28 - بَاب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ 1443 - حَدَّثَنَا مُوسَى ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ . وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا ، فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ - أَوْ وَفَرَتْ - عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ ، وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا ، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ . تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ فِي الْجُبَّتَيْنِ . 1444 - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ : جُنَّتَانِ . وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ عَنْ ابْنِ هُرْمُزَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جُنَّتَانِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَثَلُ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيلِ ) قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ : قَامَ التَّمْثِيلُ فِي خَبَرِ الْبَابِ مَقَامَ الدَّلِيلِ عَلَى تَفْضِيلِ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى الْبَخِيلِ ، فَاكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يُضَمِّنَ التَّرْجَمَةَ مَقَاصِدَ الْخَبَرِ عَلَى التَّفْصِيلِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا مُوسَى ) هُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيُّ ، وَابْنُ طَاوُسٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَلَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الْأُولَى هُنَا ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الْجِهَادِ عَنْ مُوسَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ) هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ . قَوْلُهُ : ( مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ ) وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ : مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْمُتَصَدِّقِ . قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ وَهَمٌ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَذَفَ مُقَابِلَهُ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ ، قُلْتُ : قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَغَيْرُهُمْ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فَقَالُوا فِي رِوَايَتِهِمْ : مَثَلُ الْمُنْفِقِ وَالْبَخِيلِ كَمَا فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ : ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ ، أَخْرَجَهَا الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ . قَوْلُهُ : ( عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ) كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ، وَمَنْ رَوَاهُ فِيهَا بِالنُّونِ فَقَدْ صَحَّفَ ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَرَوَاهُ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ ، عَنْ طَاوُسٍ بِالنُّونِ وَرُجِّحَتْ لِقَوْلِهِ : مِنْ حَدِيدٍ ، وَالْجُنَّةُ فِي الْأَصْلِ الْحِصْنُ ، وَسُمِّيَتْ بِهَا الدِّرْعُ لِأَنَّهَا تُجِنُّ صَاحِبَهَا أَيْ : تُحَصِّنُهُ ، وَالْجُبَّةُ بِالْمُوَحَّدَةِ ثَوْبٌ مَخْصُوصٌ ، وَلَا مَانِعَ مِنَ إِطْلَاقِهِ عَلَى الدِّرْعِ . وَاخْتُلِفَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( مِنْ ثُدَيِّهِمَا ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ جَمْعُ ثَدْيٍ ، وَ ( تَرَاقِيهِمَا ) بِمُثَنَّاةٍ وَقَافٍ جَمْعُ تَرْقُوَةٍ . قَوْلُهُ : ( سَبَغَتْ ) أَيْ : امْتَدَّتْ وَغَطَّتْ . قَوْلُهُ : ( أَوْ وَفَرَتْ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ مِنَ الْوُفُورِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ : انْبَسَطَتْ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ : اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ . وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ ) أَيْ : تَسْتُرُ أَصَابِعَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ : حَتَّى تُجِنَّ ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهِيَ بِمَعْنَى تُخْفِي ، وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ كَرِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ ، وَبَنَانُهُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَنُونَيْنِ ، الْأُولَى خَفِيفَةٌ : الْإِصْبَعُ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ : ثِيَابُهُ بِمُثَلَّثَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ . وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ : حَتَّى تُغَشِّيَ - بِمُعْجَمَتَيْنِ - أَنَامِلَهُ . قَوْلُهُ : ( وَتَعْفُو أَثَرَهُ ) بِالنَّصْبِ أَيْ : تَسْتُرُ أَثَرَهُ ، يُقَالُ : عَفَا الشَّيْءُ وَعَفَوْتُهُ أَنَا لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ ، وَيُقَالُ : عَفَتِ الدَّارُ إِذَا غَطَّاهَا التُّرَابُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَسْتُرُ خَطَايَاهُ كَمَا يُغَطِّي الثَّوْبُ الَّذِي يُجَرُّ عَلَى الْأَرْضِ أَثَرَ صَاحِبِهِ إِذَا مَشَى بِمُرُورِ الذَّيْلِ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( لَزِقَتْ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : انْقَبَضَتْ وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ : غَاصَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : قَلَصَتْ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ، وَالْمُفَادُ وَاحِدٌ لَكِنَّ الْأُولَى نَظَرَ فِيهَا إِلَى صُورَةِ الضِّيقِ وَالْأَخِيرَةِ نَظَرَ فِيهَا إِلَى سَبَبِ الضِّيقِ ، وَزَعَمَ ابْنُ التِّينِ أَنَّ فِيهِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْبَخِيلَ يُكْوَى بِالنَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ : وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ ، فَشَبَّهَهُمَا بِرَجُلَيْنِ أَرَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَلْبَسَ دِرْعًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْ سِلَاحِ عَدُّوِهِ ، فَصَبَّهَا عَلَى رَأْسِهِ لِيَلْبَسَهَا ، وَالدُّرُوعُ أَوَّلُ مَا تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ وَالثَّدْيَيْنِ إِلَى أَنْ يُدْخِلَ الْإِنْسَانُ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهَا ، فَجَعَلَ الْمُنْفِقَ كَمَنْ لَبِسَ دِرْعًا سَابِغَةً فَاسْتَرْسَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى سَتَرَتْ جَمِيعَ بَدَنِهِ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : حَتَّى تَعْفُوَ أَثَرَهُ ؛ أَيْ : تَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ ، وَجُعِلَ الْبَخِيلُ كَمَثَلِ رَجُلٍ غُلَّتْ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ ، كُلَّمَا أَرَادَ لُبْسَهَا اجْتَمَعَتْ فِي عُنُقِهِ فَلَزِمَتْ تَرْقُوَتَهُ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ : قَلَصَتْ ؛ أَيْ : تَضَامَّتْ وَاجْتَمَعَتْ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْجَوَادَ إِذَا هَمَّ بِالصَّدَقَةِ انْفَسَحَ لَهَا صَدْرُهُ وَطَابَتْ نَفْسُهُ فَتَوَسَّعَتْ فِي الْإِنْفَاقِ ، وَالْبَخِيلُ إِذَا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالصَّدَقَةِ شَحَّتْ نَفْسُهُ فَضَاقَ صَدْرُهُ وَانْقَبَضَتْ يَدَاهُ ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُ الْمُنْفِقَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، بِخِلَافِ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَفْضَحُهُ . وَمَعْنَى تَعْفُو أَثَرَهُ تَمْحُو خَطَايَاهُ ، وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ الْخَبَرَ جَاءَ عَلَى التَّمْثِيلِ لَا عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَائِنٍ ، قَالَ : وَقِيلَ : هُوَ تَمْثِيلٌ لِنَمَاءِ الْمَالِ بِالصَّدَقَةِ ، وَالْبُخْلِ بِضِدِّهِ . وَقِيلَ : تَمْثِيلٌ لِكَثْرَةِ الْجُودِ وَالْبُخْلِ ، وَأَنَّ الْمُعْطِيَ إِذَا أَعْطَى انْبَسَطَتْ يَدَاهُ بِالْعَطَاءِ وَتَعَوَّدَ ذَلِكَ ، وَإِذَا أَمْسَكَ صَارَ ذَلِكَ عَادَةً ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ : قَيَّدَ الْمُشَبَّهَ بِهِ بِالْحَدِيدِ إِعْلَامًا بِأَنَّ الْقَبْضَ وَالشِّدَّةَ مِنْ جِبِلَّةِ الْإِنْسَانِ ، وَأَوْقَعَ الْمُتَصَدِّقَ مَوْقِعَ السَّخِيِّ لِكَوْنِهِ جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَخِيلِ إِشْعَارًا بِأَنَّ السَّخَاءَ هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعَ وَنَدَبَ إِلَيْهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ لَا مَا يَتَعَانَاهُ الْمُسْرِفُونَ . قَوْلُهُ : ( فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ ) ، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ : قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ ، وَهَذَا يُوهِمُ أَنْ يَكُونَ مُدْرَجًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي طَرِيقِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : فَفِي رِوَايَةِ ابْنِ طَاوُسٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ فَسَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا وَلَا تَتَّسِعُ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَهُمَا : فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا فِي جَيْبِهِ فَلَوْ رَأَيْتُهُ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي هذا الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَإِنَّهَا لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِ إِلَّا اسْتِحْكَامًا وَهَذَا بِالْمَعْنَى . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حَنْظَلَةُ ، عَنْ طَاوُسٍ ) ذَكَرَهُ فِي اللِّبَاسِ أَيْضًا تَعْلِيقًا بِلَفْظِ : وَقَالَ حَنْظَلَةُ : سَمِعْتُ طَاوُسًا ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ عَنْ حَنْظَلَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ ) هُوَ ابْنُ رَبِيعَةَ ، وَابْنُ هُرْمُزَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ ، وَلَمْ تَقَعْ لي رِوَايَةُ اللَّيْثِ مَوْصُولَةٌ إِلَى الْآنَ ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ عَنِ اللَّيْثِ ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِسَنَدِهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَثَلِ الْمُتَصَدِّقِ وَالْبَخِيل · ص 358 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب مثل المتصدق والبخيل · ص 307 ( باب مثل المتصدق والبخيل ) أي هذا باب يذكر فيه مثل المتصدق والبخيل ، ومثل المتصدق كلام إضافي مرفوع على الابتداء ، وخبره محذوف ، حذفه البخاري في الترجمة اكتفاء بذكره في حديث الباب . 46 - حدثنا موسى ، قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد " . مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة جزء من الحديث ، وهو ظاهر . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي ، وابن طاوس هو عبد الله . وأخرجه البخاري أيضا في الجهاد ، عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه مسلم في الزكاة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه النسائي فيه ، عن أحمد بن سليمان . قوله : " مثل البخيل والمنفق " ووقع عند مسلم من طريق سفيان ، عن أبي الزناد " مثل المنفق والمتصدق " قال عياض : هو وهم ، ويمكن أنه حذف مقابله لدلالة السياق عليه ، وقال النووي : وقع في باقي الروايات مثل البخيل والمتصدق ، وقد يحتمل أن صحة رواية المنفق والمتصدق أن يكون فيه حذف ، تقديره : مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما هو البخيل ، وحذف البخيل لدلالة المنفق والمتصدق عليه ، كقوله تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ أي : والبرد ، حذف البرد لدلالة الكلام عليه ، قيل : رواه الحميدي وأحمد وابن أبي عمرو وغيرهم في مسانيدهم ، عن ابن عيينة ، فقالوا في رواياتهم : " مثل المنفق والبخيل " كما في رواية شعيب ، عن أبي الزناد ، وهو الصواب ، قوله : " والمتصدق " . وقع في بعض الأصول المتصدق بالتاء . وفي بعضها بحذف التاء ، وتشديد الصاد ، هما صحيحان ، قاله النووي . ( قلت ) : وجه هذا أن التاء لا تحذف ، بل تقلب صادا ثم تدغم الصاد في الصاد ، وهذا الذي تقتضيه القاعدة . قوله " كمثل رجلين " . وفي رواية عمرو " رجل " بالإفراد ، وكأنه تغيير من بعض الرواة ، وصوابه رجلين ، قوله " جبتان " بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة ، كذا في هذه الرواية ، ووقع في رواية مسلم " كمثل رجل عليه جبتان أو جنتان " ، وقال النووي : أما جبتان أو جنتان ، فالأول بالباء والثاني بالنون ، ووقع في بعض الأصول عكسه ، وقال ابن قرقول : والنون أصوب بلا شك ، وهي الدرع ، يدل عليه قوله في الحديث نفسه : " لزقت كل حلقة " . وفي لفظ " فأخذت كل حلقة موضعها " ، وكذا قوله " من حديد " . ( قلت ) : ورواه حنظلة بن أبي سفيان الجمحي ، عن طاوس بالنون كما يجيء عن قريب ، ورجحت هذه الرواية بما قاله ابن قرقول ، والجنة هي الحصن في الأصل ، وسميت بها الدرع ؛ لأنها تجن صاحبها ، أي : تحصنه ، والجبة بالباء الموحدة هي الثوب المعين ، وقال بعضهم : ولا مانع من إطلاقه على الدرع . ( قلت ) : المانع موجود ؛ لأن الجبة بالباء لا تحصن مثل الجنة بالنون ، وقال الزمخشري في الفائق : جنتان بالنون في هذا الموضع بلا شك ، ولا اختلاف ، وقال الطيبي : هو الأنسب ؛ لأن الدرع لا يسمى جبة بالباء ، بل بالنون .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب مثل المتصدق والبخيل · ص 308 ( وحدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب قال : حدثنا أبو الزناد أن عبد الرحمن حدثه أنه سمع أبا هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثديهما إلى تراقيهما ، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره ، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا لزقت كل حلقة مكانها ، فهو يوسعها ولا تتسع ) . هذا طريق آخر أتم من الأول ، رواه عن أبي اليمان الحكم بن نافع ، عن شعيب بن أبي حمزة ، عن أبي الزناد بالزاي والنون ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ، عن أبي هريرة . ( ذكر معناه ) : قوله : " مثل البخيل والمنفق " . وفي رواية مسلم : " مثل المنفق والمتصدق كمثل رجل عليه جنتان أو جبتان " ، وقال القاضي عياض : وقع في هذا الحديث أوهام كثيرة من الرواة تصحيف وتحريف وتقديم وتأخير ، فمنه مثل المنفق والمتصدق ، ومنه كمثل رجل وصوابه رجلين عليهما جبتان ، ومنه قوله " جبتان أو جنتان " بالنون بالشك ، والصواب : جنتان بالنون بلا شك ، قوله " من ثديهما " بضم الثاء المثلثة وكسر الدال كذا في رواية أبي الحسن جمع ثدي ، نحو الفلوس والفلس فعلى هذا أصله ثدوي ، اجتمعت الواو والياء ، وسبقت إحداهما بالسكون ، فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، فصار ثدي بضم الدال ، ثم أبدلت الضمة كسرة لأجل الياء ، وقال ابن التين : ويصح نصب الثاء . وفي رواية " ثدييهما " بالتثنية . وفي المجمل : الثدي بالفتح للمرأة ، والجمع الثدي يذكر ، ويؤنث . وفي المخصص والجمع أثد ، وقال الجوهري : الثدي للرجل والمرأة ، والجمع أثد وثدي على فعول ، وثدي بكسر الثاء ، قوله " إلى تراقيهما " جمع ترقوة ، ويقال : الترائق أيضا على القلب ، وقال ثابت في خلق الإنسان : الترقوتان هما العظمان المشرفان في أعلى الصدر من رأس المنكبين إلى طرف ثغرة النحر ، وهي اللهزمة التي بينهما . وفي المخصص : هي من رقى يرقى . ( فإن قلت ) : لم لا تقلب الواو ألفا ؟ ( قلت ) : لئلا يختل البناء كما في سرو . وفي الصحاح : لا تقل ترقوة بالضم ، قوله " إلا سبغت " ، أي : امتدت وغطت . وقيل : كملت وتمت ، وضبطه الأصيلي بضم التاء ، وهو شيء لا يعرف ، قوله : " أو وفرت " شك من الراوي من الوفور بمعنى كملت . وفي التلويح : سبغت أو مرت على جلد ، كذا في النسخ مرت ، وقال النووي : وقيل : صوابه يعني في مسلم مدت بالدال ، بمعنى سبغت كما في الحديث الآخر " انبسطت " . وفي التلويح ، وفي بعض نسخ البخاري : " مادت " بدال مخففة من ماد إذا مال ، ورواه بعضهم : مارت ، ومعناه سالت عليه ، وامتدت . قال الأزهري : معناه ترددت وذهبت وجاءت بكمالها ، قوله " حتى تجن " بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم ، وتشديد النون هذا في رواية الحميدي ، ومعناه : حتى تستر من أجن إذا ستر ، وكذلك جن بمعناه ، ويروى حتى يخفى . وقال ابن التين : رواه أبو سليمان حتى تجربنانه ، وقال النووي : ورواه بعضهم : يحز بحاء وزاي ، وهو وهم ، والصواب : تجن بجيم ونون ، قوله : " بنانه " ، أي : أصابعه ، وهو رواية الجمهور كما في الحديث الآخر أنامله ، ويروى ثيابه بثاء مثلثة ، وهو وهم وقد وقع في رواية الحسن بن مسلم : حتى تغشى بالغين والشين المعجمتين ، قوله : " وتعفوا أثره " ، أي : يمحو أثره ، وهو يجيء لازما ومتعديا ، فهنا متعد ؛ لأنه نصب أثره ، وأثره بفتح الهمزة وفتح الثاء المثلثة وبكسر الهمزة وسكون الثاء ، معناه : تمحو أثر مشيه بسبوغها وكمالها ، وقال الداودي : يعفى أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه ؛ لأن المنفق إذا أنفق طال ذلك اللباس الذي عليه حتى يجره بالأرض ، قوله : " لزقت " ، أي : التصقت . وفي رواية مسلم : انقبضت . وفي رواية همام : عضت كل حلقة مكانها ، وفي رواية سفيان عند مسلم : قلصت ، وكذا في رواية الحسن بن مسلم عند البخاري ، وزعم ابن التين أن فيه إشارة إلى أن البخيل يكوى بالنار يوم القيامة . قوله " فهو يوسعها ولا تتسع " . وفي رواية عند مسلم ، قال أبو هريرة : فهو يوسعها ، ولا يتسع . ( فإن قلت ) : هذا يوم أنه مدرج ؟ ( قلت ) : ليس كذلك ، وقد وقع التصريح برفع هذه الجملة في طريق طاوس ، عن أبي هريرة . وفي رواية ابن طاوس عند البخاري في الجهاد ، فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : فيجتهدان يوسعها ولا تتسع . وفي رواية لمسلم : فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره . وفي رواية الحسن بن مسلم عندهما : فأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول بإصبعه هكذا في جيبه ، فلو رأيته يوسعها ، ولا تتسع ، وعند أحمد من طريق ابن إسحاق ، عن أبي الزناد في هذا الحديث : وأما البخيل فإنها لا تزداد عليه إلا استحكاما ، وهذا بالمعنى ، وقال الخطابي : هذا مثل ضربه - صلى الله عليه وسلم - للجواد والبخيل ، وشبههما برجلين ، أراد كل واحد منهما أن يلبس درعا يستجن بها ، والدرع أول ما يلبس ، إنما يقع على موضع الصدر والثديين إلى أن يسلك لابسها يديه في كميه ، ويرسل ذيلها على أسفل بدنه ، فيستمر سفلا ، فجعل - صلى الله عليه وسلم - مثل المنفق مثل من لبس درعا سابغة ، فاسترسلت عليه حتى سترت جميع بدنه وحضته ، وجعل البخيل كرجل يداه مغلولتان ما بين دون صدره ، فإذا أراد لبس الدرع حالت يداه بينها وبين أن تمر سفلا على البدن ، واجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته ، فكانت ثقلا ووبالا عليه من غير وقاية له ، وتحصين لبدنه ، وحاصله أن الجواد إذا هم بالنفقة اتسع لذلك صدره ، وطاوعت يداه ، فامتدتا بالعطاء ، وأن البخيل يضيق صدره وتنقبض يده ، عن الإنفاق . وقيل : ضرب المثل بهما ؛ لأن المنفق يستره الله بنفقته ، ويستر عوراته في الدنيا والآخرة كستر هذه الجبة لابسها ، والبخيل كمن لبس جبة إلى ثدييه فيبقى مكشوفا ظاهر العورة مفتضحا في الدارين ، وقال ابن بطال : يريد أن المنفق إذا أنفق كفرت الصدقة ذنوبه ومحتها ، كما أن الجبة إذا أسبغت عليه سترته ووقته ، والبخيل لا تطاوعه نفسه على البذل ، فيبقى غير مكفر عنه الآثام ، كما أن الجبة تبقي من بدنه ما لا تستره فيكون معرض الآفات ، وقال الطيبي : شبه السخي إذا قصد التصدق يسهل عليه بمن عليه الجبة ، ويده تحتها ، فإذا أراد أن يخرجها منها يسهل عليه ، والبخيل على عكسه ، والأسلوب من التشبيه المفرق ، قال : وقيد المشبه به بالحديد إعلاما بأن القبض والشدة جبلة الإنسان ، وأوقع المتصدق موضع السخي مع أن مقابل البخيل هو السخي لا المتصدق ، إشعارا بأن السخاوة هي ما أمر به الشرع ، وندب إليه من الإنفاق إلا ما يتعاناه المبذرون ، وقال المهلب : المراد أن الله يسر المنفق في الدنيا وفي الآخرة بخلاف البخيل ، فإنه يفضحه ، ومعنى تعفو أثره : تمحو خطاياه ، واعترض عليه القاضي عياض بأن الخبر جاء على التمثيل لا على الإخبار عن كائن . وقيل : هو تمثيل لنماء المال بالصدقة ، والبخل بضده . وقيل : تمثيل لكثرة الجود والبخل وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء ، وتعود ذلك ، فإذا أمسك صار ذلك عادة . ( تابعه الحسن بن مسلم ، عن طاوس في الجبتين ) أي تابع ابن طاوس الحسن بن مسلم بن يناق في روايته ، عن طاوس في الجبتين بالباء ، وأخرج البخاري هذه المتابعة في كتاب اللباس في باب جيب القميص من عند الصدر وغيره ، قال : حدثني عبد الله بن محمد ، أخبرنا أبو عامر ، أخبرنا إبراهيم بن نافع ، عن الحسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال : ضرب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم : مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد " الحديث ، ثم قال البخاري رضي الله تعالى عنه : تابعه ابن طاوس ، عن أبيه . وقال حنظلة عن طاوس : جنتان . أي قال حنظلة بن أبي سفيان في روايته ، عن طاوس : جنتان ، بالنون ، وهذا التعليق ذكره البخاري - رحمه الله تعالى - أيضا في كتاب اللباس معلقا ، حيث قال : وقال حنظلة : سمعت طاوسا ، سمعت أبا هريرة ، ووصله الإسماعيلي من طريق إسحاق الأزرقي ، عن حنطلة . " وقال الليث : حدثني جعفر ، عن ابن هرمز ، قال : سمعت أبا هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جنتان " . أي قال الليث بن سعد ، عن جعفر بن ربيعة ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج : ذكر أبو مسعود الدمشقي ، وخلف أن البخاري علقه أيضا في الصلاة .