1406 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ سَمِعَ هُشَيْمًا ، أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ ، فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلكَ هَذَا ؟ قَالَ : كُنْتُ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفْتُ أَنَا وَمُعَاوِيَةُ فِي وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ مُعَاوِيَةُ : نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَقُلْتُ : نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ ، فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَشْكُونِي ، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنْ اقْدَمْ الْمَدِينَةَ ، فَقَدِمْتُهَا ، فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي قَبْلَ ذَلِكَ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ ، فَقَالَ لِي : إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا ، فَذَاكَ الَّذِي أَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ ، وَلَوْ أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ . ثَانِيَهَا حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ مَعَ مُعَاوِيَةَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيٌّ سَمِعَ هُشَيْمًا ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ مَشَايِخِهِ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي هَاشِمٍ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طِبْرَاخٍ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ ، وَوَقَعَ فِي أَطْرَافِ الْمِزِّيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيِّ ، وَهُوَ خَطَأٌ . قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ) هُوَ التَّابِعِيُّ الْكَبِيرُ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْمُخَضْرَمِينَ . قَوْلُهُ : ( بِالرَّبَذَةِ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُعْجَمَةِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، نَزَلَ بِهِ أَبُو ذَرٍّ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ وَمَاتَ بِهِ ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبَبُ نُزُولِهِ ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ عَنْ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مُبْغِضِي عُثْمَانَ كَانُوا يُشَنِّعُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَفَى أَبَا ذَرٍّ ، وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو ذَرٍّ أَنَّ نُزُولَهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ . نَعَمْ أَمَرَهُ عُثْمَانُ بِالتَّنَحِّي عَنِ الْمَدِينَةِ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي خَافَهَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ مَذْهَبِهِ الْمَذْكُورِ ، فَاخْتَارَ الرَّبَذَةَ ، وَقَدْ كَانَ يَغْدُو إِلَيْهَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ ، وَفِيهِ قِصَّةٌ لَهُ فِي التَّيَمُّمِ . وَرَوَيْنَا فِي فَوَائِدِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ جَذْلَمٍ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : دَخَلْتُ مَعَ أَبِي ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ ، فَحَسَرَ عَنْ رَأْسِهِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَنَا مِنْهُمْ يَعْنِي الْخَوَارِجَ . فَقَالَ . إِنَّمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْكَ لِتُجَاوِرَنَا بِالْمَدِينَةِ . فَقَالَ : لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ ، ائْذَنْ لِي بِالرَّبَذَةِ . قَالَ : نَعَمْ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ دُونَ آخِرِهِ ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ مَا أَنَا مِنْهُمْ : وَلَا أُدْرِكُهُمْ ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتنِي أَنْ أَقُومَ مَا قَعَدْتُ . وَفِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ : إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالُوا لِأَبِي ذَرٍّ وَهُوَ بِالرَّبَذَةِ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ فَعَلَ بِكَ وَفَعَلَ ، هَلْ أَنْتَ نَاصِبٌ لَنَا رَايَةً - يَعْنِي فَنُقَاتِلُهُ - فَقَالَ : لَا ، لَوْ أَنَّ عُثْمَانَ سَيَّرَنِي مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ . قَوْلُهُ : ( كُنْتُ بِالشَّامِ ) يَعْنِي بِدِمَشْقَ ، وَمُعَاوِيَةُ إِذْ ذَاكَ عَامِلُ عُثْمَانَ عَلَيْهَا . وَقَدْ بَيَّنَ السَّبَبَ فِي سُكْنَاهُ الشَّامَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ - أَيْ بِالْمَدِينَةِ - سَلْعًا فارْتَحِلْ إِلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبِنَاءُ سَلْعًا قَدِمْتُ الشَّامَ فَسَكَنْتُ بِهَا . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ . وَعِنْدَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : اسْتَأْذَنَ أَبُو ذَرٍّ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ : إِنَّهُ يُؤْذِينَا ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ : أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي مَنْ بَقِيَ عَلَى الْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدْتُهُ عَلَيْهِ ، وَأَنَا بَاقٍ عَلَى عَهْدِهِ . قَالَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِالشَّامِ . وَكَانَ يُحَدِّثُهُمْ وَيَقُولُ : لَا يَبِيتَنَّ عِنْدَ أَحَدِكُمْ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِلَّا مَا يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أَوْ يَعُدُّهُ لِغَرِيمٍ ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ : إِنْ كَانَ لَكَ بِالشَّامِ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمْ عَلَيَّ ، فَقَدِمَ . قَوْلُهُ : ( فِي وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ) سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ ، عَنْ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ : فَقَرَأْتُ : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . قَوْلُهُ : ( نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ) فِي رِوَايَةِ جَرِيرٍ مَا هَذِهِ فِينَا . قَوْلُهُ : ( فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْنِي ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ : أَنَّهُمْ كَثُرُوا عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِ مِنَ الشَّامِ ، قَالَ : فَخَشِيَ عُثْمَانُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا خَشِيَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ . قَوْلُهُ : ( إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتُ ) فِي رِوَايَةِ الطَّبَرِيِّ : فَقَالَ لَهُ : تَنَحَّ قَرِيبًا . قَالَ : وَاللَّهِ لَنْ أَدَعَ مَا كُنْتُ أَقُولُهُ . وَكَذَا لِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ وَرْقَاءَ ، عَنْ حُصَيْنٍ بِلَفْظِ وَاللَّهِ لَا أَدَعُ مَا قُلْتُ . قَوْلُهُ : ( حَبَشِيًّا ) فِي رِوَايَةِ وَرْقَاءَ عَبْدًا حَبَشِيًّا وَلِأَحْمَدَ ، وَأَبِي يَعْلَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عَمِّهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْهُ ؟ أَيِ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ ، قَالَ : آتِي الشَّامَ . قَالَ : كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْهَا ؟ قَالَ : أَعُودُ إِلَيْهِ ، أَيِ الْمَسْجِدَ ، قَالَ : كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْهُ ؟ قَالَ : أَضْرِبُ بِسَيْفِي ، قَالَ : أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ ذَلِكَ وَأَقْرَبُ رُشْدًا ، قَالَ : تَسْمَعُ وَتُطِيعُ وَتَنْسَاقُ لَهُمْ حَيْثُ سَاقُوكَ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَهُ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ إِنْكَارَ أَبِي ذَرٍّ كَانَ عَلَى السَّلَاطِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْمَالَ لِأَنْفُسِهِمْ ، وَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي وَجْهِهِ . وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِالْإِبْطَالِ ، لِأَنَّ السَّلَاطِينَ حِينَئِذٍ كَانُوا مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَخُونُوا . قُلْتُ : لِقَوْلِهِ مَحْمَلٌ ، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ حِينَئِذٍ مَنْ يَفْعَلُهُ . وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ : أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ لِاتِّفَاقِ أَبِي ذَرٍّ ، وَمُعَاوِيَةَ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَفِيهِ مُلَاطَفَةُ الْأَئِمَّةِ لِلْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَجْسُرْ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ حَتَّى كَاتَبَ مَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ فِي أَمْرِهِ ، وَعُثْمَانُ لَمْ يَحْنَقْ عَلَى أَبِي ذَرٍّ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي تَأْوِيلِهِ ، وَفِيهِ التَّحْذِيرُ مِنَ الشِّقَاقِ وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الطَّاعَةِ لِأُولِي الْأَمْرِ ، وَأَمْرُ الْأَفْضَلِ بِطَاعَةِ الْمَفْضُولِ خَشْيَةَ الْمَفْسَدَةِ ، وَجَوَازُ الِاخْتِلَافِ فِي الِاجْتِهَادِ ، وَالْأَخْذُ بِالشِّدَّةِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى فِرَاقِ الْوَطَنِ ، وَتَقْدِيمِ دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ عَلَى جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ لِأَنَّ فِي بَقَاءِ أَبِي ذَرٍّ بِالْمَدِينَةِ مَصْلَحَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ بَثِّ عِلْمِهِ فِي طَالِبِ الْعِلْمِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَرَجَحَ عِنْدَ عُثْمَانَ دَفْعُ مَا يُتَوَقَّعُ مِنَ الْمَفْسَدَةِ مِنَ الْأَخْذِ بِمَذْهَبِهِ الشَّدِيدِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ مُجْتَهِدًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْز · ص 322 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما أدي زكاته فليس بكنز · ص 261 11 - ( حدثنا علي سمع هشيما قال : أخبرنا حصين ، عن زيد بن وهب قال : مررت بالربذة ، فإذا أنا بأبي ذر - رضي الله عنه - فقلت له : ما أنزلك منزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام ، فاختلفت أنا ومعاوية في : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ، قال معاوية : نزلت في أهل الكتاب ، فقلت : نزلت فينا وفيهم ، فكان بيني وبينه في ذاك ، وكتب إلى عثمان - رضي الله عنه - يشكوني ، فكتب إلي عثمان أن اقدم المدينة ، فقدمتها ، فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك ، فذكرت ذاك لعثمان ، فقال لي : إن شئت تنحيت فكنت قريبا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل ، ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت ) . مطابقته للترجمة من حيث إنها فيما أدى زكاته فليس بكنز ، ومفهوم الآية كذلك : إذا أدى زكاة الذهب والفضة لا يكون ما ملكه كنزا ، فلا يستحق الوعيد الذي يستحقه من يكنزه ولا يؤدي زكاته . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : علي بغير نسبة ، اختلف فيه فقيل : هو علي بن أبي هاشم عبيد الله بن الطبراخ بكسر الطاء المهملة وسكون الباء الموحدة وفي آخره خاء معجمة ، قال الجياني : نسبه أبو ذر ، عن المستملي ، فقال علي بن أبي هاشم . وقيل : هو أبو الحسن علي بن مسلم بن سعيد الطوسي ، نزيل بغداد ، وقال بعضهم : وقع في أطراف المزي ، عن علي بن عبد الله المديني ، وهو خطأ . ( قلت ) : هذه مجازفة في تخطئة مثل هذا الحافظ ، وقد قال الكلاباذي وابن طاهر : هو ابن المديني ، ذكره الطرقي . الثاني : هشيم بالتصغير ابن بشير بضم الباء الموحدة وفتح الشين المعجمة ابن القاسم بن دينار . الثالث : حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتيين عبد الرحمن السلمي ، يكنى أبا الهذيل ، مر في أواخر كتاب مواقيت الصلاة . الرابع : زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الجهني . الخامس : أبو ذر جندب بن جنادة . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد . وفيه : السماع . وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد . وفيه : العنعنة في موضع واحد . وفيه : القول سؤالا وجوابا . وفيه : أن شيخه غير مذكور بنسبته ، فإما بغدادي إن كان هو علي بن أبي هاشم ، وإما طوسي إن كان علي بن مسلم ، وإما مدني إن كان علي بن المديني . وفيه : سمع هشيما ، وهو بالألف ، وفي بعض النسخ : هشيم بدون الألف ، وهو اللغة الربيعية ، حيث يقفون على المنصوب المنون بالسكون ، فلا يحتاج الكاتب بلغتهم إلى الألف ، وهشيم واسطي ، وأصله من بلخ ، وحصين كوفي ، وزيد بن وهب من التابعين الكبار المخضرمين من قضاعة ، وهو أيضا كوفي . وفيه : رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن قتيبة ، عن جرير ، وأخرجه النسائي في التفسير ، عن محمد بن زنبور ، عن محمد بن فضيل . ( ذكر معناه ) : قوله : بالربذة بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة : موضع على ثلاثة مراحل من المدينة ، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - حماها لإبل الصدقة ، وقال السمعاني : هي قرية من قرى المدينة ، وقال الحازمي : من منازل الحاج بين السليلة والعمق ، قوله : فإذا أنا بأبي ذر كلمة إذا للمفاجأة ، والباء في أبي ذر للمصاحبة ، قوله : كنت بالشام ، أي : بدمشق ، قوله : نزلت في أهل الكتاب . وفي رواية جرير : ما هذه فينا قوله : فكان بيني وبينه في ذلك ، أي : كان نزاع بيني وبين معاوية فيمن نزل قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ الآية ، فمعاوية نظر إلى سياق الآية ، فإنها نزلت في الأحبار والرهبان الذين لا يؤتون الزكاة ، وأبو ذر - رضي الله تعالى عنه - نظر إلى عموم الآية ، وإن من لا يرى أداءها مع أنه يرى وجوبها يلحقه هذا الوعيد الشديد ، وكان معاوية في ذلك الوقت عامل عثمان على دمشق ، وقد بين سبب سكنى أبي ذر بدمشق ما رواه أبو يعلى من طرق أخرى ، عن زيد بن وهب ، حدثني أبو ذر قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : إذا بلغ البناء ، أي : بالمدينة سلعا فارتحل إلى الشام ، فلما بلغ البناء سلعا قدمت الشام فكنت بها فذكر الحديث نحوه ، وروى أبو يعلى أيضا بإسناد فيه ضعف ، عن ابن عباس قال : استأذن أبو ذر على عثمان ، فقال إنه يؤذينا ، فلما دخل قال له عثمان : أنت الذي تزعم أنك خير من أبي بكر ، قال : لا ، ولكن سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : إن أحبكم إلي وأقربكم مني من بقي على العهد الذي عاهدته عليه وأنا باق على عهده ، قال : فأمره أن يلحق بالشام فكان يحدثهم ، ويقول : لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله ، أو يعده لغريم ، فكتب معاوية إلى عثمان إن كان لك بالشام حاجة ، فابعث إلى أبي ذر ، فكتب إليه عثمان أن أقدم علي فقدم ، وقال ابن بطال : إنما كتب معاوية يشكو أبا ذر ؛ لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له ، وكان في جيشه ميل إلى أبي ذر ، فأقدمه عثمان خشية الفتنة ؛ لأنه كان رجلا لا يخاف في الله لومة لائم ، وقال المهلب : وكان هذا من توقير معاوية له إذ كتب فيه إلى السلطان الأعظم ؛ لأنه متى أخرجه كانت وصمة عليه قوله : أن أقدم بفتح الدال المهملة ، وبلفظ المضارع وبلفظ الأمر ، قوله : فكثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني . وفي رواية الطبري : أنهم كثروا عليه يسألونه ، عن سبب خروجه من الشام ، قال : فخشي عثمان على أهل المدينة خشية معاوية على أهل الشام ، وقال ابن بطال : ولما قدم أبو ذر المدينة اجتمع عليه الناس يسألونه عن القصة وما جرى بينه وبين معاوية ، فلما رأى أبو ذر ذلك ، خاف أن يعاتبه عثمان في ذلك ، فذكر له كثرة الناس وتعجبهم من حاله ، كأنهم لم يروه قط ، فقال له عثمان : إن كنت تخشى وقوع فتنة ، فاسكن مكانا قريبا من المدينة ، فنزل الربذة ، وهو معنى قوله : إن شئت تنحيت من التنحي ، وهو التباعد . وفي رواية الطبري : فقال له تنح قريبا ، قال : والله لن أدع ما كنت أقوله . وفي رواية ابن مردويه من طريق ورقاء ، عن حصين بلفظ : فوالله لا أدع ما قلت . قوله : ولو أمروا علي من التأمير ، قوله : حبشيا . وفي رواية ورقاء عبدا حبشيا أراد لو أمر الخليفة عبدا حبشيا لسمعت أمره وأطعت قوله ، وروى أحمد وأبو يعلى من طريق أبي حرب بن أبي الأسود ، عن عمه ، عن أبي ذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : كيف تصنع إذا أخرجت منه ، أي : من المسجد النبوي ، قال : آتي الشام ، قال : كيف تصنع إذا أخرجت منها ، قال : أعود إليه ، أي : إلى المسجد النبوي قال كيف تصنع إذا أخرجت منه ، قال : أضرب بسيفي ، قال : ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدا ، تسمع وتطيع ، وتنساق لهم حيث ساقوك . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : جواز الأخذ للإنسان بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه . وفيه : أنه يجوز للإمام أن يخرج من يتوقع ببقائه فتنة بين الناس . وفيه : ترك الخروج على الأئمة والانقياد لهم وإن كان الصواب في خلافهم . وفيه : جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يردوا أبا ذر ، عن مذهبه ولا قالوا إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك ؛ لأن أبا ذر نزع بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستشهد به ، وذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير ، وذلك حين أنكر على أبي هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم - : من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها ، وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باق إلى يوم القيامة لا يرتفع إلا بالإجماع . وفيه : ملاطفة الأئمة العلماء ، فإن معاوية لم يجسر على الإنكار على أبي ذر حتى كاتب من هو أعلى منه في أمر دينه . وفيه : أن عثمان لم يخف على أبي ذر مع كونه مخالفا له في تأويله .