144 - بَاب طَوَافِ الْوَدَاعِ 1755 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ يَلْزَمُ بِتَرْكِهِ دَمٌ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَدَاوُدُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ : هُوَ سُنَّةٌ لَا شَيْءَ فِي تَرْكِهِ . انْتَهَى . وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي : الْأَوْسَطِ لِابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِلْأَمْرِ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهِ شَيْءٌ . قَوْلُهُ : ( أُمِرَ النَّاسُ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ خُفِّفَ وَقَدْ رَوَاهُ سُفْيَانُ أَيْضًا عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلِ ، عَنْ طَاوُسٍ فَصَرَّحَ فِيهِ بِالرَّفْعِ وَلَفْظُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخَرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ هُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنْ سُفْيَانَ بِالْإِسْنَادَيْنِ فَرَّقَهُمَا ، فَكَأَنَّ طَاوُسًا حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كُلٍّ مِنَ الرَّاوِيَيْنِ عَنْهُ مَا لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْآخَرِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ لِلْأَمْرِ الْمُؤَكَّدِ بِهِ وَلِلتَّعْبِيرِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ بِالتَّخْفِيفِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالتَّخْفِيفُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ أَمْرٍ مُؤَكَّدٍ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّوَافِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب طَوَافِ الْوَدَاع · ص 684 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب طواف الوداع · ص 94 باب طواف الوداع أي هذا باب في بيان حكم طواف الوداع ، وإنما أضمر الحكم اكتفاء بما في حديث الباب . 335 - حدثنا مسدد قال : حدثنا سفيان ، عن ابن طاوس ، عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : أن يكون آخر عهدهم بالبيت وهو لا يكون إلا بالطواف ، وهو في آخر العهد طواف الوداع . ورجاله تكرر ذكرهم ، وسفيان بن عيينة ، وابن طاوس هو عبد الله بن طاوس . وأخرجه البخاري أيضا عن مسلم بن إبراهيم فعن قريب يأتي ، وأخرجه أيضا في الطهارة عن معلى بن أسد ، وأخرجه مسلم في الحج عن سعيد بن منصور ، وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن سفيان به ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقري ، والحارث بن مسكين كلاهما عن سفيان به ، وعن جعفر بن مسافر مختصرا . قوله : أمر الناس على صيغة المجهول ، وأصل الكلام أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ، ورواه مسلم نحوه عن سفيان عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ، ورواه أيضا عن سليمان الأحول عن طاوس عن ابن عباس قال : كان الناس ينصرفون في كل وجه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ينصرفن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت . قال زهير : ينصرفون كل وجه ، ولم يقل في . وروى مسلم أيضا من رواية الحسن بن مسلم عن طاوس قال : كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت تعني أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت ، فقال له ابن عباس : إما لا فسل فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فرجع زيد إلى ابن عباس يضحك ، وهو يقول : ما أراك إلا قد صدقت ، وفي رواية فسألها زيد ثم رجع ، وهو يضحك ، فقال : الحديث كما حدثتني ، وفي رواية البيهقي أرسل زيد إلى ابن عباس : إني وجدت الذي قلت كما قلت ، فقال ابن عباس : إني لأعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء ، ولكن أحببت أن أقول ما في كتاب الله تعالى ، ثم تلا هذه الآية : ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، فقد قضت التفث ، ووفت النذر ، وطافت بالبيت فما بقي . قوله : إما لا بكسر الهمزة وفتح اللام ، وبالإمالة الخفية ، وهو الصواب المشهور ، قال القاضي : ضبطه الطبري والأصيلي بكسر اللام ، قال : والمعروف في كلام العرب فتحها إلا على لغة من يميل ، وقال ابن الأنباري قولهم : افعل هذا إما لا معناه : افعله إن كنت لا تفعل غيره ، وقال ابن الأثير : أصل هذه الكلمة إن وما فأدغمت النون في الميم ، وما زائدة في اللفظ لا حكم لها ، وقد أمالت العرب لا إمالة خفية ، قال : والعوام يشبعون إمالتها فتصير ألفها ياء ، وهو خطأ ، ومعناه إن لم تفعل هذا فليكن هذا . قوله : بالبيت خبر كان يعني طواف الوداع لا بد أن يكون آخر العهد به . قال النووي : هو واجب يلزم بتركه دم على الصحيح عندنا ، وهو قول أكثر العلماء ، وقال مالك ، وداود ، وابن المنذر : هو سنة لا شيء في تركه ، وقال أصحابنا الحنفية : هو واجب على الآفاقي دون المكي والميقاتي ومن دونهم ، وقال أبو يوسف : أحب إلي أن يطوف المكي لأنه يختم المناسك ، ولا يجب على الحائض والنفساء ، ولا على المعتمر ، لأن وجوبه عرف نصا في الحج فيقتصر عليه ، ولا على فائت الحج لأن الواجب عليه العمرة ، وليس لها طواف الوداع ، وقال مالك : إنما أمر الناس أن يكون آخر نسكهم الطواف لقوله تعالى : ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ، وقال : ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ، فمحل الشعائر كلها وانقضاؤها بالبيت العتيق ، قال : ومن أخر طواف الوداع وخرج ولم يطف إن كان قريبا رجع فطاف ، وإن لم يرجع فلا شيء عليه ، وقال عطاء ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي في أظهر قوليه ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور : إن كان قريبا رجع فطاف ، وإن تباعد مضى وأهراق دما . واختلفوا في حد القرب فروي أن عمر رضي الله عنه رد رجلا من مر الظهران لم يكن ودع ، وبين مر الظهران ومكة ثمانية عشر ميلا ، وعند أبي حنيفة : يرجع ما لم يبلغ المواقيت ، وعند الشافعي : يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وعند الثوري : يرجع ما لم يخرج من الحرم . واختلفوا فيمن ودع ثم بدا له في شراء حوائجه ، فقال عطاء : يعيد حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت ، وبنحوه قال الثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو ثور ، وقال مالك : لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه في السوق ، ولا شيء عليه ، وإن أقام يوما أو نحوه أعاد ، وقال أبو حنيفة : لو ودع ، وأقام شهرا أو أكثر أجزأه ، ولا إعادة عليه .