14 - بَاب الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا 1840 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ : يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ : لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ . فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ . فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ : أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ أَسْأَلُكَ : كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ : اصْبُبْ . فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ . وَقَالَ : هَكَذَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ ) أَيْ : تَرَفُّهًا وَتَنَظُّفًا وَتَطَهُّرًا مِنَ الْجَنَابَةِ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ . وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَشَارَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ ، وَرُوِيَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إِلَّا مِنَ احْتِلَامٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ ) وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْهُ قَالَ : الْمُحْرِمُ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ ، وَيَنْزِعُ ضِرْسَهُ ، وَإِذَا انْكَسَرَ ظُفْرُهُ طَرَحَهُ وَيَقُولُ : أَمِيطُوا عَنْكُمُ الْأَذَى ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِأَذَاكُمْ شَيْئًا . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْبَأُ بِأَوْسَاخِكُمْ شَيْئًا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ كَرَاهَةَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَعَطَاءٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ ، وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأْسًا ) أَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ : رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَحُكُّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، فَفَطِنْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ يَحُكُّ بِأَطْرَافِ أَنَامِلِهِ . وَأَمَّا أَثَرُ عَائِشَةَ فَوَصَلَهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ وَاسْمُهَا مَرْجَانَةُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَسْأَلُ عَنِ الْمُحْرِمِ : أَيَحُكُّ جَسَدَهُ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَلْيُشَدِّدْ . وَقَالَتْ عَائِشةُ : لَوْ رُبِطَتْ يَدَايَ وَلَمْ أَجِدْ إِلَّا أَنْ أَحُكَّ بِرِجْلِي لَحَكَكْتُ ا هـ . وَمُنَاسَبَةُ أَثَرِ ابْنِ عُمَرَ ، وَعَائِشَةَ لِلتَّرْجَمَةِ بِجَامِعِ مَا بَيْنَ الْغُسْلِ وَالْحَكِّ مِنْ إِزَالَةِ الْأَذَى . قَوْلُهُ : ( عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) كَذَا فِي جَمِيعِ الْمُوَطَّآتِ ، وَأَغْرَبَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ فَأَدْخَلَ بَيْنَ زَيْدٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ ، نَافِعًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَذَلِكَ مَعْدُودٌ مِنْ خَطَئِهِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ إِبْرَاهِيمَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ زَيْدٍ أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَإِسْحَاقُ ، وَالْحُمَيْدِيُّ فِي مَسَانِيدِهِمْ عَنْهُ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَحْمَدَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ كَذَا قَالَ : مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ حُنَيْنًا كَانَ مَوْلًى لِلْعَبَّاسِ وَهَبَهُ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَوْلَادُهُ مَوَالٍ لَهُ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ : كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالْمِسْوَرِ . قَوْلُهُ : ( بِالْأَبْوَاءِ ) أَيْ : وَهُمَا نَازِلَانِ بِهَا ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِالْعَرْجِ وَهُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ : قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْأَبْوَاءِ . قَوْلُهُ : ( إِلَى أَبِي أَيُّوبَ ) زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقَالَ : قُلْ لَهُ : يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ ابْنُ أَخِيكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَيَسْأَلُكَ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ ) أَيْ : قَرْنَيِ الْبِئْرِ ، وَكَذَا هُوَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَهُمَا الْعُودَانِ - أَيِ : الْعَمُودَانِ - الْمُنْتَصِبَانِ لِأَجْلِ عُودِ الْبَكَرَةِ . قَوْلُهُ : ( أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ . . . إِلَخْ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ نَصٌّ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَهُ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَوْ غَيْرِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ ، لِأَبِي أَيُّوبَ : يَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ؟ وَلَمْ يَقُلْ : هَلْ كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ أَوْ لَا عَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمِسْوَرِ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ تَصَرَّفَ فِي السُّؤَالِ لِفِطْنَتِهِ ، كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ : سَلْهُ هَلْ يَغْتَسِلُ الْمُحْرِمُ أَوْ لَا ؟ فَجَاءَ فَوَجَدَهُ يَغْتَسِلُ ، فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَغْتَسِلُ ، فَأَحَبَّ أَنْ لَا يَرْجِعَ إِلَّا بِفَائِدَةٍ فَسَأَلَهُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْغُسْلِ ، وَكَأَنَّهُ خَصَّ الرَّأْسَ بِالسُّؤَالِ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّعْرِ الَّذِي يُخْشَى انْتِتَافُهُ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ غَالِبًا . قَوْلُهُ : ( فَطَأْطَأَهُ ) أَيْ : أَزَالَهُ عَنْ رَأْسِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ جَمَعَ ثِيَابَهُ إِلَى صَدْرِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ حَتَّى رَأَيْتُ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ قَوْلُهُ : ( لِإِنْسَانٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، ثُمَّ قَالَ أَيْ : أَبُو أَيُّوبَ هَكَذَا رَأَيْتُهُ - أَيِ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ زَادَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَأَخْبَرْتُهُمَا ، فَقَالَ الْمِسْوَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : لَا أُمَارِيكَ أَبَدًا أَيْ : لَا أُجَادِلُكَ . وَأَصْلُ الْمِرَاءِ اسْتِخْرَاجُ مَا عِنْدَ الْإِنْسَانِ ، يُقَالُ : أَمْرَى فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا اسْتَخْرَجَ مَا عِنْدَهُ . قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ، وَأُطْلِقَ ذَلِكَ فِي الْمُجَادَلَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَجَادِلَيْنِ يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ الْآخَرِ مِنَ الْحُجَّةِ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ مُنَاظَرَةُ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحْكَامِ ، وَرُجُوعُهُمْ إِلَى النُّصُوصِ ، وَقَبُولُهُمْ لِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَوْ كَانَ تَابِعِيًّا ، وَأَنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى بَعْضٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَوْ كَانَ مَعْنَى الِاقْتِدَاءِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ يُرَادُ بِهِ الْفَتْوَى لَمَا احْتَاجَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى دَعْوَاهُ ، بَلْ كَانَ يَقُولُ لِلْمِسْوَرِ : أَنَا نَجْمٌ وَأَنْتَ نَجْمٌ فَبِأَيِّنَا اقْتَدَى مَنْ بَعْدُنَا كَفَاهُ . وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْمُزَنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّهُ فِي النَّقْلِ ؛ لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ عُدُولٌ . وَفِيهِ اعْتِرَافٌ لِلْفَاضِلِ بِفَضْلِهِ ، وَإِنْصَافُ الصَّحَابَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَفِيهِ اسْتِتَارُ الْغَاسِلِ عِنْدَ الْغُسْلِ ، وَالِاسْتِعَانَةُ فِي الطَّهَارَةِ ، وَجَوَازُ الْكَلَامِ وَالسَّلَامِ حَالَةَ الطَّهَارَةِ ، وَجَوَازُ غَسْلِ الْمُحْرِمِ وَتَشْرِيبِهِ شَعْرَهُ بِالْمَاءِ وَدَلْكِهِ بِيَدِهِ إِذَا أَمِنَ تَنَاثُرَهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى وُجُوبِ الدَّلْكِ فِي الْغُسْلِ قَالَ : لِأَنَّ الْغُسْلَ لَوْ كَانَ يَتِمُّ بِدُونِهِ لَكَانَ الْمُحْرِمُ أَحَقَّ بِأَنْ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَخْلِيلَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ فِي الْوُضُوءِ بَاقٍ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ : يُكْرَهُ ، كَالْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ خَشْيَةَ انْتِتَافِ الشَّعْرِ ؛ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ شَعْرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ أَصْلَبُ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى فِي حَقِّ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ ، قَالَهُ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الِاغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ · ص 66 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الاغتسال للمحرم · ص 201 ( باب الاغتسال للمحرم ) . أي : هذا باب في بيان الاغتسال إما لأجل التطهير من الجنابة ، وإما لأجل التنظيف ، قال ابن المنذر : أجمعوا على أن للمحرم أن يغتسل من الجنابة . ( وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - يدخل المحرم الحمام ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهذا تعليق وصله الدارقطني والبيهقي من طريق أيوب ، عن عكرمة عنه قال : " يدخل المحرم الحمام ، وينزع ضرسه ، وإذا انكسر ظفره طرحه ، ويقول : أميطوا عنكم الأذى ، إن الله لا يصنع بأذاكم شيئا " ، وروى البيهقي من وجه آخر ، عن ابن عباس أنه دخل حماما بالجحفة وهو محرم ، وقال : " إن الله لا يعبأ بأوساخكم شيئا " ، وحكى ابن أبي شيبة كراهة ذلك عن الحسن وعطاء . وفي التوضيح : وأجاز الكوفيون ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق للمحرم دخول الحمام ، وقال مالك : إن دخله فتدلك وأنقى الوسخ فعليه الفدية ، وحكي عن سعيد بن عبادة مثل قول مالك ، وكان أشهب ، وابن وهب يتغامسان في الماء وهما محرمان مخالفة لابن القاسم ، وكان ابن القاسم يقول : إن غمس رأسه في الماء أطعم شيئا من طعام ؛ خوفا من قتل الدواب ، ولا تجب الفدية إلا بيقين ، وعن مالك استحبابه ، ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه الماء لحر يجده ، وقال أشهب : لا أكره غمس المحرم رأسه في الماء . ونقل ابن التين أن انغماس المحرم فيه محظور ، وروي عن ابن عمر ، وابن عباس إجازته ، وأما إن غسل رأسه بالخطمي والسدر فإن الفقهاء يكرهونه ، وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأوجب مالك والشافعي عليه الفدية ، وقال الشافعي وأبو ثور : لا شيء عليه ، وقد رخص عطاء ، وطاوس ، ومجاهد لمن لبد رأسه ، فشق عليه الحلق أن يغسل بالخطمي حين يلبي ، وكان ابن عمر يفعل ذلك ، وقال ابن المنذر : وذلك جائز . ( ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسا ) . مطابقته للترجمة من حيث إن في الحك من إزالة الأذى كما في الغسل ، وأثر ابن عمر وصله البيهقي من طريق أبي مجلز ، قال : رأيت ابن عمر يحك رأسه وهو محرم ، ففطنت له ، فإذا هو يحك بأطراف أنامله ، وأثر عائشة وصله مالك ، عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه ، واسمها مرجانة ، سمعت عائشة تسأل عن المحرم أيحك جسده ؟ قالت : نعم ، وليشدد وقالت عائشة : لو ربطت يداي ، ولم أجد إلا أن أحك برجلي لحككت . 415 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين ، عن أبيه ، أن عبد الله بن العباس ، والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء ، فقال عبد الله بن عباس : يغسل المحرم رأسه ، وقال المسور : لا يغسل المحرم رأسه ، فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبي أيوب الأنصاري ، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستر بثوب ، فسلمت عليه ، فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن العباس أسألك كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغسل رأسه وهو محرم ، فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه ، حتى بدا لي رأسه ، ثم قال لإنسان يصب عليه : اصبب ، فصب على رأسه ، ثم حرك رأسه بيديه ، فأقبل بهما وأدبر ، وقال : هكذا رأيته – صلى الله عليه وسلم - يفعل . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وإبراهيم بن عبد الله بن حنين بضم الحاء المهملة ، وفتح النون الأولى ، وسكون الياء آخر الحروف أبو إسحاق مولى العباس بن عبد المطلب المدني ، والمسور : بكسر الميم ، وسكون السين المهملة ، وفتح الواو ، وبالراء ابن مخرمة بفتح الميم والراء وسكون الخاء المعجمة بينهما ابن نوفل القرشي أبو عبد الرحمن الزهري ، له ولأبيه صحبة . قوله : " عن زيد بن أسلم عن إبراهيم " كذا في جميع الموطآت ، وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسي ، فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعا ، قال ابن عبد البر : وذلك معدود من خطئه ، قوله : " عن إبراهيم " ، وفي رواية ابن عيينة : عن زيد أخبرني إبراهيم ، أخرجه أحمد وإسحاق والحميدي في مسانيدهم عنه ، وفي رواية ابن جريج عند أحمد ، عن زيد بن أسلم ، أن إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى ابن عباس أخبره ، كذا قال مولى ابن عباس ، والمشهور أنه مولى للعباس كما ذكرناه . قوله : " أن عبد الله بن عباس " ، وفي رواية ابن جريج عند أبي عوانة : " كنت مع ابن عباس والمسور بن مخرمة " ، والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضا ، عن قتيبة ، عن مالك به ، وعن قتيبة ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وزهير بن حرب أربعتهم عن سفيان بن عيينة ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن علي بن خشرم ، كلاهما عن قيس بن يونس ، عن ابن جريج . وأخرجه أبو داود فيه عن عبد الله بن مسلمة القعنبي ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري ثلاثتهم عن مالك به . قوله : " بالأبواء " بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة موضع قريب من مكة ، وقد ذكر غير مرة ، والباء فيه بمعنى في : أي اختلفا وهما نازلان في الأبواء ، قوله : " إلى أبي أيوب " ، واسمه خالد بن زيد بن كليب الأنصاري ، وفي رواية ابن عيينة بالعرج بفتح العين المهملة وسكون الراء ، وفي آخره جيم ، وهي قرية جامعة قريبة من الأبواء ، قوله : " بين القرنين " : أي بين قرني البئر ، وكذا في رواية ابن عيينة ، والقرنان هما جانبا البناء الذي على رأس البئر ، يوضع خشب البكرة عليهما . قوله : " فقلت : أنا عبد الله " ، وفي رواية ابن جريج : " فقال قل له : يقرأ عليك السلام ابن أخيك عبد الله بن عباس يسألك " ، قوله : " فطأطأه " : أي خفضه وأزاله عن رأسه ، وفي رواية ابن جريج : " حتى رأيت رأسه ووجهه " ، وفي رواية ابن عيينة : " جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه " ، قوله : " وقال " : أي أبو أيوب - رضي الله تعالى عنه - قوله : " هكذا رأيته " : أي هكذا رأيت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يفعل ، وزاد ابن عيينة : " فرجعت إليهما ، فأخبرتهما فقال المسور لابن عباس : لا أماريك أبدا " : أي لا أجادلك . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه مناظرة الصحابة في الأحكام ، ورجوعهم إلى النصوص ، وفيه قبول خبر الواحد ، ولو كان تابعيا ، وقال ابن عبد البر : لو كان معنى الاقتداء في قوله – صلى الله تعالى عليه وسلم - : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " يراد به الفتوى لما احتاج ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما - إلى إقامة البينة على دعواه ، بل كان يقول للمسور : أنا نجم وأنت نجم ، فبأينا اقتدى من بعدنا كفاه ، ولكن معناه كما قال المزني وغيره من أهل النظر أنه في النقل ؛ لأن جميعهم عدول . وفيه اعتراف للفاضل بفضله ، وإنصاف الصحابة بعضهم بعضا ، وفيه أن الصحابة إذا اختلفوا في قضية لم تكن الحجة في قول أحد منهم إلا بدليل يجب التسليم له من كتاب أو سنة كما أتى أبو أيوب بالسنة ، وفيه ستر المغتسل بثوب ونحوه عند الغسل ، وفيه الاستعانة في الطهارة ، وفيه جواز الكلام والسلام حالة الطهارة ، ولكن لا بد من غض البصر عنه . وفيه التناظر في المسائل ، والتحاكم فيها إلى الشيوخ العالمين بها ، وفيه جواز غسل المحرم ، وتشريبه شعره بالماء ، ودلكه بيده إذا أمن تناثره ، واستدل به القرطبي على وجوب الدلك في الغسل ، قال : لأن الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بأن يجوز له تركه . وفيه نظر لا يخفى ، وقد اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه ، فذهب أبو حنيفة ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك وردت الرخصة بذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، وجابر رضي الله تعالى عنهم ، وعليه الجمهور . وحجتهم حديث الباب ، وكان مالك يكره ذلك للمحرم ، وذكر أن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - كان لا يغسل رأسه إلا من الاحتلام .