1742 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى : أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ : فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : بَلَدٌ حَرَامٌ ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : شَهْرٌ حَرَامٌ ، قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ . أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ بِهَذَا ، وَقَالَ : هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، وَوَدَّعَ النَّاسَ ، فَقَالُوا : هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، فَرِوَايَتُهُ عَنْ جَدِّهِ . قَوْلُهُ : ( أَفَتَدْرُونَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ الْمُطَرِّزِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ قَالَ : أَوَتَدْرُونَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ زَايٌ خَفِيفَةٌ ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمُعَلَّى ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ ، عَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ، وَعَنْ جَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ ، عَنْ دُحَيْمٍ ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ ، وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ الْجَمَرَاتِ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ فِيهِ تَعْيِينُ الْبُقْعَةِ الَّتِي وَقَفَ فِيهَا ، كَمَا أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَبْلَهَا تَعْيِينَ الْمَكَانِ ، كَمَا أَنَّ فِي حَدِيثَيِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ تَعْيِينَ الْيَوْمِ ، وَوَقَعَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ مِنَ الْيَوْمِ فِي رِوَايَةِ رَافِعِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْمُزَنِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَلَفْظُهُ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى . الْحَدِيثَ . قَوْلُهُ : ( فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ ) هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ مَنْ ذُكِرَ أَوَّلًا ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : فِي حَجَّتِهِ الَّتِي حَجَّ ، وَلِلطَّبَرَانِيِّ : فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . قَوْلُهُ : ( بِهَذَا ) أَيْ : بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِذَلِكَ أَصْلَ الْحَدِيثِ وَأَصْلَ مَعْنَاهُ ، لَكِنَّ السِّيَاقَ مُخْتَلِفٌ ، فَإِنَّ فِي طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُمْ أَجَابُوا بِقَوْلِهِمْ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَفِي هَذَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ فِي أَجْوِبَتِهِمْ قَالُوا : يَوْمُ النَّحْرِ ، قَالُوا : بَلَدٌ حَرَامٌ ، قَالُوا : شَهْرٌ حَرَامٌ . وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَنَّهُمْ أَجَابُوا أَوَّلًا بِالتَّفْوِيضِ فَلَمَّا سَكَتَ أَجَابُوا بِالْمَطْلُوبِ . وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : قَوْلُهُ بِهَذَا أَيْ وَقَفَ مُتَلَبِّسًا بِهَذَا الْكَلَامِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ ) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ إِنَّ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ بَرَاءَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( فَطَفِقَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ بَيْنَ قَوْلِهِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَطَفِقَ مِنَ الزِّيَادَةِ : وَدِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ وَأَعْرَاضُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ هَذَا الْبَلَدِ فِي هَذَا الْيَوْمِ . وَقَدْ وَقَعَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( فَوَدَّعَ النَّاسَ ) وَقَعَ فِي طَرِيقِ ضَعِيفَةٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ سَبَبُ ذَلِكَ وَلَفْظُهُ : أُنْزِلَتْ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ، وَعَرَفَ أَنَّهُ الْوَدَاعُ ، فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَرَكِبَ ، فَوَقَفَ بِالْعَقَبَةِ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دِلَالَةٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ ، وَخَالَفَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا : خُطَبُ الْحَجِّ ثَلَاثَةٌ ، سَابِعُ ذِي الْحِجَّةِ ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ ، وَثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ بِمِنًى . وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ ثَانِي النَّحْرِ : ثَالِثَهُ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّفْرِ ، وَزَادَ خُطْبَةً رَابِعَةً وَهِيَ يَوْمُ النَّحْرِ ، وَقَالَ : إِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهَا لِيَتَعَلَّمُوا أَعْمَالَ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ . وَتَعَقَّبَهُ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ الْخُطْبَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الْحَجِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْحَجِّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهَا وَصَايَا عَامَّةً ، وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ فِيهَا شَيْئًا مِنَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ النَّحْرِ ، فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَمْ تُقْصَدْ لِأَجْلِ الْحَجِّ . وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ : إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ تَبْلِيغِ مَا ذَكَرَهُ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الَّذِي اجْتَمَعَ مِنْ أَقَاصِي الدُّنْيَا ، فَظَنَّ الَّذِي رَآهُ أَنَّهُ خَطَبَ ، قَالَ : وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى تَعْلِيمِهِمْ أَسْبَابَ التَّحَلُّلِ الْمَذْكُورَةَ فَلَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ إِيَّاهَا يَوْمَ عَرَفَةَ ا هـ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ نَبَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخُطْبَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى تَعْظِيمِ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَعَلَى تَعْظِيمِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ ، وَعَلَى تَعْظِيمِ الْبَلَدِ الْحَرَامِ ، وَقَدْ جَزَمَ الصَّحَابَةُ الْمَذْكُورُونَ بِتَسْمِيَتِهَا خُطْبَةً ، فَلَا يُلْتَفَتُ لِتَأْوِيلِ غَيْرِهِمْ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ إِمْكَانِ تَعْلِيمِ مَا ذُكِرَ يَوْمَ عَرَفَةَ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ يَرَى مَشْرُوعِيَّةَ الْخُطْبَةِ ثَانِيَ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَكَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمُوا ذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، بَلْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُعَلَّمُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ جَمِيعَ مَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَعْمَالٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهِ شُرِعَ تَجْدِيدُ التَّعْلِيمِ بِحَسَبِ تَجْدِيدِ الْأَسْبَابِ ، وَقَدْ بَيَّنَ الزُّهْرِيُّ - وَهُوَ عَالِمُ أَهْلِ زَمَانِهِ - أَنَّ الْخُطْبَةَ ثَانِي يَوْمِ النَّحْرِ نُقِلَتْ مِنْ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ الْأُمَرَاءِ ، يَعْنِي مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ . قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ هُوَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ ، فَشُغِلَ الْأُمَرَاءُ فَأَخَّرُوهُ إِلَى الْغَدِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا لَكِنَّهُ يَعْتَضِدُ بِمَا سَبَقَ ، وَبَانَ بِهِ أَنَّ السُّنَّةَ الْخُطْبَةُ يَوْمَ النَّحْرِ لَا ثَانِيهِ ، وَأَمَّا قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ إِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ عَلَّمَهُمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ فَلَا يَنْفِي وُقُوعَ ذَلِكَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ ، وَذَكَرَ فِيهِ السُّؤَالَ عَنْ تَقَدُّمِ بَعْضِ الْمَنَاسِكِ عَلَى بَعْضٍ ، فَكَيْفَ سَاغَ لِلطَّحَاوِيِّ هَذَا النَّفْيُ الْمُطْلَقُ مَعَ رِوَايَتِهِ هُوَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَثَبَتَ أَيْضًا فِي بَعْضِ طُرُقِ أَحَادِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنَّاسِ حِينَئِذٍ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ . فَكَأَنَّهُ وَعَظَهُمْ بِمَا وَعَظَهُمْ بِهِ وَأَحَالَ فِي تَعْلِيمِهِمْ عَلَى تَلَقِّي ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِهِ . وَمِمَّا يُرَدُّ بِهِ عَلَى تَأْوِيلِ الطَّحَاوِيِّ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ بِعَرَفَاتٍ : أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَنَحْوُهُ لِلطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ ؟ قَالُوا : هَذَا الْيَوْمُ . قَالَ : فَأَيُّ بَلَدٍ أَحْرَمُ ؟ الْحَدِيثَ ، وَنَحْوُهُ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ ، فَهَذَا الْحَدِيثُ - الَّذِي وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِهِ يَوْمَ النَّحْرِ - قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ خَطَبَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي وَرَدَتْ عَنِ الصَّحَابَةِ بِتَصْرِيحِهِمْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ، فَمِنْهَا حَدِيثُ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيَادٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلَفْظُهُ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى نَاقَتِهِ الْجَدْعَاءِ يَوْمَ الْأَضْحَى ، وَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ : سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ . أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَحَدِيثُ مَعَاذٍ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِمِنًى . أَخْرَجَهُ . . . وَحَدِيثُ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى . أَخْرَجَهُ . . . وَأَخْرَجَ مِنْ مُرْسَلِ مَسْرُوقٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ يَوْمَ النَّحْرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى · ص 673 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخطبة أيام منى · ص 82 323 - حدثنا محمد بن المثنى قال : حدثنا يزيد بن هارون قال : أخبرنا عاصم بن محمد بن زيد ، عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى : أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، فقال : فإن هذا يوم حرام ، أفتدرون أي بلد هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : بلد حرام ، أفتدرون أي شهر هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : شهر حرام ، قال : فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : قال النبي صلى الله عليه وسلم بمنى لأن قوله بهذه الكلمات أعني قوله : أفتدرون إلى آخره عبارة عن خطبة بمنى ، ولكن ليس المراد منه الخطبة الحقيقية التي فيها شيء من مناسك الحج وقد استقصينا الكلام فيه في أول الباب . ورجاله خمسة منهم عاصم بن محمد بن زيد يروي عن أبيه محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ومحمد يروي عن جده عبد الله بن عمرو رضي الله عنهم . الحديث أخرجه البخاري أيضا في الديات عن أبي الوليد ، وفي الفتن عن حجاج بن منهال ، وفي الأدب عن عبد الله بن عبد الوهاب ، وفي الحدود عن محمد بن عبد الله ، وفي المغازي عن يحيى بن سليمان ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن حرملة بن يحيى وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي بكر بن خلاد وعن عبيد الله بن معاذ ، وأخرجه أبو داود في السنة عن أبي الوليد به ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن أحمد بن عبد الله بن الحكم ، وأخرجه ابن ماجه في الفتن عن دحيم . قوله : بمنى في محل النصب على الحال والباء بمعنى في . قوله : أفتدرون وفي رواية الإسماعيلي عن القاسم المطرز عن محمد بن المثنى شيخ البخاري قال أوتدرون .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الخطبة أيام منى · ص 82 وقال هشام بن الغاز أخبرني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما : وقف النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج بهذا ، وقال : هذا يوم الحج الأكبر ، فطفق النبي صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اشهد وودع الناس فقالوا : هذه حجة الوداع . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهشام بن الغاز بالغين المعجمة وتخفيف الزاي بلفظ الفاعل من الغزو بحذف الياء وإثباتها ابن ربيعة بفتح الراء الجرشي بضم الجيم وفتح الراء وبالشين المعجمة ، مات سنة سبع وخمسين ومائة ، وهذا تعليق وصله أبو داود ، حدثنا المؤمل بن الفضل عن الوليد بن مسلم عن هشام بن الغاز قال : حدثنا نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال : أي يوم هذا ؟ فقالوا : يوم النحر ، فقال : هذا يوم الحج الأكبر . ورواه ابن ماجه أيضا والطبراني . قوله : بين الجمرات بفتح الجيم والميم جمع جمرة ، وفيه تعيين المكان الذي وقف فيه كما أن في الرواية التي قبلها تعيين الزمان ، وكما أن في حديثي ابن عباس وأبي بكرة تعيين اليوم ووقع تعيين الوقت في اليوم في رواية رافع بن عمرو المزني عند أبي داود والنسائي ولفظه : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى . الحديث . قوله : في الحجة التي حج ووقع في رواية الكشميهني في حجته التي حج وللطبراني في حجة الوداع قوله : بهذا قال الكرماني : أي وقف متلبسا بهذا الكلام المذكور ، واستغرب بعضهم من الكرماني هذا التفسير ، وقال بهذا أي بالحديث الذي تقدم من طريق محمد بن زيد عن جده . ( قلت ) : في طريق محمد بن زيد عن جده قالوا : الله ورسوله أعلم وفي طريق هشام بن الغاز الذي وصله أبو داود وابن ماجه قالوا يوم النحر وهذا كما ترى مختلف لأن طريق محمد بن زيد فيه التفويض ، وفي طريق هشام الجواب بيوم النحر فيما رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما ، وكان في طريق هشام ورد اللفظان المذكوران أعني التفويض والجواب ، وفي تعليق البخاري عنه اللفظ هو التفويض فلذلك فسر الكرماني لفظة بهذا بقوله أي وقف متلبسا بهذا الكلام المذكور ، وأراد بالكلام المذكور قولهم الله ورسوله أعلم وهو التفويض وهذا هو الوجه فلا ينسب إلى الاستغراب لأن كلمة الباء في قوله بهذا تتعلق بقوله وقف النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن تأمل سر التراكيب لم يزغ عن طريق الصواب . قوله : وقال هذا يوم الحج الأكبر أي يوم النحر هذا هو يوم الحج الأكبر ، واختلفوا فيه فقيل هو الذي يقال له الحج الأكبر والعمرة يقال لها : الحج الأصغر ، وقيل : الحج الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو واقفا فيه الحج الأكبر ، وقيل : إنما قال عليه الصلاة والسلام : هذا يوم الحج الأكبر ، لاجتماع المسلمين والمشركين فيه وموافقته لأعياد أهل الكتاب . وقال الترمذي باب ما جاء في الحج الأكبر ، حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد ، حدثنا أبي عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه قال : سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عن يوم الحج الأكبر ، فقال : يوم النحر . ورواه الترمذي رحمه الله تعالى أيضا عن علي رضي الله تعالى عنه موقوفا ، وقال : وهو الأصح . ( قلت ) : انفرد الترمذي بإخراجه مرفوعا وموقوفا ، وقد روي من غير طريق ابن إسحاق عن أبي إسحاق مرفوعا ، ورواه ابن مردويه في تفسيره من رواية مغيرة الضبي ومن رواية الأجلح كلاهما عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه ، وفي الباب عن عبد الله بن عمر ، وقد ذكر الآن ، وعن أبي هريرة رواه أبو داود عنه ، قال : بعثني أبو بكر رضي الله تعالى عنه فيمن يؤذن يوم النحر بمنى : أن لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ويوم الحج الأكبر يوم النحر والحج الأكبر الحج . وعن عبد الله بن أبي أوفى رواه ابن مردويه في تفسيره عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يوم الأضحى يوم الحج الأكبر . وفي إسناده ضعف . وعن عمرو بن الأحوص رواه الترمذي في حديث طويل في الفتن والتفسير عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع : فقال : أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم الحج الأكبر . وعن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رواه النسائي عنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء مخطومة ، فقال : أتدرون أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم النحر . قال : صدقتم يوم الحج الأكبر . وقد ورد أن الحج الأكبر يوم عرفة وهو ما رواه ابن مردويه في تفسيره من رواية ابن جريج عن محمد بن قيس عن المسور بن مخرمة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفات ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإن هذا اليوم يوم الحج الأكبر . ولا يعارض هذا الأحاديث المذكورة لمجيئها من عدة طرق صحيحة بخلاف حديث المسور لأنه فرد أو تؤول هذا كتأويل قوله : الحج عرفة على معنى أن الوقوف هو المهم من أفعاله لكون الحج يفوت بفواته ، وكذلك قوله : يوم النحر يوم الحج الأكبر بمعنى أن أكثر أفعال الحج من الرمي والحلق والطواف فيه وفي شرح الترمذي لشيخنا زين الدين رحمه الله تعالى . واختلف العلماء في يوم الحج الأكبر على أقوال : أحدها : أنه يوم النحر وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعبد الله بن أبي أوفى والشعبي ومجاهد . والقول الثاني : أنه يوم عرفة ويروى ذلك عن عمر وابنه عبد الله بن عمر . والقول الثالث : أنه أيام الحج كلها وقد يعبر عن الزمان باليوم كقولهم يوم بعاث ويوم الجمل ويوم صفين ونحو ذلك وهو قول سفيان الثوري ، وقال مجاهد : الأكبر القران والأصغر الإفراد ، وروى ابن مردويه في تفسيره من رواية الحسن عن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : يوم الحج الأكبر يوم حج أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . زاد في رواية بالناس . قوله : فطفق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول اعلم أن طفق من أفعال المقاربة وهي على ثلاثة أنواع منها ما وضع للدلالة على الشروع في الخبر ، وكلمة طفق من هذا القبيل وهو يعمل عمل كاد إلا أن خبره يجب أن يكون جملة ، وهاهنا قول يقول جملة وقعت خبرا له ، وقال الجوهري : طفق يفعل كذا يطفق طفقا أي جعل يفعل ومنه قوله تعالى وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ قال الأخفش : وبعضهم يقول : طفق بالفتح يطفق طفوقا انتهى . ( قلت ) : الأول من باب علم يعلم ، والثاني من باب ضرب يضرب فافهم ، ووقع في رواية ابن ماجه وغيره بين قوله : يوم الحج الأكبر وبين قوله : فطفق من الزيادة وهي قوله : ودماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة هذا البلد في هذا اليوم . قوله : فودع الناس لأنه علم أنه لا يتفق له بعد هذا وقفة أخرى ولا اجتماع آخر مثل ذلك ، وسبب ذلك ما رواه البيهقي وهو أنه أنزلت إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق ، وعرف أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب فوقف بالعقبة واجتمع الناس إليه فقال : يا أيها الناس إن كل دم كان في الجاهلية . الحديث بطوله ، ورواه ابن أبي شيبة ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي حدثني صدقة بن يسار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : إن هذه السورة نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق بمنى وهو في حجة الوداع : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختمها ، فعرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه الوداع . الحديث بطوله ، وموسى بن عبيدة ضعيف . قوله : فقالوا أي الصحابة : هذه الحجة حجة الوداع ، والوداع بفتح الواو وجاء بكسرها .