3 - بَاب سُؤَالِ النَّاسِ الْإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا 1008 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ : وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ 1009 - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ : حَدَّثَنَا سَالِمٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي ، فَمَا يَنْزِلُ حَتَّى يَجِيشَ كُلُّ مِيزَابٍ : وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ وهو قَوْلُ أَبِي طَالِبٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ سُؤَالِ النَّاسِ الْإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا ) قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ : لَوْ أُدْخِلَ تَحْتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي قَبْلَهُ لَكَانَ أَوْضَحَ مِمَّا ذُكِرَ . انْتَهَى . وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَنْ سَأَلَ قَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا وَقَدْ يَكُونُ مُشْرِكًا وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَكَانَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ قَدْ يَكُونُ مُشْرِكًا ، نَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ فِي الَّذِي بَعْدَهُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الطَّلَبُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ ، وَلِذَلِكَ ذَكَرَ لَفْظَ التَّرْجَمَةِ عَامًّا لِقَوْلِهِ : سُؤَالِ النَّاسِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَوْرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ تَمَثُّلَ ابْنِ عُمَرَ بِشِعْرِ أَبِي طَالِبٍ وَقَوْلِ أَنَسٍ : إِنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا قَحَطُوا اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَدِ اعْتَرَضَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ خَارِجٌ عَنِ التَّرْجَمَةِ ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ أَحَدًا سَأَلَهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُ وَلَا فِي قِصَّةِ الْعَبَّاسِ الَّتِي أَوْرَدَهَا أَيْضًا . وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ : يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مَحْذُوفٌ وَهُمُ النَّاسُ ، وَعَنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِأَنَّ فِي قَوْلِ عُمَرَ : كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ لِلْإِمَامِ مَدْخَلًا فِي الِاسْتِسْقَاءِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ فَاعِلِ يُسْتَسْقَى هُوَ النَّاسُ أَنْ يَكُونُوا سَأَلُوا الْإِمَامَ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ ، وَكَذَا لَيْسَ فِي قَوْلِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَسَّلُونَ بِهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا فِي الْحَالَيْنِ طَلَبُوا السُّقْيَا مِنَ اللَّهِ مُسْتَشْفِعِينَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ ابْنُ رشيد : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالتَّرْجَمَةِ الِاسْتِدْلَالَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ بِهِ فَيَسْقِيهِمْ فَأَحْرَى أَنْ يُقَدِّمُوهُ لِلسُّؤَالِ . انْتَهَى . وَهُوَ حَسَنٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سِيَاقَ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ ، وَأَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الطَّرِيقَ الْأُولَى مُخْتَصَرَةٌ مِنْهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ لَفْظَ الثَّانِيَةِ : رُبَّمَا ذَكَرْتُ قَوْلَ الشَّاعِرِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَسْقِي ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الطَّلَبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَشَارَ إِلَى قِصَّةٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ حَضَرَهَا هُوَ لَا مُجَرَّدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ . وَقَدْ عُلِمَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا اسْتَسْقَى إِجَابَةً لِسُؤَالِ مَنْ سَأَلَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْآتِي وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُلَائِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَئِطُّ ، وَلَا صَبِيٌّ يَغِطُّ . ثُمَّ أَنْشَدَهُ شِعْرًا يَقُولُ فِيهِ : وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا وَأَيْنَ فِرَارُ النَّاسِ إِلَّا إِلَى الرُّسُلِ ، فَقَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا . الْحَدِيثَ وَفِيهِ : ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ . مَنْ يَنْشُدُنَا قَوْلَهُ ؟ فَقَامَ عَلِيٌّ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ : وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ الْأَبْيَاتَ ، فَظَهَرَتْ بِذَلِكَ مُنَاسَبَةُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِلتَّرْجَمَةِ ، وَإِسْنَادُ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ لَكِنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمُتَابَعَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي زَوَائِدِهِ فِي السِّيرَةِ تَعْلِيقًا عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ . وَقَوْلُهُ : يَئِطُّ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَكَذَا يَغِطُّ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَالْأَطِيطُ صَوْتُ الْبَعِيرِ الْمُثْقَلِ ، وَالْغَطِيطُ صَوْتُ النَّائِمِ كَذَلِكَ ، وَكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ شِدَّةِ الْجُوعِ ؛ لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا يَقَعَانِ غَالِبًا عِنْدَ الشِّبَعِ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَرَ فَأَشَارَ بِهِ أَيْضًا إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنِ الْأَنْصَارِيِّ بِإِسْنَادِ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنَسٍ قَالَ : كَانُوا إِذَا قَحَطُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْقَوْا بِهِ ، فَيَسْتَسْقِي لَهُمْ فَيُسْقَوْنَ ، فَلَمَّا كَانَ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فَقَالَ : هَذَا الَّذِي رَوَيْتُهُ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَى الَّذِي تَرْجَمَهُ ، بِخِلَافِ مَا أَوْرَدَهُ هُوَ : قُلْتُ : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُبْتَدَعٍ ، لِمَا عُرِفَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ عَادَتِهِ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُورِدُهُ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالْمُصَلَّى ، فَقَالَ لِلْعَبَّاسِ : قُمْ فَاسْتَسْقِ ، فَقَامَ الْعَبَّاسُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ فِي الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّ الْعَبَّاسَ كَانَ مَسْئُولًا وَأَنَّهُ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ إِذَا أَمَرَهُ الْإِمَامُ بِذَلِكَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ ، عَنْ مَالِكٍ الدَّارِيِّ - وَكَانَ خَازِنُ عُمَرَ - قَالَ : أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا ، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ : ائْتِ عُمَرَ الْحَدِيثَ . وَقَدْ رَوَى سَيْفٌ فِي الْفُتُوحِ أَنَّ الَّذِي رَأَى الْمَنَامَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ أَحَدُ الصَّحَابَةِ ، وَظَهَرَ بِهَذَا كُلِّهِ مُنَاسَبَةُ التَّرْجَمَةِ لِأَصْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَيْضًا ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . قَوْلُهُ : ( يَتَمَثَّلُ ) أَيْ يَنْشُدُ شِعْرَ غَيْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَأَبْيَضَ ) بِفَتْحِ الضَّادِ وَهُوَ مَجْرُورٌ بِرُبَّ مُقَدَّرَةٍ أَوْ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ أَخُصُّ ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : سَيِّدًا فِي الْبَيْتِ الَّذِي قَبْلَهُ . قَوْلُهُ : ( ثِمَالُ ) بِكَسْرِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَخْفِيفُ الْمِيمِ هُوَ الْعِمَادُ وَالْمَلْجَأُ وَالْمُطْعِمُ وَالْمُغِيثُ وَالْمُعِينُ وَالْكَافِي ، قَدْ أُطْلِقَ عَلَى كُلٍّ مِنْ ذَلِكَ . وَقَوْلُهُ : عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ أَيْ يَمْنَعُهُمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ ، وَالْأَرَامِلُ جَمْعُ أَرْمَلَةٍ وَهِيَ الْفَقِيرَةُ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الرَّجُلِ أَيْضًا مَجَازًا ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَوْصَى لِلْأَرَامِلِ خُصَّ النِّسَاءُ دُونَ الرِّجَالِ . وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ أَبْيَاتٍ فِي قَصِيدَةٍ لِأَبِي طَالِبٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِطُولِهَا ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِينَ بَيْتًا ، قَالَهَا لَمَّا تَمَالَأَتْ قُرَيْشٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَفَّرُوا عَنْهُ مَنْ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ ، أَوَّلُهَا : وَلَمَّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدَّ فِيهِمُ وَقَدْ قَطَعُوا كُلَّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ وَقَدْ جَاهَرُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوِّ الْمُزَايِلِ يقول فِيهَا : أَعَبْدَ مَنَافٍ أَنْتُمُ خَيْرُ قَوْمِكُمُ فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْرِكُمْ كُلَّ وَاغِلِ فَقَدْ خِفْتُ إِنْ لَمْ يُصْلِحِ اللَّهُ أَمْرَكُمْ تَكُونُوا كَمَا كَانَتْ أَحَادِيثُ وَائِلِ يَقُولُ فِيهَا : أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِلِ وَثَوْرٌ وَمَنْ أَرْسَى ثُبَيْرًا مَكَانَهُ وَرَاقٍ لِبِرٍّ فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ وَبِالْبَيْتِ حَقُّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ وَبِاللَّهِ أنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ يَقُولُ فِيهَا : كَذَبْتُمْ وَبَيْتُ اللَّهِ نَبْزِي مُحَمَّدًا وَلَمَّا نُطَاعِنْ حَوْلَهُ وَنُنَاضِلِ وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ وَنُذْهَلُ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ يَقُولُ فِيهَا : وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ لَا أَبَا لَكَ سَيِّدًا يَحُوطُ الذِّمَارَ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ قَالَ السُّهَيْلِيُّ : فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ أَبُو طَالِبٍ : يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ وَلَمْ يَرَهُ قَطُّ اسْتَسْقَى ، إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ! وَأَجَابَ بِمَا حَاصِلُهُ : أَنَّ أَبَا طَالِبٍ أَشَارَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَيْثُ اسْتَسْقَى لِقُرَيْشٍ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَهُ غُلَامٌ . انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو طَالِبٍ مَدَحَهُ بِذَلِكَ لَمَّا رَأَى مِنْ مَخَايِلِ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْ وُقُوعَهُ ، وَسَيَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ سُؤَالَ أَبِي سُفْيَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَقَعَ بِمَكَّةَ . وَذَكَرَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِي شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ هَذَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ لَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ بَحِيرًا أَوْ غَيْرُهُ مِنْ شَأْنِهِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ إِنْشَاءَ أَبِي طَالِبٍ لِهَذَا الشِّعْرِ كَانَ بَعْدَ الْمَبْعَثِ ، وَمَعْرِفَةُ أَبِي طَالِبٍ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ ، وَتَمَسَّكَ بِهَا الشِّيعَةُ فِي أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا . وَرَأَيْتُ لِعَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْبَصْرِيِّ جُزْءًا جَمَعَ فِيهِ شِعْرَ أَبِي طَالِبٍ وَزَعَمَ فِي أَوَّلِهِ أَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا وَأَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَنَّ الْحَشَوِيَّةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَأَنَّهُمْ لِذَلِكَ يَسْتَجِيزُونَ لَعْنَهُ ، ثُمَّ بَالَغَ فِي سَبِّهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ ، وَاسْتَدَلَّ لِدَعْوَاهُ بِمَا لَا دَلَالَةَ فِيهِ . وَقَدْ بَيَّنْتُ فَسَادَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ كِتَابِ الْإِصَابَةِ ، وَسَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ كِتَابِ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ عُمَرُ بْنُ حَمْزَةَ ) أَيِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَسَالِمٌ شَيْخُهُ هُوَ عَمُّهُ ، وَعُمْرُ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَكَذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْمَذْكُورُ فِي الطَّرِيقِ الْمَوْصُولَةِ ، فَاعْتَضَدَتْ إِحْدَى الطَّرِيقَيْنِ بِالْأُخْرَى ، وَهُوَ مِنْ أَمْثِلَةِ أَحَدِ قِسْمَيِ الصَّحِيحِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ ، وَطَرِيقُ عُمَرَ الْمُعَلَّقَةُ وَصَلَهَا أَحْمَدُ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَقِيلٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ عَنْهُ ، وَعَقِيلٌ فِيهِمَا بِفَتْحِ الْعَيْنِ . قَوْلُهُ : ( يَسْتَسْقِي ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ فِي رِوَايَتِهِ : عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( يَجِيشُ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ ، يُقَالُ : جَاشَ الْوَادِي إِذَا زَخَرَ بِالْمَاءِ ، وَجَاشَتِ الْقِدْرُ إِذَا غَلَتْ ، وَجَاشَ الشَّيْءُ إِذَا تَحَرَّكَ . وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الْمَطَرِ . قَوْلُهُ : ( كُلُّ مِيزَابٍ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالزَّايِ مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْهُ الْمَاءُ مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ حَتَّى يَجِيشَ لَكَ بِتَقْدِيمِ اللَّامِ عَلَى الْكَافِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب سُؤَالِ النَّاسِ الْإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا · ص 573 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا · ص 29 باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا أي هذا باب في بيان سؤال الناس الإمام ، فقوله : سؤال الناس - مصدر مضاف إلى فاعله . وقوله : الإمام بالنصب - مفعوله ، والاستسقاء بالنصب مفعول آخر . ( فإن قلت ) : الفعل من غير أفعال القلوب لا يجيء له مفعولان صريحان ، بل يجيء إذا كان أحدهما غير صريح ، وكيف هو هاهنا ؟ ( قلت ) : الذي قلته هو الأكثر ، وقد يجيء مطلقا . أو نقول : انتصاب الاستسقاء بنزع الخافض ، أي عن الاستسقاء ، يقال : سألته الشيء ، وسألته عن الشيء . قوله : إذا قحطوا على صيغة المعلوم ، بفتح القاف ، والحاء ، وبلفظ المجهول يقال : قحط المطر قحوطا إذا احتبس . وحكى الفراء قحط بالكسر ، وجاء قحط القوم على صيغة المجهول قحطا . وقال الكرماني : ما معنى المعروف إذ المطر هو المحتبس لا الناس ؟ فأجاب بأنه من باب القلب . أو إذا كان هو محتبسا عنهم ، فهم محتبسون عنه . ( قيل ) : لو أدخل البخاري حديث ابن مسعود المذكور في الباب الذي قبله لكان أنسب ، وأوضح . ( وأجيب ) بأن الذي سأل قد يكون مشركا ، وقد يكون مسلما ، وقد يكون من الفريقين ، والسائل في حديث ابن مسعود كان مشركا حينئذ ، فناسب أن يذكر في الذي بعده من يشمل الفريقين ؛ فلذلك ذكر في الترجمة ما يشملهما ، وهو لفظ الناس . 51 - حدثنا عمرو بن علي ، قال : حدثنا أبو قتيبة ، قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، عن أبيه قال : سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبي طالب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل مناسبة هذا للترجمة تؤخذ من قوله : يستسقى الغمام ؛ لأن فاعله محذوف ؛ لأن تقديره : يستسقي الناس بالغمام ، واعترض بأنه لا يلزم من كون الناس فاعلا ليستسقي أن يكونوا سألوا الإمام أن يستسقي لهم ، فلا يطابق الترجمة . ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قول أبي طالب هذا في الحقيقة توسل إلى الله عز وجل بنبيه ؛ لأنه حضر استسقاء عبد المطلب ، والنبي صلى الله عليه وسلم معه ، فيكون استسقاء الناس الغمام في ذلك الوقت ببركة وجهه الكريم ، وإن لم يكن في الظاهر أن أحدا سأله ، وكانوا مستشفعين به ، وهو في معنى السؤال عنه . على أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما أراد مجرد ما دل عليه شعر أبي طالب ، وإنما أشار إلى قصة وقعت في الإسلام حضرها . قوله : حدثني عمرو بن علي . وفي بعض النسخ حدثنا بصيغة الجمع ، وعمرو بن علي بن بحر أبو حفص الباهلي البصري الصيرفي ، وأبو قتيبة سلم ، بفتح السين المهملة ، وسكون اللام ابن قتيبة الخراساني البصري ، مات بعد المائتين . وهذا البيت من قصيدة قالها أبو طالب ، وهي قصيدة طنانة لامية من بحر الطويل ، وهي مائة بيت وعشرة أبيات : أولها قوله : خليلي ما أذني لأول عاذل بصفواء في حق ولا عند باطل وآخرها قوله : ولا شك أن الله رافع أمره ومعليه في الدنيا ويوم التجادل كما قد رأى في اليوم والأمس جده ووالده رؤياهم غير آفل يذكر فيها أشياء كثيرة من عداوة قريش إياه بسبب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومدحه نفسه ونسبه ، وذكر سيادته وحمايته للنبي صلى الله عليه وسلم ، والتعرض لبني أمية ، وغير ذلك . يعرفها من يقف عليها . وقد تمثل عبد الله بن عمر بالبيت المذكور ، ومعنى التمثل إنشاد شعر غيره . قوله : وأبيض ، بفتح الضاد ، وضمها ؛ وجه الفتح أن يكون معطوفا على قوله : سيدا في البيت الذي قبله ، وهو قوله : وما ترك قوم لا أبا لك سيدا يحوط الذمار غير ذرب مؤاكل والذمار بكسر الذال المعجمة ، وهو ما لزمك حفظه مما وراءك . وتعلق به قوله : غير ذرب ، أراد به ذرب اللسان بالشر ، وأصله من ذرب المعدة ، وهو فسادها . والمؤاكل ، بضم الميم الذي يستأكل ، ويجوز أن يكون مفتوحا في موضع الجر برب المقدرة ، والوجه الأول أوجه . ووجه الضم الذي هو الرفع أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره : وهو أبيض . قوله : يستسقى الغمام بوجهه - جملة وقعت صفة لأبيض ، ومحلها من الإعراب النصب ، أو الرفع على التقديرين . قوله : ثمال اليتامى - كلام إضافي يجوز فيه الرفع ، والنصب على التقديرين المذكورين ، والثمال بكسر الثاء المثلثة قال ابن الأنباري : معناه مطعم لليتامى . يقال : ثملهم يثملهم إذا كان يطعمهم . وفي مجمع الغرائب : يقال : هو ثمال قومه إذا كان يقوم بأمرهم ، وفي المحكم : فلان ثمال بني فلان ، أي عمادهم . وقال ابن التين : أي المطعم عند الشدة . قوله : عصمة للأرامل كذلك بالوجهين في الإعراب ، والأرامل جمع أرمل ، وهو الذي نفد زاده ، وقال ابن سيده : رجل أرمل وامرأة أرملة ، وهي المحتاجة ، وهي الأرملة . والأرامل ، والأراملة ، كسروه تكسير الأسماء لغلبته ، وكل جماعة من رجال ونساء ، أو رجال دون نساء ، أو نساء دون رجال أرامل بعد أن يكونوا محتاجين . وفي الجامع : قالوا : ولا يقال : رجل أرمل ؛ لأنه لا يكاد يذهب زاده بذهاب امرأته إذ لم تكن قيمة عليه بالمعيشة ، بخلاف المرأة . وقد زعم قوم أنه يقال : رجل أرمل - إذا ماتت امرأته ، قال الحطيئة : هذي الأرامل قد قضيت حاجتها فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر قال السهيلي رحمه الله تعالى : ( فإن قيل ) : كيف قال أبو طالب : يستسقى الغمام بوجهه ، ولم يره قط استسقى ؛ إنما كان ذاك من بعد الهجرة ؟ ( وأجاب ) بما حاصله أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش ، والنبي صلى الله عليه وسلم معه وهو غلام . قيل : يحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخائل ذلك فيه ، وإن لم يشاهد وقوعه ، وقال ابن التين : إن في شعر أبي طالب هذا دلالة على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به بحيراء ، وغيره من شأنه . قيل : فيه نظر ؛ لأن ابن إسحاق زعم أن أبا طالب أنشأ هذا الشعر بعد البعث . ( قلت ) : في هذا النظر نظر ؛ لأنه لما علم أنه نبي بإخبار بحيراء ، وغيره أنشد هذا الشعر بناء على ما علمه من ذلك قبل أن يبعث صلى الله عليه وسلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا · ص 30 وقال عمر بن حمزة : حدثنا سالم ، عن أبيه : ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي ، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبي طالب . مناسبة هذا التعليق للترجمة تؤخذ من قوله : يستسقى ؛ لأن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يخبر عن استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إلى وجهه الكريم . ولم يكن استسقاؤه في ذلك إلا عن سؤال عنه صلى الله عليه وسلم . ويوضح ذلك ما رواه البيهقي في الدلائل ، قال : أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ، أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم ، حدثنا جعفر بن عنبسة ، حدثنا عبادة بن زياد الأزدي عن سعيد بن خيثم ، عن مسلم الملائي ، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، والله لقد أتيناك وما لنا بعير يئط ، ولا صبي يغط ، ثم أنشد : أتيناك والعذراء يدمى لبانها وقد شغلت أم الصبي عن الطفل وألقى بكفيه الصبي استكانة من الجوع ضعفا ما يمر وما يحلي ولا شيء مما يأكل الناس عندنا سوى الحنظل العاهي والعلهز الفسل وليس لنا إلا إليك فرارنا وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : اللهم اسقنا الحديث . وفيه فجاء أهل البطانة يصيحون : الغرق الغرق ! فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه ، ثم قال : لله در أبي طالب ! لو كان حاضرا لقرت عيناه ! من ينشدنا شعره ؟ فقال علي : يا رسول الله ، كأنك أردت قوله : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ؟ فذكر أبياتا منها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجل ، فقام رجل من بني كنانة ، فأنشد أبياتا : لك الحمد والحمد ممن شكر سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة وأشخص معها إليه البصر فلم يك إلا كالف الردا وأسرع حتى رأينا الدرر فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن يكن شاعر أحسن ، فقد أحسنت . ثم هذا التعليق الذي أورده البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رواه ابن ماجه موصولا في سننه : حدثنا أحمد بن الأزهر عن ابن النضر هاشم بن القاسم ، عن أبي عقيل ، يعني : عبيد الله بن عقيل الثقفي ، حدثنا عمر بن حمزة ، حدثنا سالم ، عن أبيه قال : ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على المنبر ، فما نزل حتى جيش كل ميزاب بالمدينة ، فذكر قول الشاعر : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه إلى آخره . وعمر بن حمزة هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ابن أخي سالم بن عبد الله بن عمر . أخرج له البخاري في الأدب أيضا ، وتكلم فيه أحمد ، والنسائي ، ووثقه ابن حبان ، وقال : كان يخطئ . وقال ابن عدي : وهو ممن يكتب حديثه . وروى له مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه . ( فإن قلت ) : عمر بن حمزة هذا متكلم فيه ، وكذلك عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مختلف في الاحتجاج به المذكور في الطريق الموصولة ، فكيف أوردهما البخاري في صحيحه ؟ ( قلت ) : أجيب بأن إحدى الطريقين اعتضدت بالأخرى ، وهو من أمثلة أحد قسمي الصحيح كما تقرر في موضعه ، وفيه نظر لا يخفى . قوله : وأنا أنظر - جملة اسمية وقعت حالا . قوله : يستسقى - جملة فعلية وقعت حالا كذلك . قوله : حتى يجيش بالجيم ، والشين المعجمة من جاش البحر إذا هاج ، وجاش القدر جيشانا إذا غلت ، وجاش الوادي إذا زخر وامتد جدا ، وجاش الشيء إذا تحرك . وهو هنا كناية عن كثرة المطر . والميزاب بكسر الميم ، وبالزاي معروف ، وهو ما يسيل منه الماء من موضع عال . ووقع في رواية الحموي حتى يجيش لك بتقديم اللام على الكاف ، وهو تصحيف . قوله : يئط أي يحن ، ويصيح ، يريد : ما لنا بعير أصلا ؛ لأن البعير لا بد أن يئط . قوله : ولا صبي يغط من الغطيط ، يقال : غط يغط غطا وغطيطا : إذا صاح . قوله : والعذراء ، وهي الجارية التي لم يمسها رجل ، وهي البكر . قوله : يدمى لبانها ، بفتح اللام ، وهو الصدر ، وأصل اللبان في الفرس موضع اللبن ، ثم استعير للناس . ومعنى يدمى لبانها ، يعني : يدمى صدرها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تغطيه من تخدمها من الجدب ، وشدة الزمان . وقوله : استكانة أي خضوعا ، وذلة . قوله : ما يمر ، بضم الياء آخر الحروف ، وكسر الميم ، وتشديد الراء . قوله : ولا يحلي ، بضم الياء أيضا ، وسكون الحاء المهملة ، وكسر اللام ، والمعنى ما ينطق بخير ، ولا شر من الجوع ، والضعف . واشتقاق الأول من المرارة ، والثاني من الحلاوة ؛ فالأول كناية عن الشر ، والثاني عن الخير . قوله : سوى الحنظل العاهي ، الحنظل معروف ، والعاهي فاعل من العاهة ، وهي الآفة . قوله : والعلهز بكسر العين المهملة ، وسكون اللام ، وكسر الهاء ، وفي آخره زاي ، وهو شيء يتخذونه في سني المجاعة يخلطون الدم بأوبار الإبل ، ثم يشوونه بالنار ، ويأكلونه . وقيل : كانوا يخلطون فيه القردان ، ويقال : القراد الضخم العلهز . وقيل : العلهز شيء ينبت ببلاد بني سليم ، له أصل كأصل البرذي . قال ابن الأثير : ومنه حديث الاستسقاء ، وأنشد الأبيات المذكورة . قوله : الفسل ، بفتح الفاء ، وسكون السين المهملة ، وهو الشيء الرديء الرذل يقال : فسله ، وأفسله ، قاله ابن الأثير . ويروى بالشين المعجمة . وقال في باب الشين : الفشل : الفزع ، والخوف ، والضعف ، ومنه حديث الاستسقاء . سوى الحنظل العاهي والعلهز الفشل أي : الضعيف ، يعني : الفشل مدخره ، وأكله ، فصرف الوصف إلى العلهز ، وهو في الحقيقة لآكله . قوله : الدرر بكسر الدال ، وفتح الراء الأولى جمع درة بكسر الدال ، وتشديد الراء ، يقال للسحاب : درة ، أي صب واندفاق .