94 - بَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ 1387 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : فِي كَمْ كَفَّنْتُمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ ، وَقَالَ لَهَا : فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ : يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، قَالَ : فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالَتْ : يَوْمُ الِاثْنَيْنِ قَالَ : أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ ، فَقَالَ : اغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ، فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا ، قُلْتُ : إِنَّ هَذَا خَلَقٌ ، قَالَ : إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : تَعَيُّنُ وَقْتِ الْمَوْتِ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ اخْتِيَارٌ ، لَكِنْ فِي التَّسَبُّبِ فِي حُصُولِهِ مَدْخَلٌ كَالرَّغْبَةِ إِلَى اللَّهِ لِقَصْدِ التَّبَرُّكِ ، فَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ الْإِجَابَةُ أُثِيبَ عَلَى اعْتِقَادِهِ . وَكَأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ الْمَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَافَقَ شَرْطَهُ ، وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا : مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ . وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ ، وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ عَائِشَةُ : دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ) تَعْنِي أَبَاهَا ، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : فَرَأَيْتُ بِهِ الْمَوْتَ ، فَقُلْتُ : هَيْجٌ هَيْجٌ مَنْ لَا يَزَالُ دَمْعُهُ مُقَنَّعًا فَإِنَّهُ فِي مَرَّةٍ مَدْفُوقُ فَقَالَ : لَا تَقُولِي هَذَا ، وَلَكِنْ قُولِي : وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ الْآيَةَ - ثُمَّ قَالَ - فِي أَيِّ يَوْمٍ . الْحَدِيثَ . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ مُفْرَدَةً عَنْ أَبِي سَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ . وَقَوْلُهَا : هَيْجٌ بِالْجِيمِ ، حِكَايَةَ بُكَائِهَا . قَوْلُهُ : ( فِي كَمْ كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ ) أَيْ : كَمْ ثَوْبًا كَفَّنْتُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ؟ وَقَوْلُهُ : فِي كَمْ مَعْمُولٌ مُقَدَّمٌ لِكَفَّنْتُمْ ، قِيلَ : ذَكَرَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ تَوْطِئَةً لَهَا لِلصَّبْرِ عَلَى فَقْدِهِ ، وَاسْتِنْطَاقًا لَهَا بِمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَعْظُمُ عَلَيْهَا ذِكْرُهُ ، لِمَا فِي بُدَاءَتِهِ لَهَا بِذَلِكَ مِنْ إِدْخَالِ الْغَمِّ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ نَسِيَ مَا سَأَلَ عَنْهُ مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَالُ عَنْ قَدْرِ الْكَفَنِ عَلَى حَقِيقَتِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ ذَلِكَ لِاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ الْبَيْعَةِ . وَأَمَّا تَعْيِينُ الْيَوْمِ فَنِسْيَانُهُ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ التَّرَدُّدُ : هَلْ مَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ أَوِ الثُّلَاثَاءِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْكَفَنِ فِي مَوْضِعِهِ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ) بِالنَّصْبِ أَيْ : فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، وَقَوْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ قُلْتُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ بِالرَّفْعِ أَيْ هَذَا يَوْمُ الِاثْنَيْنِ . قَوْلُهُ : ( أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي : اللَّيْلَةَ وَلِابْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ : أَوَّلُ بَدْءِ مَرَضِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا ، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَمَاتَ مَسَاءَ لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ . وَأَشَارَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ إِلَى أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَأَخُّرِ وَفَاتِهِ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ ذَلِكَ وَيُرَغِّبُ فِيهِ ؛ لِكَوْنِهِ قَامَ فِي الْأَمْرِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَاسَبَ أَنْ تَكُونَ وَفَاتُهُ مُتَأَخِّرَةً عَنِ الْوَقْتِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بِهِ رَدْعٌ ) بِسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ ، أَيْ : لَطْخٌ لَمْ يَعُمَّهُ كُلَّهُ . قَوْلُهُ : ( وَزِيدُوا عَلَيْهِ ثَوْبَيْنِ ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامٍ جَدِيدَيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَكَفِّنُونِي فِيهِمَا ) أَيِ : الْمَزِيدَ وَالْمَزِيدَ عَلَيْهِ ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ : فِيهَا أَيِ : الثَّلَاثَةَ . قَوْلُهُ : ( خَلَقٌ ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ ، أَيْ : غَيْرُ جَدِيدٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ : أَلَا نَجْعَلُهَا جُدُدًا كُلَّهَا ؟ قَالَ : لَا . وَظَاهِرُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَرَى عَدَمَ الْمُغَالَاةِ فِي الْأَكْفَانِ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا : لَا تُغَالُوا فِي الْكَفَنِ ؛ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَرِيعًا . وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْأَمْرِ بِتَحْسِينِ الْكَفَنِ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ؛ فَإِنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ التَّحْسِينِ عَلَى الصِّفَةِ ، وَحَمْلِ الْمُغَالَاةِ عَلَى الثَّمَنِ . وَقِيلَ : التَّحْسِينُ حَقُّ الْمَيِّتِ ، فَإِذَا أَوْصَى بِتَرْكِهِ اتُّبِعَ كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اخْتَارَ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنَ التَّبَرُّكِ بِهِ ، لِكَوْنِهِ صَارَ إِلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ جَاهَدَ فِيهِ أَوْ تَعَبَّدَ فِيهِ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ اللَّذَيْنِ كُنْتُ أُصَلِّي فِيهِمَا . قَوْلُهُ : ( إِنَّمَا هُوَ ) أَيِ : الْكَفَنُ . قَوْلُهُ : ( لِلْمُهْلَةِ ) قَالَ عِيَاضٌ : رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا . قُلْتُ : جَزَمَ بِهِ الْخَلِيلُ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : هُوَ بِالْكَسْرِ : الصَّدِيدُ ، وَبِالْفَتْحِ : التَّمَهُّلُ ، وَبِالضَّمِّ : عَكَرُ الزَّيْتِ . وَالْمُرَادُ هُنَا الصَّدِيدُ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا هُوَ أَيِ : الْجَدِيدُ ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُهْلَةِ عَلَى هَذَا التَّمَهُّلِ ، أَيْ إِنَّ الْجَدِيدَ لِمَنْ يُرِيدُ الْبَقَاءَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ : كُفِّنَ أَبُو بَكْرٍ فِي رَبْطَةٍ بَيْضَاءَ ، وَرَبْطَةٍ مُمَصَّرَةٍ ، وَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْفِهِ وَفِيهِ . أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ . وَلَهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : إِنَّمَا هُوَ لِلْمَهْلِ وَالتُّرَابِ . وَضَبَطَ الْأَصْمَعِيُّ هَذِهِ بِالْفَتْحِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْبِيضِ ، وَتَثْلِيثِ الْكَفَنِ ، وَطَلَبِ الْمُوَافَقَةِ فِيمَا وَقَعَ لِلْأَكَابِرِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ . وَفِيهِ جَوَازُ التَّكْفِينِ فِي الثِّيَابِ الْمَغْسُولَةِ ، وَإِيثَارِ الْحَيِّ بِالْجَدِيدِ ، وَالدَّفْنِ بِاللَّيْلِ ، وَفَضْلُ أَبِي بَكْرٍ ، وَصِحَّةُ فِرَاسَتِهِ ، وَثَبَاتُهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ . وَفِيهِ أَخْذُ الْمَرْءِ الْعِلْمَ عَمَّنْ دُونَهُ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : فِيهِ أَنَّ التَّكْفِينَ فِي الثَّوْبِ الْجَدِيدِ وَالْخَلَقِ سَوَاءٌ . وَتُعُقِّبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ اخْتَارَهُ لِمَعْنًى فِيهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْن · ص 297 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب موت يوم الاثنين · ص 218 باب موت يوم الاثنين أي هذا باب في بيان فضل الموت يوم الاثنين . فإن قلت : ليس لأحد اختيار في تعيين وقت الموت ، فما وجه هذا ؟ قلت : له مدخل في التسبب في حصوله بأن يرغب إلى الله لقصد التبرك ، فإن أجيب فخير حصل وإلا يثاب على اعتقاده . 141 - حدثنا معلى بن أسد قال : حدثنا وهيب ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت على أبي بكر رضي الله عنه فقال : في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة . وقال لها : في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : يوم الاثنين . قال : فأي يوم هذا ؟ قالت : يوم الاثنين . قال : أرجو فيما بيني وبين الليل . فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران فقال : اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها . قلت : إن هذا خلق ! قال : إن الحي أحق بالجديد من الميت ، إنما هو للمهلة . فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء ، ودفن قبل أن يصبح . مطابقته للترجمة من حيث إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت وفاته يوم الاثنين ، فمن مات يوم الاثنين يرجى له الخير لموافقة يوم وفاته يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، فظهرت له مزية على غيره من الأيام بهذا الاعتبار . فإن قلت : روى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله تعالى فتنة القبر - قلت : هذا حديث انفرد بإخراجه الترمذي وقال : هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل ؛ لأن ربيعة بن سيف يرويه عن ابن عمر ولا يعرف له سماع منه ، فلذلك لم يذكره البخاري فاقتصر على ما وافق شرطه . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ووهيب - بالتصغير - هو ابن خالد البصري . ( ذكر معناه ) : قوله ( دخلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه ) ؛ تعني أباها . قوله ( في كم كفنتم النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ) ؛ أي في كم ثوبا كفنتم ، وكم الاستفهامية وإن كان لها صدر الكلام ولكن الجار كالجزء له فلا يتصدر عليه . فإن قلت : كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه أقرب الناس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعلمهم بحاله وأموره ، فما وجه هذا السؤال ؟ قلت : هذا السؤال من أبي بكر عن كفن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن اليوم الذي مات فيه والجواب عن عائشة رضي الله تعالى عنها كانا في مرض موته ، وكان قصده من ذلك موافقته للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى في التكفين ، وكان يرجو أيضا أن تكون وفاته في اليوم الذي مات فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك لشدة اتباعه إياه في حياته فأراد اتباعه في مماته ، وحصل قصده في التكفين ؛ لأن عائشة لما قالت كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب بيض سحولية أشار أبو بكر أن يكون كفنه أيضا في ثلاثة أثواب حيث قال اغسلوا ثوبي هذا - وأشار به إلى ثوبه الذي كان يمرض فيه - وزيدوا عليه ثوبين ليصير ثلاثة أثواب مثل كفن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما وفاته فقد تأخرت عن وقت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي يوم الاثنين وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة ، وذلك كان لحكمة في التأخير وهي أنه إنما تأخر عن يوم الاثنين لكونه قام بالأمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، فناسب أن تكون وفاته متأخرة عن الوقت الذي قبض فيه عليه الصلاة والسلام ، وقيل : إنما سأل أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن ذلك بصيغة الاستفهام توطئة لعائشة للصبر على فقده ؛ لأنه لم تكن خرجت من قلبها الحرقة لموت النبي صلى الله عليه وسلم ، ولو كان ذكر ابتداء من أمر موته لدخل عليها غم عظيم من ذلك وتجديد حزن لأنه كان يكون حينئذ غم على غم وحزن على حزن ، ولم يقصد أبو بكر ذلك . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون السؤال عن قدر الكفن على حقيقته ؛ لأنه لم يحضر ذلك لاشتغاله بأمر البيعة ، انتهى . قلت : ما أبعد هذا عن منهج الصواب ؛ لأنا قد ذكرنا أن السؤال والجواب إنما كانا في مرض موت أبي بكر رضي الله تعالى عنه لأجل الموافقة والاتباع ، وأين كان وقت اشتغاله بأمر البيعة من هذا الوقت الذي كان فيه مريضا مرض الموت ، ومن البعيد أن لا يحضر أبو بكر رضي الله تعالى عنه تكفين النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كونه أقرب الناس إليه في كل شيء ، ومع هذا كانت البيعة في اليوم الذي توفي فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يوم الاثنين والتكفين كان وقت دفنه ليلة الأربعاء ، قاله ابن إسحاق . فإن قلت : قال الواقدي : كانت البيعة يوم الاثنين - قلت : كانت يوم الاثنين يوم السقيفة ، وكانت البيعة العامة يوم الثلاثاء ، قاله الزهري وغيره . قوله ( بيض ) بكسر الباء الموحدة جمع أبيض . قوله ( سحولية ) بفتح السين المهملة نسبة إلى سحول قرية باليمن ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب الثياب البيض للكفن . قوله ( وقال لها ) ؛ أي قال أبو بكر لعائشة رضي الله تعالى عنها : في أي يوم توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال بعضهم : وأما تعيين اليوم فنسيانه أيضا يحتمل ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - دفن ليلة الأربعاء ، فيمكن أن يحصل التردد هل مات يوم الاثنين أو الثلاثاء ، انتهى . قلت : هذا أبعد من الأول ؛ لأنه كيف يخفى عليه ذلك وقد بويع له في ذلك اليوم بيعة السقيفة ؟ وأيضا كان ذلك اليوم يوم اختلاف الصحابة فيه في موته ، فمن قائل قال مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قائل قال لم يمت ومنهم عمر رضي الله تعالى عنه حتى خطب أبو بكر إلى جانب المنبر وبين لهم وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فأزال الجدال وأزاح الإشكال . وكيف يخفى عليه مثل ذلك اليوم مع قرب العهد ، وإنما كان وجه سؤاله ليعلمها أنه كان يتمنى أن تكون وفاته يوم الاثنين ، ولم يكن سؤاله عن حقيقة ذلك ، وإنما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها يوم الاثنين تطييبا لقلبه لما قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ . ويوم الاثنين منصوب على الظرفية . قوله ( قال : فأي يوم هذا ؟ ) ؛ أي قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : أي يوم هذا ؟ وأشار به إلى اليوم الذي كان مريضا فيه وكان آخر أيامه ، ولم يكن موته فيه لما ذكرنا . قوله ( قلت : يوم الاثنين ) برفع اليوم لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا اليوم يوم الاثنين . قوله ( أرجو فيما بيني وبين الليل ) ، وفي رواية المستملي وبين الليلة ، ومعناه : أرجو من الله تعالى أن يكون موتي فيما بين الوقت الذي أنا فيه وبين الليل الذي يأتي ؛ يعني يكون يوم الاثنين ليكون موته في يوم موت النبي صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا توفي ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء الآخرة لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة كما ذكرنا آنفا . وقيل : توفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه يوم الجمعة . وقيل : ليلة الجمعة . والأول أصح ، ولا خلاف أنه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - مات يوم الاثنين قبل أن ينشب النهار ومرض لاثنين وعشرين ليلة من صفر ، وبدأ وجعه عند وليدة له يقال لها ريحانة كانت من سبي اليهود ، وكان أول يوم مرض يوم السبت وتوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول لتمام عشر سنين من مقدمه - صلى الله عليه وسلم - المدينة . واختلفوا في سبب موت أبي بكر رضي الله تعالى عنه ؛ فقال سيف بن عمر إسناده عن ابن عمر قال : كان سبب مرض أبي بكر وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كمد ، فما زال جسمه يذوب حتى مات . وقيل : سم ، فقال ابن سعد بإسناده عن ابن شهاب : إن أبا بكر والحارث بن كلدة يأكلان خزيرة أهديت لأبي بكر ، فقال له الحارث : ارفع يدك يا خليفة رسول الله ، والله إن فيها السم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد عند انتهاء السنة . فماتا عند انقضائها ، ولم يزالا عليلين حتى ماتا ، والخزيرة أن يقطع اللحم ويذر عليه الدقيق . وقال الطبري : الذي سمته امرأة من اليهود في أرز ، وقيل : إن اليهود سمته في حسو . وقيل : اغتسل في يوم بارد فحم خمسة عشر يوما وتوفي ؛ حكاه الواقدي عن عائشة . وقيل : علق به سل قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يزل به حتى قتله ؛ حكاه عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . قوله ( ثم نظر ) ؛ أي أبو بكر إلى ثوب عليه ، أي ثوب كائن على بدنه . قوله ( كان يمرض فيه ) على صيغة المجهول من التمريض ، من مرضت فلانا - بالتشديد - إذا أقمت عليه بالتعهد والمداواة . قوله ( به ردع ) ؛ أي بهذا الثوب الذي عليه ردع - بفتح الراء وسكون الدال المهملة وفي آخره عين مهملة - وهو اللطخ والأثر ، وكلمة من في قوله من زعفران للبيان . قوله ( وزيدوا عليه ) ؛ أي على هذا الثوب . قوله ( فيهما ) ؛ أي في المزيد والمزيد عليه ، وقال ابن بطال : إن كانت الرواية فيها فالضمير عائد إلى الأثواب الثلاثة ، وإن كانت فيهما - يعني بالتثنية - فكأنهما جعلهما جنسين : الثوب الذي كان يمرض فيه جنسا ، والثوبين الآخرين جنسا ، فذكرهما بلفظ التثنية . وفي رواية أبي ذر فيها بإفراد الضمير . قوله ( قلت : إن هذا خلق ) ؛ أي قالت عائشة : إن هذا الثوب الذي عليه خلق - بفتح الخاء المعجمة واللام - أي بال عتيق . وفي رواية أبي معاوية عند ابن سعد : ألا تجعلها جددا كلها ؟ قال : لا . ويفهم من هذا أنه كان يرى عدم المغالاة في الأكفان ، ويؤيده قوله بعد ذلك : إن الحي أحق بالجديد ، إنما هو للمهلة - بضم الميم ، وهو القيح والصديد . ويحتمل أن يراد بالمهلة معناها المشهور ؛ أي الجديد لمن يرى المهلة في بقائه ، ويروى المهلة بكسر الميم . وقال ابن الأثير : فإنما هما للمهل والتراب ، ويروى للمهلة بضم الميم وكسرها وهو القيح والصديد الذي يذوب ، وقيل : من الجسد ، ومنه قيل للنحاس الذائب مهل . وقال ابن حبيب : المهلة بالكسر الصديد ، وبفتحها من التمهل ، وبضمها عكر الزيت الأسود المظلم ، ومنه قوله تعالى : يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وقال ابن دريد في هذا الحديث : إنها صديد الميت ، زعموا أن المهل ضرب من القطران . وروى أبو داود من حديث علي رضي الله تعالى عنه : لا تغالوا في الكفن ، فإنه يسلب سريعا . قوله ( لا تغالوا ) من المغالاة ، وهي مجاوزة العدد ، والمعنى : لا تبالغوا . قوله ( يسلب سريعا ) ؛ يعني يسلب الميت الكفن ، والمعنى : يبلى عليه ويقطع ولا يبقى ولا ينتفع به الميت . فإن قلت : يعارضه حديث جابر رضي الله تعالى عنه ، أخرجه مسلم عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه . ورواه الترمذي أيضا ، ولفظه : إذا وَلِيَ أحدكم أخاه فليحسن كفنه . وفي رواية الحارث بن أسامة وأحمد بن منيع : إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه ، فإنهم يبعثون في أكفانهم ويتزاورون في أكفانهم . وفي رواية أبي نصر عن جابر رضي الله تعالى عنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : أحسنوا أكفان موتاكم ، فإنهم يتباهون ويتزاورون . قلت : لا تعارض بينهما ؛ لأن المراد به ليس بالمغالاة في ثمنه ورقته ، وإنما المراد به كونه جديدا أبيض ، حكاه ابن المبارك عن سلام بن أبي مطيع ، وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين أنه كان يعجبه الكفن الصفيق ، ورُوي أيضا عن جعفر بن ميمون قال : كانوا يستحبون أن تكفن المرأة في غلاظ الثياب . ورُوي أيضا عن الحسن ومحمد أنه كان يعجبهما أن يكون الكفن كتانا ، ورُوي أيضا عن ابن الحنفية قال : ليس للميت من الكفن شيء ، إنما هو تكرمة الحي . وقيل في الجمع بينهما : يحمل التحسين على الصفة وتحمل المغالاة على الثمن . وقيل : التحسين حق الميت ، فإذا أوصى بتركه اتبع كما فعل الصديق رضي الله تعالى عنه ، ويحتمل أن يكون اختار ذلك الثوب بعينه لمعنى فيه من التبرك به لكونه كان جاهد فيه أو تعبد فيه ، ويؤيده ما رواه ابن سعد من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق : قال أبو بكر : كفنوني في ثوبي اللذين كنت أصلي فيهما . قلت : يحتمل وجها آخر وهو أن الثوب الذي اختاره كان وصل إليه من النبي صلى الله عليه وسلم ، فلذلك اختاره تبركا به وحق له هذا الاختيار . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه استحباب التكفين في الثياب البيض ، وفيه استحباب تثليث الكفن ، وفيه جواز التكفين في الثياب المغسولة ، وفيه إيثار الحي بالجديد ، وفيه جواز دفن الميت بالليل ، وفيه استحباب طلب الموافقة فيما وقع للأكابر تبركا بذلك ، وفيه أخذ المرء العلم عمن دونه ، وفيه فضل أبي بكر وصحة فراسته وثباته عند وفاته رضي الله تعالى عنه ، وفيه أن وصية الميت معتبرة في كفنه وغير ذلك من أمره إذا وافق صوابا فإن أوصى بسرف فعن مالك يكفن بالقصد ، فإن لم يوص لم ينقص عن ثلاثة أثواب من جنس لباسه في حياته ؛ لأن الزيادة عليها والنقص منها خروج به عن عادته ، ولا خلاف في جواز التكفين في خلق الثياب إذا كانت سالمة من القطع وساترة له . وقال أبو عمر : فيه أن التكفين في الثوب الجديد والخلق سواء . واعترض عليه باحتمال أن يكون أبو بكر اختاره لمعنى من المعاني التي ذكرناها آنفا ، وعلى تقدير أن لا يكون كذلك فلا دليل فيه على المساواة ، والله أعلم .