992 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكِ ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ ؟ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ ، فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ وِسَادَةٍ ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا ، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ، فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبهِ ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ أَوْتَرَ ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ . 993 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لَكَ مَا صَلَّيْتَ . قَالَ الْقَاسِمُ : وَرَأَيْنَا أُنَاسًا مُنْذُ أَدْرَكْنَا يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ ، وَإِنَّ كُلًّا لَوَاسِعٌ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِشَيْءٍ مِنْهُ بَأْسٌ . 994 - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عن عُرْوَةُ ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ - تَعْنِي بِاللَّيْلِ - فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ ، وَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلصَّلَاةِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ ) زَادَ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ : فَرَقَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَيْفَ يُصَلِّي . زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : بِاللَّيْلِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَعَثَنِي الْعَبَّاسُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ : فِي إِبِلٍ أَعْطَاهُ إِيَّاهَا مِنَ الصَّدَقَةِ . وَلِأَبِي عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْعَبَّاسَ بَعَثَهُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ ، قَالَ : فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَهُ ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ قَامَ فَرَكَعَ حَتَّى أُذِنَ بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ . وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ عَنْهُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَدَ الْعَبَّاسَ ذَوْدًا مِنَ الْإِبِلِ ، فَبَعَثَنِي إِلَيْهِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَكَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ . وَهَذَا يُخَالِفُ مَا قَبْلَهُ ، وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُكَلِّمْهُ فِي الْمَسْجِدِ أَعَادَهُ إِلَيْهِ بَعْدَ الْعِشَاءِ إِلَى بَيْتِ مَيْمُونَةَ ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ ، عَنِ الزِّيَادَةِ : فَقَالَ لِي : يَا بُنَيَّ بِتِ اللَّيْلَةِ عِنْدَنَا . وَفِي رِوَايَةِ حَبِيبٍ الْمَذْكُورَةِ : فَقُلْتُ : لَا أَنَامُ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ مَخْرَمَةَ : فَقُلْتُ لِمَيْمُونَةَ : إِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَيْقِظِينِي وَكَانَ عَزَمَ فِي نَفْسِهِ عَلَى السَّهَرِ لِيَطَّلِعَ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي أَرَادَهَا ، ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يَغْلِبَه النَّوْمُ فَوَصَّى مَيْمُونَةَ أَنْ تُوقِظَهُ . قَوْلُهُ : ( فِي عُرْضِ وِسَادَةٍ ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَذْكُورَةِ : وِسَادَةٌ مِنْ أُدْمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ . وَفِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ الْمَذْكُورَةِ : ثُمَّ دَخَلَ مَعَ امْرَأَتِهِ فِي فِرَاشِهَا . وَزَادَ أَنَّهَا كَانَتْ لَيْلَتَئِذٍ حَائِضًا . وَفِي رِوَايَةِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ فِي التَّفْسِيرِ ، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً . وَقَدْ سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الِاضْطِجَاعِ وَالْعَرَضِ وَمَسْحِ النَّوْمِ وَالْعَشْرِ الْآيَاتِ فِي بَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ . وَكَذَا عَلَى الشَّنِّ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ) جَزَمَ شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ بِثُلُثِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الِاسْتِيقَاظَ وَقَعَ مَرَّتَيْنِ : فَفِي الْأُولَى نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ ، ثُمَّ تَلَا الْآيَاتِ ثُمَّ عَادَ لِمَضْجَعِهِ فَنَامَ ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَعَادَ ذَلِكَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي رِوَايَتِهِ الْمَذْكُورَةِ . وَفِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ اللَّيْلِ ، فَأَتَى حَاجَتَهُ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ نَامَ ، ثُمَّ قَامَ فَأَتَى الْقِرْبَةَ ، الْحَدِيثَ . وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : ثُمَّ قَامَ قَوْمَةً أُخْرَى . وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ سَلَمَةَ : فَبَالَ بَدَلَ فَأَتَى حَاجَتَهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ ) زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ : ثُمَّ اسْتَفْرَغَ مِنَ الشَّنِّ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ تَوَضَّأَ . قَوْلُهُ : ( فَأَحْسَنَ الْوُضُوءِ ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَطَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ جَمِيعًا : فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ . وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ : فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ تَخْفِيفِ الْوُضُوءِ . وَيُجْمَعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِرِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ فَإِنَّ لَفْظَهُ : فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا بَيْنَ وُضُوءَيْنِ لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِيَاضٍ ، عَنْ مَخْرَمَةَ : فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَلَمْ يَمَسَّ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا قَلِيلًا . وَزَادَ فِيهَا : فَتَسَوَّكَ . وَكَذَا لِشَرِيكٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ : فَاسْتَنَّ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قُبَيْلَ كِتَابِ الْغُسْلِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ : ثُمَّ أَخَذَ بُرْدًا لَهُ حَضْرَمِيًّا فَتَوَشَّحَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَقَامَ يُصَلِّي . قَوْلُهُ : ( فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ ) يَقْتَضِي أَنَّهُ صَنَعَ جَمِيعَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْقَوْلِ وَالنَّظَرِ وَالْوُضُوءِ وَالسِّوَاكِ وَالتَّوَشُّحِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَغْلَبِ ، وَزَادَ سَلَمَةُ عَنْ كُرَيْبٍ فِي الدَّعَوَاتِ فِي أَوَّلِهِ : فَقُمْتُ فَتَمَطَّيْتُ كَرَاهِيَةً أَنْ يَرَى أَنِّي كُنْتُ أَرْقُبُهُ ، وَكَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضِ عَمَلِهِ لِمَا جَرَى مِنْ عَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْعَمَلِ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ مُسْتَوْفًى . قَوْلُهُ : ( وَأَخَذَ بِأُذُنِي ) زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي رِوَايَتِهِ : فَعَرَفْتُ أَنَّهُ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ لِيُؤْنِسَنِي بِيَدِهِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ . وَفِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ بن عُثْمَانَ : فَجَعَلْتُ إِذَا أَغْفَيْتُ أَخَذَ بِشَحْمَةِ أُذُنِي . وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ أَخْذَ الْأُذُنِ إِنَّمَا كَانَ فِي حَالَةِ إِدَارَتِهِ لَهُ مِنَ الْيَسَارِ إِلَى الْيَمِينِ مُتَمَسِّكًا بِرِوَايَةِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ الْآتِيَةِ فِي التَّفْسِيرِ حَيْثُ قَالَ : فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ إِدَارَتِهِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى مَسْكِ أُذُنِهِ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَأْنِيسِهِ وَإِيقَاظِهِ ؛ لِأَنَّ حَالَهُ كَانَتْ تَقْتَضِي ذَلِكَ لِصِغَرِ سِنِّهِ . قَوْلُهُ : ( فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ فَصَلَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ حَيْثُ قَالَ فِيهَا : يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ التَّصْرِيحُ بِالْفَصْلِ أَيْضًا ، وَأَنَّهُ اسْتَاكَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . ثُمَّ إِنَّ رِوَايَةَ الْبَابِ فِيهَا التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الرَّكْعَتَيْنِ سِتَّ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ قَالَ : ثُمَّ أَوْتَرَ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ سَلَمَةَ الْآتِيَةِ فِي الدَّعَوَاتِ حَيْثُ قَالَ : فَتَتَامَّتْ ، وَلِمُسْلِمٍ : فَتَكَامَلَتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَاضِيَةِ فِي الْإِمَامَةِ عَنْ كُرَيْبٍ : فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَذْكُورَةِ مِثْلُهُ . وَزَادَ : وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِرِوَايَةِ الْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ : ثُمَّ أَوْتَرَ : فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى الثَّلَاثَ عَشْرَةَ ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ رَكْعَتِيِ الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِهَا ، لَكِنْ رِوَايَةُ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ الْآتِيَةُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ كُرَيْبٍ تُخَالِفُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ : فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ . فَهَذَا مَا فِي رِوَايَةِ كُرَيْبٍ مِنَ الِاخْتِلَافِ ، وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَكْثَرَ خَالَفُوا شَرِيكًا فِيهَا ، وَرِوَايَتُهُمْ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَتِهِ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ الزِّيَادَةِ وَلِكَوْنِهِمْ أَحْفَظَ مِنْهُ ، وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَلَى سُنَّةِ الْعِشَاءِ ، وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ وَلَا سِيَّمَا فِي رِوَايَةِ مَخْرَمَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَخَّرَ سُنَّةَ الْعِشَاءِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمِنْهَالِ الْآتِيَةُ قَرِيبًا ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا : فَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ عَنْهُ : فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ ثُمَّ صَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ ، وَقَدْ حَمَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ هَذِهِ الْأَرْبَعَ عَلَى أَنَّهَا سُنَّةُ الْعِشَاءِ لِكَوْنِهَا وَقَعَتْ قَبْلَ النَّوْمِ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّ فِيهِ : فَصَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ بَعْدَهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ صَلَّى الْأَرْبَعَ فِي الْمَسْجِدِ لَا فِي الْبَيْتِ ، وَرِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَيْضًا تَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى خَمْسِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ النَّوْمِ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَقَدْ رَوَاهَا أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَكَمِ وَفِيهِ : فَصَلَّى سَبْعًا أَوْ خَمْسًا أَوْتَرَ بِهِنَّ لَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ . وَقَدْ ظَهَرَ لِي مِنْ رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مَا يَرْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ وَيُوَضِّحُ أَنَّ رِوَايَةَ الْحَكَمِ وَقَعَ فِيهَا تَقْصِيرٌ ، فَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، حَتَّى صَلَّى ثَمَان رَكَعَاتٍ ثُمَّ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُنَّ ، فَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ رِوَايَةِ سَعِيدٍ وَرِوَايَةِ كُرَيْبٍ ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ : فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ ، فَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي رِوَايَةِ كُرَيْبٍ ، وَأَمَّا مَا فِي رِوَايَتِهِمَا مِنَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ ، فَرِوَايَةُ سَعِيدٍ صَرِيحَةٌ فِي الْوَصْلِ ، وَرِوَايَةُ كُرَيْبٍ مُحْتَمَلَةٌ فَتُحْمَلُ عَلَى رِوَايَةِ سَعِيدٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ طَلْحَةَ بْنِ نَافِعٍ : يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ، فَيُحْتَمَلُ تَخْصِيصُهُ بِالثَّمَانِ فَيُوَافِقُ رِوَايَةَ سَعِيدٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ الْآتِيَةُ ، وَلَمْ أَرَ فِي شيء طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ عَنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا ، وَمَنْ ذَكَرَ الْعَدَدَ مِنْهُمْ لَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَلَمْ يُنْقِصْ عَنْ إِحْدَى عَشْرَةَ ، إِلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَا يُخَالِفُهُمْ فَإِنَّ فِيهِ : فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ - يَعْنِي آخِرَ آلِ عِمْرَانَ - ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَخَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ انْتَهَى . فَزَادَ عَلَى الرُّوَاةِ تَكْرَارُ الْوُضُوءِ وَمَا مَعَهُ وَنَقَصَ عَنْهُمْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا ، وَلَمْ يَذْكُرْ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَيْضًا ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ مِنَ الرَّاوِي عَنْهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ فَإِنَّ فِيهِ مَقَالًا ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ اخْتِلَافًا تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَذْكُرِ الْأَرْبَعَ الْأُوَلَ كَمَا لَمْ يَذْكُرِ الْحِكَمَ الثَّمَانَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَمَّا سُنَّةُ الْفَجْرِ فَقَدْ ثَبَتَ ذِكْرُهَا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ قِصَّةَ مَبِيتِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ تَعَدُّدِهَا ، فَلِهَذَا يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الرِّوَايَاتِ فِيهَا ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَخْذَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ وَالْأَحْفَظُ أَوْلَى مِمَّا خَالَفَهُمْ فِيهِ مَنْ هُوَ دُونَهُمْ وَلَا سِيَّمَا إِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ ، وَالْمُحَقَّقُ مِنْ عَدَدِ صَلَاتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا سُنَّةُ الْعِشَاءِ ، وَوَافَقَ ذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي جَمْرَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِيَةُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ بِلَفْظِ : كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، يَعْنِي بِاللَّيْلِ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ سُنَّةُ الْفَجْرِ مِنْهَا أَوْ لَا ، وَبَيَّنَهَا يَحْيَى بْنُ الْجَزَّارِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِلَفْظِ : كَانَ يُصَلِّي ثَمَان رَكَعَاتٍ وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الْجَمْعِ إِلَّا ظَاهِرُ سِيَاقِ الْبَابِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُحمَلَ قَوْلُهُ : صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ، أَيْ : قَبْلَ أَنْ يَنَامَ ، وَيَكُونُ مِنْهَا سُنَّةُ الْعِشَاءِ . وَقَوْلُهُ : ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ إِلَخْ أَيْ بَعْدَ أَنْ قَامَ . وَسَيَأْتِي نَحْوُ هَذَا الْجَمْعِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي أَبْوَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَجَمَعَ الْكِرْمَانِيُّ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنْ رِوَايَاتِ قِصَّةِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذِهِ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ ذَكَرَ الْقَدْرَ الَّذِي اقْتَدَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِهِ فِيهِ ، وَفَصَلَهُ عَمَّا لَمْ يَقْتَدِ بِهِ فِيهِ ، وَبَعْضُهُمْ ذَكَرَ الْجَمِيعَ مُجْمَلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ) تَقَدَّمَتْ تَسْمِيَةُ الْمُؤَذِّنِ قَرِيبًا ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الِاضْطِجَاعِ هَلْ كَانَ قَبْلَ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهَا فِي أَوَائِلِ أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ خَرَجَ ) أَيْ إِلَى الْمَسْجِدِ ( فَصَلَّى الصُّبْحَ ) أَيْ بِالْجَمَاعَةِ ، وَزَادَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ هُنَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الدَّعَوَاتِ ، وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا . الْحَدِيثَ . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ أَبْوَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ إِعْطَاءِ بَنِي هَاشِمٍ مِنَ الصَّدَقَةِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِعْطَاؤُهُ الْعَبَّاسَ لِيَتَوَلَّى صَرْفَهُ فِي مَصَالِحِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ . وَفِيهِ جَوَازُ تَقَاضِي الْوَعْدِ وَإِنْ كَانَ مَنْ وَعَدَ بِهِ مَقْطُوعًا بِوَفَائِهِ . وَفِيهِ الْمُلَاطَفَةُ بِالصَّغِيرِ وَالْقَرِيبِ وَالضَّيْفِ ، وَحُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ لِلْأَهْلِ ، وَالرَّدُّ عَلَى مَنْ يُؤْثِرُ دَوَامَ الِانْقِبَاضِ . وَفِيهِ مَبِيتُ الصَّغِيرِ عِنْدَ مَحْرَمِهِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عِنْدَهَا ، وَجَوَازُ الِاضْطِجَاعِ مَعَ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ ، وَتَرْكُ الِاحْتِشَامِ فِي ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّغِيرِ وَإِنْ كَانَ مُمَيِّزًا بَلْ مُرَاهِقًا . وَفِيهِ صِحَّةُ صَلَاةِ الصَّبِيِّ وَجَوَازُ فَتْلِ أُذُنِهِ لِتَأْنِيسِهِ وَإِيقَاظِهِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُتَعَلِّمَ إِذْ تُعُوهِدَ بِفَتْلِ أُذُنِهِ كَانَ أَذْكَى لِفَهْمِهِ ، وَفِيهِ حَمْلُ أَفْعَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَمَشْرُوعِيَّةُ التَّنَفُّلِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَفَضْلُ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَلَا سِيَّمَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي ، وَالْبَدَاءَةُ بِالسِّوَاكِ وَاسْتِحْبَابُهُ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَعِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَتِلَاوَةُ آخِرِ آلِ عِمْرَانَ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَاسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ وَهُوَ مُحْدِثٌ ، وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ لِلْجُنُبِ . وَفِيهِ جَوَازُ الِاغْتِرَافِ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ ؛ لِأَنَّ الْإِنَاءَ الْمَذْكُورَ كَانَ قَصْعَةً أَوْ صَحْفَةً ، وَاسْتِحْبَابُ التَّقْلِيلِ مِنَ الْمَاءِ فِي التَّطْهِيرِ مَعَ حُصُولِ الْإِسْبَاغِ ، وَجَوَازُ التَّصْغِيرِ وَالذِّكْرِ بِالصِّفَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ السَّمَرِ فِي الْعِلْمِ حَيْثُ قَالَ : نَامَ الْغُلَيِّمُ ، وَبَيَانُ فَضْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقُوَّةِ فَهْمِهِ وَحِرْصِهِ عَلَى تَعَلُّمِ أَمْرِ الدِّينِ وَحُسْنِ تَأَتِّيهِ فِي ذَلِكَ . وَفِيهِ اتِّخَاذُ مُؤَذِّنٍ رَاتِبٍ لِلْمَسْجِدِ ، وَإِعْلَامُ الْمُؤَذِّنِ الْإِمَامَ بِحُضُورِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، وَاسْتِدْعَاؤُهُ لَهَا ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِالْيَدِ فِي الصَّلَاةِ وَتَكْرَارُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ فِي النَّافِلَةِ ، وَالِائْتِمَامُ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ ، وَبَيَانُ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كُلُّ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي كَرَاهِيَةِ الْقُرْآنِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَيْسَتْ عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ نَوْمَهُ كَانَ لَا يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ قَرَأَ الْآيَاتِ بَيْنَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَالْوُضُوءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَأَمَّا طَرِيقُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِيَةُ فَالْقَاسِمُ الْمَذْكُورُ فِي إِسْنَادِهِ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً فِيهِ دَفْعٌ لِقَوْلِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الْوِتْرَ بِوَاحِدَةٍ مُخْتَصٌّ بِمَنْ خَشِيَ طُلُوعَ الْفَجْرِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِإِرَادَةِ الِانْصِرَافِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِخَشْيَةِ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ فِيهِ : قَالَ الْقَاسِمُ هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مُسْتَخْرَجِهِ ، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ . وَقَوْلُهُ فِيهِ : مُنْذُ أَدْرَكْنَا أَيْ بَلَغْنَا الْحُلُمَ أَوْ عَقَلْنَا ، وَقَوْلُهُ : يُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَأَنَّ كُلًّا لَوَاسِعٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَاسِمَ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ : فَارْكَعْ رَكْعَةً أَيْ مُنْفَرِدَةً مُنْفَصِلَةً ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْوَصْلِ وَالْفَصْلِ فِي الْوِتْرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ أَعَادَهُ الْمُصَنِّفُ إِسْنَادًا وَمَتْنًا فِي كِتَابِ صَلَاةِ اللَّيْلِ ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِإِيرَادِهِ هُنَا أَنْ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إِذْ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَصْلُ الْوِتْرِ وَهَذَا مُحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَ الْقَاسِمُ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ وَاسِعٌ فَشَمِلَ الْفَصْلَ وَالْوَصْلَ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى وَاحِدَةٍ وَأَكْثَرَ ، قَالَ الْكِرْمَانِيُّ : قَوْلُهُ : وَأَنَّ كُلًّا أَيْ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الرَّكْعَةِ وَالثَّلَاثِ وَالْخَمْسِ وَالسَّبْعِ وَغَيْرِهَا جَائِزٌ ، وَأَمَّا تَعْيِينُ الثَّلَاثِ مَوْصُولَةٍ وَمَفْصُولَةٍ فَلَمْ يَشْمَلْهُ كَلَامُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُخَالِفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَحْمِلُ كُلَّ مَا وَرَدَ مِنَ الثَّلَاثِ عَلَى الْوَصْلِ ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ ظَاهِرٌ فِي الْفَصْلِ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ : يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ قَبْلَ الْأَخِيرَةِ فَهُوَ كَالنَّصِّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ ، وَحَمَلَ الطَّحَاوِيُّ هَذَا وَمِثْلَهُ عَلَى أَنَّ الرَّكْعَةَ مَضْمُومَةٌ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَهَا ، وَلَمْ يَتَمَسَّكْ فِي دَعْوَى ذَلِكَ إِلَّا بِالنَّهْيِ عَنِ الْبُتَيْرَاءِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبُتَيْرَاءِ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَرْدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْوَصْلَ أَوِ الْفَصْلَ ، وَصَرَّحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أَنَّ الْفَصْلَ يَقْطَعُهُمَا عَنْ أَنْ يَكُونَا مِنْ جُمْلَةِ الْوِتْرِ ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ يَقُولُ : إِنَّهُمَا مِنْهُ بِالنِّيَّةِ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ · ص 559 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب ما جاء في الوتر · ص 217 الحديث الرابع : 994 - ثنا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني عروة ، أن عائشة أخبرته ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إحدى عشرة ركعة ، كانت تلك صلاته - تعني : بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ، قبل أن يرفع رأسه ، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ، ثم يضطجع على شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للصلاة . كذا روى شعيب ، عن الزهري ، هذا الحديث . ورواه عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري - بمعناه - ، وفي حديثهما : أنه كان فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة ، يسلم من كل ركعتين ، ويوتر بواحدة ، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين ، ثم اضطجع شقه الأيمن ، حتى يأتيه المؤذن للإقامة . خرّجه مسلم من طريقهما . وخرّجه أبو داود من طريق الأوزاعي وابن أبي ذئب ، عن الزهري ، بنحوه أيضًا . وخرّج ابن ماجه من طريق الأوزاعي وحده . وخرّجه النسائي من طريق عقيل ، عن الزهري ، بمعناه . ورواه مالك ، عن الزهري ، ولفظه : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة ، يوتر منها بواحدة ، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين . خرجه مسلم . وخرجه البخاري فيما بعد ، في ما يقرأ في ركعتي الفجر - مختصرا - ولفظه : كانَ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين . كذا خرّجه عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك . ولفظ : ثلاث عشرة غريب ، وإنما هو في الموطأ كما خرجه مسلم : إحدى عشرة . وكذا خرّجه الترمذي وغيره من طريق مالك . وأسقط البخاري منه : ذكر : الاضطجاع ؛ لأن مالكًا خالف أصحاب ابن شهاب فيهِ ، فإنه جعل الاضطجاع بعد الوتر ، وأصحاب ابن شهاب كلهم جعلوه بعد ركعتي الفجر . وهذا مما عده الحفاظ من أوهام مالك ، منهم : مسلم في كتاب التمييز . وحكى أبو بكر الخطيب مثل ذلك عن العلماء . وحكاه ابن عبد البر عن أهل الحديث ، ثم قال : يمكن أن يكون ذلك صحيحًا ، وأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مرة يضطجع قبل ركعتي الفجر ، ومرة بعدها . وعضده برواية مالك ، عن مخرمة ، عن كريب ، عن ابن عباس ، كما سبق . وقد عضد ذلك أحاديث أخر : منها : رواية أبي سلمة ، عن عائشة : ما ألفى رسول الله السحر الأعلى في بيتي إلا نائمًا . خرّجاه في الصحيحين ، ولفظه لمسلم . وخرّجه مسلم ، وزاد فيه : يعني : بعد الوتر . وفي رواية أبي سلمة ، عن عائشة ، أنه صلى الله عليه وسلم كان ينام قبل الوتر - أيضا - ، وأن عائشة سألته عن ذلك ، فقال : إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي وهذا يدل على أن وقت نومه كان يختلف . كذا في رواية مالك ، عن المقبري ، عن أبي سلمة . وقد خرّجها البخاري فيما بعد . ورواه عبد الرحمن بن إسحاق ، عن المقبري ، فذكر في حديثه : أنه كان ينام بعد العشاء ، ثم يقوم فيصلي أربعا ، ثم ينام ، ثم يقوم فيصلي أربعا ، ثم ينام ، ثم يقوم فيصلي ثلاثا ، يوتر بواحدة ، ثم يضطجع ما شاء الله ، حتى إذا سمع النداء قام فصلى ركعتين ، حتى يأتيه المؤذن ، فيخرج إلى الصلاة . خرجه بقي بن مخلد في مسنده . وفي الصحيحين أيضا عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينام أول الليل ، ويقوم آخره ، فيصلي ثم يرجع إلى فراشه ، فإذا أذن المؤذن وثب ، فإن كان به حاجة اغتسل ، وإلا توضأ وخرج . وهذا لفظ البخاري . وزاد مسلم - في رواية - : ثم صلى الركعتين . وفي رواية غيرهما : أنه كان يوتر ، ثم ينام . وخرج النسائي من حديث سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ، ثم يوتر ، ثم يصلي ركعتين جالسا ، ثم يضع جنبه ، وربما جاء بلال فآذنه قبل أن يغفي ، وربما أغفى ، وربما شككت أغفى أم لا ، قالت : فما زالت تلك صلاته صلى الله عليه وسلم . وخرّجه أبو داود مختصرا . وروى الإمام أحمد : نا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد ، نا أبي ، عن أنس بن سيرين ، قال : قلت لابن عمر : ركعتا الفجر أطيل فيهما القراءة ؟ فقالَ : كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الليل مثنى مثنى ، فإذا خشي الصبح أوتر بركعة ، ثم يضع رأسه ، فإن شئت قلت : نام ، وإن شئت قلت : لم ينم ، ثم يقوم إليهما والأذان في أذنيه ، فأي طول يكون ثم ؟ وخرّجه في الصحيحين من طريق حماد ، عن أنس بن سيرين مختصرا . وقد استحب طائفة من السلف الفصل بين صلاة الليل والنهار بالاضطجاع بينهما . روى وكيع في كتابه ، عن سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن القاسم بن أبي أيوب ، عن سعيد بن جبير ، قال : اضطجع ضجعة بعد الوتر . وعن عاصم بن رجاء بن حيوة ، عن أبيه ، عن قبيصة بن ذؤيب ، عن أبي الدرداء ، قال : مر بي أبو الدرداء من آخر الليل وأنا أصلي ، فقال : افصل بضجعة بين صلاة الليل وصلاة النهار . يعني : يعني بعد الوتر ، قبل الركعتين . فهذه رواية الزهري ، عن عروة ، عن عائشة . وقد سبق أن هشام بن عروة رواه ، عن أبيه ، عن عائشة ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يوتر منها بخمس ، لا يجلس إلا في آخرهن . وقد خرجه مسلم بمعناه . وفي رواية عن هشام ، أنه كان يصلي قبل هذه الخمس ثمان ركعات ، يجلس في كل ركعتين ويسلم . ورواه ابن إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ثلاث عشرة ركعة ، بركعتيه قبل الصبح ، يصلي ستا مثنى مثنى ، ويوتر بخمس ، لا يقعد بينهن إلا في آخرهن . خرّجه أبو داود . وذكر البيهقي في كتاب المعرفة ، عن الشافعي ، أنه اختار حديث الزهري ، من غير أن يضيق غيره ؛ لفضل حفظ الزهري على حفظ غيره ؛ ولموافقته رواية القاسم ، عن عائشة ، ورواية الجمهور عن ابن عمر وابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال : وبهذا النوع من الترجيح ترك البخاري رواية هشام في الوتر ، ورواية سعد بن هشام ، عن عائشة في الوتر ، فلم يخرج واحدة منهما في صحيحه ، مع كونها من شرطه في سائر الروايات . ثم ذكر بإسناده ، عن ابن معين ، قال : الزهري أثبت في عروة من هشام بن عروة في عروة . وخرّج مسلم من حديث عراك ، عن عروة ، عن عائشة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ، بركعتي الفجر . وقد روى هذا المعنى عن عائشة : أبو سلمة والقاسم بن محمد ومسروق . وقد خرّج البخاري أحاديثهم ، وتأتي فيما بعد . ولفظ حديث مسروق ، عنده : قال : سألت عائشة عن صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل ، فقالت : سبع وتسع وإحدى عشرة . وخرّج مسلم من حديث عبد الله بن شقيق ، عن عائشة ، أن النبي كان يصلي في بيتها بعد العشاء ركعتين ، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر . ففي هذه الرواية : أن الإحدى عشرة التي كان يصليها بالليل منها ركعتان بعد العشاء ، قبل أن ينام . وقد تقدم في رواية عمرو بن الحارث ويونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، ما يشهد لذلك أيضا . وقد روي عنها أن الإحدى عشرة ركعة منها ركعتان كان يصليهما بعد الوتر . روى ذلك عنها أبو سلمة وسعد بن هشام . وسنذكر حديثهما فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى . وفي حديث سعد ، عنها : أنه كان يصلي إحدى عشرة ، ثم لما أسن وأخذ اللحم صلى تسعًا . خرّجه مسلم . وخرّج أبو داود من رواية أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل ، ثم إنه صلى إحدى عشرة ركعة وترك ركعتين ، ثم قبض حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات . وخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل تسع ركعات . وحسنه الترمذي . وفي إسناده اختلاف عن الأعمش . وقد روي عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن يحيى بن الجزار ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل تسع ركعات ، فلما كثر لحمه وسن صلى سبع ركعات . خرّجه النسائي . ورواه أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن يحيى بن الجزار ، عن أم سلمة ، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث عشرة ، فلما كبر وضعف أوتر بسبع . خرّجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي ، وحسنه . وأبو معاوية مقدم على أصحاب الأعمش ، إلا أن الدارقطني قال : من قال فيه : عن عمارة بن عمير فهو أشبه بالصواب من قول من قال : عمرو بن مرة . وقال الأثرم : اضطرب الأعمش في إسناده وفي متنه ، قال : ويحيى الجزار لم يلق عائشة ، ولا أم سلمة . وخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاوية بن صالح ، عن عبد الله بن أبي قيس ، قال : سألت عائشة : بكم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر ؟ قالت : بأربع وثلاث ، وست وثلاث ، وثمان وثلاث ، وعشرة وثلاث ، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ، ولا بأنقص من سبع ، وكان لا يدع ركعتين قبل الفجر . ففي هذه الرواية : أن مجموع صلاة الليل تسمى وترًا ، وأنه كان يوتر بثلاث عشرة سوى ركعتي الفجر ، ولعلها أدخلت في ذلك الركعتين بعد صلاة العشاء حتى توافق سائر الروايات عنها . وأما إطالة السجود المذكور في حديث عائشة الذي خرجه ، فقد بوب عليه في أبواب قيام الليل ، وأعاد فيه الحديث ، ويأتي الكلام على معناه هنالك إن شاء الله سبحانه وتعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريأبواب الوتر · ص 7 39 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، عن الزهري ، عن عروة أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي إحدى عشرة ركعة ، كانت تلك صلاته - تعني بالليل - فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية ، قبل أن يرفع رأسه . ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر ، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة . هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في باب طول السجود في قيام الليل بهذا الإسناد ، والمتن بعينهما ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وشعيب بن أبي حمزة الحمصي ، والزهري هو محمد بن مسلم . قوله : كان يصلي إحدى عشرة ركعة . وروي عن عروة ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها خلاف ما رواه الزهري عنه ، وهو ما رواه مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين . أخرجه أبو داود عن القعنبي ، عن مالك . وأخرجه الطحاوي عن يونس بن عبد الأعلى ، عن ابن وهب ، عن مالك - نحوه . وروى أبو داود أيضا ، حدثنا موسى بن إسماعيل ، ومسلم بن إبراهيم قالا : حدثنا أبان عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم : كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة . كان يصلي ثماني ركعات ، ويوتر بركعة ، ثم يصلي . قال مسلم : بعد الوتر ركعتين وهو قاعد ، فإذا أراد أن يركع قام ، فركع . ويصلي بين أذان الفجر ، والإقامة ركعتين . وأخرجه مسلم ، والنسائي أيضا ، وأخرجه أبو داود أيضا من حديث القاسم بن محمد ، عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل عشر ركعات ، ويوتر بسجدة ، ويسجد سجدتي الفجر - فذلك ثلاث عشرة ركعة . وأخرج أيضا من حديث الأسود بن يزيد أنه دخل على عائشة ، فسألها عن صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالليل ، فقالت : كان يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل ، ثم إنه يصلي إحدى عشرة ركعة ، ويترك ركعتين . ثم قبض حين قبض وهو يصلي من الليل تسع ركعات ، آخر صلاته من الليل الوتر . وروى أيضا من حديث سعد بن هشام في حديث طويل أنه سأل عائشة قال : قلت : حدثيني عن قيام الليل ، فأخبرت به . ثم قال : حدثيني عن وتر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ! قالت : كان يوتر بثمان ركعات لا يجلس إلا في الثامنة ، والتاسعة ، ولا يسلم إلا في التاسعة ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس - فتلك إحدى عشرة ركعة يا بني ، فلما أسن ، وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات ، لم يجلس إلا في السادسة ، والسابعة ، ولم يسلم إلا في السابعة . ثم يصلي ركعتين وهو جالس ، فتلك تسع ركعات يا بني . اعلم أن عائشة رضي الله تعالى عنها أطلقت على جميع صلاته صلى الله تعالى عليه وسلم في الليل التي كان فيها الوتر - وترا ، فجملتها إحدى عشرة ركعة . وهذا كان قبل أن يبدن ، ويأخذ اللحم ، فلما بدن ، وأخذ اللحم أوتر بسبع ركعات . وهاهنا أيضا أطلقت على الجميع وترا ، والوتر منها ثلاث ركعات : أربع قبله من النفل ، وبعده ركعتان ؛ فالجميع تسع ركعات . ( فإن قلت ) : قد صرحت في الصورة الأولى بقولها : لا يجلس إلا في الثامنة ، ولا يسلم إلا في التاسعة ، وصرحت في الصورة الثانية بقولها : لم يجلس إلا في السادسة ، والسابعة ، ولم يسلم إلا في السابعة . ( قلت ) : هذا اقتصار منها على بيان جلوس الوتر وسلامه ؛ لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر ، ولم يسأل عن غيره ، فأجابت مبينة بما في الوتر من الجلوس على الثانية بدون سلام ، والجلوس أيضا على الثالثة بسلام . وهذا عين مذهب أبي حنيفة ، وسكت عن جلوس الركعات التي قبلها ، وعن السلام فيها . كما أن السؤال لم يقع عنها ، فجوابها قد طابق سؤال السائل ، غير أنها أطلقت على الجميع وترا في الصورتين ؛ لكون الوتر فيها . ويؤيد ما ذكرناه ما روى الطحاوي من حديث يحيى بن أيوب ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة - أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين اللتين يوتر بعدهما بسبح اسم ربك الأعلى ، وقل يا أيها الكافرون . ويقرأ في الوتر قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقل أعوذ برب الفلق ، وقل أعوذ برب الناس . وأخرج من حديث عمران بن حصين أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ في الوتر في الركعة الأولى بسبح اسم ربك الأعلى ، وفي الثانية قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وفي الثالثة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقد وقع الاختلاف في أعداد ركعات صلاته صلى الله تعالى عليه وسلم بالليل من سبع ، وتسع ، وإحدى عشرة ، وثلاث عشرة ، إلى سبع عشرة ركعة قدر عدد ركعات الفرض في اليوم والليلة . ( فإن قلت ) : ما تقول في هذا الاختلاف ؟ ( قلت ) : كل واحد من الرواة مثل عائشة ، وابن عباس ، وزيد بن خالد ، وغيرهم أخبر بما شاهده ، وأما الاختلاف عن عائشة فقيل : هو من الرواة عنها ، وقيل : هو منها . ويحتمل أنها أخبرت عن حالات ؛ منها ما هو الأغلب من فعله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ومنها ما هو نادر ، ومنها ما هو اتفق من اتساع الوقت وضيقه على ما ذكرناه .