22 - بَاب الْحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنْ الْمَرْأَةِ 1852 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . حُجِّي عَنْهَا ، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَته ؟ اقْضُوا اللَّهَ ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الْحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنِ الْمَيِّتِ ) كَذَا ثَبَتَ لِلْأَكْثَرِ بِلَفْظِ : الْجَمْعِ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ النَّذْرِ بِالْإِفْرَادِ . قَوْلُهُ : ( وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنِ الْمَرْأَةِ ) يَعْنِي : أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْحُكْمَيْنِ ، وَفِيهِ عَلَى الْحُكْمِ الثَّانِي نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ إِنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَنْ نَذْرٍ كَانَ عَلَى أَبِيهَا فَكَانَ حَقُّ التَّرْجَمَةِ أَنْ يَقُولَ : وَالْمَرْأَةُ تَحُجُّ عَنِ الرَّجُلِ . وَأَجَابَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَاطَبَ الْمَرْأَةَ بِخِطَابٍ دَخَلَ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : اقْضُوا اللَّهَ قَالَ : وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ حَجِّ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي جَوَازِ حَجِّ الرَّجُلِ عَنِ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ إِلَّا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ . انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا : أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ : فَاقْضِ اللَّهَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النُّذُورِ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ . قَوْلُهُ : ( إنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهَا وَلَا عَلَى اسْمِ أَبِيهَا ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ غَايِثَةَ أَوْ غَاثِيَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ : اقْضِ عَنْهَا . أَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي حَرْفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ ، وَتَرَدَّدَ هَلْ هِيَ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى الْمُثَلَّثَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَجَزَمَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي الْمُبْهَمَاتِ بِأَنَّهُ اسْمُ الْجُهَنِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ . وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ الْهُذَلِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَمَرَتِ امْرَأَةُ سِنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ أَنْ يُسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أُمِّهَا تُوُفِّيَتْ وَلَمْ تَحُجَّ الْحَدِيثُ لَفْظُ أَحْمَدَ ، وَوَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ سِنَانَ بْنَ سَلَمَةَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَهَذَا لَا يُفَسَّرُ بِهِ الْمُبْهَمُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْمَرْأَةَ سَأَلَتْ بِنَفْسِهَا ، وَفِي هَذَا أَنَّ زَوْجَهَا سَأَلَ لَهَا ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ نِسْبَةُ السُّؤَالِ إِلَيْهَا مَجَازِيَّةً ، وَإِنَّمَا الَّذِي تَوَلَّى لَهَا السُّؤَالَ زَوْجُهَا ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ الْحَجَّةَ الْمَسْئُولَ عَنْهَا كَانَتْ نَذْرًا ، وَأَمَّا مَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ سِنَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ ، أَنَّ عَمَّتَهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا أَتَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ : إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ وَعَلَيْهَا مَشْيٌ إِلَى الْكَعْبَةِ نَذْرًا ، الْحَدِيثَ . فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا حُمِلَ عَلَى وَاقِعَتَيْنِ بِأَنْ تَكُونَ امْرَأَتُهُ سَأَلَتْ عَلَى لِسَانِهِ عَنْ حَجَّةِ أُمِّهَا الْمَفْرُوضَةِ ، وَبِأَنْ تَكُونَ عَمَّتُهُ سَأَلَتْ بِنَفْسِهَا عَنْ حَجَّةِ أُمِّهَا الْمَنْذُورَةِ ، وَيُفَسَّرُ مَنْ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهَا عَمَّةُ سِنَانٍ وَاسْمُهَا غَايِثَةُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَمْ تُسَمَّ الْمَرْأَةُ وَلَا الْعَمَّةُ وَلَا أُمُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ ) كَذَا رَوَاهُ أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْهُ ، وَسَيَأْتِي فِي النُّذُورِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ بِلَفْظِ : أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَأَنَّهَا مَاتَتْ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنَ الْأَخِ سَأَلَ عَنْ أُخْتِهِ ، وَالْبِنْتِ سَأَلَتْ عَنْ أُمِّهَا ، وَسَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بِلَفْظِ : قَالَتِ امْرَأَةٌ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِيهِ هُنَاكَ . وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ أَنَّهُ اضْطِرَابٌ يُعَلُّ بِهِ الْحَدِيثُ ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ سَأَلَتْ عَنْ كُلٍّ مِنَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ بُرَيْدَةَ : أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَأَنَّهَا مَاتَتْ ، قَالَ : وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ . قَالَتْ : إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ صُومِي عَنْهَا . قَالَتْ : إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ : حُجِّي عَنْهَا وَلِلسُّؤَالِ عَنْ قِصَّةِ الْحَجِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ ، وَالطَّبَرَانِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ نَذْرِ الْحَجِّ مِمَّنْ لَمْ يَحُجَّ فَإِذَا حَجَّ أَجْزَأَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ عَنِ النَّذْرِ ، وَقِيلَ : يُجْزِئُ عَنِ النَّذْرِ ثُمَّ يَحُجُّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ ، وَقِيلَ : يُجْزِئُ عَنْهُمَا . قَوْلُهُ : ( قَالَ : نَعَمْ ، حُجِّي عَنْهَا ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ : أَفَيُجْزِئُ عَنْهَا أَنْ أَحُجَّ عَنْهَا؟ قَالَ : نَعَمْ . قَوْلُهُ : ( أَرَأَيْتَ . . . إِلَخْ ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِيَاسِ وَضَرْبُ الْمَثَلِ لِيَكُونَ أَوْضَحَ وَأَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ ، وَأَقْرَبَ إِلَى سُرْعَةِ فَهْمِهِ ، وَفِيهِ تَشْبِيهُ مَا اخْتُلِفَ فِيهِ وَأَشْكَلَ بِمَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ . وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُفْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى وَجْهِ الدَّلِيلِ إِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَى ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ وَهُوَ أَطْيَبُ لِنَفْسِ الْمُسْتَفْتِي وَأَدْعَى لِإِذْعَانِهِ . وَفِيهِ أَنَّ وَفَاءَ الدَّيْنِ الْمَالِيِّ عَنِ الْمَيِّتِ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ مُقَرَّرًا ، وَلِهَذَا حَسُنَ الْإِلْحَاقُ بِهِ . وَفِيهِ إِجْزَاءُ الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ : فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ ، وَنَحْوُهُ عَنْ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ ، وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا إِنْ أَوْصَى بِذَلِكَ فَلْيَحُجَّ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ . قَوْلُهُ : ( أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِيرٍ يَعُودُ عَلَى الدَّيْنِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ قَاضِيَةً بِوَزْنِ فَاعِلَةٍ عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ . وَفِيهِ أَنَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يُجَهِّزَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ ، كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ قَضَاءَ دُيُونِهِ ، فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دَيْنَ الْآدَمِيِّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فَكَذَلِكَ مَا شُبِّهَ بِهِ فِي الْقَضَاءِ ، وَيَلْتَحِقُ بِالْحَجِّ كُلُّ حَقٍّ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَفِي قَوْلِهِ : فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى دَيْنِ الْآدَمِيِّ ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ ، وَقِيلَ : بِالْعَكْسِ ، وَقِيلَ : هُمَا سَوَاءٌ . قَالَ الطِّيبِيُّ : فِي الْحَدِيثِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ خَلَّفَ مَالًا ، فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ حَقَّ اللَّهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْعِبَادِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَجَّ عَنْهُ وَالْجَامِعُ عِلَّةُ الْمَالِيَّةِ . قُلْتُ : وَلَمْ يَتَحَتَّمْ فِي الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ خَلَّفَ مَالًا كَمَا زَعَمَ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِمَّا خَلَّفَهُ أَوْ تَبَرُّعًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنْ الْمَرْأَةِ · ص 77 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الحج والنذور عن الميت والرجل يحج عن المرأة · ص 212 ( باب الحج والنذور عن الميت ، والرجل يحج عن المرأة ) أي : هذا باب في بيان حكم الحج عن الميت ، وفي بيان حكم النذر عن الميت ، قوله : " والنذور " كذا هو بلفظ الجمع في رواية الأكثرين ، وفي رواية النسفي والمنذر بلفظ الإفراد ، قوله : " والرجل " بالجر عطف على المجرور فيما قبله : أي في بيان حكم الرجل يحج عن المرأة ، والترجمة مشتملة على حكمين . 426 - حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها ؟ قال : نعم ، حجي عنها أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية ؟ اقضوا الله ، فالله أحق بالوفاء . مطابقته للترجمة في قولها : " إن أمي نذرت " إلى آخره ، وفيه حج عن نذر الميت ، وهو مطابق للجزء الأول من الترجمة ، وقال بعضهم في قوله : " والرجل يحج عن المرأة " نظر ؛ لأن لفظ الحديث أن امرأة سألت عن نذر كان على أبيها ، فكان حق الترجمة أن يقول : والمرأة تحج عن الرجل ، ثم قال : وأجاب ابن بطال بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاطب المرأة بخطاب دخل فيه الرجال والنساء ، وهو قوله : " اقضوا الله " ثم قال هذا القائل : والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى رواية شعبة ، عن أبي بشر في هذا الحديث ، فإنه قال فيه : " أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أختي نذرت أن تحج " الحديث ، وفيه : " فأقضي الله فهو أحق بالقضاء " ، وقال الكرماني : الترجمة في حج الرجل عن المرأة ، وهذا هو حج المرأة عن المرأة . ( قلت ) : يلزم منه الترجمة بالطريق الأولى ، وفي بعض التراجم المرأة تحج عن المرأة . ( قلت ) : في كل هذا نظر : أما جواب ابن بطال فكاد أن يكون باطلا ؛ لأن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - هنا ليس للمراد خاصة ، وإنما هو خطاب لمن كان حاضرا هناك ، ودخول المرأة في الخطاب لا يقتضي المطابقة بين الحديث والترجمة ، وأما جواب هذا القائل فأبعد من الأول ؛ لأن الترجمة في باب لا يقال بينها وبين حديث مذكور في باب آخر : إنه مطابق لهذه الترجمة ، فالأصل أن تكون المطابقة بين ترجمة وحديث مذكورين في باب واحد . وأما جواب الكرماني ففيه دعوى الأولوية بطريق الملازمة فيحتاج إلى بيان بدليل صحيح مطابق ، والوجه ما ذكرناه ، فإن قالوا : يلزم من ذلك تعطيل الجزء الأول من الترجمة عن ذكر الحديث . ( قلت ) : فعلى ما ذكروا يلزم تعطيل الجزء الثاني . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وأبو عوانة بفتح العين الوضاح اليشكري ، وأبو بشر جعفر بن إياس ، وقد مر عن قريب . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن مسدد ، وفي النذور عن آدم ، عن شعبة ، وأخرجه النسائي أيضا في الحج ، عن بندار ، عن غندر . ( ذكر معناه ) قوله : " إن امرأة من جهينة " بضم الجيم وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف وفتح النون اسم قبيلة في قضاعة ، وجهينة بن زيد بن ليث بن أسود بن أسلم بضم اللام ابن إلحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير في اليمن ، ولم يدر اسم المرأة ، ولكن روى ابن وهب ، عن عثمان بن عطاء الخراساني ، عن أبيه ، أن غاثية أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة ، فقال : " اقضي عنها " ، أخرجه ابن منده في حرف الغين المعجمة من الصحابيات ، وجزم ابن طاهر في المبهمات بأنه اسم لجهينة المذكورة في حديث الباب ، وقال الذهبي في حرف الغين المعجمة : غايثة ، وقيل : غاثية ، سألت عن نذر أمها . أرسله عطاء الخراساني ولا يثبت ، وغاثية بالثاء المثلثة بعد الألف ، وبعدها الياء آخر الحروف ، وقيل بتقديم الياء آخر الحروف على الثاء المثلثة . وروى النسائي : أخبرنا عمران بن موسى بصري قال : حدثنا عبد الوارث ، وهو ابن سعيد قال : حدثنا أبو التياح ، واسمه يزيد بن حميد بصري قال : حدثني موسى بن سلمة الهزلي ، أن ابن عباس قال : " أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن يسأل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن أمها ماتت ولم تحج ، أفيجزي عن أمها أن تحج عنها ؟ قال : نعم ، لو كان على أمها دين فقضته عنها لم يكن يجزئ عنها ، فلتحج عن أمها " . أخبرني عثمان بن عبد الله بن خورزاد أنطاكي ، قال : حدثنا علي بن حكيم الأزدري قال : حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب السختياني ، عن الزهري ، عن سليمان بن يسار ، " عن ابن عباس أن امرأة سألت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن أبيها مات ولم يحج ، فقال : حجي عن أبيك " . أخبرنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا سفيان وهو ابن عيينة ، عن الزهري ، عن سليمان بن يسار ، " عن ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غداة جمع فقالت : يا رسول الله ، فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستمسك على الرحل أحج عنه ؟ قال : نعم " . ( فإن قلت ) : هل يصلح أن يفسر بما رواه النسائي من هذه الأحاديث المبهم الذي في حديث الباب ؟ . ( قلت ) : لا يصلح ؛ لأن في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها ، وفي حديث النسائي من طريق عمران بن موسى أن غيرها سأل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من جهتها ، وأما السؤال في الحديثين الآخرين فعن مطلق الحج ، وليس فيهما التصريح بأن الحجة المسئول عنها كانت نذرا . ( فإن قلت ) : روى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب ، عن أبيه ، " عن ابن عباس ، عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فقالت : إن أمي توفيت وعليها مشي إلى الكعبة نذرا " ... الحديث . ( قلت ) : إن صح هذا فيحمل على واقعتين بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة ، وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة ، وتفسر من في حديث الباب بأنها عمة سنان ، واسمها غاثية كما ذكرنا . قوله : " إن أمي نذرت أن تحج " هكذا وقع في هذا الباب بالطريق المذكور ، ووقع في النذور من طريق شعبة ، عن أبي بشر بلفظ : " أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : إن أختي نذرت أن تحج وأنها ماتت " ... الحديث ، فيحمل على أن يكون كل من الأخ سأل عن أخته ، والبنت سألت عن أمها ، قيل : إن هذا اضطراب يعلل به الحديث ، ورد بأنه محمول على أن المرأة سألت عن كل من الصوم والحج . قوله : " أفأحج عنها " الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار ، قوله : " قال : نعم " أي قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : نعم ، حجي عنها : أي عن الأم ، قوله : " أرأيت " بكسر التاء : أي أخبريني ، قوله : " قاضية " على وزن فاعلة وهو رواية الكشميهني ، ويروى " قاضيته " بالضمير في آخره : أي قاضية الدين ، وهو رواية الأكثرين ، قوله : " اقضوا الله " : أي اقضوا حق الله ، فالله أحق بوفاء حقه من غيره . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز حج المرأة عن أمها لأجل الحجة التي عليها بطريق النذر ، وكذا يجوز حج الرجل عن المرأة ، والعكس أيضا ، ولا خلاف فيه إلا للحسن بن صالح فإنه قال : لا يجوز ، وعبارة ابن التين الكراهة فقط ، وهو غفلة ، وخروج عن ظاهر السنة ، كما قال ابن المنذر ؛ لأنه – صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تحج عن أمها ، وهو عمدة من أجاز الحج عن غيره ، وقالت طائفة : لا يحج أحد عن أحد ، روي هذا عن ابن عمر ، والقاسم ، والنخعي ، وقال مالك والليث : لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت ، لم يحج حجة الإسلام ، ولا ينوب عن فرضه ، فإن أوصى الميت بذلك فعند مالك وأبي حنيفة يخرج من ثلثه ، وهو قول النخعي . وعند الشافعي من رأس ماله ، وفي التوضيح : وفيه أن الحجة الواجبة من رأس المال كالدين ، وإن لم يوص وهو قول ابن عباس ، وأبي هريرة ، وعطاء ، وطاوس ، وابن سيرين ، ومكحول ، وسعيد بن المسيب ، والأوزاعي ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وأبي ثور . ( قلت ) : مذهب أبي حنيفة ليس كذلك ، بل مذهبه أن من مات وعليه حجة الإسلام لم يلزم الورثة ، سواء أوصى بأن يحج عنه أو لا ، خلافا للشافعي . فإن أوصى بأن يحج عنه مطلقا يحج عنه من ثلث ماله ، فإن بلغ من بلده يجب ذلك ، وإن لم يبلغ أن يحج من بلده ، فالقياس أن تبطل الوصية ، وفي الاستحسان يحج عنه من حيث بلغ ، وإن لم يمكن أن يحج عنه بثلث ماله من مكان بطلت الوصية ، ويورث عنه . وفيه مشروعية القياس ، وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع ، وأقرب إلى سرعة فهمه . وفيه تشبيه ما اختلف فيه ، وأشكل بما اتفق عليه ، وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتب على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه . وفيه أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلوما عندهم مقررا ، ولهذا حسن الإلحاق به ، وفيه ما احتج به الشافعية على أن من مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحج عنه من رأس ماله ، كما أن عليه قضاء ديونه وقالوا : ألا ترى أنه – صلى الله عليه وسلم - شبه الحج بالدين وهو مقضي ، وإن لم يوص ، ولم يشترط في إجازته ذلك شيئا ، وكذلك تشبيهه له بالدين يدل على أن ذلك عليه من جميع ماله دون ثلث ماله كسائر الديون ، قلنا : لا نسلم ذلك ؛ لأن الميت ليس له حق إلا في ثلث ماله ، ودين العباد أقوى لأجل أن له مطالبا ، بخلاف دين الله تعالى ، فلا يعتبر إلا من الثلث ؛ لعدم المنازع فيه . وقال الطيبي : في الحديث إشعار بأن المسئول عنه خلف مالا ، فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن حق الله مقدم على حق العباد ، واجب عليه الحج عنه ، والجامع علة المالية ، واعترض بأنا لا نسلم ذلك ؛ لأنه لا يستلزم قوله : " أكنت قاضية " أن يكون ذلك مما خلفه ، ويجوز أن يكون تبرعا ، والله أعلم بحقيقة الحال .