والتنوين . وأما بعد بالرفع والتنوين ، وأجاب هشام أما بعد بفتح الدال ، واعلم أن بعد وقبل من الظروف التي قطعت عن الإضافة ، فإذا أريد منهما المضاف إليه المتعين بعد القطع يبنى ، ولا يعرب ، ويكون بناؤهما على الضم ؛ لأن بناءهما عارض يزول بالإضافة ، فكانت الحركة ضمة ؛ لأنها لا توهم إعرابا ؛ لأن الضم لا يدخلهما مضافين ، وفي ( المحكم ) معناه أما بعد دعائي لك ، وفي ( الجامع ) : يعني بعد الكلام المتقدم أو بعد ما بلغني من الخبر . واختلف في أول من قالها فقيل : داود عليه الصلاة والسلام ، رواه الطبراني مرفوعا من حديث أبي موسى الأشعري ، وفي إسناده ضعف ، وقيل : قس بن ساعدة ، وقيل : يعرب بن قحطان ، وقيل : كعب بن لؤي جد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وقيل : سحبان بن وائل ، وفي ( غرائب مالك ) للدارقطني بسند ضعيف : لما جاء ملك الموت إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام قال يعقوب في جملة كلامه : أما بعد ، فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء ، وذكر الحافظ أبو محمد عبد القادر بن عبد الله الرهاوي أن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم رووا هذه اللفظة عن سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم سعد بن أبي وقاص ، وابن مسعود ، وأبو سعيد الخدري ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله والفضل ابنا العباس بن عبد المطلب ، وجابر بن عبد الله ، وأبو هريرة ، وسمرة بن جندب ، وعدي بن حاتم ، وأبو حميد الساعدي ، وعقبة بن عامر ، والطفيل ابن سخبرة ، وجرير بن عبد الله البجلي ، وأبو سفيان بن حرب ، وزيد بن أرقم ، وأبو بكرة ، وأنس بن مالك ، وزيد بن خالد ، وقرة بن دعموص ، والمسور بن مخرمة ، وجابر بن سمرة ، وعمرو بن ثعلبة ، ورزين بن أنس السلمي ، والأسود بن سريع ، وأبو شريح بن عمرو ، وعمرو بن حزم ، وعبد الله بن عليم ، وعقبة بن مالك ، وأسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم أجمعين . ( رواه عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) . أي روى القول بكلمة أما بعد في الخطبة عكرمة مولى ابن عباس عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا التعليق وصله البخاري في آخر هذا الباب عن إسماعيل بن أبان عن ابن الغسيل عن عكرمة عن ابن عباس قال : صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر الحديث . 45 - وقال محمود : حدثنا أبو أسامة قال : حدثنا هشام بن عروة قال : أخبرتني فاطمة بنت المنذر ، عن أسماء بنت أبي بكر قالت : دخلت على عائشة رضي الله عنها والناس يصلون قلت : ما شأن الناس ؟ فأشارت برأسها إلى السماء فقلت : آية ؟ فأشارت برأسها ، أي : نعم ، قالت : فأطال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جدا حتى تجلاني الغشي ، وإلى جنبي قربة فيها ماء ، ففتحتها ، فجعلت أصب منها على رأسي ، فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وقد تجلت الشمس ، فخطب الناس ، وحمد الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، قالت : ولغط نسوة من الأنصار ، فانكفأت إليهن لأسكتهن فقلت لعائشة : ما قال ؟ قالت : قال : ما من شيء لم أكن أريته إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار ، وإنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال ، يؤتى أحدكم فيقال له : ما علمك بهذا الرجل ؛ فأما المؤمن أو قال : الموقن - شك هشام - فيقول : هو رسول الله ، هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ، جاءنا بالبينات والهدى ، فآمنا وأجبنا واتبعنا وصدقنا ، فيقال له : نم صالحا ، قد كنا نعلم إن كنت لتؤمن به . وأما المنافق أو قال المرتاب ، شك هشام ، فيقال له : ما علمك بهذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري ، سمعت الناس يقولون شيئا فقلت . قال هشام : فلقد قالت لي فاطمة ، فأوعيته غير أنها ذكرت ما يغلظ عليه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهي قوله : ثم قال أما بعد . ( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : محمود بن غيلان ، أحد مشايخه مر في باب النوم قبل العشاء ، الثاني : أبو أسامة حماد بن أسامة الليثي ، وقد تكرر ذكره ، الثالث : هشام بن عروة بن الزبير بن العوام ، وقد تكرر ذكره ، الرابع : فاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام امرأة هشام بن عروة ، الخامس : أسماء بنت أبي بكر الصديق أم عبد الله بن الزبير ، وعروة أخت عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في أربعة مواضع ، وفيه قال محمود ، ولم يقل حدثنا محمود أو أخبرنا ؛ لأن الظاهر أنه ذكره له محاورة ومذاكرة لا نقلا وتحميلا ، لكن كلام أبي نعيم في المستخرج يشعر بأنه قال : حدثنا محمود ، وفيه رواية الرجل عن بنت عمه ، وزوجته ، وفيه رواية التابعية عن الصحابية ، وفيه رواية الصحابية عن الصحابية ، وفيه شيخ البخاري مروزي ، وشيخه كوفي ، والبقية مدنية . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في مواضع قد بيناه في باب : من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس في كتاب العلم ، وقد ذكرنا أيضا من أخرجه غير البخاري ، وذكرنا جميع ما يتعلق به هناك ، ونذكر هاهنا مختصرا عما قد ذكرناه هناك ، وما لم نذكره . قوله : والناس يصلون جملة حالية ، قوله : ما شأن الناس أي : قائمين فزعين ، قوله : فأشارت أي عائشة ، قوله : فقلت : آية ؟ أصله بهمزة الاستفهام ، أي : آية ، وارتفاعها على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي : أهي آية ، أي : علامة لعذاب الناس كأنها مقدمة له ، قوله : حتى تجلاني بفتح التاء المثناة من فوق والجيم ، وتشديد اللام ، وأصله تجللني ، أي : علاني ، وكذا وقع في رواية هناك ، قوله : الغشي بفتح الغين المعجمة وسكون الشين المعجمة ، وفي آخره ياء آخر الحروف مخففة من غشي عليه غشية ، وغشيا ، وغشيانا فهو مغشي عليه ، واستغشى بثوبه ، وتغشى ، أي : تغطى به ، قوله : وقد تجلت الشمس جملة حالية ، أي : انكشفت ، قوله : ثم قال أما بعد هذا لم يذكر هناك ، قال الكرماني : كلمة أما لا بد لها من أخت فما هي إذا وقعت بعد الثناء على الله ، كما هو العادة في ديباجة الرسائل والكتب بأن يقال الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد ، وأجاب بأن الثناء أو الحمد مقدم عليه ، كأنه قال : أما الثناء على الله فكذا ، وأما بعد فكذا ، ولا يلزم في قسيمه أن يصرح بلفظه ؛ بل يكفي ما يقوم مقامه ، قيل : هي من أفصح الكلام ، وهو فصل بين الثناء على الله وبين الخبر الذي يريد الخطيب إعلام الناس به ، ومثل هذه الكلمة تسمى بفصل الخطاب الذي أوتي داود عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه فصل ما تقدم . وقال الحسن : هي فصل القضاء ، وهي البينة على المدعي ، واليمين على من أنكر ، قوله : لغط نسوة من الأنصار اللغط بالتحريك الأصوات المختلفة التي لا تفهم ، قال ابن التين : ضبطه بعضهم بفتح الغين ، وبعضهم بكسرها ، وهو عند أهل اللغة بالفتح ، قوله : فانكفأت أي : ملت بوجهي ورجعت إليهن لأسكتهن ، وأصله من كفأت الإناء إذا أملته وكببته ، قوله : ما من شيء كلمة ما للنفي ، وكلمة من زائدة لتأكيد النفي ، وشيء اسم ما ، وقوله : لم أكن أريته جملة في محل الرفع ؛ لأنها صفة لشيء ، وهو مرفوع في الأصل ، وإن كان جر بمن الزائدة ، واسم أكن مستتر فيه ، وأريته بضم الهمزة جملة في محل النصب ؛ لأنها خبر لم أكن ، قوله : إلا وقد رأيته استثناء مفرغ ، وتحقيق الكلام قد ذكرناه ، قوله : حتى الجنة والنار يجوز فيهما الرفع على أن تكون حتى ابتدائية ، ورفع الجنة على الابتداء محذوف الخبر ، تقديره : حتى الجنة مرئية ، والنار عطف عليها ، ويجوز فيهما النصب على أن تكون حتى عاطفة على الضمير المنصوب في رأيته ، ويجوز الجر أيضا على أن تكون حتى جارة . قوله : أوحي إلي على صيغة المجهول ، قوله : أنكم بفتح الهمزة ، قوله : مثل أو قريبا أصله مثل فتنة الدجال أو قريبا من فتنة الدجال ، وتحقيقه قد مر ، قوله : يؤتى على صيغة المجهول ، قوله : الموقن أي : المصدق بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو الموقن بنبوته ، قوله : صالحا أي : منتفعا بأعمالك ، قوله : إن كنت إن هذه مخففة من الثقيلة ، أي : إن الشأن كنت ، وهي مكسورة ، ودخلت اللام في قوله : لموقنا لتفرق بين إن هذه وبين إن النافية ، قوله : المنافق هو المظهر خلاف ما يبطن ، والمرتاب الشاك ، وهو في مقابلة الموقن ، وهذا اللفظ مشترك فيه الفاعل والمفعول ، والفرق تقديري ، قوله : فأوعيته الأصل في مثل هذا أن يقال : وعيته . يقال : وعيت العلم ، وأوعيت المتاع . وقال ابن الأثير : في حديث الإسراء ذكر في كل سماء أنبياء قد سماهم فأوعيت منهم إدريس في الثانية هكذا روي ، فإن صح فيكون معناه أدخلته في وعاء قلبي يقال : أوعيت الشيء في الوعاء ، إذا أدخلته فيه ، ولو روي وعيت بمعنى حفظت لكان أبين وأظهر . يقال : وعيت الحديث أعيه وعيا فأنا واع إذا حفظته وفهمته ، وفلان أوعى من فلان ، أي : أحفظ وأفهم ، وهاهنا كذلك إن صحت الرواية فيكون معناه أدخلته في وعاء قلبي ، وإلا فالقياس : وعيته بدون الهمزة فافهم ، وفي بعض النسخ : فوعيته على الأصل ، قوله : ما يغلظ عليه ويروى ما يغلظ فيه . ( وما يستفاد منه ) الافتتان في القبر ، وهو الاختبار ، ولا فتنة أعظم من هذه الفتنة ، وقد وردت فيه أحاديث كثيرة منها : حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي من رواية سعيد بن أبي سعيد المقبري عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا قبر الميت - أو قال : أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر ، وللآخر النكير ، فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : ما كان يقول ، هو عبد الله ورسوله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول هذا ، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ، ثم ينور له فيه ، ثم يقال له : نم ، فيقول : أرجع إلى أهلي فأخبرهم ، فيقولان : نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه ، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك . فإن كان منافقا قال : سمعت الناس يقولون فقلت مثله ، لا أدري ، فيقولان : قد كنا نعلم أنك تقول ذلك ، فيقال للأرض : التئمي عليه ، فتلتئم عليه ، فتختلف أضلاعه ، فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك . انفرد بإخراجه الترمذي من هذا الوجه ، وله طريق آخر من رواية سعيد بن يسار عن أبي هريرة ، أخرجه ابن ماجه عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الميت يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح في قبره غير فزع ولا مشغوب ، ثم يقال له : فيم كنت ؟ فيقول : كنت في الإسلام ، فيقال له : ما هذا الرجل ؟ فيقول : محمد رسول الله ، جاءنا بالبينات من عند الله ، فصدقناه ، فيقال له : هل رأيت الله ؟ فيقول : ما ينبغي لأحد أن يرى الله ، فتفرج له فرجة قبل النار ، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا ، فيقال له : انظر إلى ما وقاك الله ، ثم يفرج له فرجة قبل الجنة ، فينظر إلى زهرتها وما فيها ، فيقال له : هذا مقعدك ، ويقال له : على اليقين كنت ، وعليه مت ، وعليه تبعث إن شاء الله . ويجلس الرجل السوء في قبره فزعا مشغوبا ، فيقال له : فيم كنت ؟ فيقول : لا أدري ، فيقال له : ما هذا الرجل ؟ فيقول : سمعت الناس يقولون قولا فقلته ، فيفرج له قبل الجنة ، فينظر إلى زهرتها وما فيها ، فيقال له : انظر إلى ما صرف الله عنك ، ثم يفرج له فرجة إلى النار ، فينظر إليها يحطم بعضها بعضا ، فيقال له : هذا مقعدك ، على الشك كنت ، وعليه مت ، وعليه تبعث إن شاء الله ، وأخرجه النسائي في سننه الكبرى في التفسير ، وفي الملائكة من هذا الوجه . وأخرج أبو داود من حديث أنس ، وفيه قال : إن المؤمن إذا وضع في قبره أتاه ملك ، فيقول له : ما كنت تعبد ؟ فإن الله إذا هداه قال : كنت أعبد الله ، فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : هو عبد الله ورسوله ، وما يسأل عن شيء غيرها ، فينطلق به إلى بيت كان له في النار ، فيقال له : هذا بيتك كان في النار ، ولكن الله عصمك ورحمك ، فأبدلك به بيتا في الجنة ، فيقول : دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي ، فيقال له : اسكن . وإن الكافر إذا وضع في قبره أتاه ملك فيهزه فيقول له : ما كنت تعبد ؟ فيقول : لا أدري ، فيقول له : لا دريت ولا تليت ، فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : كنت أقول ما يقول الناس ، فيضربه بمطراق من حديد بين أذنيه ، فيصيح صيحة يسمعها الخلق غير الثقلين . وأخرجه أبو داود أيضا من حديث البراء على اختلاف طرقه ، وفيه : ثم يقيض له أعمى أبكم ، معه مرزبة من حديد ، لو ضرب بها جبل لصار ترابا قال : فيضرب بها ضربة يسمعها من بين المشرق والمغرب إلا الثقلين فيصير ترابا ، ثم يعاد فيه الروح . وأخرج أبو داود الطيالسي حديث البراء بن عازب : يقول العبد : هو رسول الله الحديث ، وفيه : يمثل له عمله في هيئة رجل حسن الوجه ، طيب الريح ، حسن الثياب ، فيقول : أبشر بما أعد الله لك ، أبشر برضوان الله تعالى وجنات فيها نعيم مقيم ، فيقول : بشرك الله بخير ، من أنت ، فوجهك الذي جاء بالخير ، فيقول : هذا يومك الذي كنت توعد ، أنا عملك الصالح . وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة مرفوعا : فيأتيه الملكان أعينهما مثل قدور النحاس ، وفي رواية معمر أصواتهما كالرعد القاصف ، وأبصارهما كالبرق الخاطف ، معهما مرزبة من حديد ، لو اجتمع عليها أهل الأرض لم يقلوها . وعند الحكيم الترمذي : خلقهما لا يشبه خلق الآدميين ، ولا خلق الملائكة ، ولا خلق الطير ، ولا خلق البهائم ، ولا خلق الهوام ؛ بل هما خلق بديع الحديث . وروى أبو نعيم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن ابن آدم لفي غفلة عما خلقه الله عز وجل الحديث ، وفيه فإذا أدخل حفرته رد الروح في جسده ، ثم يرتفع ملك الموت ، ثم جاءه ملكا القبر فامتحناه ، وذكر بقية الحديث . وقد روي في عذاب القبر عن جماعة من الصحابة ، وهم أبو هريرة عند الترمذي والبخاري ، وزيد بن ثابت عند مسلم ، وابن عباس عند الستة ، وأبو أيوب عند الشيخين والنسائي ، وأنس عند الشيخين وأبو داود والنسائي ، وجابر عند ابن ماجه ، وعائشة عند الشيخين والنسائي ، وأبو سعيد عند ابن مردويه في تفسيره ، وابن عمر عند النسائي ، وعمر بن الخطاب عند أبي داود والنسائي وابن ماجه ، وسعد عند البخاري والترمذي والنسائي ، وابن مسعود عند الطحاوي ، وزيد بن أرقم عند مسلم ، وأبو بكرة عند النسائي ، وعبد الرحمن بن حسنة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه ، وعبد الله بن عمرو عند النسائي ، وأسماء بنت أبي بكر عند البخاري والنسائي ، وأسماء بنت يزيد عند النسائي ، وأم مبشر عند ابن أبي شيبة في المصنف ، وأم خالد عند البخاري والنسائي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد · ص 225 46 - حدثنا محمد بن معمر قال : حدثنا أبو عاصم ، عن جرير بن حازم قال : سمعت الحسن يقول : حدثنا عمرو بن تغلب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بمال أو سبي فقسمه فأعطى رجالا وترك رجالا ، فبلغه أن الذين ترك عتبوا ؛ فحمد الله ، ثم أثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل ، والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي ، ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع ، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير ، فيهم عمرو بن تغلب ، فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم . مطابقته للترجمة في قوله : ثم قال أما بعد . ( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : محمد بن معمر بفتح الميمين أبو عبد الله البصري العبسي المعروف بالبحراني ضد البراني ، الثاني : أبو عاصم النبيل ، واسمه الضحاك بن مخلد ، الثالث : جرير بفتح الجيم ، وتكرار الراءين ، ابن حازم بالحاء المهملة ، وبالزاي ، الرابع : الحسن البصري ، الخامس : عمرو بفتح العين ابن تغلب بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الغين المعجمة ، وكسر اللام ، وفي آخره باء موحدة العبدي التميمي البصري ، روي له عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثان رواهما البخاري . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين في الرواة ، وفي موضع آخر عن الصحابي ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم بصريون ، وفيه أن هذا الحديث من أفراد البخاري ، وأخرجه أيضا في الخمس عن موسى بن إسماعيل ، وفي التوحيد عن أبي النعمان . وقال عبد الغني : لم يرو عن عمرو بن تغلب غير الحسن البصري فيما قاله غير واحد . قلت : لعل مراده في الصحيح ، وإلا فقد قال ابن عبد البر : إن الحكم بن الأعرج روى عنه أيضا ، كما نبه عليه المزي رحمه الله . فإن قلت : قال الحاكم وعليه الجمهور : إن شرط البخاري في صحيحه أن لا يذكر إلا حديثا رواه صحابي مشهور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وله راويان ثقتان فأكثر ، ثم يرويه عنه تابعي مشهور ، وله أيضا راويان ثقتان فأكثر ، ثم كذلك في كل درجة ، وهذا الحديث لم يروه عن عمرو بن تغلب إلا راو واحد ، وهو الحسن . قلت : قد ذكرت لك أن الحكم بن الأعرج روى عنه أيضا . ( ذكر معناه ) ، قوله : أتى بالمال أو بشيء بالشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها همزة ، ويروى بسبي بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة بعدها ياء آخر الحروف ، ويروى أو سي بدون حرف الباء ، وفي رواية الإسماعيلي أتي بمال من البحرين ، قوله : فبلغه أن الذين ترك كذا بخط الحافظ الدمياطي ، وقال الحافظ قطب الدين : الذي في أصل روايتنا أن الذي ترك ، قلت : الضمير الذي في ترك يرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ومفعوله محذوف تقديره : أن الذين تركهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عتبوا ؛ حيث حرموا عن العطاء ، وأما وجه أن الذي بإفراد الموصول فعلى تقدير أن الصنف الذي تركه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قوله : أما بعد أي : أما بعد الحمد لله تعالى ، والثناء عليه ، قوله : وإني أعطي الرجل أعطي بلفظ المتكلم لا بلفظ المجهول من الماضي ، قوله : وأدع الرجل أي : الرجل الآخر ، وأدع بلفظ المتكلم أيضا ، أي : أترك ، قوله : من الذي أعطي على لفظ المتكلم أيضا ، ومفعول أعطي الذي هو صلة الموصول محذوف ، قوله : لما أرى من نظر القلب لا من نظر العين ، قوله : من الجزع بالتحريك ضد الصبر يقال جزع جزعا ، وجزوعا فهو جزع ، وجازع ، وقال يعقوب : الجزع الفزع ، وقال ابن سيده : وجزع ، وجزاع . قوله : والهلع بالتحريك أيضا ، وهو أفحش الفزع ، وقال محمد بن عبد الله بن طاهر لأحمد بن يحيى : ما الهلوع ؟ فقال : قد فسره الله تعالى حيث قال : إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا بقوله : إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ويقال : الهلع والهلاع والهلعان : الجبن عند اللقاء ، وفي أمالي ثعلب : الهلواعة الرجل الجبان ، وفي تهذيب أبي منصور قال الحسن بن أبي الحسن : الهلوع الشره ، وعن الفراء : الضجور ، وقال أبو إسحاق : الهلوع الذي يفزع ويجزع من الشر ، وقال القزاز : الهلع سوء الجزع ، ورجل هلعة مثال همزة : إذا كان يجزع سريعا . قوله : من الغنى والخير أي : أتركهم مع ما وهب الله تعالى لهم من غنى النفس فصبروا وتعففوا عن المسألة والشره ، قوله : بكلمة رسول الله مثل هذه الباء تسمى بالباء البدلية ، وباء المقابلة ؛ نحو : اعتضت بهذا الثوب خيرا منه ، أي : ما أحب أن حمر النعم لي بدل كلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، أي : يقابلها ، أي : هذه الكلمة كانت أحب إلي منها ، وكيف لا والآخرة خير وأبقى ، والحمر بضم الحاء المهملة وسكون الميم . ( تابعه يونس ) لم يوجد هذا في كثير من النسخ ، ويونس هو ابن عبيد الله بن دينار العبدي المصري ، ووصله أبو نعيم بإسناده عنه عن الحسن عن عمرو بن ثعلب .