28 - باب مَنْ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ 1277 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا ، أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ ؟ قَالُوا : الشَّمْلَةُ . قَالَ : نَعَمْ قَالَتْ : نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا فَخَرَجَ إِلَيْنَا ، وَإِنَّهَا إِزَارُهُ ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ فَقَالَ : اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا قَالَ الْقَوْمُ : مَا أَحْسَنْتَ ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهَا ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي قَالَ سَهْلٌ : فَكَانَتْ كَفَنَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنِ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ) ضُبِطَ فِي رِوَايَتِنَا بِفَتْحِ الْكَافِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، وَحُكِيَ الْكَسْرُ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ الْإِنْكَارِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَكَى الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ ، عَنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : فَلَمْ يُنْكِرْهُ ؛ بِهَاءٍ ، بَدَلَ : عَلَيْهِ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الَّتِي بِالْكَسْرِ ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ التَّرْجَمَةَ بِذَلِكَ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي وَقَعَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ عَلَى الصَّحَابِيِّ فِي طَلَبِ الْبُرْدَةِ ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِعُذْرِهِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ تَحْصِيلِ مَا لَا بُدَّ لِلْمَيِّتِ مِنْهُ مِنْ كَفَنٍ وَنَحْوِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ . وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ حَفْرُ الْقَبْرِ ؟ فِيهِ بَحْثٌ سَيَأْتِي . قَوْلُهُ : ( إِنَّ امْرَأَةً ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا . قَوْلُهُ : ( فِيهَا حَاشِيَتُهَا ) قَالَ الدَّاوُدِيُّ : يَعْنِي أَنَّهَا لَمْ تُقْطَعْ مِنْ ثَوْبٍ ، فَتَكُونُ بِلَا حَاشِيَةٍ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : حَاشِيَةُ الثَّوْبِ هُدْبَهُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّهَا جَدِيدَةٌ لَمْ يُقْطَعْ هُدْبُهَا ، وَلَمْ تُلْبَسْ بَعْدُ ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : حَاشِيَتَا الثَّوْبِ نَاحِيَتَاهُ اللَّتَانِ فِي طَرَفِهِمَا الْهُدْبُ . قَوْلُهُ : ( أَتَدْرُونَ ) هُوَ مَقُولُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، بَيَّنَهُ أَبُو غَسَّانَ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ ، وَلَفْظُهُ : فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ : أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ ؟ قَالُوا : الشَّمْلَةُ . انْتَهَى . وَفِي تَفْسِيرِ الْبُرْدَةِ بِالشَّمْلَةِ تَجَوُّزٌ ، لِأَنَّ الْبُرْدَةَ كِسَاءٌ ، وَالشَّمْلَةُ مَا يُشْتَمَلُ بِهِ ، فَهِيَ أَعَمُّ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ اشْتِمَالِهِمْ بِهَا أَطْلَقُوا عَلَيْهَا اسْمَهَا . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ) كَأَنَّهُمْ عَرَفُوا ذَلِكَ بِقَرِينَةِ حَالٍ أَوْ تَقَدُّمِ قَوْلٍ صَرِيحٍ . قَوْلُهُ : ( فَخَرَجَ إِلَيْنَا ، وَإِنَّهَا إِزَارُهُ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ : فَخَرَجَ إِلَيْنَا فِيهَا ، وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ : فَاتَّزَرَ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ . قَوْلُهُ : ( فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ ، فَقَالَ : اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا ) كَذَا فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ هُنَا بِالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنَ التَّحْسِينِ . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ : فَجَسَّهَا بِالْجِيمِ بِغَيْرِ نُونٍ . وَكَذَا لِلطَّبَرَانِيِّ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، وَقَوْلُهُ : فُلَانٌ أَفَادَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ أَنَّهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، وَعَزَاهُ لِلطَّبَرَانِيِّ وَلَمْ أَرَهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لَا فِي مُسْنَدِ سَهْلٍ ، وَلَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ . وَنَقَلَهُ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ ، عَنِ الْمُحِبِّ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ ، وَكَذَا قَالَ لَنَا شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الْهَيْتَمِيُّ : إِنَّهُ وَقَفَ عَلَيْهِ ، لَكِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَكَانَهُ . وَوَقَعَ لِشَيْخِنَا ابْنِ الْمُلَقِّنِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ أَنَّهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ ، وَهُوَ غَلَطٌ ، فَكَأَنَّهُ الْتَبَسَ عَلَى شَيْخِنَا اسْمُ الْقَائِلِ بِاسْمِ الرَّاوِي ، نَعَمْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ : قَالَ قُتَيْبَةُ : هُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ . انْتَهَى . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي اللِّبَاسِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الزِّينَةِ عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَلَمْ يَذْكُرَا عَنْهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَقَالَ فِيهِ : فَجَاءَ فُلَانٌ ، رَجُلٌ سَمَّاهُ يَوْمَئِذٍ . وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّاوِي كَانَ رُبَّمَا سَمَّاهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ السَّائِلَ الْمَذْكُورَ أَعْرَابِيٌّ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ زَمْعَةُ ضَعِيفًا لَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَوْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ، أَوْ يُقَالَ تَعَدَّدَتِ الْقِصَّةُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بُعْدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( مَا أَحْسَنَهَا ) بِنَصْبِ النُّونِ ، وَمَا لِلتَّعَجُّبِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، قَالَ : نَعَمْ . فَلَمَّا دَخَلَ طَوَاهَا ، وَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ ، وَهُوَ لِلْمُصَنِّفِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِلَفْظِ فَقَالَ : نَعَمْ . فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِي الْمَجْلِسِ ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ الْقَوْمُ : مَا أَحْسَنْتَ ) مَا : نَافِيَةٌ ، وَقَدْ وَقَعَتْ تَسْمِيَةُ الْمُعَاتِبِ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ الْمَذْكُورَةِ وَلَفْظُهُ ، قَالَ سَهْلٌ : فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ : لِمَ سَأَلْتَهُ ، وَقَدْ رَأَيْتَ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا ؟ فَقَالَ : رَأَيْتُ مَا رَأَيْتُمْ ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُخَبِّأَهَا حَتَّى أُكَفَّنَ فِيهَا . قَوْلُهُ : ( إِنَّهُ لَا يَرُدُّ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا بِحَذْفِ الْمَفْعُولِ ، وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ : لَا يَرُدُّ سَائِلًا وَنَحْوُهُ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ فِي الْبُيُوعِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ فِي الْأَدَبِ : لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعُهُ . قَوْلُهُ : ( مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبِسَهَا ) فِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ : فَقَالَ رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَفَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةِ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ غَيْرُهَا ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَفْرُغَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسِعَةُ جُودِهِ ، وَقَبُولُهُ الْهَدِيَّةَ ، وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمُهَلَّبُ جَوَازَ تَرْكِ مُكَافَأَةِ الْفَقِيرِ عَلَى هَدِيَّتِهِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْمُكَافَأَةَ كَانَتْ عَادَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَمِرَّةً ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ السُّكُوتِ عَنْهَا هُنَا أَنْ لَا يَكُونَ فَعَلَهَا ، بَلْ لَيْسَ فِي سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ الْجَزْمُ بِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ هَدِيَّةً فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَرَضَتْهَا عَلَيْهِ لِيَشْتَرِيَهَا مِنْهَا ، قَالَ : وَفِيهِ جَوَازُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَرَائِنِ وَلَوْ تَجَرَّدَتْ لِقَوْلِهِمْ : فَأَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ سَبَقَ لَهُمْ مِنْهُ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ . قَالَ : وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الْمَصْنُوعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَانِعِهِ إِذَا كَانَ مَاهِرًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِنِسْبَتِهِ إِلَيْهَا إِزَالَةَ مَا يُخْشَى مِنَ التَّدْلِيسِ . وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِحْسَانِ الْإِنْسَانِ مَا يَرَاهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا ، إِمَّا لِيُعَرِّفَهُ قَدْرَهَا ، وَإِمَّا لِيُعَرِّضَ لَهُ بِطَلَبِهِ مِنْهُ حَيْثُ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْإِنْكَارِ عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْأَدَبِ ظَاهِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الْمُنْكَرُ دَرَجَةَ التَّحْرِيمِ . وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ . وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ : فِيهِ جَوَازُ إِعْدَادِ الشَّيْءِ قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ ، قَالَ : وَقَدْ حَفَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّالِحِينَ قُبُورَهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ . وَتَعَقَّبَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، قَالَ : وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَكَثُرَ فِيهِمْ . وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : يَنْبَغِي لِمَنِ اسْتَعَدَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْصِيلِهِ مِنْ جِهَةٍ يَثِقُ بِحِلِّهَا ، أَوْ مِنْ أَثَرِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ الصَّلَاحَ وَالْبَرَكَةَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ اسْتَعَدَّ الْكَفَنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْه · ص 170 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه · ص 61 باب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه أي هذا باب في بيان من استعد الكفن ، أي أعده وليست السين للطلب . قوله : فلم ينكر عليه على صيغة المجهول ، ويروى على صيغة المعلوم ، ويكون الفاعل هو النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل : يروى : فلم ينكره بها ، أي فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل الذي طلب البردة التي أهديت إليه ، وكان طلبه إياها منه صلى الله عليه وسلم لأجل أن يكفن فيها ، وكانت الصحابة أنكروا عليه ، فلما قال : : إنما طلبتها لأكفن فيها أعذروه ، فلم ينكروا ذلك عليه ، وأشار البخاري بهذه الترجمة إلى تلك القضية ، واستفيد من ذلك جواز تحصيل ما لا بد للميت منه من كفن ونحوه في حال حياته ؛ لأن أفضل ما ينظر فيه الرجل في الوقت المهمل وفسحة الأجل الاعتداد للمعاد ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : : أفضل المؤمنين إيمانا أكثرهم للموت ذكرا وأحسنهم له استعدادا ، وقال الضميري : لا يستحب الإنسان أن يعد لنفسه كفنا لئلا يحاسب عليه ، وهو صحيح إلا إذا كان من جهة يقطع بحلها ، أو من أثر أهل الخير والصلحاء ؛ فإنه حسن ، وهل يلحق بذلك حفر القبر في حياته ، فقال ابن بطال : قد حفر جماعة من الصالحين قبورهم قبل الموت بأيديهم ؛ ليتمثلوا حلول الموت فيه . ورد عليه بعضهم بأن ذلك لم يقع من أحد من الصحابة ، ولو كان مستحبا لكثر فيهم . قلت : لا يلزم من عدم وقوعه من أحد من الصحابة عدم جوازه ؛ لأن ما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن ، ولا سيما إذا فعله قوم من الصلحاء الأخيار . 39 - حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : حدثنا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل رضي الله عنه أن امرأة جاءت النبي صلى الله عليه وسلم ببردة منسوجة فيها حاشيتها ، أتدرون ما البردة ؟ قالوا : الشملة ، قال : نعم ، قالت : نسجتها بيدي ، فجئت لأكسوكها ، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ، فخرج إلينا ، وإنها إزاره ، فحسنها فلان ، فقال : اكسنيها ما أحسنها ، قال القوم : ما أحسنت ، لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ثم سألته ، وعلمت أنه لا يرد ، قال : إني والله ما سألته لألبسها ، إنما سألته لتكون كفني ، قال سهل : فكانت كفنه . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن الرجل الذي سأل تلك البردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنكرت الصحابة عليه سؤاله ، قال : : سألته لتكون تلك البردة كفني ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم إياها ، واستعدها ليكفن فيها ، فكفن فيها ، وأخبر بذلك سهل حيث قال : فكانت كفنه . ذكر رجاله : وهم أربعة الأول عبد الله بن مسلمة القعنبي . الثاني : عبد العزيز بن أبي حازم . الثالث : أبوه أبو حازم سلمة بن دينار الأعرج القاضي من عباد أهل المدينة وزهادهم . الرابع : سهل بن سعد بن مالك الساعدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن رواته مدنيون غير أن عبد الله بن مسلمة سكن البصرة ، وهو من رباعيات البخاري . وأخرجه ابن ماجه أيضا في اللباس عن هشام بن عمار به . ذكر معناه : قوله : أن امرأة ، لم يعرف اسمها . قوله : ببردة ، هي كساء كانت العرب تلتحف به فيه خطوط ، ويجمع على برد كغرفة وغرف ، وقال ابن قرقول : هي النمرة . قوله : حاشيتها ، مرفوع بقوله : منسوجة ، واسم المفعول يعمل عمل فعله كاسم الفاعل قاله الداودي يعني أنها لم تقطع من ثوب فتكون بلا حاشية . وقيل : حاشية الثوب هدبه ، فكأنه أراد أنها جديدة لم تقطع هدبها ، ولم تلبس بعد ، وقال القزاز : حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفيهما الهدب ، قال الجوهري : الحاشية واحدة حواشي الثوب ، وهي جوانبه . قوله : تدرون ، ويروى : أتدرون بهمزة الاستفهام ، ويروى: هل تدرون وعلى كل حال هذه الجملة قول سهيل بن سعد بينه أبو غسان عن أبي حازم ، كما أخرجه البخاري في الأدب ، ولفظه: فقال سهل للقوم أتدرون ما البردة قالوا الشملة . انتهى . والشملة كساء يشتمل به ، وهي أعم لكن لما كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها قوله: تدرون إلى قوله : قالت : نسجتها جمل معترضة في كلام المرأة المذكورة قوله: فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ، أي حال كونه محتاجا إلى تلك البردة ، ويروى: محتاج إليها بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي أخذها ، وهو محتاج إليها ، وإن شئت تقول وهو محتاج إليها ، وقد علم أن الجملة الاسمية إذا وقعت حالا يجوز فيها الأمران الواو وتركها . فإن قلت : من أين عرفوا احتياج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك . قلت : يمكن أن يكون ذلك بصريح القول من النبي صلى الله عليه وسلم ، أو بقرينة حالية دلت على ذلك . قوله : فخرج إلينا وإنها إزاره ، أي فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ، وإن البردة المذكورة إزاره ، يعني متزرا بها ، يدل على ذلك رواية الطبراني عن هشام بن سعد عن أبي حازم : فاتزر بها ثم خرج ، وفي رواية ابن ماجه عن هشام بن عمار عن عبد العزيز: فخرج إلينا فيها ، قوله : فحسنها فلان ، أي نسبها إلى الحسن وهو ماض من التحسين في الروايات كلها ، وفي رواية للبخاري في اللباس من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم: فجسها بالجيم وتشديد السين بغير نون ، وكذا وقع في رواية الطبراني من طريق أخرى عن ابن أبي حازم . وقال المحب الطبري : فلان هو عبد الرحمن بن عوف ، وفي الطبراني عن قتيبة هو سعد بن أبي وقاص ، وقد أخرج البخاري في اللباس والنسائي في الزينة عن قتيبة ، ولم يذكرا ذلك عنه ، وفي رواية ابن ماجه : فجاء فلان ابن فلان رجل سماه يومئذ ، وهذا يدل على أن الراوي سماه ونسبه ، وفي رواية أخرى للطبراني أن السائل المذكور أعرابي ، ولكن في سنده زمعة بن صالح وهو ضعيف . قوله: ما أحسنها ، كلمة ما هنا للتعجب ، وهو بنصب النون ، وفي رواية ابن ماجه : : فقال : يا رسول الله ما أحسن هذه البردة اكسنيها ، قال : نعم فلما دخل طواها وأرسل بها إليه ، قوله : ما أحسنت كلمة ما هنا نافية . قوله : لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجا إليها ، أي لبس البردة المذكورة النبي صلى الله عليه وسلم حال كونه محتاجا إليها ، وفي رواية ابن ماجه : والله ما أحسنت كساها النبي صلى الله عليه وسلم محتاج إليها ، أي وهو محتاج إليها . قوله : أنه لا يرد ، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلا ، وكذا وقع في رواية ابن ماجه بتصريح المفعول ونحوه وقع في رواية يعقوب في البيوع ، وفي رواية أبي غسان في الأدب : لا يسأل شيء فيمنعه ، أي يعطي كل من طلب ما يطلبه . قوله : ما سألته لألبسها ، أي ما سألت النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن ألبسها ، وأن المقدرة مصدرية ، وفي رواية أبي غسان : فقال رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية للطبراني عن زمعة بن صالح: أنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يصنع له غيرها فمات قبل أن تفرغ . ذكر ما يستفاد منه : فيه حسن خلق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وسعة جوده وقبوله الهدية قال المهلب : فيه جواز ترك مكافأة الفقير على هديته ، وفيه نظر ؛ لأن المكافأة كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة ؛ فلا يلزم من السكوت عنها هنا أن لا يكون فعلها على أنه ليس في الحديث الجزم يكون ذلك هدية لاحتمال عرضها إياها عليه لأجل الشراء ، ولئن سلمنا أنها كانت هدية فلا يلزم أن تكون المكافأة على الفور . قال : وفيه جواز الاعتماد على القرائن ، ولو تجردت لقولهم : فأخذها محتاجا إليها ، وفيه نظر أيضا لاحتمال سبق القول منه بذلك كما ذكرناه . قال : وفيه الترغيب في المصنوع بالنسبة إلى صانعه إذا كان ماهرا ، وفيه نظر أيضا لاحتمال إرادتها بنسبتها إليها إزالة ما يخشى من التدليس . وفيه جواز استحسان الإنسان ما يراه على غيره من الملابس إما ليعرفه قدرها ، وإما ليعرض له بطلبه منه حيث يسوغ له ذلك ، وفيه مشروعية الإنكار عند مخالفة الأدب ظاهرا ، وإن لم يبلغ المنكر درجة التحريم ، وفيه التبرك بآثار الصالحين ، وفيه جواز إعداد الشيء قبل وقت الحاجة إليه كما قد ذكرناه ، وفيه جواز المسألة بالمعروف ، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يرد سائلا . وفيه بركة ما لبسه مما يلي جسده ، وفيه قبول السلطان الهدية من الفقير ، وفيه جواز السؤال من السلطان ، وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعطي حتى لا يجد شيئا فيدخل بذلك في جملة المؤثرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .