21 - بَاب مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ 1542 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ . قَوْلُهُ : ( بَابٌ : مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ) الْمُرَادُ بِالْمُحْرِمِ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ قَرَنَ ، وَحَكَى ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ كَانَ يَسْتَشْكِلُ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ ؛ يَعْنِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ النِّيَّةُ ، لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْحَجِّ الَّذِي الْإِحْرَامُ رُكْنُهُ ، وَشَرْطُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ ، وَيُعْتَرَضُ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ التَّلْبِيَةُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا ، وَكَأَنَّهُ يَحُومُ عَلَى تَعْيِينِ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ النِّيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ ، انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَجْمُوعُ الصِّفَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ تَجَرُّدٍ وَتَلْبِيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ التَّلْبِيَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْغَرَضِ . قَوْلُهُ : ( أنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الْإِحْرَامِ . وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ : مَا نَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ إِذَا أَحْرَمْنَا . وَهُوَ مُشْعِرٌ بِأَنَّ السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَقَدْ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَاللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْهُمَا . نَعَمْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ؛ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ . وَأَشَارَ نَافِعٌ إِلَى مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِذَلِكَ فِي عَرَفَاتٍ ، فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَجَابَ بِهِ السَّائِلُ ، وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ابْتَدَأَ بِهِ فِي الْخُطْبَةِ . قَوْلُهُ : ( مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ؟ قَالَ : لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ . . . إِلَخْ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : هَذَا الْجَوَابُ مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزْلِهِ ، لِأَنَّ مَا لَا يُلْبَسُ مُنْحَصِرٌ ، فَحَصَلَ التَّصْرِيحُ بِهِ ، وَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ ، فَقَالَ : لَا يَلْبَسُ كَذَا ؛ أَيْ وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ ، انْتَهَى . وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ : سُئِلَ عَمَّا يُلْبَسُ فَأَجَابَ بِمَا لَا يُلْبَسُ لِيَدُلَّ بِالِالْتِزَامِ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى مَا يَجُوزُ ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنِ الْجَوَابِ لِأَنَّهُ أَخْصَرَ وَأَحْصَرَ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ حَقَّ السُّؤَالِ أَنْ يَكُونَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ لِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْعَارِضُ فِي الْإِحْرَامِ الْمُحْتَاجُ لِبَيَانِهِ ، إِذِ الْجَوَازُ ثَابِتٌ بِالْأَصْلِ مَعْلُومٌ بِالِاسْتِصْحَابِ ، فَكَانَ الْأَلْيَقُ السُّؤَالَ عَمَّا لَا يُلْبَسُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : هَذَا يُشْبِهُ أُسْلُوبَ الْحَكِيمِ ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ الْآيَةَ ، فَعَدَلَ عَنْ جِنْسِ الْمُنْفَقِ ، وَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ إِلَى ذِكْرِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ ، لِأَنَّهُ أَهَمُّ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ كَيْفَ كَانَ ، وَلَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَةٍ ، وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُطَابَقَةُ ، انْتَهَى . وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى سِيَاقِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَهِيَ الْمَشْهُورَةُ عَنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ : مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ ؛ وَهِيَ شَاذَّةٌ ، وَالِاخْتِلَافُ فِيهَا عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ لَا عَلَى نَافِعٍ ، وَرَوَاهُ سَالِمٌ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ : مَا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ؛ فَقَالَ مَرَّةً : مَا يَتْرُكُ ، وَمَرَّةً : مَا يَلْبَسُ . وَأَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ نَافِعٍ ، فَالِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى ، فَاسْتَقَامَتْ رِوَايَةُ نَافِعٍ لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا ، وَاتَّجَهَ الْبَحْثُ الْمُتَقَدِّمُ . وَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنَ الشُّرَّاحِ أَنَّ هَذَا مِنْ أُسْلُوبِ الْحَكِيمِ بِأَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِمَا يَحْصُرُ أَنْوَاعَ مَا لَا يُلْبَسُ ، كَأَنْ يُقَالَ : مَا لَيْسَ بِمَخِيطٍ وَلَا عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ كَالْقَمِيصِ أَوْ بَعْضِهِ كَالسَّرَاوِيلِ أَوِ الْخُفِّ ، وَلَا يَسْتُرُ الرَّأْسَ أَصْلًا ، وَلَا يَلْبَسُ مَا مَسَّهُ طِيبٌ كَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنَ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ ذِكْرُ الْمُهِمِّ وَهُوَ مَا يَحْرُمُ لُبْسُهُ وَيُوجِبُ الْفِدْيَةَ . قَوْلُهُ : ( الْمُحْرِمُ ) أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ هُنَا الرَّجُلُ ، وَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ ، وَإِنَّمَا تَشْتَرِكُ مَعَ الرَّجُلِ فِي مَنْعِ الثَّوْبِ الَّذِي مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسِ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ اللَّيْثِ الْآتِي فِي آخِرِ الْحَجِّ : لَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ ، وَقَوْلُهُ : لَا تَلْبَسُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ وَهُوَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ ، وَرُوِيَ بِالْجَزْمِ عَلَى أَنَّهُ نَهْيٌ ، قَالَ عِيَاضٌ : أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ ، وَأَنَّهُ نَبَّهَ بِالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلِ عَلَى كُلِّ مَخِيطٍ ، وَبِالْعَمَائِمِ وَالْبَرَانِسِ عَلَى كُلِّ مَا يُغَطَّى الرَّأْسُ بِهِ مَخِيطًا أَوْ غَيْرَهُ ، وَبِالْخِفَافِ عَلَى كُلِّ مَا يَسْتُرُ الرِّجْلُ ، انْتَهَى . وَخَصَّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ الْإِجْمَاعَ الثَّانِي بِأَهْلِ الْقِيَاسِ وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَالْمُرَادُ بِتَحْرِيمِ الْمَخِيطِ مَا يُلْبَسُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي جُعِلَ لَهُ وَلَوْ فِي بَعْضِ الْبَدَنِ ، فَأَمَّا لَوِ ارْتَدَى بِالْقَمِيصِ مَثَلًا فَلَا بَأْسَ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : ذَكَرَ الْعِمَامَةَ وَالْبُرْنُسَ مَعًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ لَا بِالْمُعْتَادِ وَلَا بِالنَّادِرِ ، قَالَ : وَمِنَ النَّادِرِ الْمِكْتَلُ يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ . قُلْتُ : إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَجْعَلُهُ عَلَى رَأْسِهِ كَلَابِسِ الْقُبَعِ صَحَّ مَا قَالَ ، وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ وَضْعِهِ عَلَى رَأْسِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْحَامِلِ لِحَاجَتِهِ لَا يَضُرُّ عَلَى مَذْهَبِهِ . وَمِمَّا لَا يَضُرُّ أَيْضًا الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ ، فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا ، وَكَذَا سَتْرُ الرَّأْسِ بِالْيَدِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا أَحَدٌ ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : يُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَحَدٍ فِي الْإِثْبَاتِ خِلَافًا لِمَنْ خَصَّهُ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ ، قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِثْبَاتِ إِلَّا إِنْ كَانَ يَعْقُبُهُ نَفْيٌ . قَوْلُهُ : ( لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ ) زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَالِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ زِيَادَةً حَسَنَةً تُفِيدُ ارْتِبَاطَ ذِكْرِ النَّعْلَيْنِ بِمَا سَبَقَ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَلَى أَنَّ وَاجِدَ النَّعْلَيْنِ لَا يَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ الْمَقْطُوعَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ ، وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : إِنْ صَارَا كَالنَّعْلَيْنِ جَازَ ، وَإِلَّا مَتَى سَتَرَا مِنْ ظَاهِرِ الرِّجْلِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا لِلْفَاقِدِ . وَالْمُرَادُ بِعَدَمِ الْوِجْدَانِ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ ؛ إِمَّا لِفَقْدِهِ ، أَوْ تَرْكِ بَذْلِ الْمَالِكِ لَهُ وَعَجْزِهِ عَنِ الثَّمَنِ إِنْ وَجَدَ مَنْ يَبِيعُهُ أَوِ الْأُجْرَةُ ، وَلَوْ بِيعَ بِغَبْنٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ ، أَوْ وُهِبَ لَهُ لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ إِلَّا إِنْ أُعِيرَ لَهُ . قَوْلُهُ : ( فَلْيَلْبَسْ ) ظَاهِرُ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ ، لَكِنَّهُ لَمَّا شُرِعَ لِلتَّسْهِيلِ لَمْ يُنَاسِبِ التَّثْقِيلَ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلرُّخْصَةِ . قَوْلُهُ : ( وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الْمَاضِيَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ : حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ . وَالْمُرَادُ كَشْفُ الْكَعْبَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ ؛ وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصِلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ ، وَيؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِذَا اضْطُرَّ الْمُحْرِمُ إِلَى الْخُفَّيْنِ خَرَقَ ظُهُورَهُمَا وَتَرَكَ فِيهِمَا قَدْرَ مَا يَسْتَمْسِكُ رِجْلَاهُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : الْكَعْبُ هُنَا هُوَ الْعَظْمُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ ، وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَقِيلَ : إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنْ مُحَمَّدٍ ، وأنَّ السَّبَبَ فِي نَقْلِهِ عَنْهُ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الرَّازِيَّ سَمِعَهُ يَقُولُ فِي مَسْأَلَةِ الْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ حَيْثُ يَقْطَعُ خُفَّيْهِ ، فَأَشَارَ مُحَمَّدٌ بِيَدِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْقَطْعِ ، وَنَقَلَهُ هِشَامٌ إِلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الطَّهَارَةِ ، وَبِهَذَا يُتَعَقَّبُ عَلَى مَنْ نَقَلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، كَابْنِ بَطَّالٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْكَعْبَ هُوَ الشَّاخِصُ فِي ظَهْرِ الْقَدَمِ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ عَنْهُ - أَنْ يَكُونَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ . وَنُقِلَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ - وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِيَّةِ - أَنَّ الْكَعْبَ عَظْمٌ مُسْتَدِيرٌ تَحْتَ عَظْمِ السَّاقِ حَيْثُ مَفْصِلُ السَّاقِ وَالْقَدَمِ ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ قَدَمٍ كَعْبَيْنِ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ ، وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ ؛ فَإِنَّهُ أَجَازَ لُبْسَ الْخُفَّيْنِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ لِإِطْلَاقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ بِلَفْظِ : وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ . وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ مُوَافِقٌ عَلَى قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ بِهَا هُنَا . وَأَجَابَ الْحَنَابِلَةُ بِأَشْيَاءَ ؛ مِنْهَا دَعْوَى النَّسْخِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَهُ ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدِيثَهُ ، وَقَالَ : انْظُرُوا أَيُّ الْحَدِيثَيْنِ قُبِلَ ، ثُمَّ حَكَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ . وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا فِي الْأُمِّ فَقَالَ : كِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ ، وَزِيَادَةُ ابْنِ عُمَرَ لَا تُخَالِفُ ابْنَ عَبَّاسٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ عَزَبَتْ عَنْهُ أَوْ شَكَّ ، أَوْ قَالَهَا فَلَمْ يَقُلْهَا عَنْهُ بَعْضُ رُوَاتِهِ ، انْتَهَى . وَسَلَكَ بَعْضُهُمُ التَّرْجِيحَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي رَفْعِهِ ، انْتَهَى . وَهُوَ تَعْلِيلٌ مَرْدُودٌ ، بَلْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي رَفْعِ الْأَمْرِ بِالْقَطْعِ إِلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ . عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ؛ فَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا ، وَلَا يَرْتَابُ أَحَدٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ جَاءَ بِإِسْنَادٍ وُصِفَ بِكَوْنِهِ أَصَحَّ الْأَسَانِيدِ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ نَافِعٌ ، وَسَالِمٌ ، بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَمْ يَأْتِ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْهُ ، حَتَّى قَالَ الْأَصِيلِيُّ : إِنَّهُ شَيْخٌ بَصْرِيٌّ لَا يُعْرَفُ ، كَذَا قَالَ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مَوْصُوفٌ بِالْفِقْهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ . وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى السَّرَاوِيلِ كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْقِيَاسَ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ . وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِ عَطَاءٍ : إِنَّ الْقَطْعَ فَسَادٌ ، وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْفَسَادَ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ لَا فِيمَا أَذِنَ فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ : يُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالْقَطْعِ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الِاشْتِرَاطِ عَمَلًا بِالْحَدِيثَيْنِ ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالْحِكْمَةُ فِي مَنْعِ الْمُحْرِمِ مِنَ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ الْبُعْدُ عَنِ التَّرَفُّهِ وَالِاتِّصَافُ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ ، وَلِيَتَذَكَّرَ بِالتَّجَرُّدِ الْقُدُومَ عَلَى رَبِّهِ فَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى مُرَاقَبَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ ) قِيلَ : عَدَلَ عَنْ طَرِيقَةِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ إِشَارَةً إِلَى اشْتَرَاكِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ نُكْتَةَ الْعُدُولِ أَنَّ الَّذِي يُخَالِطُهُ الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ أَوْ لَا يَلْبَسُهُ . وَالْوَرْسُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ : نَبْتٌ أَصْفَرُ طَيِّبُ الرِّيحِ يُصْبَغُ بِهِ ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَيْسَ الْوَرْسُ بِطِيبٍ ، وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَمَا يُشْبِهُهُ فِي مُلَاءَمَةِ الشَّمِّ ، فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَيُّبُ . وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ مَسَّهُ عَلَى تَحْرِيمِ مَا صُبِغَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ وَلَوْ خَفِيَتْ رَائِحَتُهُ . قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ : إِنَّمَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْمُصْبَغَاتِ لِأَنَّهَا تُنْفَضُ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ : إِذَا صَارَ الثَّوْبُ بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ لَمْ تَفُحْ لَهُ رَائِحَةٌ لَمْ يُمْنَعْ . وَالْحُجَّةُ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي تَقَدَّمَ بِلَفْظِ : وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ الْجِلْدَ . وَأَمَّا الْمَغْسُولُ فَقَالَ الْجُمْهُورُ : إِذَا ذَهَبَتِ الرَّائِحَةُ جَازَ ؛ خِلَافًا لِمَالِكٍ ، وَاسْتُدِلَّ لَهُمْ بِمَا رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : إِلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا . أَخْرَجَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ . وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَنْكَرَهُ عَلَى الْحِمَّانِيِّ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ : قَدْ كَتَبْتُهُ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ . وَقَامَ فِي الْحَالِ فَأَخْرَجَ لَهُ أَصْلَهُ فَكَتَبَهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، انْتَهَى . وَهِيَ زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ ؛ لِأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَإِنْ كَانَ مُتْقِنًا لَكِنْ فِي حَدِيثِهِ عَنْ غَيْرِ الْأَعْمَشِ مَقَالٌ ، قَالَ أَحْمَدُ : أَبُو مُعَاوِيَةَ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ فِي عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَلَمْ يَجِئْ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ غَيْرُهُ . قُلْتُ : وَالْحِمَّانِيُّ ضَعِيفٌ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الَّذِي تَابَعَهُ فِيهِ مَقَالٌ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى مَنْعِ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَاسْتَنْبَطَ مَنْ مَنَعَ لُبْسَ الثَّوْبِ الْمُزَعْفَرِ مَنْعَ أَكْلِ الطَّعَامِ الَّذِي فِيهِ الزَّعْفَرَانُ ؛ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ ، وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : لَا يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ اللُّبْسُ وَالتَّطَيُّبُ ، وَالْآكِلُ لَا يُعَدُّ مُتَطَيِّبًا . ( تَنْبِيهٌ ) : زَادَ الثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَا الْقَبَاءَ ، أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ ابْنِ غِيَاثٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ نَافِعٍ أَيْضًا . وَالْقَبَاءُ بِالْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَعْرُوفٌ ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ثَوْبٍ مُفَرَّجٍ ، وَمَنْعُ لُبْسِهِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يُشْتَرَطُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ لَا إِذَا أَلْقَاهُ عَلَى كَتِفَيْهِ ، وَوَافَقَهُ أَبُو ثَوْرٍ ، وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ نَظِيرَهُ إِنْ كَانَ كُمُّهُ ضَيِّقًا ، فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَلَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَاب · ص 469 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما لا يلبس المحرم من الثياب · ص 160 ( باب ما لا يلبس المحرم من الثياب ) أي هذا باب في بيان ما لا يلبس المحرم ، أي : ما لا يجوز لبسه للمحرم سواء كان محرما بحج ، أو بعمرة ، أو كان متمتعا ، أو قارنا ، وقوله : ( من الثياب ) بيان لما قبله . 136 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما يلبس المحرم من الثياب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلبس القمص ، ولا العمائم ، ولا السراويلات ، ولا البرانس ، ولا الخفاف ، إلا أحد لا يجد نعلين ، فليلبس خفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ، أو ورس . مطابقته للترجمة في قوله : ( لا يلبس القمص ) إلى آخره ، وهذا الحديث قد مر في آخر كتاب العلم في باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله ، فإنه أخرجه هناك عن آدم عن ابن أبي ذئب عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن الزهري عن سالم عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والمغايرة بينهما في بعض المتن ، فإنه صلى الله تعالى عليه وسلم ذكر هذه الأشياء هناك بصيغة الإفراد ، وذكر هنا بصيغة الجمع ، وهناك فإن لم يجد النعلين ، وهنا ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين ، وهناك وليقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين ، وهنا أسفل من الكعبين ، وليس هناك ولا تلبسوا إلى آخره ، ولنتكلم هنا على ما لم يسبق فيما مضى . فقوله : قال يا رسول الله ، ما يلبس المحرم ، وسيأتي من طريق الليث ، عن نافع بلفظ ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام ، وفي رواية النسائي من طريق عمر بن نافع ، عن أبيه ما نلبس من الثياب إذا أحرمنا ، وهذا يدل على أن السؤال عن ذلك كان قبل الإحرام ، وقد حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أن في رواية ابن جريج ، والليث ، عن نافع أن ذلك كان في المسجد ، وأخرج البيهقي من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء ، عن عبد الله بن عون كلاهما عن نافع ، عن ابن عمر ، قال نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بذلك المكان ، وأشار نافع إلى مقدم المسجد ، فذكر الحديث وظهر من ذلك أنه كان في المدينة ، ( فإن قلت ) : قد وقع في حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج أنه صلى الله عليه وسلم خطب بذلك في عرفات ، ( قلت ) : يحمل على التعدد . قوله : ( ما يلبس المحرم من الثياب ، قال : لا يلبس ) إلى آخره ، قال النووي : قالت العلماء : هذا من بديع الكلام وجزله ؛ لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به ، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر ، فقال : لا يلبس كذا ، أي : ويلبس ما سواه ، وقال البيضاوي : سئل عما يلبس ، فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز ، وإنما عدل عن الجواب ؛ لأنه أخصر ، وأحصر ، وقال الطيبي : ودليله أنه نبه بالقمص ، والسراويل على جميع ما في معناهما ، وهو ما كان مخيطا ، أو معمولا على قدر البدن ، أو العضو ، كالجوشن ، والتبان وغيرهما ونبه صلى الله عليه وسلم بالعمائم ، والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غيره حتى العصابة ، فإنها حرام ، ونبه بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وجورب وغيرها ، وقال ابن دقيق العيد : يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ، ولو بتغيير ، أو زيادة ، ولا يشترط المطابقة . قوله : ولا تشترط المطابقة ، ( قلت ) : ليس على الإطلاق ، بل الأصل اشتراطها ، ولكن ثم موضع يكون العدول عنها إلى غيره ، وهو الأهم ، كما في قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ ونحو ذلك . قوله : ( ما يلبس المحرم ) ، أي : الرجل المحرم ، والدليل على اختصاص الحكم بالرجال توجيه الخطاب نحوهم بقوله : ولا تلبسوا ، ( فإن قلت ) : واو الضمير يستعمل متنا ولا للقبيلتين على التغليب ، ( قلت ) : نعم ، ولكن فيه اختصاص بالمذكرين ، والدليل عليه في آخر حديث الليث الآتي في آخر الحج ( ولا تنتقب المرأة ) . قوله : ( ولا يلبس ) خبر في معنى النهي ، قوله : ( القمص ) بضم القاف ، وسكون الميم ، وضمها جمع قميص ، ويجمع أيضا على أقمصة وقمصان . قوله : ( والعمائم ) جمع عمامة يقال : اعتم بالعمامة ، وتعمم بها ، والسراويلات جمع سراويل ، والبرانس جمع برنس ، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من ذراعه ، أو جبة ، أو ممطر ، أو غيره ، وقال الجوهري : هي قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام ، وهو من البرس بكسر الباء ، وهو القطن ، والنون زائدة ، وقيل : إنه غير عربي ، والخفاف بكسر الخاء جمع خف . قوله : ( إلا أحد ) المستثنى منه محذوف تقديره : لا يلبس المحرم الخفين إلا أحد لا يجد نعلين ، فإنه يلبس الخفين بشرط أن يقطعهما حتى يكونا تحت الكعبين فيكون حينئذ كالنعلين ، وقوله : لا يجد نعلين في محل الرفع ؛ لأنه صفة لأحد ، قيل : فيه دليل على أن لفظ أحد يجوز استعماله في الإثبات خلافا لمن قال لا يجوز ذلك إلا لضرورة الشعر ، والمراد من قوله : وليقطعهما أسفل من الكعبين كشف الكعبين في الإحرام ، وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق ، والقدم ، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة عن جرير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما ، وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه ، وقال بعضهم ، وقال محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية : الكعب هنا هو العظم الذي في وسط القدم عند معقد الشراك ، وقيل : إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة ، ( قلت ) : الذي قال لا يعرف عند أهل اللغة هو ابن بطال ، والذي قاله هو لا يعرف ، وكيف والإمام محمد بن الحسن إمام في اللغة والعربية ، فمن أراد تحقيق صدق هذا فلينظر في مصنفه الذي وضعه على أوضاع يعجز عنه الفحول من العلماء ، والأساطين من المحققين ، وهو الذي سماه ( الجامع الكبير ) ، والذي قاله هو الذي اختاره الأصمعي قاله الإمام فخر الدين . قوله : ( لا تلبسوا ) يدخل فيه الإناث أيضا ، ذكره ليشمل الذكور ، والإناث . قوله : ( مسه الزعفران ) جملة من الفعل ، والفاعل ، والمفعول في محل النصب على أنه صفة لقوله شيئا ، والزعفران اسم أعجمي ، وقد صرفته العرب فقالوا : ثوب مزعفر ، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة ، ويجمع على زعافر ، وقال أبو حنيفة : لا أعلمه ينبت شيء منه من أرض العرب ، والورس بفتح الواو ، وسكون الراء ، وفي آخره سين مهملة ، وقال أبو حنيفة : الورس يزرع بأرض اليمن زرعا ، ولا يكون بغير اليمن ، ولا يكون منه شيء بريا ، ونباته مثل حب السمسم ، فإذا جف عند إدراكه تفتق ، فينفض منه الورس ، ويزرع سنة فيجلس عشر سنين أن يقيم في الأرض ينبت ويثمر ، وقال الجوهري : الورس نبت أصفر يكون باليمن يتخذ منه الغمرة للوجه تقول منه أورس المكان ، وورست الثوب توريسا صبغته بالورس ، وملحفة وريسة صبغت بالورس ، وقال ابن بيطار في ( جامعه ) يؤتى بالورس من الصين ، واليمن ، والهند ، وليس بنبات يزرع ، كما زعم من زعم ، وهو يشبه زهر العصفر ، ومنه شيء يشبه نشارة البابونج ، ومنه شيء يشبه البنفسج ، ويقال : إن الكركم عروقه . ( ذكر ما يستفاد منه ) : وهو على وجوه . الأول : يحرم على المحرم لبس القميص ، ونبه به في الحديث على كل مخيط من كل معمول على قدر البدن ، أو العضو ، وذلك مثل الجبة ، والقفازين ، وقال الترمذي : باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص ، أو جبة ، ثم قال : حدثنا قتيبة بن سعد ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، عن يعلى بن أمية ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابيا قد أحرم ، وعليه جبة ، فأمره أن ينزعها ، وفي بعض طرقه قميص بدل الجبة ، وهي رواية ( الموطأ ) ، وفي رواية مقطعات ، وفي أخرى : أخلاق ، والقصة واحدة ، ولا يجب قطع القميص ، والجبة على المحرم إذا أراد نزعها ، بل له أن ينزع ذلك من رأسه ، وإن أدى إلى الإحاطة برأسه خلافا لمن قال يشقه ، وهو قول الشعبي ، والنخعي ، ويروى ذلك أيضا عن الحسن ، وسعيد بن جبير ، وذهب الجمهور إلى جواز نزع ذلك من الرأس ، وبه قال أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، والحديث حجة لهم ، ولو ارتدى بالقميص لا يضره . الثاني : يحرم عليه السراويل ، ولا يجب عليه قطعه عند عدم الإزار كما ورد في الخف ، وبه قال أحمد ، وهو الأصح عند أكثر الشافعية ، قاله الرافعي ، وقال إمام الحرمين ، والغزالي : إنه لا يجوز لبس السراويل إلا إذا لم يتأت فتقه وجعله إزارا ، فإن تأتى ذلك لم يجز لبسه ، فإن لبسه لزمه الفدية ، قال الخطابي : ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال : يشق السراويل ويتزر به ، وفي شرح الطحاوي ، فإن لم يجد رداء ، فلا بأس أن يشق قميصه ، ويرتدي به ، وإذا لم يجد الإزار فتق السراويل ، فإن لبسه ولم يفتقه لزمه دم . الثالث : لا يتعمم ، قال الخطابي : ذكر العمامة ، والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ، ولا بالنادر ، قال : ومن النادر المكتل يحمله على رأسه ، ( قلت ) : مراده أن يجعله على رأسه كلبس القبع ، ولا يلزم شيء بمجرد وضعه على رأسه كهيئة الحامل لحاجته ، ولو انغمس في الماء لا يضره ، فإنه لا يسمى لابسا ، وكذا لو ستر رأسه بيده . الرابع : الخفاف ، الشرط في الخفين القطع خلافا لأحمد ، فإنه أجاز ليس الخفين من غير قطع ، وهو المشهور عنه ، وحكي عن عطاء مثله ، قال : لأن في قلعهما فسادا ، قال الخطابي : يشبه أن يكون عطاء لم يبلغه حديث ابن عمر ، وإنما الفساد أن يفعل ما نهت عنه الشريعة ، فأما ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس بفساد ، قال ، والعجب من أحمد في هذا ، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه ، وقلت سنة لم تبلغه ، ويشبه أن يكون إنما ذهب إلى حديث ابن عباس الآتي في أواخر الحج بلفظ : من لم يجد نعلين فليلبس خفين ، ( قلت ) : أجابت الحنابلة عنه بأشياء منها دعوى النسخ في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، فإن البيهقي روى عن عمرو بن دينار ، قال : لم يذكر ابن عباس القطع ، وقال ابن عمر : وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ، فلا أدري أي الحديثين نسخ الآخر ، وروى الدارقطني عن عمرو قال : انظروا أيهما قبل حديث ابن عمر ، أو حديث ابن عباس ، قال البيهقي : فحملهما عمرو بن دينار على نسخ أحدهما الآخر ، قال البيهقي : وبين في رواية ابن عون وغيره عن نافع ، عن ابن عمر أن ذلك كان بالمدينة قبل الإحرام ، وبين في رواية شعبة ، عن عمرو ، عن أبي الشعثاء ، وجابر بن زيد ، عن ابن عباس أن ذلك كان بعرفة ، وذلك بعد قصة ابن عمر ، وأجاب الشافعي عن هذا في ( الأم ) ، فقال : كلاهما حافظ صادق وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن يكون عزب عنه ، أو شك فيه ، فلم يؤده ، وإما سكت عنه ، وإما أداه ، فلم يؤد عنه ، ومنها ما قالوا منهم ابن الجوزي : إن حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه ، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه ، وأجيب عن هذا بأنه لم يختلف على ابن عمر في رفع الأمر بالقطع إلا في رواية شاذة على أنه اختلف في حديث ابن عباس أيضا ، فرواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس موقوفا ، ولا يشك أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس ؛ لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد ، واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع ، وسالم ، بخلاف حديث ابن عباس ، فلم يأت مرفوعا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى ، قال الأصيلي : إنه شيخ بصري لا يعرف ، ومنها أن بعضهم قاسوه على السراويل ، ورد بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار ، ومنها أن بعضهم احتجوا بقول عطاء : إن القطع فساد ، والله لا يحب الفساد ، وقد أجيب عنه بما ذكرناه عن قريب ، ومنها ما قاله ابن الجوزي : إن الأمر بالقطع يحمل على الإباحة لا على الاشتراط عملا بالحديثين ، ( وأجيب ) بأنه تعسف ، واستعمال اللفظ في غير موضعه ، والأحسن في هذا أن يقال : إن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه قد ورد في بعض طرقه الصحيحة موافقته لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في قطع الخفين ، رواه النسائي في سننه ، قال : أخبرنا إسماعيل بن مسعود ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا أيوب ، عن عمرو ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل ، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ) ، وهذا إسناد صحيح ، وإسماعيل بن مسعود الجحدري وثقه أبو حاتم وغيره ، وباقيهم رجال الصحيح ، والزيادة من الثقة مقبولة على المذهب الصحيح . الخامس : الزعفران ، والورس ، وظاهر الحديث أنه لا يجوز لبس ما مسه الورس ، والزعفران سواء انقطعت رائحته ، وذهب ردعه بحيث لا ينفض ، أو مع بقاء ذلك ، وفي ( الموطأ ) أن مالكا سئل عن ثوب مسه طيب ، ثم ذهب ريح الطيب منه هل يحرم فيه ، قال : نعم لا بأس بذلك ما لم يكن فيه صباغ زعفران ، أو ورس ، قال مالك : وإنما يكره لبس المشبعات ؛ لأنها تنفض ، وذهب الشافعي إلى أنه إن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت الرائحة منه لم يجز استعماله ، وحكى إمام الحرمين فيما إذا بقي اللون فقط وجهين مبنيين على الخلاف في أن مجرد اللون هل يعتبر ، قال الرافعي : والصحيح أنه لا يعتبر ، وقال أصحابنا : ما غسل من ذلك حتى صار لا ينفض ، فلا بأس بلبسه في الإحرام ، وهو المنقول عن سعيد بن جبير ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن ، وطاوس ، وقتادة ، والنخعي ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، ومعنى لا ينفض لا يتناثر صبغه ، وقيل : لا يفوح ريحه ، وهما منقولان عن محمد بن الحسن ، والتعويل على زوال الرائحة حتى لو كان لا يتناثر صبغه ، ولكنه يفوح ريحه يمنع من ذلك ؛ لأن ذلك دليل بقاء الطيب ، إذ الطيب ما له رائحة طيبة ، وقد روى الطحاوي عن فهد ، عن يحيى بن عبد الحميد ، عن أبي معاوية ، وعن ابن أبي عمران ، عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي ، عن أبي معاوية ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تلبسوا ثوبا مسه ورس ، أو زعفران ، يعني : في الإحرام ، إلا أن يكون غسيلا ) ، وأخرجه أبو عمر أيضا من حديث يحيى بن عبد الحميد الحماني ، ( فإن قلت ) : ما حال هذه الزيادة أعني قوله : إلا أن يكون غسيلا . ( قلت ) : صحيح ؛ لأن رجاله ثقات ، وروى هذه الزيادة أبو معاوية الضرير ، وهو ثقة ثبت ، ( فإن قلت ) : قال ابن حزم : ولا نعلمه صحيحا ، وقال أحمد بن حنبل : أبو معاوية مضطرب الحديث في أحاديث عبيد الله ، ولم يجئ أحد بهذه غيره ، ( قلت ) : قال الطحاوي : قال ابن أبي عمران : رأيت يحيى بن معين ، وهو متعجب من الحماني ، إذ حدث بهذا الحديث ، فقال عبد الرحمن بن صالح الأزدي : هذا الحديث عندي ، ثم وثب من فوره فجاء بأصله ، فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية ، كما ذكره يحيى الحماني ، فكتب عنه يحيى بن معين ، وكفى لصحة هذا الحديث شهادة عبد الرحمن ، وكتابة يحيى بن معين ، ورواية أبي معاوية ، وأما قول ابن حزم : ولا نعلمه صحيحا ، فهي نفي لعلمه بصحته ، فهذا لا يستلزم نفي صحة الحديث في علم غيره ، فافهم ، وقد روى أحمد رحمه الله تعالى في ( مسنده ) من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديثا يدل على جواز لبس المزعفر للمحرم إذا لم يكن فيه نفض ، ولا ردع . ( ومما يستفاد من ظاهر الحديث ) جواز لبس المزعفر ، والمورس لغير الرجل المحرم ؛ لأنه قال ذلك في جواز السؤال عما يلبس المحرم ، فدل على جوازه لغيره ، ( فإن قلت ) : أخرج الشيخان من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتزعفر الرجل ، ( قلت ) : قال شيخنا زين الدين رحمه الله : الجمع بين الحديثين أنه يحتمل أن يقال : إن جواب سؤالهم انتهى عند قوله : أسفل من الكعبين ، ثم استأنف بهذا لا تعلق له بالمسؤول عنه ، فقال : ولا تلبسوا شيئا من الثياب إلى آخره ، ثم ذكر حكم المرأة المحرمة . انتهى ، ( قلت ) : هذا الاحتمال فيه بعد ، بل الأوجه في الجمع أن المراد من النهي عن تزعفر الرجل أن يزعفر بدنه ، فأما لبس الثوب المزعفر لغير المحرم ، فلا بأس به ، والدليل على ذلك ما رواه النسائي من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزعفر الرجل جلده ، وإسناده صحيح ، والحديث الذي ينهى النهي عن مطلق التزعفر ، ويحمل المطلق على المقيد الذي فيه بأن يزعفر الرجل جلده ، ويؤيد ذلك ما ورد في جواز لبس الثياب المزعفرة ، والمورسة للرجال فيما رواه أبو داود ، وابن ماجه من حديث قيس بن سعد ، قال : أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فوضعنا له ما يتبرد فاغتسل ، ثم أتيته بملحفة صفراء ، فرأيت أثر الورس عليه ، لفظ ابن ماجه ، وروى أبو داود من حديث ابن عمر مرفوعا كان يصبغ بالصفرة ثيابه كلها حتى عمامته ، ورواه النسائي ، وفي لفظ له : إن ابن عمر كان يصبغ ثيابه بالزعفران ، فأصله في ( الصحيح ) ولفظه ، أما الصفرة ، فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها ، وجمع الخطابي بأن ما صبغ غزله ، ثم نسج فليس بداخل في النهي ، ووافقه البيهقي على هذا ، ( فإن قلت ) : قد علم أن المحرم قد منع من لبس الثوب المصبوغ بالزعفران ، أو الورس ، فما حكمه إذا توسد عليه ، أو نام ، ( قلت ) : قال أبو يوسف في ( الإملاء ) لا ينبغي لمحرم أن يتوسد ثوبا مصبوغا بالزعفران ، ولا الورس ، ولا ينام عليه ؛ لأنه يصير مستعملا للطيب ، فكان كاللبس ، وقال شيخنا زين الدين : اختلف أهل العلم في الورس هل هو طيب أم لا ، فذكر ابن العربي أنه ليس بطيب ، فقال : والورس ، وإن لم يكن طيبا فله رائحة طيبة ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين تجنب الطيب المحض ، وما يشبه الطيب في ملايمة الشم ، واستحسانه ، وقال الرافعي ، هو فيما يقال أشهر طيب في بلاد اليمن ، وفي كلام النووي أيضا ما يشعر أنه طيب ، وقال الطيبي : نبه النبي صلى الله عليه وسلم بالورس ، والزعفران على ما في معناهما مما يقصد به الطيب ، فهي حرام على القبيلتين فيكره للمحرم لبس الثوب المصبوغ بغير طيب ، وأما الفواكه كالأترج ، والتفاح ، وأزهار البوادي كالشيح ، والقيصوم وغيرهما فليس بحرام .