18 - بَاب لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ ، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ ، وَقَالَ كَعْبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قُلْتُ : فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ 1426 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى ) أَوْرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ : خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ النَّفْيَ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ لِلْكَمَالِ لَا لِلْحَقِيقَةِ ، فَالْمَعْنَى لَا صَدَقَةَ كَامِلَةً إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ بِلَفْظِ : إِنَّمَا الصَّدَقَةُ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى لَفْظِ التَّرْجَمَةِ . وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ ، قَالَ : لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى . الْحَدِيثَ . وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَعْلِيقًا فِي الْوَصَايَا ، وَسَاقَهُ مُغَلْطَايْ بِإِسْنَادٍ لَهُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي سَاقَهُ مِنْهُ ، فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ وَلَا بِمَنْ تَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى آخِرِ التَّرْجَمَةِ ) كَأَنَّهُ أَرَادَ تَفْسِيرَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ شَرْطَ الْمُتَصَدِّقِ أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَاجًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ . وَيَلْتَحِقُ بِالتَّصَدُّقِ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَهُوَ رَدٌّ عَلَيْهِ فَمُقْتَضَاهُ أَنَّ ذَا الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ لَا يَصِحُّ مِنْهُ التَّبَرُّعُ ، لَكِنَّ مَحِلَّ هَذَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ إِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ بِالْفَلَسِ ، وَقَدْ نَقَلَ فِيهِ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ ، فَيُحْمَلُ إِطْلَاقُ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ . وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَّقَهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ . فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ ، وَكَلَامُ ابْنِ التِّينِ يُوهِمُ أَنَّهُ بَقِيَّةُ الْحَدِيثِ فَلَا يُغْتَرَّ بِهِ ، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يَخُصَّ بِهِ عُمُومَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُخْتَصُّ بِالْمُحْتَاجِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْمُحْتَاجِ أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ أَوْ صَاحِبُ الدَّيْنِ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ . وَيُقَوِّي الْأَوَّلَ التَّمْثِيلُ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَالْأَنْصَارِ ، قَالَ ابنُ بَطَّالٍ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمِدْيَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ وَيَتْرُكَ قَضَاءَ الدَّيْنِ ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى الْمُحْتَاجِ . وَحَكَى ابْنُ رَشِيدٍ ، عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِي الْمِدْيَانِ فِيمَا إِذَا عَامَلَهُ الْغُرَمَاءُ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَالِ فَلَوْ آثَرَ بِقُوتِهِ وَكَانَ صَبُورًا جَازَ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِلَّا كَانَ إِيثَارُهُ سَبَبًا فِي أَنْ يَرْجِعَ لِاحْتِيَاجِهِ فَيَأْكُلَ فَيُتْلِفَ أَمْوَالَهُمْ فَيُمْنَعَ . وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدِ اشْتَمَلَتِ التَّرْجَمَةُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ مُعَلَّقَةٍ ، وَفِي الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ مَوْصُولَةٍ . فَأَمَّا الْمُعَلَّقَةُ فَأَوَّلَهَا قَوْلُهُ : وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي الِاسْتِقْرَاضِ . ثَانِيهَا قَوْلُهُ : كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ . هَذَا مَشْهُورٌ فِي السِّيَرِ ، وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَصَدَّقَ ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ : الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا ، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ قَالَ : أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . الْحَدِيثُ تَفَرَّدَ بِهِ هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدٍ ، وَهِشَامٌ صَدُوقٌ فِيهِ مَقَالٌ مِنْ جِهَةِ حِفْظِهِ . قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ : قَالَ الْجُمْهُورُ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فِي صِحَّةِ بَدَنِهِ وَعَقْلِهِ حَيْثُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَكَانَ صَبُورًا عَلَى الْإِضَاقَةِ ، وَلَا عِيَالَ لَهُ أَوْ لَهُ عِيَالٌ يَصْبِرُونَ أَيْضًا فَهُوَ جَائِزٌ ، فَإِنْ فُقِدَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ كُرِهَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَرْدُودٌ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ حَيْثُ رَدَّ عَلَى غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ قِسْمَةَ مَالِهِ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِقِصَّةِ الْمُدَبَّرِ الْآتِي ذِكْرُهُ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَهُ وَأَرْسَلَ ثَمَنَهُ إِلَى الَّذِي دَبَّرَهُ لِكَوْنِهِ كَانَ مُحْتَاجًا . وَقَالَ آخَرُونَ : يَجُوزُ مِنَ الثُّلْثِ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ الثُّلْثَانِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَمَكْحُولٍ . وَعَنْ مَكْحُولٍ أَيْضًا يُرَدُّ مَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَالصَّوَابُ عِنْدنَا الْأَوَّلُ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازِ ، وَالْمُخْتَارُ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِحْبَابِ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِنَ الثُّلْثِ جَمْعًا بَيْنَ قِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَحَدِيثِ كَعْبٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثَالِثُهَا قَوْلُهُ : وَكَذَلِكَ آثَرَ الْأَنْصَارُ الْمُهَاجِرِينَ هُوَ مَشْهُورٌ أَيْضًا فِي السِّيَرِ ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ : مِنْهَا حَدِيثُ أَنَسٍ : قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ ، فَقَاسَمَهُمُ الْأَنْصَارُ . وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الْهِبَةِ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي آثَرَ ضَيْفَهُ بِعَشَائِهِ وَعَشَاءِ أَهْلِهِ ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحَشْرِ . رَابِعُهَا قَوْلُهُ : وَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ . هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِتَمَامِهِ فِي آخِرِ صِفَةِ الصَّلَاةِ . خَامِسُهَا قَوْلُهُ : وَقَالَ كَعْبٌ . يَعْنِي ابْنَ مَالِكٍ إِلَخْ ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي قِصَّةِ تَوْبَتِهِ ، وَسَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ التَّوْبَةِ . وَأَمَّا الْمَوْصُولَةُ فَأَوَّلُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ : خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى . فَعَبْدُ اللَّهِ الْمَذْكُورُ فِي الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَيُونُسُ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ . وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا وَقَعَ مِنْ غَيْرِ مُحْتَاجٍ إِلَى مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَفْظُ الظَّهْرِ يَرِدُ فِي مِثْلِ هَذَا إِشْبَاعًا لِلْكَلَامِ ، وَالْمَعْنَى أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا أَخْرَجَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبْقِيَ مِنْهُ قَدْرَ الْكِفَايَةِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْدَهُ : وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ . وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : الْمُرَادُ غِنًى يَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى النَّوَائِبِ الَّتِي تَنُوبُهُ . وَنَحْوُهُ قَوْلُهُمْ : رَكِبَ مَتْنَ السَّلَامَةِ . وَالتَّنْكِيرُ فِي قَوْلِهِ : غِنًى لِلتَّعْظِيمِ ، هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَغْنَيْتَ بِهِ مَنْ أَعْطَيْتَهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ ، وَقِيلَ : عَنْ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالظَّهْرُ زَائِدٌ ، أَيْ : خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ سَبَبُهَا غِنًى فِي الْمُتَصَدِّقِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَذْهَبُنَا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ وَلَا لَهُ عِيَالٌ لَا يَصْبِرُونَ ، وَيَكُونُ هُوَ مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى الْإِضَاقَةِ وَالْفَقْرِ ، فَإِنْ لَمْ يَجْمَعْ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : يُرَدُّ عَلَى تَأْوِيلِ الْخَطَّابِيِّ بِالْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ الْمُؤْثِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ : أفَضْلُ الصَّدَقَةِ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ . وَالْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا وَقَعَ بَعْدَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ النَّفْسِ وَالْعِيَالِ بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ الْمُتَصَدِّقُ مُحْتَاجًا بَعْدَ صَدَقَتِهِ إِلَى أَحَدٍ ، فَمَعْنَى الْغِنَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُصُولُ مَا تُدْفَعُ بِهِ الْحَاجَةُ الضَّرُورِيَّةُ كَالْأَكْلِ عِنْدَ الْجُوعِ الْمُشَوِّشِ الَّذِي لَا صَبْرَ عَلَيْهِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَالْحَاجَةُ إِلَى مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ الْأَذَى ، وَمَا هَذَا سَبِيلُهُ فَلَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِهِ بَلْ يَحْرُمُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا آثَرَ غَيْرَهُ بِهِ أَدَّى إِلَى إِهْلَاكِ نَفْسِهِ أَوِ الْإِضْرَارِ بِهَا أَوْ كَشْفِ عَوْرَتِهِ ، فَمُرَاعَاةُ حَقِّهِ أَوْلَى عَلَى كُلِّ حَالٍ ، فَإِذَا سَقَطَتْ هَذِهِ الْوَاجِبَاتُ صَحَّ الْإِيثَارُ وَكَانَتْ صَدَقَتُهُ هِيَ الْأَفْضَلُ لِأَجْلِ مَا يَتَحَمَّلُ مِنْ مَضَضِ الْفَقْرِ وَشِدَّةِ مَشَقَّتِهِ ، فَبِهَذَا يَنْدَفِعُ التَّعَارُضُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ) فِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ ، لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهُ فِي النَّفَقَاتِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا صَدَقَةَ إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى · ص 345 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا صدقة إلا عن ظهر غنى · ص 292 ( باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى ) أي هذا باب ترجمته لا صدقة إلا عن ظهر غنى ، وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد ، عن أبي هريرة من طريق عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، قال : " لا صدقة إلا عن ظهر غنى " ، وكذا ذكره البخاري في الوصايا تعليقا ، ولفظ حديث الباب ، عن أبي هريرة بلفظ : " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى " قال الخطابي : الظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعا للكلام والنفي فيه للكمال لا للحقيقة ، والمعنى : لا صدقة كاملة إلا عن ظهر غنى والظهر مضاف إلى غنى ، وهو بكسر الغين مقصورا ضد الفقر ، قال ابن قرقول : ومنه خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ، أي : ما أبقت غنى ، قيل معناه : الصدقة بالفضل عن قوت عياله وحاجته ، وقال الخطابي : أفضل الصدقة ما أخرجه الإنسان من مال بعد أن يستبقي منه قدر الكفاية لأهله وعياله ، ولذلك يقول : وابدأ بمن تعول ، وقال محيي السنة : أي غنى مستظهر به على النوائب التي تنوبه . ( ومن تصدق وهو محتاج أو أهله محتاج أو عليه دين ، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة ، وهو رد عليه ليس له أن يتلف أموال الناس ) . هذا كله من الترجمة وقع تفسيرا لقوله : " لا صدقة إلا عن ظهر غنى " والمعنى : إن شرط التصدق أن لا يكون محتاجا ، ولا أهله محتاجا ، ولا يكون عليه دين ، فإذا كان عليه دين ، فالواجب أن يقضي دينه ، وقضاء الدين أحق من الصدقة ، والعتق والهبة ؛ لأن الابتداء بالفرائض قبل النوافل ، وليس لأحد إتلاف نفسه وإتلاف أهله وإحياء غيره ، وإنما عليه إحياء غيره بعد إحياء نفسه وأهله ، إذ هما أوجب عليه من حق سائر الناس ، قوله : " وهو محتاج " جملة اسمية وقعت حالا ، والجملتان بعدها أيضا حال ، قوله : " فالدين أحق " جزاء الشرط . وفيه محذوف ، أي : فهو أحق وأهله أحق والدين أحق . قوله " وهو رد " ، أي : غير مقبول ؛ لأن قضاء الدين واجب ، والصدقة تطوع ، ومن أخذ دينا وتصدق به ولا يجد ما يقضي به الدين ، فقد دخل تحت وعيد من أخذ أموال الناس ، ومقتضى قوله " وهو رد عليه " أن يكون الدين المستغرق مانعا من صحة التبرع ، لكن هذا ليس على الإطلاق ، وإنما يكون مانعا إذا حجر عليه الحاكم ، وأما قبل الحجر فلا يمنع كما تقرر ذلك في موضعه في الفقه ، فعلى هذا إما يحمل إطلاق البخاري عليه ، أو يكون مذهبه أن الدين المستغرق يمنع مطلقا ، ولكن هذا خلاف ما قاله العلماء ، حتى إن ابن قدامة وغيره نقلوا الإجماع على أن المنع إنما يكون بعد الحجر . ( وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله ) . هذا أيضا من الترجمة ، قد ذكر فيها خمسة أحاديث معلقة ، هذا أولها ، وهذا طرف من حديث أبي هريرة ، وصله البخاري في الاستقراض في باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها ، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ، حدثنا سليمان ، عن بلال " عن ثور بن زيد ، عن أبي الغيث ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " . ( إلا أن يكون معروفا بالصبر فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر - رضي الله عنه - حين تصدق بماله ) . قوله : " إلا أن يكون " من كلام البخاري ، وهو استثناء من الترجمة ، أو من لفظ من تصدق ، وهو محتاج ، أي : فهو أحق إلا أن يكون معروفا بالصبر ، فإنه حينئذ له أن يؤثر غيره على نفسه ، ويتصدق به وإن كان غير غني أو محتاجا إليه ، قوله " خصاصة " ، أي : فقر وخلل ، قوله " كفعل أبي بكر حين تصدق بماله " ، أي : بجميع ماله ؛ لأنه كان صابرا ، وقد يقال تخلي أبي بكر ، عن ماله كان ، عن ظهر غنى ؛ لأنه كان غنيا بقوة توكله ، وتصدق أبي بكر بجميع ماله مشهور في السير ، وورد في حديث مرفوع ، أخرجه أبو داود وصححه الترمذي ، والحاكم من طريق زيد بن أسلم ، سمعت عمر - رضي الله تعالى عنه - يقول : أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق ، فوافق ذلك مالا عندي ، فقلت : اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما ، فجئت بنصف مالي وأتى أبو بكر بكل ما عنده ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا بكر ، ما أبقيت لأهلك ؟ قال : أبقيت لهم الله ورسوله ، وقال الطبري وغيره : قال الجمهور : من تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله حيث لا دين عليه ، وكان صبورا على الإضافة ولا عيال له أو له عيال يصبرون أيضا ، فهو جائز ، فإن فقد شيئا من هذه الشروط كره ، وقال بعضهم : هو مردود . وروي عن عمر - رضي الله تعالى عنه - حيث رد على غيلان الثقفي قسمة ماله ، وقال آخرون : يجوز من الثلث ، ويرد عليه الثلثان ، وهو قول الأوزاعي ومكحول ، وعن مكحول أيضا يرد ما زاد على النصف . ( وكذالك آثر الأنصار المهاجرين ) . هذا ثالث الأحاديث المعلقة ، وهو أيضا مشهور في السير . وفيه أحاديث مرفوعة منها حديث أنس : قدم المهاجرون المدينة وليس بأيديهم شيء فقاسمهم الأنصار ، وأخرجه البخاري موصولا في حديث طويل من كتاب الهبة في باب فضل المنيحة ، وذكر ابن إسحاق وغيره : أن المهاجرين لما نزلوا على الأنصار آثروهم حتى قال بعضهم لعبد الرحمن بن عوف : أنزل لك عن إحدى امرأتي . ( ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ، عن إضاعة المال ، فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة ) . هذا رابع الأحاديث المعلقة ، وهو طرف من حديث المغيرة ، وقد مضى بتمامه في أواخر صفة الصلاة . وقال كعب - رضي الله عنه : ( قلت ) : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ، وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال : أمسك عليك بعض مالك ، فهو خير لك . ( قلت ) : فإني أمسك سهمي الذي بخيبر . هذا خامس الأحاديث المعلقة ، فهو قطعة من حديث طويل في توبة كعب بن مالك ، وسيأتي في تفسير التوبة ، وكعب هذا شهد العقبة الثانية ، وهو أحد شعراء النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأحد الثلاثة الذين خلفوا ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك مات سنة خمسين ، قوله " من توبتي " ، أي : من تمام توبتي ، قوله " إلى الله " ، أي : صدقة منتهية إلى الله ، وإنما منع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كعبا عن صرف كل ماله ، ولم يمنع أبا بكر - رضي الله عنه - ، عن ذلك ؛ لأنه كان شديد الصبر قوي التوكل ، وكعب لم يكن مثله . 30 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله ، عن يونس ، عن الزهري قال : أخبرني سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " خير الصدقة ما كان ، عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول " . مطابقته للترجمة من حيث المعنى متوجه ، ورجاله ذكروا غير مرة ، وعبدان لقب عبد الله بن عثمان المروزي ، وعبد الله هو ابن المبارك ، ويونس ، هو ابن يزيد والزهري هو محمد بن مسلم ، وأخرجه النسائي أيضا في الزكاة ، عن عمرو بن سواد ، عن ابن وهب قوله : " وابدأ بمن تعول " ، أي : بمن يجب عليك نفقته وعال الرجل أهله إذا مانهم ، أي : قام بما يحتاجون إليه من القوت والكسوة وغيرهما .