39 - بَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ 111 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَلِيِّ : هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ، قَالَ : قُلْتُ : فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ قَالَ : الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ ) طَرِيقَةُ الْبُخَارِيِّ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الِاخْتِلَافُ أَنْ لَا يَجْزِمَ فِيهَا بِشَيْءٍ بَلْ يُورِدُهَا عَلَى الِاحْتِمَالِ . وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ السَّلَفَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَمَلًا وَتَرْكًا ، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ اسْتَقَرَّ وَالْإِجْمَاعُ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ ، بَلْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، بَلْ لَا يَبْعُدُ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ خَشِيَ النِّسْيَانَ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُ الْعِلْمِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ ) كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ سُفْيَانَ ) هُوَ الثَّوْرِيُّ ; لِأَنَّ وَكِيعًا مَشْهُورٌ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الدِّمَشْقِيُّ فِي الْأَطْرَافِ : يُقَالُ : إِنَّهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ . قُلْتُ : لَوْ كَانَ ابْنَ عُيَيْنَةَ لَنَسَبَهُ ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي كُلِّ مَنْ رَوَى عَنْ مُتَّفِقِي الِاسْمِ أَنْ يَحْمِلَ مَنْ أَهْمَلَ نِسْبَتَهُ عَلَى مَنْ يَكُونُ لَهُ بِهِ خُصُوصِيَّةٌ مِنْ إِكْثَارٍ وَنَحْوِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ هَذَا ، وَهَكَذَا نَقُولُ هُنَا ؛ لِأَنَّ وَكِيعًا قَلِيلُ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِخِلَافِ الثَّوْرِيِّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُطَرِّفٍ ) هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ ابْنُ طَرِيفٍ بِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( عَنِ الشَّعْبِيِّ ) وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ) هُوَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الدِّيَاتِ : سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ . وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ كُوفِيُّونَ إِلَّا شَيْخَ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ دَخَلَ الْكُوفَةَ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ صَحَابِيٍّ عَنْ صَحَابِيٍّ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ لِعَلِيٍّ ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . قَوْلُهُ : ( هَلْ عِنْدَكُمْ ) الْخِطَابُ لِعَلِيٍّ ، وَالْجَمْعُ إِمَّا لِإِرَادَتِهِ مَعَ بَقِيَّةِ أَهْلِ الْبَيْتِ أَوْ لِلتَّعْظِيمِ . قَوْلُهُ : ( كِتَابٌ ) أَيْ : مَكْتُوبٌ أَخَذْتُمُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ : هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ إِلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ . وَلَهُ فِي الدِّيَاتِ : هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِمَّا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَفِي مُسْنَدِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ : هَلْ عَلِمْتَ شَيْئًا مِنَ الْوَحْيِ وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَبُو جُحَيْفَةَ عَنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الشِّيعَةِ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ عِنْدَ أَهْلِ الْبَيْتِ - لَا سِيَّمَا عَلِيًّا - أَشْيَاءَ مِنَ الْوَحْيِ خَصَّهُمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُمْ عَلَيْهَا . وَقَدْ سَأَلَ عَلِيًّا عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ - وَالْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ ، وَحَدِيثُهُمَا فِي مُسْنَدِ النَّسَائِيِّ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا ) زَادَ الْمُصَنِّفُ فِي الْجِهَادِ : لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ ) هُوَ بِالرَّفْعِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَشْيَاءُ مَكْتُوبَةٌ مِنَ الْفِقْهِ الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ لِأَنَّهُ ذُكِرَ بِالرَّفْعِ ، فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لَكَانَ مَنْصُوبًا . كَذَا قَالَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ مُنْقَطِعٌ ، وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ الْفَهْمِ إِثْبَاتُ إِمْكَانِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ . وَقَدْ رَوَاهُ الْمُصَنِّفُ فِي الدِّيَاتِ بِلَفْظِ : مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ ، إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ مِنَ الْكِتَابِ فَالِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مُفَرَّغٌ وَالثَّانِي مُنْقَطِعٌ ، مَعْنَاهُ لَكِنْ إِنْ أَعْطَى اللَّهُ رَجُلًا فَهْمًا فِي كِتَابِهِ فَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِنْبَاطِ فَتَحْصُلُ عِنْدَهُ الزِّيَادَةُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ : شَهِدْتُ عَلِيًّا عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا كِتَابٌ نَقْرَؤُهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْفَهْمِ شَيْئًا مَكْتُوبًا . قَوْلُهُ : ( الصَّحِيفَةَ ) أَيِ : الْوَرَقَةَ الْمَكْتُوبَةَ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَشْتَرِ فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ . قَوْلُهُ : ( الْعَقْلُ ) أَيِ : الدِّيَةُ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ فِيهَا الْإِبِلَ وَيَرْبِطُونَهَا بِفِنَاءِ دَارِ الْمَقْتُولِ بِالْعِقَالِ وَهُوَ الْحَبْلُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بَدَلَ الْعَقْلِ الدِّيَاتُ وَالْمُرَادُ أَحْكَامُهَا وَمَقَادِيرُهَا وَأَصْنَافُهَا . قَوْلُهُ : ( وَفِكَاكُ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا . وَقَالَ الْفَرَّاءُ : الْفَتْحُ أَفْصَحُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ فِيهَا حُكْمَ تَخْلِيصِ الْأَسِيرِ مِنْ يَدِ الْعَدُوِّ وَالتَّرْغِيبَ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يُقْتَلُ ) بِضَمِّ اللَّامِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ : وَأَنْ لَا يُقْتَلَ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَعُطِفَتِ الْجُمْلَةُ عَلَى الْمُفْرَدِ ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهَا أَيِ الصَّحِيفَةِ حُكْمُ الْعَقْلِ وَحُكْمُ تَحْرِيمِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ فِي كِتَابِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَوَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةَ . فَإِذَا فِيهَا : الْمَدِينَةُ حَرَمٌ . . . الْحَدِيثَ . وَلِمُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ : مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا . وَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبَةً فِيهَا : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ . . . الْحَدِيثَ . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَشْتَرِ وَغَيْرِهِ عَنْ عَلِيٍّ : فَإِذَا فِيهَا : الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ . الْحَدِيثَ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ : فِيهَا فَرَائِضُ الصَّدَقَةِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الصَّحِيفَةَ كَانَتْ وَاحِدَةً وَكَانَ جَمِيعُ ذَلِكَ مَكْتُوبًا فِيهَا ، فَنَقَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّوَاة عَنْهُ مَا حَفِظَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَتَادَةُ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي حَسَّانٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، وَبَيَّنَ أَيْضًا السَّبَبَ فِي سُؤَالِهِمْ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَسَّانٍ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ فَيُقَالُ : قَدْ فَعَلْنَاهُ . فَيَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ . فَقَالَ لَهُ الْأَشْتَرُ : هَذَا الَّذِي تَقُولُ : أَهُوَ شَيْءٌ عَهِدَهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاصَّةً دُونَ النَّاسِ ؟ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب كِتَابَةِ الْعِلْمِ · ص 246 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب كتابة العلم · ص 158 باب كتابة العلم أي هذا باب في بيان كتابة العلم ، وهذا الباب فيه اختلاف بين السلف في العمل والترك مع إجماعهم على الجواز ، بل على استحبابه ، بل لا يبعد وجوبه في هذا الزمان لقلة اهتمام الناس بالحفظ ، ولو لم يكتب يخاف عليه من الضياع والاندراس . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن في الباب السابق حثا على الاحتراز عن الكذب في النقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي هذا الباب أيضا حث على الاحتراز عن ضياع كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولا سيما من أهل هذا الزمان لقصور هممهم في الضبط وتقصيرهم في النقل . 52 - حدثنا محمد بن سلام قال : أخبرنا وكيع ، عن سفيان ، عن مطرف ، عن الشعبي ، عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا ، إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : فما في هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر . مطابقة الحديث للترجمة في قوله في هذه الصحيفة ؛ لأن الصحيفة هي الورقة المكتوبة ، وفي العباب : الصحيفة الكتاب ، والذي يقرأ هو الصحيفة . بيان رجاله : وهم سبعة : الأول : محمد بن سلام أبو عبد الله البيكندي ، وفي الكمال بتخفيف اللام ، وقد يشدده من لا يعرف ، وقال الدارقطني : هو بالتشديد لا بالتخفيف ، وقد تقدم . الثاني : وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس بن حمحمة ، وقيل : غيره . أصله من قرية من قرى نيسابور الرواسي الكوفي من قيس غيلان ، روى عن الأعمش وغيره ، وعن أحمد ، وقال : إنه أحفظ من ابن مهدي ، وقال حماد بن زيد : لو شئت قلت : إنه أرجح من سفيان . ولد سنة ثمان وعشرين ومائة ، ومات بفيد منصرفا من الحج يوم عاشوراء سنة سبع وستين ومائة . وقال ابن معين : ما رأيت أفضل من وكيع ، وكان يفتي بقول أبي حنيفة ، وكان قد سمع منه شيئا كثيرا ، روى له الجماعة . الثالث : سفيان ، قال الكرماني : يحتمل أن يراد به الثوري وأن يراد به سفيان بن عيينة ؛ لأن وكيعا يروي عنهما وهما يرويان عن مطرف ، ولا قدح بهذا الالتباس في الإسناد ؛ لأن أيا كان منهما فهو إمام حافظ ضابط عدل مشهور على شرط البخاري ، ولهذا يروي لهما في الجامع شيئا كثيرا ، وقال بعضهم عن سفيان : هو الثوري ؛ لأن وكيعا مشهور بالرواية عنه ولو كان ابن عيينة لنسبه ؛ لأن القاعدة في كل من روى عن متفق الاسم أنه يحمل من أهمل نسبته على من يكون له به خصوصية من إكثار ونحوه ، ووكيع قليل الرواية عن ابن عيينة بخلاف الثوري . قلت : كل ما ذكره ليس يصلح مرجحا أن يكون سفيان هذا هو الثوري بعد أن ثبت رواية وكيع عن سفيانين كليهما وروايتهما عن مطرف على أن أبا مسعود الدمشقي قال في الأطراف : هذا هو سفيان بن عيينة ، وقال الغساني في كتابه تقييد المهمل : هذا الحديث محفوظ عن ابن عيينة . الرابع : مطرف بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الراء المشددة وبالفاء ابن طريف بطاء مهملة مفتوحة أبو بكر ، ويقال : أبو عبد الرحمن الكوفي الحارثي نسبة إلى بني الحارث بن كعب بن عمرو ، ويقال : الخارفي بالخاء المعجمة وبالفاء نسبة إلى خارف بن عبد الله ، وثقه أحمد وغيره . مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة ، روى له الجماعة . الخامس : عامر الشعبي ، وقد تقدم . السادس : أبو جحيفة بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء ، واسمه وهب بن عبد الله السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالمد الكوفي ، روي له عن رسول الله عليه الصلاة والسلام خمسة وأربعون حديثا ، اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة ، وكان علي رضي الله عنه يكرمه ويحبه ويثق به ، وجعله على بيت المال بالكوفة وشهد معه مشاهده كلها ، ونزل الكوفة ، وتوفي سنة اثنتين وسبعين ، روى له الجماعة ، وكان من صغار الصحابة . قيل : توفي رسول الله عليه الصلاة والسلام ، ولم يبلغ الحلم ، والله أعلم . السابع : علي بن أبي طالب رضي الله عنه . بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم كوفيون إلا شيخ البخاري وقد دخل فيها ، ومنها أن فيه رواية الصحابي عن الصحابي . قوله حدثنا محمد بن سلام كذا في رواية أبي ذر وآخرين ، وفي رواية الأصيلي : حدثنا ابن سلام ، قوله عن الشعبي ، وفي رواية المصنف في الديات سمعت الشعبي ، قوله عن أبي جحيفة ، وفي رواية البخاري في الديات : سمعت أبا جحيفة ، وقد صرح باسمه الإسماعيلي في روايته . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الجهاد ، عن أحمد بن يونس ، عن زهير . وفي الديات ، عن صدقة بن الفضل ، عن سفيان بن عيينة ، كلاهما عن مطرف به . وأخرجه الترمذي في الديات ، عن أحمد بن منيع ، عن هشيم ، عن مطرف نحوه ، وقال : حسن صحيح . وأخرجه النسائي في القود عن محمد بن منصور ، عن سفيان بن عيينة نحوه . وأخرجه ابن ماجه في الديات ، عن علقمة بن عمرو الداري ، عن أبي بكر بن عياش ، عن مطرف نحوه . بيان اللغات قوله كتاب أي مكتوب من عند رسول الله عليه الصلاة والسلام ، قوله أو فهم ، وهو جودة الذهن ، قال الجوهري : فهمت الشيء فهما وفهامية علمته ، وفلان فهيم ، وقد استفهمني الشيء فأفهمته وفهمته تفهيما ، وتفهم الكلام إذا فهمه شيئا بعد شيء ، قوله الصحيفة قد مر تفسيرها ، قوله العقل أي الدية ، وإنما سميت به لأنهم كانوا يعطون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل . قوله وفكاك الأسير بكسر الفاء ، وهو ما يفتك به ، وفكه وافتكه بمعنى أي خلصه ، ويجوز فتح الفاء أيضا ، قال القزاز : الفتح أفصح ، وفي العباب : فك يفك فكا وفكوكا ، وفك الرهن إذا خلصه ، وفكاك الرهن وفكاكه ما يفتك به ، عن الكسائي ، وفك الرقبة أي أعتقها ، وفككت الشيء أي خلصته ، وكل مشتبكين فصلتهما فقد فككتهما . قوله الأسير فعيل بمعنى المأسور من أسره إذا شده بالإسار ، وهو القد بكسر القاف وبالمهملة ؛ لأنهم كانوا يشدون الأسير بالقد ويسمى كل أخيد أسيرا وإن لم يشد به . بيان الإعراب قوله هل للاستفهام ، و كتاب مرفوع بالابتداء وخبره قوله عندكم مقدما ، قوله لا أي لا كتاب عندنا إلا كتاب الله بالرفع ، وهو استثناء متصل ؛ لأن المفهوم من الكتاب كتاب أيضا ؛ لأن المفاهيم توابع المناطيق ، قوله أو فهم بالرفع عطف على كتاب الله و أعطيه بصيغة المجهول وفتح الياء أسند إلى قوله رجل ، ولكنه هو المفعول الأول النائب عن الفاعل ، والضمير المنصوب هو المفعول الثاني . قوله مسلم صفة لرجل ، قوله أو ما في هذه الصحيفة عطف على قوله كتاب الله وكلمة ما موصولة مبتدأ ، وقوله في هذه الصحيفة خبره . قوله قلت : وما في هذه الصحيفة أي أي شيء في هذه الصحيفة ، فكلمة ما استفهامية مبتدأ و في هذه الصحيفة خبره ، وفي بعض النسخ : فما في هذه الصحيفة ؟ بالفاء وكلاهما للعطف . قوله العقل مرفوع ؛ لأنه مبتدأ حذف خبره ، أي فيها العقل ، والمضاف فيه محذوف أيضا أي حكم العقل أي الدية كما ذكرنا . قوله وفكاك الأسير كلام إضافي عطف على العقل ، قوله ولا يقتل بضم اللام . وفي رواية الكشميهني : وأن لا يقتل بزيادة أن الناصبة وأن مصدرية في محل الرفع على الابتداء ، والخبر محذوف تقديره : وفيها عدم قتل مسلم بكافر يعني حرمة قصاص المسلم بالكافر . وأما على رواية من روى : ولا يقتل ، بدون أن ، فإنه جملة فعلية معطوفة على جملة اسمية ، أعني قوله العقل ؛ لأن تقديره : وفيها العقل كما ذكرنا ، والتقدير : وفيها العقل ، وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر . وقال الكرماني : فإن قلت : كيف جاز عطف الجملة على المفرد ؟ قلت : هو مثل قوله تعالى : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا انتهى . قلت : ليس هاهنا عطف الجملة على المفرد ، وإنما هو عطف الجملة على الجملة ، فإن أراد بقوله المفرد العقل فهو ليس بمفرد ؛ لأنه مبتدأ محذوف الخبر ، وهو جملة ، ولا هو مثل لقوله تعالى : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ؛ لأن المعطوف عليه الجملة هاهنا مفرد ، ولهذا قال صاحب الكشاف : التقدير مقام إبراهيم وأمن من دخله ، فقدر الجملة في حكم المفرد ليكون عطف مفرد على مفرد ، ولم يقدر هكذا إلا ليصح وقوع قوله مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ عطف بيان لقوله آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ؛ لأن بيان الجملة بالواحد لا يصح . بيان المعاني قوله هل عندكم ؟ الخطاب لعلي رضي الله عنه ، والجمع للتعظيم أو لإرادته مع سائر أهل البيت ، أو للالتفات من خطاب المفرد إلى خطاب الجمع على مذهب من قال من علماء البيان يكون مثله التفاتا ، وذلك كقوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ إذ لا فرق بين أن يكون الانتقال حقيقة أو تقديرا عند الجمهور . قوله كتاب أي مكتوب أخذتموه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام مما أوحي إليه ، ويدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد : هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله ، وفي روايته الأخرى في الديات : هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ، وفي مسند إسحاق بن راهويه عن جرير بن مطرف : هل علمت شيئا من الوحي ، وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك ؛ لأن الشيعة كانوا يزعمون أنه عليه الصلاة والسلام خص أهل بيته لا سيما علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بأسرار من علم الوحي لم يذكرها لغيره ، وقد سأل عليا رضي الله تعالى عنه عن هذه المسألة أيضا قيس بن عباد بضم العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة والأشتر النخعي ، وحديثهما في سنن النسائي . قوله قال : لا أي لا كتاب ، أي ليس عندنا كتاب غير كتاب الله تعالى . وفي رواية البخاري في الجهاد : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة . قوله إلا كتاب الله بالرفع ؛ لأنه بدل من المستثنى منه ، والاستثناء متصل كما ذكرنا ؛ لأنه من جنسه إذ لو كان من غير جنسه لكان قوله أو فهم منصوبا ؛ لأنه عطف على المستثنى ، والمستثنى إذا كان من غير جنس المستثنى منه يكون منصوبا وما عطف عليه كذلك ، وقول بعضهم : الظاهر أن الاستثناء فيه منقطع غير صحيح ، وقال ابن المنير : فيه دليل على أنه كان عنده أشياء مكتوبة من الفقه المستنبط من كتاب الله ، وهو المراد من قوله أو فهم أعطيه رجل . قلت : ليس الأمر كذلك بل المراد من الفهم ما يفهمه الرجل من فحوى الكلام ويدرك من بواطن المعاني التي هي غير الظاهر من نصه ؛ كوجوه الأقيسة والمفاهيم وسائر الاستنباطات ، والدليل عليه ما رواه البخاري في الديات بلفظ : ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في الكتاب والمعنى : إلا ما في القرآن من الأشياء المنصوصة لكن إن أعطى الله رجلا فهما في كتابه فهو يقدر على استنباط أشياء أخرى خارجة عن ظاهر النص ، ومن أبين الدليل على أن المراد من الفهم ما ذكرنا ، وأنه غير شيء مكتوب ما رواه أحمد بإسناد حسن من طريق طارق بن شهاب ، قال : شهدت عليا رضي الله عنه على المنبر ، وهو يقول : والله ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة ، وقد علمت أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا . قوله أو ما في هذه الصحيفة ، وكانت هذه معلقة بقبضة سيفه إما احتياطا أو استحضارا وإما لكونه منفردا بسماع ذلك ، وروى النسائي من طريق الأشتر فأخرج كتابا من قراب سيفه . وقال الكرماني : والظاهر أن سبب اقتران الصحيفة بالسيف الإشعار بأن مصالح الدين ليست بالسيف وحده بل بالقتل تارة وبالدية تارة وبالعفو أخرى ، وقال البيضاوي : كلام علي رضي الله عنه أنه ليس عنده سوى القرآن وأنه صلى الله عليه وسلم لم يخص بالتبليغ والإرشاد قوما دون قوم ، وإنما وقع التفاوت من قبل الفهم واستعداد الاستنباط ، واستثنى ما في الصحيفة احتياطا لاحتمال أن يكون ما فيها ما لا يكون عند غيره ، فيكون منفردا بالعلم به ، قال : وقيل : كان فيها من الأحكام غير ما ذكر هنا ، ولعله لم يذكر جملة ما فيها إذ التفصيل لم يكن مقصودا حينئذ أو ذكره ولم يحفظ الراوي . قلت : وفي رواية للبخاري ومسلم من طريق يزيد التيمي ، عن علي رضي الله عنه قال : ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة ، فإذا فيها المدينة حرم .. الحديث . ولمسلم ، عن أبي الطفيل ، عن علي رضي الله عنه : ما خصنا رسول الله عليه السلام بشيء لم يعم به الناس كافة إلا ما في قراب سيفي هذا ، فأخرج صحيفة مكتوبة ، فيها : لعن الله من ذبح لغير الله .. الحديث . وللنسائي من طريق الأشتر وغيره عن علي ، فإذا فيها : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم .. الحديث ، ولأحمد من طريق ابن شهاب فيها فرائض الصدقة ، فإن قلت : كيف الجمع بين هذه الأحاديث ؟ قلت : الصحيفة كانت واحدة ، وكان جميع ذلك مكتوبا فيها ، ونقل كل من الرواة ما حفظه . قوله العقل أي الدية ، والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها ، وكذلك المراد من قوله وفكاك الأسير حكمه والترغيب في تخليصه وأنه نوع من أنواع البر الذي ينبغي أن يهتم به . بيان استنباط الأحكام : الأول : قال ابن بطال : فيه ما يقطع بدعة الشيعة والمدعين على علي رضي الله عنه أنه الوصي وأنه المخصوص بعلم من عند رسول الله عليه الصلاة والسلام لم يعرفه غيره ، حيث قال : ما عنده إلا ما عند الناس من كتاب الله ، ثم أحال على الفهم الذي الناس فيه على درجاتهم ، ولم يخص نفسه بشيء غير ما هو ممكن في غيره . الثاني : فيه إرشاد إلى أن للعالم الفهم أن يستخرج من القرآن بفهمه ما لم يكن منقولا عن المفسرين لكن بشرط موافقته للأصول الشرعية . الثالث : فيه إباحة كتابة الأحكام وتقييدها . الرابع : فيه جواز السؤال عن الإمام فيما يتعلق بخاصته . الخامس : احتج به مالك والشافعي وأحمد على أن المسلم لا يقتل بالكافر قصاصا ، وبه قال الأوزاعي والليث والثوري وإسحاق ، وأبو ثور وابن شبرمة ، وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ، وبه قال جماعة من التابعين منهم عمر بن عبد العزيز ، وإليه ذهب أهل الظاهر . وقال أبو بكر الرازي : قال مالك والليث بن سعد : إن قتله غيلة قتل به وإلا لم يقتل ، وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف في رواية ، ومحمد وزفر : يقتل المسلم بالكافر . وهو قول النخعي ، والشعبي ، وسعيد بن المسيب ، ومحمد بن أبي ليلى ، وعثمان البتي . وهو رواية عن عمر بن الخطاب ، وعبد الله بن مسعود ، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم ، وقالوا : ولا يقتل بالمستأمن والمعاهد . وقالت الشافعية : احتجت الحنفية بما رواه الدارقطني عن الحسن بن أحمد ، عن سعيد بن محمد الرهاوي ، عن عمار بن مطر ، عن إبراهيم بن محمد ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن ابن البيلماني ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قتل مسلما بمعاهد ، ثم قال : أنا أكرم من وفى بذمته . ثم قالت الشافعية : قال الدارقطني : لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى . وهو متروك ، والصواب إرساله . وابن البيلماني ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث ، فكيف إذا أرسله ؟ ! وقال مالك ويحيى بن سعيد وابن معين : هو كذاب يعني إبراهيم بن أبي يحيى ، وقال أحمد والبخاري : ترك الناس حديثه ، وابن البيلماني اسمه عبد الرحمن ، وقد ضعفوه . وقال أحمد : من حكم بحديثه فهو عندي مخطئ وإن حكم به حاكم نقض ، وقال ابن المنذر : أجمع أهل الحديث على ترك المتصل من حديثه فكيف بالمنقطع ؟ ! وقال البيضاوي : إنه منقطع لا احتجاج به ثم إنه خطأ إذ قيل : إن القاتل كان عمرو بن أمية ، وقد عاش بعد الرسول عليه الصلاة والسلام سنين ومتروك بالإجماع ؛ لأنه روي أن الكافر كان رسولا فيكون مستأمنا لا ذميا وأن المستأمن لا يقتل به المسلم وفاقا ، ثم إن صح فهو منسوخ ؛ لأنه روي أنه كان قبل الفتح ، وقد قال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في خطبة خطبها على درج البيت الشريف : ولا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . وقالت الحنفية : لا يتعين علينا الاستدلال بحديث الدارقطني وإنما نحن نستدل بالنصوص المطلقة في استيفاء القصاص من غير فصل ، وأما حديث علي رضي الله عنه فلم يكن مفردا ، ولو كان مفردا لاحتمل ما قلتم ، ولكنه كان موصولا بغيره ، وهو الذي رواه قيس بن عباد والأشتر ، فإن في روايتهما : لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . فهذا هو أصل الحديث وتمامه ، وهذا لا يدل على ما ذهبتم إليه ؛ لأن المعنى على أصل الحديث : لا يقتل مؤمن بسبب قتل كافر ، ولا يقتل ذو عهد في عهده بسبب قتل كافر ، ومن المعلوم أن ذا العهد كافر ، فدل هذا أن الكافر الذي منع النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل به مؤمن في الحديث المذكور هو الكافر الذي لا عهد له ، وهذا لا خلاف فيه لأحد أن المؤمن لا يقتل بالكافر الحربي ، ولا الكافر الذي له عهد يقتل به أيضا ، فحاصل معنى حديث أبي جحيفة لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر . فإن قالوا : كل واحد من الحديثين كلام مستقل مفيد فيعمل به ، فما الحاجة إلى جعلهما واحدا حتى يحتاج إلى هذا التأويل ؟ قلنا : قد ذكرنا أن أصل الحديث واحد فتقطيعه لا يزيل المعنى الأصلي ، ولئن سلمنا أن أصله ليس بواحد وأن كل واحد حديث برأسه ، ولكن الواجب حملهما على أنهما وردا معا ؛ وذلك لأنه لم يثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك في وقتين مرة من غير ذكر ذي العهد ومرة مع ذكر ذي العهد ، وأيضا إن أصل هذا كان في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة ، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلا من هذيل في الجاهلية ، فقال صلى الله عليه وسلم : ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين ، لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده . يعني ، والله أعلم ، الكافر الذي قتله في الجاهلية ، وكأن ذلك تفسير لقوله كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي ؛ لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث واحد ، وقد ذكر أهل المغازي أن عهد الذمة كان بعد فتح مكة ، وأنه إنما كان قبل بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين عهود إلى مدد لا على أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه ، وكان قوله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : لا يقتل مؤمن بكافر منصرفا إلى الكفار المعاهدين ؛ إذ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه ويدل عليه ، قوله ولا ذو عهد في عهده وهذا يدل على أن عهودهم كانت إلى مدد ، ولذلك قال : ولا ذو عهد في عهده كما قال تعالى : فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ وقال : فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وكان المشركون حينئذ على ضربين : أحدهما : أهل الحرب ومن لا عهد بينه وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - . والآخر : أهل المدة ، ولم يكن هناك أهل ذمة ، فانصرف الكلام إلى الضربين من المشركين ، ولم يدخل فيه من لم يكن على أحد هذين الوصفين ، وهذا هو التحقيق في هذا المقام . وقال بعض الحنفية : وقع الإجماع على أن المسلم تقطع يده إذا سرق من مال الذمي ، فكذا يقتل إذا قتله ، وإن قوله ولا ذو عهد في عهده من باب عطف الخاص على العام ، وأنه يقتضي تخصيص العام ؛ لأن الكافر الذي لا يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوي له والأعلى وهو الذمي ، فلا يبقى أحد يقتل به المعاهد إلا الحربي ، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه ، واعترضوا بوجوه : الأول : أن الواو ليست للعطف بل للاستئناف وما بعد ذلك جملة مستأنفة فلا حاجة إلى الإضمار ، فإنه خلاف الأصل فلا يقدر فيه بكافر . الثاني : سلمنا أنه من باب عطف المفرد ، والتقدير : بكافر ، لكن المشاركة بواو العطف وقعت في أصل النفي لا في جميع الوجوه كما إذا قال القائل : مررت بزيد منطلقا وعمرو . قال الشهاب القرافي : المنقول عن أهل اللغة والنحو أن ذلك لا يقتضي أنه مر بالمعطوف منطلقا ، بل الاشتراك في مطلق المرور . الثالث : أن المعنى لا يقتل ذو عهد في عهده خاصة إزالة لتوهم مشابهة الذمي ، فإنه لا يقتل ولا ولده الذي لم يعاهد ؛ لأن الذمة تنعقد له ولأولاده وهلم جرا ، وأما الجواب عن القياس المذكور فإنه قياس في مقابلة النص ، وهو قوله ولا يقتل مسلم بكافر فلا أثر له . وأجيب عن الأول : بأن الأصل في الواو العطف ، ودعوى الاستئناف يحتاج إلى بيان . وعن الثاني : بأن ما ذكرتم في عطف المفرد وهذا عطف الجملة على الجملة ، وكذلك المعطوف في المثال الذي ذكره القرافي مفرد . وعن الثالث : بأنه إنما يصح إذا كانت الواو للاستئناف ، وقد قلنا : إنه يحتاج إلى البيان ، وأيضا فمعلوم أن ذا العهد يحظر قتله ما دام في عهده ، فلو حملنا قوله ولا ذو عهد في عهده على أن لا يقتل ذو عهد في عهده لأخلينا اللفظ عن الفائدة ، وحكم كلام النبي عليه الصلاة والسلام حمله على مقتضاه في الفائدة ، ولا يجوز إلغاؤه ولا إسقاط حكمه ، والقياس إنما يكون في مقابلة النص إذا كان المعنى على ما ذكرتم وهو غير صحيح ، وعلى ما ذكرنا يكون القياس في موافقة النص فافهم . وأما قول البيضاوي أنه منقطع فإنه لا يضر عندنا ؛ لأن المرسل حجة عندنا وجزمه بأنه خطأ غير صحيح ؛ لأن القاتل يحتمل أن يكون اثنين قتل أحدهما وعاش الآخر بعد النبي عليه الصلاة والسلام ، وقوله : إنه منسوخ وقد كان قبل الفتح غير صحيح ؛ لما ذكرنا أن أصل الحديث كان في خطبته عليه الصلاة والسلام من فتح مكة ، فافهم .