1559 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمٍ بِالْيَمَنِ ، فَجِئْتُ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ ، فَقَالَ : بِمَا أَهْلَلْتَ ؟ قُلْتُ : أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ ؟ قُلْتُ : لَا . فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ ، فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي ، فَقَدِمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ ؛ قَالَ اللَّهُ : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ . قَوْلُهُ : ( عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ : سَمِعَتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مُوسَى ) هُوَ الْأَشْعَرِيُّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ الْمَذْكُورَةِ : حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى . قَوْلُهُ : ( بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ ) سَيَأْتِي تَحْرِيرُ وَقْتِ ذَلِكَ وَسَبَبُهُ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ قَيْسٍ الْآتِيَةِ فِي بَاب مَتَى يُحِلُّ الْمُعْتَمِرُ ؟ مُنِيخٌ ؛ أَيْ نَازِلٌ بِهَا ، وَذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ قُدُومِهِ . قَوْلُهُ : ( بِمَا أَهْلَلْتَ ؟ ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَقَالَ : أَحَجَجْتَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : بِمَا أَهْلَلْتَ ؟ . قَوْلُهُ : ( قُلْتُ : أَهْلَلْتُ ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قُلْتُ : لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أَحْسَنْتَ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ : امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ ، وَالْمتُبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ أَنَّهَا مِنْ قَيْسِ عيلَانَ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ نِسْبَةٌ ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ ، وَظَهَرَ لِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَيْسٍ ، قَيْسُ بْنُ سُلَيْمٍ وَالِدُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ زَوْجُ بَعْضِ إِخْوَتِهِ ، وَكَانَ لِأَبِي مُوسَى مِنَ الْإِخْوَةِ أَبُو رُهْمٍ ، وَأَبُو بُرْدَةَ ، قِيلَ : وَمُحَمَّدٌ . قَوْلُهُ : ( أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي ) كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ : وَغَسَلَتْ رَأْسِي ؛ بِوَاوِ الْعَطْفِ . قَوْلُهُ : ( فَقَدِمَ عُمَرُ ) ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ قُدُومَ عُمَرَ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلِ الْبُخَارِيُّ اخْتَصَرَهُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَيْضًا بَعْدَ قَوْلِهِ : وَغَسَلَتْ رَأْسِي ، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَاكَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِمَارَةِ عُمَرَ ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ ، فَذَكَرَ القصة ؛ وَفِيهِ : فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ ؟ فَذَكَرَ جَوَابَهُ . وَقَدِ اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، لَكِنَّهُ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا ، وَلَفْظُهُ : فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ حَتَّى كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ ، فَقَالَ : إِنْ أَخَذْنَا ، الْحَدِيثَ . وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ ، الْحَدِيثَ . وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَبْيِينُ عُمَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا كَرِهَ التَّمَتُّعَ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ - أَيْ بِالنِّسَاءِ - ثُمَّ يَرُوحُوا فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ ، انْتَهَى . وَكَانَ مِنْ رَأْيِ عُمَرَ عَدَمُ التَّرَفُّهِ لِلْحَجِّ بِكُلِّ طَرِيقٍ ، فَكَرِهَ لَهُمْ قُرْبَ عَهْدِهِمْ بِالنِّسَاءِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ الْمَيْلُ إِلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِهِ ، وَمَنْ يُفْطَمْ يَنْفَطِمْ . وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : افْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ ، وَفِي رِوَايَةٍ : إِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ ، فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( أَنْ نَأْخُذَ بِكِتَابِ اللَّهِ . . . إِلَخْ ) مُحَصَّلُ جَوَابِ عُمَرَ فِي مَنْعِهِ النَّاسَ مِنْ التَّحَلُّلِ بِالْعُمْرَةِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ دَالٌّ عَلَى مَنْعِ التَّحَلُّلِ لِأَمْرِهِ بِالْإِتْمَامِ ، فَيَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ الْإِحْرَامِ إِلَى فَرَاغِ الْحَجِّ ، وَأَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ، لَكِنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ مَا أَجَابَ بِهِ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَيْثُ قَالَ : وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ . فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِحْلَالِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَتَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : قِيلَ : إِنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ ، وَقِيلَ : الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ ، وَعَلَى الثَّانِي إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا تَرْغِيبًا فِي الْإِفْرَادِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهَا وَتَحْرِيمَهَا . وَقَالَ عِيَاضٌ : الظَّاهِرُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْفَسْخِ ، وَلِهَذَا كَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَيْهَا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَاءً عَلَى مُعْتَقَدِهِ أَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَةِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي هِيَ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ ، وَهُوَ عَلَى التَّنْزِيهِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِفْرَادِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ التَّمَتُّعِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَنَفْيِ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَفْضَلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْفَسْخِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ مُسْلِمٍ : إِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي قِصَّةِ أَبِي مُوسَى وَعَلِيٍّ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ الْغَيْرِ مَعَ اخْتِلَافِ آخِرِ الْحَدِيثَيْنِ فِي التَّحَلُّلِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى لَمْ يَكُنْ مِعهُ هَدْيٌ ، فَصَارَ لَهُ حُكْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَقَدْ قَالَ : لَوْلَا الْهَدْيُ لَأَحْلَلْتُ ؛ أَيْ وَفَسَخْتُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَمَا فَعَلَهُ أَصْحَابُهُ بِأَمْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَكَانَ مَعَهُ هَدْيٌ ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْبَقَاءِ عَلَى إِحْرَامِهِ وَصَارَ مِثْلُهُ قَارِنًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَعِيَاضٌ بِتَأْوِيلَيْنِ غَيْرِ مُرْضِيَّيْنِ ، انْتَهَى . فَأَمَّا تَأْوِيلُ الْخَطَّابِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : فِعْلُ أَبِي مُوسَى يُخَالِفُ فِعْلَ عَلِيٍّ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ أَيْ كَمَا يُبَيِّنُهُ لِي وَيُعَيِّنُهُ لِي مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُحْرِمُ بِهِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُحِلَّ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ عِيَاضٍ فَقَالَ : الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِالْمُتْعَةِ ؛ أَيْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ ، وَالْحَامِلُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُهُمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُفْرِدًا مَعَ قَوْلِهِ : لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ ؛ أن فَسَخْتُ الْحَجَّ وَجَعَلْتُهُ عُمْرَةً ، فَلِهَذَا أَمَرَ أَبَا مُوسَى بِالتَّحَلُّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، بِخِلَافِ عَلِيٍّ . قَالَ عِيَاضٌ : وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ خَاصًّا بِالصَّحَابَةِ ، انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ : ظَاهِرُ كَلَامِ عُمَرَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ إِبْطَالَ وَهَمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ ، حَيْثُ مَنَعَ مِنَ الْفَسْخِ ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مُتَوَافِقَانِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِتْمَامِ ، وَأَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَةِ لِإِبْطَالِ اعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ، انْتَهَى . وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا : كَانَ قَارِنًا عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ اخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ فِي كَيْفِيَّةِ التَّمَتُّعِ فِي بَابِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الْإِحْرَامِ الْمُبْهَمِ وَأَنَّ الْمُحْرِمَ بِهِ يَصْرِفُهُ لِمَا شَاءَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، وَمَحِلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْتُ قَابِلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَنْعَقِدُ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم · ص 488 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من أهل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم · ص 187 152 - حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى رضي الله عنه ، قال : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن فجئت وهو بالبطحاء ، فقال : بم أهللت ، قلت : أهللت كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم قال : هل معك من هدي ، قلت : لا ، فأمرني فطفت بالبيت ، وبالصفا والمروة ، ثم أمرني فأحللت ، فأتيت امرأة من قومي فمشطتني ، أو غسلت رأسي ، فقدم عمر رضي الله عنه ، فقال : إن نأخذ بكتاب الله ، فإنه يأمرنا بالتمام ، قال الله : وأتموا الحج والعمرة لله ، وإن نأخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يحل حتى نحر الهدي . مطابقته للترجمة في قوله : ( أهللت بإهلال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ) . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ، الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي أبو محمد . الثاني : سفيان الثوري . الثالث : قيس بن مسلم بلفظ الفاعل من الإسلام الجدلي . الرابع : طارق ابن شهاب بن عبد شمس البجلي الأحمسي ، وقد مر في باب زيادة الإيمان . الخامس : أبو موسى الأشعري ، واسمه عبد الله بن قيس . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأصله من دمشق ، والثلاثة الذين بعده كوفيون ، وفيه قيس بن مسلم ، عن طارق ، وفي رواية أيوب بن عائد في المغازي عن قيس بن مسلم سمعت طارق بن شهاب ، وفيه طارق عن أبي موسى ، وفي رواية أيوب المذكور ، حدثني أبو موسى . وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن أبي موسى ، وبندار به ، وعن عبد الله بن معاذ ، وعن إسحاق بن منصور ، وعبد بن حميد ، وأخرجه النسائي فيه عن أبي موسى ، وعن محمد بن عبد الأعلى . ( ذكر معناه ) : قوله : ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوم باليمن ) كان بعثه صلى الله عليه وسلم إياه إلى اليمن في السنة العاشرة من الهجرة قبل حجة الوداع ، وعن أبي بردة ، قال : ( بعث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا موسى ، ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما إلى اليمن ، وبعث كل واحد منهما على مخلاف ) ، قال : واليمن مخلافان ، والمخلاف بكسر الميم في اليمن كالرستاق في العراق ، وجمعه مخاليف . قوله : ( وهو بالبطحاء ) الواو في وهو للحال ، والبطحاء بطحاء مكة ، وهو المحصب ، وهو في الأصل مسيل واديها ، وبطحاء الوادي حصاة اللين في بطن المسيل ، قال أبو عبيد : هو من حديد خيف بني كنانة وحده من الحجون ذاهبا إلى منى ، وفي رواية شعبة ، عن قيس الآتية في باب متى يحل المعتمر ، وهو منيخ ، أي : نازل بها . قوله : ( فأمرني فطفت ) ، وفي رواية شعبة ( طف بالبيت ، وبالصفا والمروة ) . قوله : ( فأحللت ) من أحل يحل إحلالا ، ومعناه خرجت من الإحرام . قوله : ( فأتيت امرأة من قومي ) ، وفي رواية شعبة ( امرأة من قيس ) ، وليس المراد منه قيس غيلان ؛ لأنه لا نسبة بينهم وبين الأشعريين ، ولكن المراد منه أبوه قيس بن سليم ، والدليل عليه رواية أيوب بن عائد ( امرأة من بني قيس ) ، وهو أبو أبي موسى ، وقال بعضهم ، وكانت المرأة زوجة بعض إخوة أبي موسى رضي الله تعالى عنه ، وكان له من الإخوة أبو رهم ، وأبو بردة ، ومحمد ، ( قلت ) : قال الكرماني : فأتيت امرأة محمول على أن هذه المرأة كانت محرما له ، وامرأة الأخ ليست بمحرم ، فالصواب مع الكرماني ، فيحمل حينئذ على أن المرأة كانت بنت بعض إخوته . قوله : ( أو غسلت رأسي بالشك ) ، وفي رواية مسلم ( وغسلت ) بواو العطف . قوله : ( فقدم عمر رضي الله تعالى عنه ) لم يكن قدوم عمر رضي الله تعالى عنه في تلك الحجة على ما يفهم من ظاهر الكلام ، بل المراد من قدومه ما كان في خلافته ) اختصره البخاري ، وبسطه مسلم ، فقال : حدثنا محمد بن المثنى ، وابن بشار ، قال ابن المثنى : حدثنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرنا شعبة ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، عن أبي موسى ، قال : ( قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء ، فقال لي : حججت ، فقلت نعم ، فقال : بم أهللت ، قلت : لبيت بإهلال كإهلال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : فقد أحسنت طف بالبيت ، وبالصفا والمروة ، ثم أتيت امرأة من بني قيس فغسلت رأسي ، ثم أهللت بالحج ، فكنت أفتي به الناس حتى كان في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، فقال له رجل : يا أبا موسى ، أو يا عبد الله بن قيس رويدك بعض فتياك ، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك ، فقال : يا أيها الناس من كنا أفتيناه فتيا فليتئد ، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم ، فبه فائتموا ، قال : فقدم عمر رضي الله تعالى عنه ، فذكرت له ذلك ، فقال : إن نأخذ بكتاب الله تعالى ، فإن كتاب الله تعالى يأمر بالتمام ، وإن نأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى يبلغ الهدي محله ) ، وأخرجه النسائي ، وفي لفظه : ( فكنت أفتي الناس بذلك إمارة أبي بكر ، وإمارة عمر رضي الله تعالى عنهما ، وإني لقائم بالموسم ، إذ جاءني رجل ، فقال : إنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك ) الحديث . قوله : ( به ) في رواية مسلم ، وبذلك في رواية النسائي ، أي : بفسخ الحج إلى العمرة . قوله : ( رويدك بعض فتياك ) ، ويروى ( رويد بعض فتياك ) ورويد اسم فعل ، ومعناه أمهل . قوله : ( فليتئد ) ، أي : فليتأن وليصبر من اتأد إذا تأنى ، وأصله من تئد يتأد تأدا . قوله : ( إن نأخذ ) بنون الجماعة ظاهر ، وهذا من عمر إنكار فسخ الحج إلى العمرة وإتمام الحج ، واحتج بالآية ، وهي قوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أمر الله تعالى بإتمام أفعالهما بعد الشروع فيهما ، وعن علي ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وطاوس ، وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ أن يحرم من دويرة أهله ، وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، قال : بلغنا أن عمر رضي الله تعالى عنه ، قال في قول الله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ قال من تمامها أن يفرد كل واحد منهما من الآخر ، وأن يعتمر في غير أشهر الحج ، إن الله تعالى يقول : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ قوله : ( فإنه ) ، أي : فإن النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : ( لم يحل ) ، أي : لم يخرج من إحرامه حتى نحر الهدي في منى . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه الدلالة على جواز الإحرام المعلق ، وبه أخذ الشافعي ، وقد ذكرناه مع الجواب عنه ، وفيه فسخ الحج إلى العمرة ، ونهى عمر رضي الله تعالى عنه عن المتعة ، وقال المازري : قيل : إن المتعة التي نهى عنها عمر رضي الله تعالى عنه فسخ الحج إلى العمرة ، وقيل : ونهى عمر عن العمرة في أشهر الحج ، ثم الحج من عامه ، وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبا في الإفراد الذي هو أفضل ، لا أنه يعتقد بطلانها ، وتحريمها ، وقال عياض : الظاهر أنه نهى عن الفسخ ، ولهذا كان يضرب الناس عليها ، كما رواه مسلم بناء على أن الفسخ كان خاصا بتلك السنة ، وقال النووي : والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ، ثم الحج من عامه ، وهو على التنزيه للترغيب في الإفراد ، ثم انعقد الإجماع على جواز التمتع من غير كراهة ، وقيل : علة كراهة عمر المتعة أن يكون معرسا بالمرأة ، ثم يشرع في الحج ورأسه يقطر ، وذلك أنه كان من رأيه عدم الترفه للحاج بكل طريق ، فكره لهم قرب عهدهم بالنساء لئلا يستمر الميل إلى ذلك بخلاف من بعد عهده منهن ، ويدل على ذلك ما رواه مسلم ، عن أبي موسى أنه كان يفتي بالمتعة ، فقال رجل : رويدك ببعض فتياك ، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين بعد حتى لقيه بعد فسأله ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه : قد علمت أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد فعله ، وأصحابه ، ولكن كرهت أن يظلوا معرسين بهن في الأراك ، ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم ، وفيه حجة لأبي حنيفة ، وأحمد من أن المعتمر إذا كان معه الهدي لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر ، وقال مالك ، والشافعي : إنه إذا طاف ، وسعى ، وحلق حل من عمرته وحل له كل شيء في الحال ، سواء كان ساق هديا أم لا ، والحديث حجة عليهما ، ( فإن قلت ) : كيف أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أبا موسى في هذا الحديث بالإحلال ، ولم يأمر عليا رضي الله تعالى عنه ، والحال أن كلا منهما قال : إهلالي كإهلال النبي صلى الله عليه وسلم ، ( قلت ) : لأن أمره لأبي موسى بالإحلال على معنى ما أمر به غيره بالفسخ بالعمرة لمن ليس معه هدي ، وأمره لعلي رضي الله تعالى عنه أن يهدي ، ويمكث حراما إما لأنه والله تعالى أعلم كان معه هدي ، أو قد يكون قد اعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهدي عنه ، أو يكون خصه بذلك ، أو لما كان النبي صلى الله عليه وسلم أمره بسوق هذه البدن من اليمن ، فكان كمن معه هدي ، ولا يظن أن هذه البدن من السعاية ، والصدقة بوجه ، إذ لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم الصدقة ، ولا يهدي منها ، والأشبه أن عليا اشتراها باليمن ، كما اشترى النبي صلى الله عليه وسلم بقيتها ، وجاء بها من المدينة على ما جاء في حديث أيضا أنه اشترى هديه بقديد ، وفي حديث ابن عمر فساق الهدي معه من ذي الحليفة ، وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قد أعلمه أنه سيعطيه هديا منها ، وفي حديث جابر أنه قدم ببدن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقد يحتمل أنه كان له فيها هدي لم يحتج إلى ذكرها في الحديث ، فلم يمكنه أن يحل ، ويدل على هذا سؤال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي موسى هل ساق هديا ولم يسأل عليا ، فدل على علمه بأنه كان ممن أهدى ، أو ممن حكمه حكم من أهدى ، والله أعلم .