8 - بَاب غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسَّدْرِ وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا . وَقَالَ سَعِيدٌ : لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ 1253 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتْ ابْنَتُهُ فَقَالَ : اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي ، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ، تَعْنِي إِزَارَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ ) ؛ أَيْ بَيَانُ حُكْمِهِ ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ ، وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ ، فَإِنَّ الْخِلَافَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، حَتَّى إِنَّ الْقُرْطُبِيَّ رَجَّحَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُنَّةٌ ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى وُجُوبِهِ . وَقَدْ رَدَّ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ ، وَقَدْ تَوَارَدَ بِهِ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ ، وَغُسِّلَ الطَّاهِرُ الْمُطَهَّرُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَوُضُوئِهِ ) فَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : تَرْجَمَ بِالْوُضُوءِ ، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ بِحَدِيثٍ ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ انْتِزَاعَ الْوُضُوءِ مِنَ الْغُسْلِ ، لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ عَلَى الْمَعْهُودِ مِنَ الْأَغْسَالِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، أَوْ أَرَادَ وُضُوءَ الْغَاسِلِ ؛ أَيْ : لَا يَلْزَمُهُ وُضُوءٌ ، وَلِهَذَا سَاقَ أَثَرَ ابْنِ عُمَرَ . انْتَهَى . وَفِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْغَاسِلِ ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ بَعْدُ إِلَّا أَنْ يُقَالَ : تَقْدِيرُ التَّرْجَمَةِ : بَابُ غُسْلِ الْحَيِّ الْمَيِّتَ ، لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ ، فَيَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْمَحْذُوفِ فَيَتَّجِهُ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ كَعَادَتِهِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، فَسَيَأْتِي قَرِيبًا فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ أَيْضًا : ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا ، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا . فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمْ يَرِدِ الْأَمْرَ بِهِ مُجَرَّدًا ، وَإِنَّمَا وَرَدَ الْبُدَاءَةُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كَمَا يُشْرَعُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْوُضُوءِ لَا يُجْزِئُ لَوُروَدِ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ . قَوْلُهُ : ( بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : جَعَلَهُمَا مَعًا آلَةً لِغُسْلِ الْمَيِّتِ ، وَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَدِيثِ الْبَابِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : بِمَاءٍ وَسِدْرٍ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ : اغْسِلْنَهَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السِّدْرَ يُخْلَطُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ مَرَّاتِ الْغُسْلِ ، وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلتَّطْهِيرِ ، لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُضَافَ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ . انْتَهَى . وَقَدْ يَمْنَعُ لُزُومُ كَوْنِ الْمَاءِ يَصِيرُ مُضَافًا بِذَلِكَ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ السِّدْرُ وَصْفَ الْمَاءِ بِأَنْ يُمَعَّكَ بِالسِّدْرِ ، ثُمَّ يُغْسَلَ بِالْمَاءِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ، فَإِنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ لَا يَأْبَى ذَلِكَ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : يُجْعَلُ السِّدْرُ فِي مَاءٍ ، وَيُخَضْخَضُ إِلَى أَنْ تَخْرُجَ رَغْوَتُهُ ، وَيُدْلَكُ بِهِ جَسَدُهُ ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْقَرَاحُ ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا : تُطْرَحُ وَرَقَاتُ السِّدْرِ فِي الْمَاءِ ؛ أَيْ لِئَلَّا يُمَازِجَ الْمَاءَ ، فَيَتَغَيَّرَ وَصْفُهُ الْمُطْلَقُ . وَحُكِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ : يُغْسَلُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ . وَأَعْلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ فَيَغْسِلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ مَرَّتَيْنِ ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَانَ يُقَالُ : كَانَ ابْنُ سِيرِينَ مِنْ أَعْلَمِ التَّابِعِينَ بِذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : مَنْ قَالَ الْأُولَى بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ ، وَالثَّانِيَةُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ ، أَوِ الْعَكْسُ ، وَالثَّالِثَةُ بِالْمَاءِ وَالْكَافُورِ فَلَيْسَ هُوَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ ا هـ . وَكَأَنَّ قَائِلَهُ أَرَادَ أَنْ تَقَعَ إِحْدَى الْغَسَلَاتِ بِالْمَاءِ الصِّرْفِ الْمُطْلَقِ ، لِأَنَّهُ الْمُطَهِّرُ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَأَمَّا الْمُضَافُ فَلَا . وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ابْنُ شَعْبَانَ ، وَابْنُ الْفَرْضِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، فَقَالُوا : غُسْلُ الْمَيِّتِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْظِيفِ ، فَيُجْزِئُ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ كَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ ، قَالُوا : وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ جِهَةِ السَّرَفِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ غُسْلٌ تَعَبُّدِيٌّ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي بَقِيَّةِ الْأَغْسَالِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ . وَقِيلَ : شُرِعَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِأَنَّ لَازِمَهُ أَنْ لَا يُشْرَعَ غُسْلُ مَنْ هُوَ دُونَ الْبُلُوغِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ . قَوْلُهُ : ( وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَحَمَلَهُ ، وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ) حَنَّطَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالنُّونِ الثَّقِيلَةِ ؛ أَيْ طَيَّبَهُ بِالْحَنُوطِ ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ يُخْلَطُ مِنَ الطِّيبِ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً ، وَقَدْ وَصَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَنَّطَ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَحَمَلَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ . انْتَهَى . وَالِابْنُ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، كَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فِي نُسْخَةِ أَبِي الْجَهْمِ الْعَلَاءِ بْنِ مُوسَى ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَنَّطَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ فَذَكَرَهُ . قِيلَ : تَعَلَّقَ هَذَا الْأَثَرُ وَمَا بَعْدَهُ بِالتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُصَنِّفَ يَرَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ ، وَأَنَّ غُسْلَهُ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ ، وَلَا الْمَاءُ وَحْدَهُ ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسَّهُ ابْنُ عُمَرَ ، وَلَغَسَلَ مَا مَسَّهُ مِنْ أَعْضَائِهِ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى تَضْعِيفِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ فَلْيَغْتَسِلْ ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ . رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَمْرَو بْنَ عُمَيْرٍ ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، وَهُوَ مَعْلُولٌ ، لِأَنَّ أَبَا صَالِحٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ : الصَّوَابُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ : هَذَا مَنْسُوخٌ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ نَاسِخَهُ . وَقَالَ الذُّهْلِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِهِ : لَيْسَ فِيمَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ حَدِيثُ ثَابِتٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . . . إِلَخْ ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ يَنْجَسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا . إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا ، أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى الْمَخْزُومِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُثْمَانَ ابْنَيْ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ ، وَالَّذِي فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ مَوْقُوفٌ ، كَمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَرَوَى الْحَاكِمُ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَقَوْلُهُ : لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ ؛ أَيْ لَا تَقُولُوا إِنَّهُمْ نَجَسٌ . وَقَوْلُهُ : يَنْجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ سَعْدٌ : لَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي الْوَقْتِ : وَقَالَ سَعِيدٌ بِزِيَادَةِ يَاءٍ ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ، وَهُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ كَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ ، قَالَتْ : أُوذِنَ سَعْدٌ - تَعْنِي أَبَاهَا - بِجِنَازَةِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَهُوَ بِالْعَقِيقِ فَجَاءَهُ فَغَسَّلَهُ ، وَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ ، ثُمَّ أَتَى دَارَهُ فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ قَالَ : لَمْ أَغْتَسِلْ مِنْ غُسْلِهِ ، وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا مَسِسْتُهُ ، وَلَكِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْحَرِّ . وَقَدْ وَجَدْتُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ سَمُّويَهِ فِي فَوَائِدِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي وَاقِدٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ نَجِسٌ لَمْ أَمَسَّهُ . وَفِي أَثَرِ سَعْدٍ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا يَخْشَى أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَى مَنْ رَآهُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ ، لِئَلَّا يَحْمِلُوهُ عَلَى غَيْرِ مَحْمَلِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجَسُ ) هَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ تَقَدَّمَ مَوْصُولًا فِي بَابِ الْجُنُبِ يَمْشِي فِي السُّوقِ مِنْ كِتَابِ الْغُسْلِ ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّ صِفَةَ الْإِيمَانِ لَا تُسْلَبُ بِالْمَوْتِ وَإِذَا كَانَتْ بَاقِيَةً فَهُوَ غَيْرُ نَجِسٍ ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ قَبْلُ ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ هُنَا : قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : النَّجِسُ الْقَذِرُ . انْتَهَى . وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الْبُخَارِيُّ . وَأَرَادَ بِذَلِكَ نَفْيَ هَذَا الْوَصْفِ ، وَهُوَ النَّجَسُ عَنِ الْمُسْلِمِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ أَيُّوبَ : سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ . وَسَيَأْتِي فِي بَابِ كَيْفَ الْإِشْعَارُ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيُّوبُ أَيْضًا عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ ، وَمَدَارُ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ ، وَحَفْصَةَ ابْنَيْ سِيرِينَ ، وَحَفِظَتْ مِنْهُ حَفْصَةُ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ مُحَمَّدٌ كَمَا سَيَأْتِي مُبَيَّنًا . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَيْسَ فِي أَحَادِيثِ الْغُسْلِ لِلْمَيِّتِ أَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْأَئِمَّةُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَةِ : جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ - امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ اللَّاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَتِ الْبَصْرَةَ - تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ . وَهَذَا الِابْنُ مَا عَرَفْتُ اسْمَهُ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ غَازِيًا ، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ فَبَلَغَ أُمَّ عَطِيَّةَ وَهِيَ بِالْمَدِينَةِ قُدُومَهُ ، وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَرَحَلَتْ إِلَيْهِ ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَلْقَاهُ . وَسَيَأْتِي فِي الْإِحْدَادِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُدُومَهَا كَانَ بَعْدَ مَوْتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمُقَدِّمَةِ أَنَّ اسْمَهَا نُسَيْبَةَ بِنُونٍ وَمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ . وَالْمَشْهُورُ فِيهَا التَّصْغِيُرُ ، وَقِيلَ : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ السَّرَخْسِيِّ وَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَطَاهِرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي السِّيرَةِ الْهِشَامِيَّةِ . قَوْلُهُ : ( حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ ) فِي رِوَايَةِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَهِيَ الَّتِي تَلِي هَذِهِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ بِنْتَهُ . وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ دَخَلَ حِينَ شَرَعَ النِّسْوَةُ فِي الْغُسْلِ ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ أَنَّ مَجِيئَهُنَّ إِلَيْهَا كَانَ بِأَمْرِهِ ، وَلَفْظُهُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ : مَاتَتْ إِحْدَى بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا ، فَقَالَ : اغْسِلْنَهَا . قَوْلُهُ : ( ابْنَتُهُ ) لَمْ تَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ رِوَاياتِ الْبُخَارِيِّ مُسَمَّاةً ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا زَيْنَبُ زَوْجُ أَبِي الْعَاصي بْنِ الرَّبِيعِ وَالِدَةُ أُمَامَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الصَّلَاةِ ، وَهِيَ أَكْبَرُ بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي الذَّيْلِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ ، وَقَدْ وَرَدَتْ مُسَمَّاةً فِي هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اغْسِلْنَهَا : فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ حَفْصَةَ ، وَلَا عَنْ مُحَمَّدٍ مُسَمَّاةً إِلَّا فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ هَذِهِ ، وَقَدْ خُولِفَ فِي ذَلِكَ ، فَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ الشَّارِحِ أَنَّهُ جَزَمَ بِأَنَّ الْبِنْتَ الْمَذْكُورَةَ أُمُّ كُلْثُومٍ زَوْجُ عُثْمَانَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُسْتَنَدَهُ ، وَتَعَقَّبَهُ الْمُنْذِرِيُّ بِأَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ تُوُفِّيَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُ ، فَإِنَّ الَّتِي تُوُفِّيَتْ حِينَئِذٍ رُقَيَّةُ ، وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ لِبَعْضِ أَهْلِ السِّيَرِ ، وَهُوَ قُصُورٌ شَدِيدٌ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، عَنْ أَيُّوبَ وَلَفْظُهُ : دَخَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ سَيَأْتِي فِي بَابِ كَيْفَ الْإِشْعَارُ وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُبْهَمَاتِ لِابْنِ بَشْكُوَالٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ : كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ . الْحَدِيثَ . وَقَرَأْتُ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ : زَعَمَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ وَفِيهِ نَظَرٌ . كَذَا قَالَ ، وَلَمْ أَرَ فِي التِّرْمِذِيِّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى الدُّولَابَيُّ فِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ عَمْرَةَ : أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ كَانَتْ مِمَّنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ ابْنَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْحَدِيثَ . فَيُمْكِنُ دَعْوَى تَرْجِيحِ ذَلِكَ لِمَجِيئِهِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ تَكُونَ حَضَرَتْهُمَا جَمِيعًا ، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَرْجَمَتِهَا بِأَنَّهَا كَانَتْ غَاسِلَةَ الْمَيِّتَاتِ ، وَوَقَعَ لِي مِنْ تَسْمِيَةِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي حَضَرْنَ مَعَهَا ثَلَاثٌ غَيْرُهَا ، فَفِي الذُّرِّيَّةِ الطَّاهِرَةِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ ، أَنَّهَا كَانَتْ مِمَّنْ غَسَّلَهَا ، قَالَتْ : وَمَعَنَا صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ لَيْلَى بِنْتِ قَانِفٍ - بِقَافٍ وَنُونٍ وَفَاءٍ - الثَّقَفِيَّةِ ، قَالَتْ : كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَهَا . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ شَيْئًا يُومِئُ إِلَى أَنَّهَا حَضَرَتْ ذَلِكَ أَيْضًا ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَبْوَابٍ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ : وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَسْمِيَتَهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ دُونَ ابْنِ سِيرِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( اغْسِلْنَهَا ) قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ : اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِيمَا بَعْدُ : إِنْ رَأَيْتينَّ ذَلِكَ هَلْ يَرْجِعُ إِلَى الْغُسْلِ أَوِ الْعَدَدِ ، وَالثَّانِي أَرْجَحُ ، فَثَبَتَ الْمُدَّعَى . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَكِنْ قَوْلُهُ ثَلَاثًا ، لَيْسَ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ، فَيَتَوَقَّفُ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ عَلَى تَجْوِيزِ إِرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : ثَلَاثًا غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا تَحْتَ صِيغَةِ الْأَمْرِ ، فَيُرَادَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ الْغُسْلِ ، وَالنَّدْبُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِيتَارِ . انْتَهَى . وَقَوَاعِدُ الشَّافِعِيَّةِ لَا تَأْبَى ذَلِكَ . وَمِنْ ثَمَّ ذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ وَالْمُزَنِيُّ إِلَى إِيجَابِ الثَّلَاثِ ، وَقَالُوا : إِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُغْسَلُ مَوْضِعُهُ ، وَلَا يُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتِ ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ . وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ يُغَسَّلُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدُ فَخَمْسًا ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غُسِّلَ سَبْعًا . قَالَ هِشَامٌ وَقَالَ الْحَسَنُ : يُغَسَّلُ ثَلَاثًا ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ غُسِلَ مَا خَرَجَ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَّلَاثِ . قَوْلُهُ : ( ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا ) فِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ : اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا . وَ أَوْ هُنَا لِلتَّرْتِيبِ لَا لِلتَّخْيِيرِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُرَادُ : اغْسِلْنَهَا وِتْرًا ، وَلْيَكُنْ ثَلَاثًا ، فَإِنِ احْتَجْنَ إِلَى زِيَادَةٍ فَخَمْسًا ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِيتَارَ مَطْلُوبٌ ، وَالثَّلَاثُ مُسْتَحَبَّةٌ ، فَإِنْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِهَا لَمْ يُشْرَعْ مَا فَوْقَهَا ، وَإِلَّا زِيدَ وِتْرًا ، حَتَّى يَحْصُلَ الْإِنْقَاءُ ، وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ عَامَّةٌ لِلْبَدَنِ . انْتَهَى . وَقَدْ سَبَقَ بَحْثُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : فِي قَوْلِهِ : أَوْ خَمْسًا إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ هُوَ الْإِيتَارُ ، لِأَنَّهُ نَقَلَهُنَّ مِنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْخَمْسِ وَسَكَتَ عَنِ الْأَرْبَعِ . قَوْلُهُ : ( أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ ) بِكَسْرِ الْكَافِ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْمُؤَنَّثِ . فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ كَمَا فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ : ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا . وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بَعْدَ قَوْلِهِ سَبْعًا التَّعْبِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، إِلَّا فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ ، وَأَمَّا مَا سِوَاهَا فَإِمَّا أَوْ سَبْعًا ، وَإِمَّا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَحْتَمِلُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ بِالسَّبْعِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، فَكَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى السَّبْعِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ ، وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يَأْخُذُ الْغُسْلَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ثَلَاثًا ، وَإِلَّا فَخَمْسًا ، وَإِلَّا فَأَكْثَرَ ، قَالَ : فَرَأَيْنَا أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ سَبْعٌ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الزِّيَادَةُ عَلَى السَّبْعِ سَرَفٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : بَلَغَنِي أَنَّ جَسَدَ الْمَيِّتِ يَسْتَرْخِي بِالْمَاءِ ، فَلَا أُحِبُّ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) مَعْنَاهُ التَّفْوِيضُ إِلَى اجْتِهَادِهِنَّ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ لَا التَّشَهِّي . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : إِنَّمَا فَوَّضَ الرَّأْيَ إِلَيْهِنَّ بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ الْإِيتَارُ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ : يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ إِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْأَعْدَادِ الْمَذْكُورَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : إِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَفْعَلْنَ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَالْإِنْقَاءُ يَكْفِي . قَوْلُهُ : ( بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا أَصْلٌ فِي جَوَازِ التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ الْمُضَافِ إِذَا لَمْ يَسْلُبِ الْمَاءُ الْإِطْلَاقَ . انْتَهَى . وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ أَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ لِلتَّطْهِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ؛ أَيِ اللَّفْظَتَيْنِ ، قَالَ : وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي ، لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ ، فَيَصْدُقُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ ، وَجَزَمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ بِالشِّقِّ الْأَوَّلِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، وَظَاهِرُهُ جَعْلُ الْكَافُورِ فِي الْمَاءِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَقَالَ النَّخَعِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ : إِنَّمَا يُجْعَلُ فِي الْحَنُوطِ ؛ أَيْ بَعْدَ انتْهَاءِ الْغُسْلِ وَالتَّجْفِيفِ ، قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي الْكَافُورِ مَعَ كَوْنِهِ بطيب رَائِحَةَ الْمَوْضِعِ لِأَجْلِ مَنْ يَحْضُرُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ فِيهِ تَجْفِيفًا وَتَبْرِيدًا وَقُوَّةَ نُفُوذٍ ، وَخَاصِّيَّةً فِي تَصْلِيبِ بَدَنِ الْمَيِّتِ ، وَطَرْدَ الْهَوَامِّ عَنْهُ ، وَرَدْعَ مَا يَتَحَلَّلُ مِنَ الْفَضَلَاتِ ، وَمَنْعَ إِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ ، وَهُوَ أَقْوَى الْأَرَايِيحِ الطَّيِّبَةِ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي جَعْلِهِ فِي الْأَخِيرَةِ ، إِذْ لَوْ كَانَ فِي الْأُولَى مَثَلًا لَأَذْهَبَهُ الْمَاءُ ، وَهَلْ يَقُومُ الْمِسْكُ مَثَلًا مَقَامَ الْكَافُورِ ؟ إِنْ نُظِرَ إِلَى مُجَرَّدِ التَّطَيُّبِ فَنَعَمْ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَقَدْ يُقَالُ : إِذَا عُدِمَ الْكَافُورُ قَامَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، وَلَوْ بِخَاصِّيَّةٍ وَاحِدَةٍ مَثَلًا . قَوْلُهُ : ( فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي ) ؛ أَيْ أَعْلِمْنَنِي . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا فَرَغْنَا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مِنَ الْحَاضِرِ ، وَلَلْأَصِيلِيِّ : فَلَمَّا فَرَغْنَ بِصِيغَةِ الْغَائِبِ . قَوْلُهُ : ( حَقْوَهُ ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ - وَيَجُوزُ كَسْرُهَا ، وَهِيَ لُغَةُ هُذَيْلٍ - بَعْدَهَا قَافٌ سَاكِنَةٌ ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْإِزَارُ كَمَا وَقَعَ مُفَسَّرًا فِي آخِرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَالْحَقْوُ فِي الْأَصْلِ مَعْقِدُ الْإِزَارِ ، وَأُطْلِقَ عَلَى الْإِزَارِ مَجَازًا ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ : فَنَزَعَ مِنْ حَقْوِهِ إِزَارَهُ . وَالْحَقْوُ فِي هَذَا عَلَى حَقِيقَتِهِ . قَوْلُهُ : ( أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ ) ؛ أَيِ اجْعَلْنَهُ شِعَارَهَا ؛ أَيِ الثَّوْبُ الَّذِي يَلِي جَسَدَهَا ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى صِفَتِهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ ، قِيلَ : الْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيرِ الْإِزَارِ مَعَهُ إِلَى أَنْ يَفْرُغْنَ مِنَ الْغُسْلِ ، وَلَمْ يُنَاوِلْهُنَّ إِيَّاهُ أَوَّلًا لِيَكُونَ قَرِيبَ الْعَهْدِ مِنْ جَسَدِهِ الْكَرِيمِ ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَ انْتِقَالِهِ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى جَسَدِهَا فَاصِلٌ ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ وَفِيهِ جَوَازُ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبِ الرَّجُلِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسَّدْر · ص 150 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر · ص 35 ( باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر ) أي هذا باب في بيان حكم غسل الميت إلى آخره . وهذه الترجمة مشتملة على أمور : الأول : في غسل الميت هل هو فرض ، أو واجب ، أو سنة ، فقال أصحابنا : هو واجب على الأحياء بالسنة ، وإجماع الأمة : أما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم : " للمسلم على المسلم ست حقوق " وذكر منها : إذا مات أن يغسله ، وأجمعت الأمة على هذا ، وفي شرح الوجيز الغسل والتكفين والصلاة فرض على الكفاية بالإجماع ، وكذا نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية ، وقد أنكر بعضهم على النووي في نقله هذا ، فقال : وهو ذهول شديد ؛ فإن الخلاف مشهور جدا عند المالكية ؛ حتى إن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة ، ولكن الجمهور على وجوبه . انتهى . قلت : هذا ذهول أشد من هذا القائل ؛ حيث لم ينظر إلى معنى الكلام ، فإن معنى قوله : سنة ، أي سنة مؤكدة ، وهي في قوة الوجوب حتى قال هو ، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك ، أي بالوجوب ، وقال : توارد به القول والعمل وغسل الطاهر المطهر ، فكيف بمن سواه . الثاني : في أن أصل وجوب غسل الميت ما رواه عبد الله بن أحمد في المسند أن آدم عليه الصلاة والسلام غسلته الملائكة وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه ، ثم دخلوا قبره فوضعوه فيه ووضعوا عليه اللبن ، ثم خرجوا من قبره ، ثم حثوا عليه التراب ، ثم قالوا : يا بني آدم هذه سبيلكم " . ورواه البيهقي بمعناه . الثالث : في سبب وجوب غسل الميت ، فقال بعضهم : هو الحدث ، فإن الموت سبب لاسترخاء مفاصله ، وقال الشيخ أبو عبد الله الجرجاني وغيره من مشايخ العراق : إنما أوجب النجاسة الموت ؛ إذ الآدمي له دم مسفوح كسائر الحيوانات ، ولهذا يتنجس البئر بموته فيها ، وفي البدائع عن محمد بن الشجاع البجلي أن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة له ؛ لأنه لو تنجس لما حكم بطهارته بالغسل كسائر الحيوانات التي حكم بنجاستها بالموت ، وسيأتي قول ابن عباس : " إن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ، وقال بعض الحنابلة : ينجس بالموت ولا يطهر بالغسل ، ويتنجس الثوب الذي ينشف به كسائر الميتات ، وهذا باطل بلا شك وخرق للإجماع . الرابع : في وضوء الميت فوضوؤه سنة كما في الاغتسال في حالة الحياة ، غير أنه لا يمضمض ولا يستنشق عندنا ؛ لأنهما متعسران ، وقال صاحب المغني : ولا يدخل الماء فاه ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم ، وهو قول سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأحمد ، وقال الشافعي : يمضمض ويستنشق كما يفعله الحي ، وقال النووي المضمضة جعل الماء في فيه . قلت : هذا خلاف ما قاله أهل اللغة ، فقال الجوهري : المضمضة تحريك الماء في الفم وإمام الحرمين لم يصوب من قال مثل ما قال النووي . الخامس : في الماء والسدر ، فالحكم فيه عندنا أن الماء يغلى بالسدر والأشنان مبالغة في التنظيف ، فإن لم يكن السدر أو الأشنان فالماء القراح ، وذكر في المحيط والمبسوط أنه يغسل أولا بالماء القراح ثم بالماء الذي يطرح فيه السدر ، وفي الثالثة يجعل الكافور في الماء ، ويغسل به ، هكذا روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وعند سعيد بن المسيب والنخعي والثوري : يغسل في المرة الأولى والثانية بالماء القراح ، والثالثة بالسدر ، وقال الشافعي : يختص السدر بالأولى ، وبه قال ابن الخطاب من الحنابلة ، وعن أحمد : يستعمل السدر في الثلاث كلها ، وهو قول عطاء وإسحاق وسليمان بن حرب ، وقال القرطبي : يجعل السدر في ماء ، ويخضخض إلى أن تخرج رغوته ، ويدلك جسده ، ثم يصب عليه الماء القراح . فهذه غسلة . وكرهت الشافعية وبعض الحنابلة الماء المسخن وخيره مالك ما ذكره في الجواهر ، وفي الختلي من كتب الشافعية قيل : المسخن أولى بكل حال ، وهو قول إسحاق ، وفي الدراية وعند الشافعي وأحمد : الماء البارد أفضل إلا أن يكون عليه وسخ أو نجاسة لا تزول إلا بالماء الحار ، أو يكون البرد شديدا . فإن قلت : الوضوء مذكور في الترجمة ، ولم يذكر له حديثا . قلت : اعتمد على المعهود من الاغتسال عن الجنابة ويمكن أن يقال : إنه اعتمد على ما ورد في بعض طرق حديث الباب من حديث أم عطية ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها . وقيل : أراد وضوء الغاسل ، أي لا يلزمه وضوء . قلت : هذا بعيد ؛ لأن الغاسل لم يذكر فيما قبله ولا يعود الضمير في قوله : " ووضوئه " إلا إلى الميت ووجه بعضهم هذا فقال : إلا أن يقال تقدير الترجمة باب غسل الحي الميت ؛ لأن الميت لا يتولى ذلك بنفسه ، فيعود الضمير على المحذوف . قلت : هذا عسف وإن كان له وجه مع أن رجوع الضمير إلى أقرب الشيئين إليه أولى . ( وحنط ابن عمر رضي الله عنهما ابنا لسعيد بن زيد وحمله وصلى ، ولم يتوضأ ) مطابقته للترجمة تؤخذ من موضعين : الأول من قوله : " حنط " ؛ لأن التحنيط يستلزم الغسل ، فكأنه قال : " غسله وحنطه " وهو مطابق لقوله : " باب غسل الميت " والثاني من قوله : " ولم يتوضأ " ؛ لأنا قد ذكرنا أن الضمير في قوله : " ووضوئه " يرجع إلى الميت . وقوله " لم يتوضأ " يدل على أن الغاسل ليس عليه وضوء ، فوقع التطابق من هذه الحيثية ، وقال بعضهم : وقيل تعلق هذا الأثر وما بعده بالترجمة من جهة أن المصنف يرى أن المؤمن لا ينجس بالموت ، وأن غسله إنما هو للتعبد ؛ لأنه لو كان نجسا لم يطهره الماء والسدر ، ولا الماء وحده ، ولو كان نجسا ما مسه ابن عمر ، ولغسل ما مسه من أعضائه . قلت : ليس بين هذا الأثر وبين الترجمة تعلق أصلا من هذه الجهة البعيدة ، والذي ذكرناه هو الأوجه . نعم هذا الذي ذكره يصلح أن يكون وجه التطابق بين الترجمة وبين أثر ابن عباس الآتي ؛ لأن إيراده أثر ابن عباس في هذا الباب يدل على أنه يرى فيه رأي ابن عباس ، ويفهم منه أن غسل الميت عنده أمر تعبدي ، وإن كان قوله: " باب غسل الميت " أعم من ذلك ، لكن إيراده أثر ابن عباس وأثر سعد والحديث المعلق يدل على ذلك فافهم . وقال هذا القائل أيضا وكأنه أشار إلى تضعيف ما أخرجه أبو داود من طريق عمرو بن عمير عن أبي هريرة مرفوعا : " من غسل الميت فليغتسل ومن حمله فليتوضأ " ، رواته ثقات إلا عمرو بن عمير ، فليس بمعروف ، وروى الترمذي وابن حبان من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحوه ، وهو معلول ؛ لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة ، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : الصواب عن أبي هريرة موقوف ، وقال أبو داود بعد تخريجه : هذا منسوخ ، ولم يبين ناسخه ، وقال الذهلي فيما حكاه الحاكم في تاريخه : ليس فيمن غسل ميتا فليتغسل حديث ثابت . انتهى . . قلت : أيش وجه إشارة البخاري بهذه الترجمة إلى تضعيف الحديث المذكور ، فأي عبارة تدل على هذا بدلالة من أنواع الدلالات ، وهذا كلام واه . قلت : أما حديث أبي داود فقد قال في سننه : حدثنا أحمد بن صالح ، أخبرنا ابن أبي فديك ، حدثني ابن أبي ذئب عن القاسم ابن عباس ، عن عمرو بن عمير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من غسل الميت " ، الحديث وابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل بن أبي فديك ، وابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث ابن أبي ذئب ، وعمرو بن عمير بفتح العين في الابن وضمها في الأب . قلت : قوله : عمرو بن عمير ليس بمعروف إشارة إلى تضعيف الحديث ، فهذا أبو داود قد روى له وسكت عليه ، فدل على أنه قد رضي به ، ولكنه قال : " هذا منسوخ " ، فرده هذا الحديث لم يكن إلا من جهة كونه منسوخا ، ثم قال هذا القائل ولم يبين ناسخه . قلت : بتركه بيان الناسخ لا يلزم تضعيف الحديث ، والنسخ يعلم بأمور منها : ترك العمل بالحديث ، فإنه يدل على وجود ناسخ وإن لم يطلع عليه . وأما حديث الترمذي فقد قال : حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من غسله الغسل ومن حمله الوضوء " يعني الميت ، وقال : حديث أبي هريرة حديث حسن ، وقد روي عن أبي هريرة موقوفا ثم قال : وقد اختلف أهل العلم في الذي يغسل الميت ، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم : إذا غسل ميتا فعليه الغسل ، وقال بعضهم : عليه الوضوء ، وقال مالك بن أنس : استحب الغسل من غسل الميت ، ولا أرى ذلك واجبا ، وهكذا قال الشافعي ، وقال أحمد : من غسل ميتا أرجو أن لا يجب عليه الغسل ، فأما الوضوء فأقل ما فيه ، وقال إسحاق : لا بد من الوضوء ، وقد روي عن عبد الله بن المبارك أنه قال : لا يغتسل ولا يتوضأ من غسل الميت ، وقال الترمذي ، وفي الباب عن علي وعائشة . قلت : كلاهما عند أبي داود ، وفي الباب عن حذيفة عند البيهقي بإسناد ساقط ، وقال مالك في العتبية : أدركت الناس على أن غاسل الميت يغتسل ، واستحسنه ابن القاسم وأشهب ، وقال ابن حبيب : لا غسل عليه ولا وضوء ، وفي التوضيح وللشافعي قولان الجديد هذا ، والقديم الوجوب ، وبالغسل قال ابن المسيب وابن سيرين والزهري قاله ابن المنذر ، وقال الخطابي : لا أعلم أحدا قال بوجوب الغسل منه ، وأوجب أحمد وإسحاق الوضوء منه . وأما التعليق المذكور فقد وصله مالك في موطئه عن نافع أن ابن عمر حنط ابنا لسعيد بن زيد وحمله ثم دخل المسجد فصلى ، ولم يتوضأ ، وروى ابن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه أن ابن عمر كفن ميتا وحنطه ، ولم يمس ماء ، وعن أبي الأحوص عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عمر : أغتسل من غسل الميت ؟ قال : لا ، وحدثنا عباد بن العوام عن حجاج عن سليمان بن ربيع ، عن سعيد بن جبير قال : غسلت أمي ميتة ، فقالت لي : سل - علي غسل ؟ فأتيت ابن عمر فسألته ، فقال : أنجسا غسلت ثم أتيت ابن عباس فسألته ، فقال مثل ذلك أنجسا غسلت ؟ وحدثنا عباد عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا : ليس على غاسل الميت غسل . قوله : " حنط " بفتح الحاء المهملة وتشديد النون ، أي استعمل الحنوط ، وهو كل شيء خلط من الطيب للميت خاصة قاله الكرماني ، وتبعه بعضهم على هذا ، وفي الصحاح : الحنوط ذريرة ، وهو طيب الميت . قلت : الحنوط عطر مركب من أنواع الطيب يجعل على رأس الميت ولحيته ولبقية جسده إن تيسر ، وفي الحديث " أن ثمود لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع ، وتحنطوا بالصبر لئلا يجيفوا وينتنوا " ، وفي المحيط : لا بأس بسائر الطيب في الحنوط غير الزعفران والورس في حق الرجال ، ولا بأس بهما في حق النساء ، فيدخل فيه المسك ، وأجازه أكثر العلماء ، وأمر به علي رضي الله تعالى عنه ، واستعمله أنس وابن عمر وابن المسيب ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ، وكرهه عطاء والحسن ومجاهد ، وقالوا : إنه ميتة ، واستعماله في حنوط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حجة عليهم ، وفي الروضة : ولا بأس بجعل المسك في الحنوط ، وقال النخعي : يوضع الحنوط على الجبهة والراحتين والركبتين والقدمين ، وفي المفيد : وإن لم يفعل فلا يضر ، وقال ابن الجوزي والقرافي : يستحب في المرة الثالثة شيء من الكافور قالا : وقال أبو حنيفة : لا يستحب . قلت : نقلهما ذلك عنه خطأ . قوله : " ابنا لسعيد " ، واسم الابن عبد الرحمن ، روى عن الليث عن نافع أنه رأى عبد الله بن عمر حنط عبد الرحمن بن سعيد بن زيد وسعيد بن زيد هذا أحد العشرة المبشرة بالجنة ، أسلم قديما ومات بالعقيق ، ونقل إلى المدينة فدفن بها سنة إحدى وخمسين رضي الله تعالى عنه . ( وقال ابن عباس رضي الله عنهما : المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ) وجه مطابقته للترجمة قد ذكرناها في أثر ابن عمر الذي مضى ، وقد وصل هذا التعليق ابن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة عن عمرو عن عطاء : " عن ابن عباس أنه قال : لا تنجسوا موتاكم ، فإن المؤمن ليس بنجس حيا ولا ميتا " قوله : " لا تنجسوا موتاكم " ، أي لا تقولوا إنهم نجس ، ورواه سعيد بن منصور أيضا عن سفيان نحوه ورواه الحاكم مرفوعا قال : أخبرنا إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم العدل ، حدثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي ، حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا ابن أبي شيبة قالا : حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : " لا تنجسوا موتاكم ، فإن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا " صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . ( وقال سعد : لو كان نجسا ما مسسته ) وجه المطابقة ما ذكرناه ، ووقع في رواية الأصيلي وأبي الوقت : سعيد بالياء والأول أشهر وأصح ، وهو سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة عن يحيى بن سعيد القطان ، عن الجعد ، عن عائشة قالت : أوذن سعد بجنازة سعيد بن زيد وهو بالبقيع ، فجاءه فغسله وكفنه وحنطه ، ثم أتى داره فصلى عليه ، ثم دعا بماء فاغتسل ثم قال : لم أغتسل من غسله ، ولو كان نجسا ما غسلته ، أو ما مسسته ، ولكني أغتسل من الحر . وفي هذا الأثر فائدة حسنة ، وهي أن العالم إذا عمل عملا يخشى أن يلتبس على من رآه ينبغي له أن يعلمهم بحقيقة الأمر لئلا يحملوه على غير محمله . ( وقال النبي صلى الله عليه وسلم : المؤمن لا ينجس ) هذا طرف من حديث أبي هريرة ، ذكره البخاري مسندا في باب الجنب يمشي في كتاب الغسل ، حدثنا عياش قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا حميد ، عن أبي رافع : " عن أبي هريرة قال : لقيني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا جنب " الحديث ، وقد ذكرنا هناك حميع ما يتعلق به مستقصى . 16 - ( حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، قال : حدثني مالك ، عن أيوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ، عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته ، فقال اغسلنها ثلاثا ، أو خمسا ، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافورا ، أو شيئا من كافور ، فإذا فرغتن فآذنني ، فلما فرغنا آذناه ، فأعطانا حقوه ، فقال : أشعرنها إياه تعني إزاره ) مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله . وهم خمسة كلهم قد ذكروا وإسماعيل بن عبد الله هو إسماعيل بن أبي أويس ابن أخت مالك ، وأم عطية اسمها نسيبة بضم النون بنت كعب . ويقال : بنت الحارث الأنصارية ، وقد شهدت غسل ابنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وحكت ذلك ، فأتقنت ، وحديثها أصل في غسل الميت ومدار حديثها على محمد وحفصة ابني سيرين ، حفظت منها حفصة ما لم يحفظ محمد ، وقال ابن المنذر : ليس في أحاديث غسل الميت أعلى من حديث أم عطية ، وعليه عول الأئمة . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه وشيخ شيخه مدنيان ، وأيوب وابن سيرين بصريان ، وفيه عن أيوب عن محمد ، وفي رواية ابن جريج ، عن أيوب سمعت ابن سيرين ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابية . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرج البخاري هذا الحديث من أحد عشر طريقا : الأول : أخرجه في الطهارة في باب التيمن في الوضوء والغسل عن مسدد ، وقد ذكرنا هناك من أخرجه غيره . الثاني : عن إسماعيل المذكور في هذا الباب . الثالث : عن محمد بن عبد الوهاب في باب ما يستحب أن يغسل وترا . الرابع : عن علي بن عبد الله في باب ما يبدأ بميامن الميت . وأخرجه مسلم في الجنائز عن يحيى بن أيوب وابن أبي شيبة وعمرو الناقد ، ثلاثتهم عن إسماعيل ، وعن إسماعيل بن يحيى . وأخرجه أبو داود فيه عن أبي كامل الجحدري عن إسماعيل به . وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع عن هشيم به . وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن منصور عن أحمد بن حنبل عن إسماعيل به . الخامس : عن يحيى بن موسى في باب : " مواضع الوضوء من الميت " . السادس عن عبد الرحمن بن حماد في باب: " هل تكفن المرأة في إزار الرجل " . وأخرجه النسائي فيه عن شعيب بن يوسف . السابع عن حامد بن عمر في باب : " يجعل الكافور في آخره " . الثامن : عن أحمد عن ابن وهب في باب : " ينقض شعر المرأة " . التاسع عن أحمد عن ابن وهب أيضا في باب: " كيف الإشعار للميت " . وأخرجه مسلم في الجنائز عن أبي الربيع الزهراني وقتيبة كلاهما عن حماد بن زيد ، وعن قتيبة عن مالك ، وعن يحيى بن يحيى ، وعن يحيى بن أيوب . وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به ، وعن مسدد ومحمد بن عبيد ، كلاهما عن حماد بن زيد به . وأخرجه النسائي فيه ، عن قتيبة عن مالك وحماد بن زيد فرقهما به ، وعن إسماعيل بن مسعود ، وعن عمرو بن زرارة ، وعن يوسف بن سعيد . وأخرجه ابن ماجه عن ابن أبي شيبة عن الثقفي به . العاشر عن قبيصة عن سفيان في باب: " هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون " . وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن المثنى . الحادي عشر عن مسدد عن يحيى بن سعيد في باب: " يلقى شعر المرأة خلفها " . وأخرجه مسلم في الجنائز عن عمرو الناقد . وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع . وأخرجه النسائي فيه عن أحمد بن منيع . وأخرجه النسائي فيه عن عمر بن علي عن يحيى به . ذكر معناه قوله : " حين توفيت ابنة " هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة هي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملها في الصلاة ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها ، وزينب أكبر بنات رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وتزوج بزينب أبو العاص بن الربيع ، فولدت منه عليا وأمامة ، وتوفيت زينب في سنة ثمان قاله الواقدي ، وقال قتادة عن ابن حزم في أول سنة ثمان ، ولم يقع في روايات البخاري ابنته هذه مسماة وهو مصرح به في لفظ مسلم عن أم عطية قالت : " لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : اغسلنها " . الحديث ، هذا هو المروي الأكثر ، وذكر بعض أهل السير أنها أم كلثوم زوج عثمان رضي الله تعالى عنه ، وقد ذكره أبو داود أيضا قال : حدثنا أحمد بن حنبل ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا أبي عن أبي إسحاق ، حدثني نوح بن حكيم الثقفي - وكان قارئا للقرآن - عن رجل من بني عروة بن مسعود يقال له داود ، قد ولدته أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن ليلى بنت قانف الثقفية قالت : كنت فيمن غسل أم كلثوم ابنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عند وفاتها ، فكان أول ما أعطانا صلى الله تعالى عليه وسلم : " الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ، ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر ، قالت ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عند الباب معه كفنها يناولنا ثوبا ثوبا ، وقال المنذري : فيه محمد بن إسحاق ، وفيه من ليس بمشهور ، والصحيح أن هذه القصة في زينب ؛ لأن أم كلثوم توفيت ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غائب ببدر ، وقال ابن القطان في كتابه ونوح بن حكيم رجل مجهول لم تثبت عدالته ، وقد غلطوا المنذري في قوله : " أم كلثوم توفيت ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم غائب ببدر " ؛ لأن التي توفيت حينئذ رقية . فإن قلت : حكى ابن التين عن الداودي الشارح بأنه جزم بأن البنت المذكورة أم كلثوم زوج عثمان ، وذكر صاحب التلويح بأن الترمذي زعم أنها أم كلثوم . قلت : أما الداودي ، فإنه لم يذكر مستنده ، وأما الترمذي فلم يذكر شيئا من ذلك . فإن قلت ذكر الدولابي من طريق أبي الرجال عن عمرة أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : لا يلزم من ذلك أن تكون البنت في حديث الباب أم كلثوم ؛ لأن أم عطية كانت غاسلة الميتات ، فيمكن أن تكون حضرت لهما جميعا . قوله : " ثلاثا أو خمسا " ، وفي رواية هشام بن حسان عن حفصة : " اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا " وكلمة ، " أو " هنا للتنويع والنص على الثلاث ، أو الإشارة إلى أن المستحب الإيتار ، ألا يرى أنه نقلهن من الثلاث إلى الخمس دون الأربع ، وقال بعضهم : " أو " هنا للترتيب لا للتخيير . قلت : لم ينقل عن أحد أن " أو " تجيء للترتيب ، وقد ذكر النحاة أن " أو " تأتي لاثني عشر معنى ، وليس فيها ما يدل على أنها تجيء للترتيب ، والظاهر أنه أخذه من الطيبي ، فإنه نقل من المظهر شرح المصابيح أن فيه للترتيب دون التخيير ؛ إذ لو حصل الاكتفاء بالغسلة الأولى استحب التثليث ، وكره التجاوز عنه ، فإن حصلت بالثانية ، أو بالثالثة استحب التخميس ، وإلا فالتسبيع والمنع باق فيه ، وفي الطيبي في نقله ، وفي صاحب المظهر شارح المصابيح . قوله: " أو أكثر من ذلك " ، أي من الخمس ينتهي إلى السبع كما في رواية أيوب عن حفصة ثلاثا ، أو خمسا ، أو سبعا ، وسيأتي في الباب الذي يليه ، وليس في الروايات أكثر من السبع إلا في رواية أبي داود ، حدثنا حماد عن أيوب عن محمد عن أم عطية بمعنى حديث مالك زاد في حديث حفصة عن أم عطية نحو هذا ، وزادت فيه : " أو سبعا ، أو أكثر من ذلك إن رأيته " ويستفاد من هذا استحباب الإيتار بالزيادة على السبعة ؛ لأن ذلك أبلغ في التنظيف ، وكره أحمد مجاوزة السبع ، وقال ابن عبد البر : لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع ، وساق من طريق قتادة أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية ثلاثا ، وإلا فخمسا ، وإلا فسبعا ، قال : فرأينا أن الأكثر من ذلك سبع ، وقال الماوردي : الزيادة على السبع سرف ، وقال ابن المنذر : بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء ، فلا أحب الزيادة على ذلك . قوله : " إن رأيتن ذلك " قال الطيبي بكسر الكاف خطاب لأم عطية ، ورأيت بمعنى الرأي ، يعني أن احتجتن إلى أكثر من ثلاث ، أو خمس للإنقاء لا للتشهي فلتفعلن . قلت : كسر الكاف في ذلك الثاني لا في الأول ، فإن بعضهم نقل ذلك عن الطيبي ، ولكنه غلط فيه ، وذكره في ذلك الأول ، وليس كذلك على ما يخفى ، وقال ابن المنذر : إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور ، وهو الإيتار ، وحكى ابن التين عن بعضهم قال : يحتمل قوله : " إن رأيتن " أن يرجع إلى الأعداد المذكورة ، ويحتمل أن يكون معناه : إن رأيتن أن تفعلن ذلك ، وإلا فالاتقاء يكفي . قوله : " بماء وسدر " الباء تتعلق بقوله : " اغسلنها " قال الطيبي ناقلا عن المطهر : قوله : " بماء وسدر " لا يقتضي استعمال السدر في جميع الغسلات ، والمستحب استعماله في الكرة الأولى ؛ ليزيل الأقذار ، ويمنع من تسارع الفساد ، وقال ابن العربي : قوله : " بماء وسدر " أصل في جواز التطهر بالماء المضاف إذا لم يسلب الإطلاق ، وقال ابن التين قوله : " بماء وسدر " هو السنة في ذلك ، والخطمي مثله ، فإن عدم فما يقوم مقامه كالأشنان والنطرون ، ولا معنى لطرح ورق السدر في الماء كما تفعل العامة ، وأنكرها أحمد ، ولم يعجبه ، ومثله من قال : يحك الميت بالسدر ، ويصب عليه الماء ، فتحصل طهارته بالماء ، وعن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية فيغسل بالماء والسدر مرتين ، والثالثة بالماء والكافور . ومنهم من ذهب إلى أن الغسلات كلها بالماء والسدر ، وهو قول أحمد ولما غسلوا النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم غسلوه بماء وسدر ثلاث مرات في كلهن . ذكره أبو عمر . قوله : " واجعلن في الآخرة " ، أي في المرة الآخرة ، ويروى " الأخيرة " . قوله : " كافورا " ، والحكمة فيه أن الجسم يتصلب به ، وتنفر الهوام من رائحته ، وفيه إكرام الملائكة وخصه صاحب المذهب بالثالثة والجرجاني بالثانية وهما غريبان ، وقال صاحب التوضيح : وانفرد أبو حنيفة ، فقال : لا يستحب الكافور والسنة قاضية عليه . قلت : لم يقل أبو حنيفة هذا أصلا ، وقد بينا فيما مضى مذهبه ، وقال أيضا : يستحب عندنا أن يجعل في كل غسلة قليل كافور . قوله : " أو شيئا من كافور " شك من الراوي ، أي اللفظين قال وقوله : " شيئا " نكرة في سياق الإثبات ، فيصدق بكل شيء منه ، وهل يقوم المسك مقام الكافور ؟ قال بعضهم : إن نظر إلى مجرد التطيب نعم ، وإلا فلا . قلت : ليس كذلك بل ينظر إن كان يوجد فيه ما ذكره من الأمور في الكافور ينبغي أن يقوم ، وإلا فلا ، إلا عند الضرورة ، فيقوم غيره مقامه . قوله : " آذنني " بتشديد النون الأولى قاله الكرماني ، ولم يبين وجهه . قلت : هذا أمر لجماعة الإناث من آذن يؤذن إيذانا إذا علم . قوله : " فلما فرغنا " هكذا هو بصيغة الماضي لجماعة المتكلمين ، وفي رواية الأصيلي : " فلما فرغن " بصيغة الماضي للجمع المؤنث ، وقال بعضهم : " فلما فرغنا " للأكثر بصيغة الخطاب من الحاضر ، وللأصيلي : " فلما فرغن بصيغة الغائب . قلت : هذا القائل لم يمس شيئا من علم التصريف ، ولا يخفى فساد تصرفه . قوله : " حقوه " بفتح الحاء المهملة وسكون القاف ، وفي المحكم : الحقو والحقو يعني بالفتح والكسر ، والحقوة والحقا كله الإزار كأنه سمي بما يلاث عليه ، والجمع أحق وأحقاء وحقي وحقاء ، وقد فسره في المتن بقوله تعني إزاره يعني إزار النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال بعضهم : الحقو في الأصل معقد الإزار ، وأطلق على الإزار مجازا ، " وفي رواية ابن عوف عن محمد بن سيرين بلفظ فنزع من حقوه إزاره " . والحقو في هذا على حقيقته . قلت : إن كان أخذا من موضع كان يتعين عليه أن يبين مأخذه ، وإن كان هذا تصرفا من عنده فهو غير صحيح ، ولم يقل أحد : إن الحقو في موضع مجاز ، وفي موضع حقيقة ، بل هو في الموضعين حقيقة ؛ لأنه مشترك بين المعنيين والمشترك حقيقة في المعنيين والثلاثة وأكثر ، والدليل على ذلك أن الجوهري قال : الحقو الإزار ، وثلاثة أحق ، ثم قال : والحقو أيضا الخصر ومشد الإزار . قوله : " أشعرنها إياه " . أمر من الإشعار ، وهو إلباس الثوب الذي يلي بشرة الإنسان ، أي اجعلن هذا الإزار شعارها ، وسمي شعارا لأنه يلي شعر الجسد ، والدثار ما فوق الجسد والحكمة فيه التبرك بآثاره الشريفة ، وإنما أخره إلى فراغهن من الغسل ، ولم يناولهن إياه أولا ليكون قريب العهد من جسده الشريف صلى الله تعالى عليه وسلم حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل ، وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين ، واختلف في صفة إشعارها إياه . فقيل : يجعل لها مئزرا ، وقيل : تلف فيه . ذكر ما يستفاد منه فيه : استحباب استعمال السدر والكافور في حق الميت ، وفيه دليل على جواز استعمال المسك وكل ما شابهه من الطيب ، وأجاز المسك أكثر العلماء ، وأمر علي رضي الله تعالى عنه به في حنوطه ، وقال : هو من فضل حنوط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، واستعمله أنس وابن عمر وسعيد بن المسيب ، وكرهه عمر وعطاء والحسن ومجاهد ، وقال عطاء والحسن أنه ميتة ، وفي استعمال الشارع له في حنوطه حجة عليهم ، وقال أصحابنا : المسك حلال للرجال والنساء ، وفيه ما يدل على أن النساء أحق بغسل المرأة من الزوج ، وبه قال الحسن والثوري والشعبي وأبو حنيفة والجمهور على خلافه ، وهو قول الثلاثة والأوزاعي وإسحاق ، وفي التوضيح : وقد وصت فاطمة رضي الله تعالى عنها زوجها عليا رضي الله تعالى عنه بذلك ، وكان بحضرة الصحابة ، ولم ينكر أحد ، فصار إجماعا . قلت : وفيه نظر ؛ لأن صاحب المبسوط والمحيط والبدائع وآخرون قالوا : إن ابن مسعود سئل عن فعل علي رضي الله تعالى عنه في ذلك ، فقال : إنها زوجته في الدنيا والآخرة ، وعنى بذلك أن الزوجية باقية بينهما لم تنقطع ، وفيه نظر ؛ لأنه لو بقيت الزوجية بينهما لما تزوج أمامة بنت زينب بعد موت فاطمة رضي الله تعالى عنها ، وقد مات عن أربع حرائر ووصية فاطمة عليا بغسلها رواه البيهقي وابن الجوزي ، وفي إسناده عبد الله بن نافع ، قال يحيى : ليس بشيء ، وقال النسائي : متروك والبيهقي رواه في سننه الكبير ، وسكت وظن أنه يخفى ، وأما المرأة إذا غسلت زوجها ، وهي معتدة فهو جائز ، له لأنها في العدة ، وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل .